بينما كنتُ عاجزة عن الرد، وضع إيان علبة الملح في يدي، ثم وجّه نظره نحو القِدْر ليحثني على البدء.
" آنسة فيفي، أنا جائع."
كان ريموند يسند ذقنه على يده، ويراقبنا باستمتاع وكأنه يشاهد عرضاً مسلياً. أطلقتُ ضحكة ساخرة من شدة ذهولي، ثم صببتُ الملح في القِدْر بهدوء.
" يا إلهي، آنستنا فيفي جريئة للغاية."
قهقه ريموند وهو يواصل السخرية مني. حركتُ الحساء بالمغرفة بشكل عشوائي، ثم غرفتُ ملعقة منه بنيّة تذوقه ومغادرة المطبخ بسرعة .
" …… "
… مهلاً، هناك خطأ ما.
تصلب وجهي لبرهة، وألقيتُ نظرة خاطفة على علبة الملح الذي في يدي.
من المفترض أنه ملح … بكل تأكيد، لكن الحساء كان لا يزال بلا طعم على الإطلاق.
نظرتُ خلسة إلى إيان، لكنه بدا وكأنه يترك الأمر لي بالكامل. تحت نظراته، صببتُ المزيد من الملح في القِدْر. ورغم أنني تذوقته مجدداً، لم أشعر بأي مذاق.
عندها فقط أدركتُ أن هناك خطباً ما، فسكبتُ القليل من الملح على ظهر يدي وتذوقته مباشرة .
" …… "
آه، يبدو أنني أنا من فقد القدرة على التذوق الآن .
بدأ إيان، الذي كان يراقبني بصمت، بتحريك الحساء بالمغرفة، ثم غرف ملعقة منه بحذر و وضعها في فمه .
بينما كنتُ أراقبه بترقب، نطق بهدوء: " إنه جيد."
"...... جيد؟"
سألتُه دون وعي. ومع ذلك، اكتفى إيان بالإيماء برأسه وكأنه يطمئنني ألا أقلق .
" …… "
ساورتني الشكوك للحظة تجاه كلامه، لكن بما أنه لم يملك سبباً معيناً للكذب عليّ، قررتُ الصمت .
وضعتُ علبة الملح جانباً وغادرتُ المطبخ بهدوء، ولوّح لي ريموند بيده بخفة قائلاً: " احرصي على علاج جرح يدكِ."
.... ومنذ متى صار يهتم لأمري هكذا ؟
انقبض وجهي بشدة إثر كلماته، وأسرعتُ بالخروج من المطبخ .
بعد خروجي من المطبخ، لم يكن لدي مكان محدد أذهب إليه. لم أستطع تذكر كيف كنتُ أقضي وقتي في هذا القصر طوال تلك الفترة.
وبما أن التجول بلا هدف في أرجاء القصر بدا أمراً مريباً، ذهبتُ وجلستُ في غرفة المعيشة.
كنتُ قلقة قليلاً من أن أبدو مشبوهة، لكنني لم أستطع البقاء حبيسة غرفتي فحسب. لحسن الحظ، لم يمر وقت طويل على جلوسي حتى سمعتُ صوتاً مألوفاً من خلفي .
" آنسة فيفيان."
كان صوت لوكاس. بدا وكأنه لم ينم جيداً ليلة أمس، إذ كانت الهالات السوداء واضحة تحت عينيه.
وعلى الرغم من أنه حاول رسم ابتسامة، إلا أنها لم تكن كافية لإخفاء ملامح التعب والإرهاق.
سألتُه بحذر: " ألم تتمكن من النوم ؟ "
" آه، هل يبدو عليَّ ذلك ؟ "
حكّ لوكاس خده بحرج وتعابير وجهه يملؤها الارتباك.
رسمتُ ابتسامة باهتة مجاراةً له، فراقبني لوكاس خلسة قبل أن يتخذ مكانه بجانبي. ظل يرمق التلفاز بنظراته، وعيناه القلقتان تتحركان بارتباك وكأنه لا يعلم أين يوجه نظره.
لم يبدُ أن لوكاس يتعمد إثارة قلقي، لكن حركاته كانت غير مستقرة بشكل مريب، مما جعلني أشد قبضتي على ركبتيَّ بتوتر وتصلب وجهي دون وعي.
بدا لوكاس وكأنه يفكر ملياً فيما يجب أن يقوله؛ أو لعلّه كان يبحث عن موضوع للحديث لا يجعل تواجده معي الآن يبدو مثيراً للشبهات.
بعد فترة من التردد وأنين خفيض ينم عن حيرته، نطق بحذر: " بالمناسبة … عن ماذا تحدثتِ مع آرييل بالأمس ؟ "
جعلني سؤال لوكاس أسترجع حوار الأمس مع آرييل، لكن سرعان ما تذكرت وجهها المحتار، فمسحتُ تلك الأفكار من مخيلتي .
".... قالت إنني وأنت نتشابه."
"...... ماذا ؟ "
اتسعت عينا لوكاس وكأنه يسمع هذا الكلام لأول مرة، ثم سألني بصوت متعثر: " آرييل … قالت شيئاً كهذا ؟ "
أومأتُ برأسي في صمت. بدا أن كلمات آرييل قد سببت له صدمة، إذ ارتسمت على وجهه ملامح التأثر.
راقبتُ رد فعله خلسة وسألتُه بهدوء: ".... هل يزعجك الأمر إلى هذا الحد؟"
انتفض لوكاس من مكانه نافياً بيده بسرعة: " مستحيل ! بل هو شرف لي بالطبع ! "
" …… "
" لكنني مندهش فحسب لأن آرييل هي من قالت ذلك."
كان صوته مشوباً بالارتباك وكأنه لا يزال غير مصدق لما يسمع. تفحصتُ المحيط حولي ثم سألتُه بجدية: " بعيداً عن هذا، لدي شيء أود سؤالك عنه."
خفضتُ نبرة صوتي لأقصى حد وتابعت: " لوكاس … أنت تعرف الكثير عن الآنسة هانا، أليس كذلك ؟ "
أجابني لوكاس بابتسامة محرجة وصوت منخفض: " أنا أيضاً لا أعرف الكثير عنها."
"...... هل لديها طفل؟"
تصلب وجه لوكاس تماماً في تلك اللحظة. حاول استجماع شتات ملامحه وإخفاء رد فعله، لكنه أدرك أن محاولته ذهبت سدى، فأدار رأسه بعيداً.
...... إذاً، لوكاس يعرف الحقيقة.
امتلأت عيناه بالتخبط والارتباك. واصلتُ مراقبته بصمت وسألتُه بهدوء: " هل ذلك الشخص … موجود بيننا الآن ؟ "
" آه، لا … أنا … لا أعرف."
" …… "
" هذه … هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها هذا الحديث منكِ يا آنسة فيفيان."
هز لوكاس رأسه نافياً بارتباك شديد، ومع ذلك ظل مشيحاً بوجهه بعيداً وكأنه لا ينوي التقاء عينيَّ أبداً، لكنني ألححتُ عليه بالسؤال بوقاحة: " بما أنك أجبت بالنفي قبل قليل، فهل يعني هذا أن ذلك الشخص ليس واحداً منا ؟ "
التفت إليَّ لوكاس بوجه يملؤه الرعب من استنتاجي. ضيقتُ عينيَّ وأنا أواجه بؤبؤ عينيه المتسع. وتملكني قلق غريب ومبالغ فيه.
فوجود ابن لهانا بيننا كان مشكلة بحد ذاته، لكن عدم وجوده كان يمثل مشكلة أكبر وأكثر غموضاً.
كان عدد الأشخاص الذين أعرفهم من غيرنا قليلاً لدرجة أنني أستطيع عدّهم على أصابع اليد الواحدة .
هل يعقل أن يكون بين هؤلاء ابنٌ لهانا، ذاك الذي يُعد دليلاً على خيانتها ؟
أخذتُ أستعرض الوجوه في عقلي بسرعة؛ فمن المفترض أن يشبه الابن والديه على الأقل، ولكن … مهما فكرت، لم يكن هناك من يشبهها.
" أنا … لا أعرف حقاً."
أجاب لوكاس بصوتٍ بدا وكأنه على وشك الانفجار بالبكاء.
"أخبرني بهذا فقط؛ هل هذا الشخص داخل القصر أم لا؟"
لكن لوكاس اكتفى بهز رأسه نافياً، وعيناه تائهتان وتتحركان باضطراب.
كان هناك كيڤن الذي استطاع استثارة عواطفها، لكن تاريخ ميلاده لم يكن متوافقاً، ففي الصورة، كانت هانا تبدو أصغر مني سناً.
هذا يعني أنها أنجبت الطفل قبل ثلاثين عاماً على الأقل … وإذا كبر ذاك الطفل، فلا بد أنه الآن في الثلاثينيات من عمره. والوحيدة بيننا التي تقترب من هذا العمر كانت صوفيا .
إذاً، هل صوفيا هي ابنة هانا ؟
نظرتُ إلى لوكاس بعينين يملؤهما التشتت، كان يحدق في الفراغ وكأنه نسي كيف يتنفس.
شعرتُ بضيق في صدري وكأنني أختنق. لم يكن هناك أي مبرر يجعل لوكاس يضع مثل هذا التعبير على وجهه في وضع كهذا.
لم أعلم أي كلمات عليَّ أن أنطق بها، فعضضتُ على شفتيَّ بقوة، وفجأة تذكرتُ ما قاله لوكاس لي في الكوخ: <الأشياء التي عانيت منها بسبب جينكينز … >
<……>
<أرجوكِ، تذكري ذلك فقط.>
لا أعلم لِمَ خطرت تلك الكلمات في ذهني الآن.
هل لأن صوت لوكاس الآن يشبه تماماً صوته الذي سمعتُه في الكوخ …؟
وضعتُ يدي الشاحبة على فمي من شدة الذهول. في الحقيقة، كان هناك شخص آخر أعرفه يماثل صوفيا في العمر.
… ديريك جينكينز.
وفي تلك اللحظة، بدأ عقلي يضج بصوت تحطم عنيف.
العلامة الحمراء التي كانت تغطي وجه ديريك الذي قابلتُه في الكوخ بدأت تتلاشى تدريجياً.
وصوت ديريك الذي حاولتُ جاهدة نسيانه صار يتردد بوضوح في أذني: <أليس هذا تكفيراً كاملاً عن الذنب؟>
كانت عيناه الملونتان كدرتين، لكن وجهه الذي كان يبتسم لفيفيان كان مشرقاً. وشعره الطويل، مثل شعر هانا، كان بلون رمادي داكن معتم .
تراكب وجه هانا المبتسم في الصورة مع وجه ديريك أمام عيني. لم أستطع تمييز لون شعر هانا لأن الصورة كانت بالأبيض والأسود، ومع ذلك، شعرتُ أنني أدركتُ أخيراً لماذا تخلت عن شعرها الطويل واختارت قصة الشعر القصيرة تلك.
" هاهاها......"
أفلتت مني ضحكة ساخرة رغماً عني. ظل لوكاس عاجزاً عن الكلام، يحدق في الفراغ بوجهٍ شاحب كالموتى.
إذا كان ديريك هو ابن هانا حقًا … إذاً أنت يا لوكاس ……
< … ومن أجل ذلك، تلقيتُ المساعدة من شخص آخر، فلم يكن بوسعي كطالب أن أفعل شيئاً سوى اصطحابكِ إلى المستشفى.>
حينها فقط، أدركتُ حقيقة واحدة.
أن الشخص الذي أراد لوكاس الانتقام منه حقاً لم يكن ديريك … بل كانت هانا.
ويا لحماقتي، لقد أدركتُ ذلك بعد فوات الأوان.
****************************
الفصل : ١١٧
اليوم السادس عشر _ 1/11 (5)
اختلطت الأفكار في رأسي ولم أعد أعلم أي كلمات عليَّ أن أوجهها للوكاس. لقد فات الأوان للتراجع عن سؤالي، رغم ندمي المتأخر على نبش أمرٍ كهذا .
لكن في تلك اللحظة، بدأ ضجيجٌ يتصاعد من جهة المطبخ. استعاد لوكاس رشده هو الآخر والتفت نحو مصدر الصوت، ثم نطق بنبرة مرتبكة: ".... يبدو أن هناك خطباً ما؟"
نهضتُ بحذر واتجهتُ نحو المطبخ، وتبعني لوكاس في صمت.
كان صوت آرييل المذعور يتردد في الأرجاء: "هل كنتَ تأكل شيئاً كهذا حقاً؟"
لمحتُ عفوياً الطبقين الفارغين الموضوعين على المائدة. سألتُ آرييل دون وعي: "هل هناك مشكلة … ؟ "
ما إن بدأتُ بالكلام حتى لوحت لي آرييل بيدها بلهفة لتستدعيني: " انظري، كان الكاهن يتناول حساءً عبارة عن كتلة من الملح ! "
" …… "
" أنا متأكدة أنه كان يتعرض لتهديد من شخص ما ليأكل هذا."
أجاب إيان بهدوء، بينما كانت آرييل تسارع لصب الماء في الحساء لمحاولة إنقاذه: " لقد كنتُ بخير."
" أعلم أنك تقدّر الطعام أيها الكاهن، لكن هذا ليس طعاماً ! "
دوّى صوت آرييل الحازم في أرجاء المطبخ.
...... هل كان الأمر بهذا السوء حقًا ؟
بينما كنتُ أدحرج عينيَّ بتوتر، تابعت آرييل مؤكدة بحدة: " هذا يسمى تعذيباً ! "
لم يُجب إيان على كلماتها، وبدأ بجمع الأطباق عن المائدة لتنظيفها .
" …… "
وفجأة، اتسعت عيناه قليلاً حين رآني أدخل المطبخ. لمحتُ وميضاً من الارتباك يمر بمحيّاه، لكنه سرعان ما أشاح بنظره عني .
.... لكنه قال لي بوضوح إن مذاق الحساء جيد ؟
سألتُ آرييل بحذر: " هل كان المذاق … سيئاً لهذه الدرجة ؟ "
" أجل، ظننتُ للحظة أنهما يخضعان لتدريبٍ قسري على التحمل."
قالت آرييل ذلك وهي تخرج التوابل من الخزانة لتعيد ضبط مذاق الحساء .
آه … ليتني لم أدخل إلى هنا.
رغم أنني لم أكن أكنّ أي مشاعر طيبة تجاه إيان، إلا أن رؤية الأمور تصل إلى هذا الحد جعلتني أشعر بضيق شديد في صدري .
وقفتُ مكاني لا أعلم ماذا أفعل، وفي النهاية، أخرجتُ زجاجة ماء من الثلاجة واقتربتُ من إيان الواقف قرب حوض الغسيل، ثم مددتُها نحوه .
" …… "
واصلتُ كلامي دون أن ألتقي بعينيه: " اشرب بعض الماء على الأقل."
" أنا......"
فتح إيان فمه وكأنه يريد الاعتراض، لكنه صمت فوراً حين رأى وجهي ينقبض بغضب. ومع ذلك، لم يبدُ عليه أنه ينوي أخذ الزجاجة. انتهى بي الأمر بوضع الزجاجة فوق طاولة الرخام بجانب الحوض، ثم غادرت المطبخ مسرعة.
حتى بعد أن قدمتُ له الماء، ظل ذاك الشعور المزعج جاثماً على صدري، بل ربما صار أثقل.
...... لا، لماذا أكل كل ذلك بحماقة ؟
لو كان الحساء مالحاً، لكان بإمكانه إخباري بصدق وانتهى الأمر .
هل جعلتُه يشعر بعدم الارتياح لدرجة تمنعه من قول الحقيقة ؟
خطر لي هذا التساؤل، لكنه بدا لي مثيراً للسخرية. صحيح أنني فكرتُ يوماً في ضربه على مؤخرة رأسه، لكنني لم أتمنَّ قط أن يوضع في موقف كهذا .
بل على العكس، كل ما خلفه هذا الموقف في نفسي هو شعور عارم بالاستياء والضيق .
في تلك اللحظة، خيّم عليّ ظلٌّ فجأة. رفعتُ رأسي بجفلة لا إرادية، فارتسم على وجه ريموند تعابير محتارة من رد فعلي المذعور.
"..... وجهكِ يبدو كمن رأى شبحاً."
بدا عليّ الحرج. بالتفكير في الأمر، ريموند أيضاً لم ينبس ببنت شفة، تماماً مثل إيان.
.... ولكن لماذا التزم الصمت ؟
إيان قد يكون له عذره، لكن ريموند الذي أعرفه كان ليتهكم عليّ بالتأكيد؛ كأن يقول "هل تكرهينني إلى هذا الحد؟" أو "إن كنتِ تريدين الانتقام مني، ألم يكن من الأفضل استخدام وسيلة أخرى؟".
بينما كنتُ أحدق فيه بتمعن، أمال ريموند رأسه محتارًا من نظراتي.
"...... لا شيء."
أومأتُ له برأسي وتابعتُ سيري نحو الممر الغربي، لكنني توقفتُ فجأة أمام غرفة جاك، بعد أن تبادر إلى ذهني الكلمات التي قالتها آرييل بالأمس.
وفي اللحظة التي أدرتُ فيها مقبض الباب بحذر .
"...... سيد ماكس؟"
تملكني الذهول لرؤية شخص غير متوقع في غرفة جاك. تحولت نظرات ماكس، الذي كان يتفحص الغرفة ببطء، نحوي .
" ما الذي أتى بكِ إلى هنا ؟ "
".... وماذا عنك أنت يا سيد ماكس ؟ "
يبدو أن عدم إعطائي له الإجابة التي يريدها لم يعجبه، إذ قطب ما بين حاجبيه بشكل طفيف. وجهتُ نظري نحو المكتب الموجود خلفه.
" …… "
لم يكن للمفتاح الذي ذكرته آرييل أي أثر.
تساءلتُ إن كانت قد أخذته هي، وفي وسط تفكيري نطق ماكس: " لقد قلتِ بالأمس إنكِ ستأتين إليّ … لكنني لم أتوقع أن نلتقي في غرفة شخص آخر."
أطلق ماكس ضحكة ساخرة من نفسه، فأجبته بهدوء: " كنتُ أنوي الذهاب إليك على أية حال."
"بالنظر إلى تعابير وجهكِ، لا يبدو الأمر كذلك."
اختفت الابتسامة عن وجه ماكس وكأنه يطالبني بالكف عن الكذب. ولأنه لم يكن لدي ما أقوله له، تقدمتُ بخطوات حذرة داخل الغرفة.
كان السرير الذي استلقى عليه جاك نظيفاً تماماً؛ لم يبدُ وكأن أحداً كان يعيش هنا من الأساس.
كانت الغرفة نظيفة بشكل مبالغ فيه. وبما أنه لا يوجد أحد بيننا قد يتطوع لتنظيف جثة جاك، فلا بد أن هذا من فعل حارس القصر أو ألبرتو.
سألتُ ماكس الواقف هناك بهدوء: ".... هل وجدتَ شيئاً في غرفة العم؟"
" من يدري، لم أرى أي شيء يثير الاهتمام."
..... هل يعني هذا أن آرييل هي من أخذت المفتاح حقاً ؟
"هل تقصد حتى ملف بياناته الشخصية؟"
عند سماع كلماتي، عبس ماكس بانزعاج .
"ولماذا تسألينني أنا عن ذلك......؟"
لم أكن أعتقد أن نبرتي كانت هجومية، لكن يبدو أنها بدت كذلك بالنسبة لماكس.
أظلم وجه ماكس في لحظة، فأضفتُ قائلة: " لأنك كنتَ تحقق في غرفة العم يا سيد ماكس."
"هل أبدو في نظركِ كشخص قد يسرق أشياء كهذه؟"
لم أعلم إن كانت المشكلة في طريقة كلامي، أم أن ماكس كان شديد الحساسية .
أردتُ دحض اتهامه، لكن الأجواء التي خيّمت على المكان لم تكن مبشرة. نظرتُ إلى وجه ماكس المتشنج وأجبته بهدوء: " لا."
" جيد إذاً."
أدار ماكس رأسه عني، وبدا أنه لم يعد لديه ما يقوله، فبدأ بالمشي واضعاً يديه في جيوبه. حدقتُ في ظهره بتمعن؛ كانت يده تتحرك داخل جيبه وكأنه يعبث بشيء صغير هناك.
" …… "
بدا وكأنه يفعل ذلك بدافع العادة. قطبتُ ما بين حاجبي لبرهة، ثم حولتُ نظري إلى غرفة جاك.
فتشتُ الغرفة شبراً بشبر لعلّي أجد شيئاً، لكنني لم أعثر حتى على ذرة غبار واحدة. بالنظر إلى أن قلادة جاك كانت في غرفته، كان من المرجح جداً أن تكون أغراضه الأخرى لا تزال هناك أيضاً، لكن على عكس توقعاتي، لم يظهر أي شيء في الغرفة.
"...... فيفيان؟"
في تلك اللحظة، تناهى إليّ صوت آرييل من خلف باب الغرفة المفتوح. اقتربت مني ببطء وأنا أبحث في أدراج مكتب جاك.
"ماذا تفعلين هنا؟"
"...... شعرتُ بالقلق بسبب ما قلتِه لي بالأمس."
بدت آرييل مندهشة من كلامي لبرهة. اعتدلتُ في وقفتي وسألتها بصراحة: " هل الأغراض التي وُجدت في غرفة العم أخذتِها أنتِ ؟ "
" القلادة فقط."
أمالت آرييل رأسها مؤكدة، ثم سارعت بالإيضاح خشية أن أفهمها خطأ: " في الأساس، لم يكن هناك ما يُؤخذ، لم يكن هناك سوى المفتاح والقلادة ......"
"ألم تأخذي أنتِ المفتاح؟"
أومأت آرييل برأسها وكأنها تُسأل عن أمر بديهي: " لماذا قد آخذه ؟ قد يأتي نزيل جديد ويحتاجه."
" …… "
" ولكن لماذا تسألين ؟ "
أجبتها بإيماءة من ذقني نحو المكتب. حين رأت آرييل أن المفتاح الموضوع على المكتب قد اختفى، ضيقت ما بين حاجبيها وأطلقت ضحكة فاترة.
" يبدو أن أحدهم قد أخذه."
"هل تحققتِ من أبواب الغرف الأخرى ؟ ربما يُفتح أحدها بذلك المفتاح."
هزت آرييل رأسها ببطء: " شكل المفتاح كان يطابق مفاتيح أبواب الغرف تماماً … لذا لم أكلف نفسي عناء التحقق."
...... لماذا أخذ أحدهم المفتاح إذاً ؟ هل أخذه تحسباً لاحتمال استخدامه لفتح أبواب أخرى ؟
حدقتُ في سطح المكتب الفارغ، ثم حولتُ نظري نحو النافذة. كانت الشمس قد بدأت تميل للغروب في تلك السماء التي كانت قبل قليل صافية كلوحة مائية .
عليّ أن أتحقق من منصة الإطلاق مرة أخرى.
أغمضتُ عينيَّ بقوة دون وعي .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
— تيك، تاك .
تردد صوت عقارب الساعة المعلقة على الجدار. كان الصوت قويًا لدرجة أنه شق الصمت الساكن من حولي.
تلك الدقات التي كانت تمضي بانتظام هادئ، بدأت تبدو لأذني سريعة بشكل غريب؛ وكأنها وقع أقدام شخص يطاردني من الخلف.
مسحتُ وجهي بيدي ثم نهضتُ من مكاني، لكنني سرعان ما قطبتُ حاجبيَّ بسبب السكون الغريب الذي خيّم على غرفة المعيشة.
" …… "
لم يكن من الطبيعي أن يكون المكان بهذا الهدوء.
بحثتُ عن الآخرين على عجل، لكن بدا وكأنه لا يوجد أحد في القصر على الإطلاق .
****************************