كانت جوان، رئيسة خادمات القصر، هي أول من بحث عنها فرايجر. أمر أحد الخدم باستدعائها إلى غرفته على الفور .
دخلت جوان الغرفة وهي تحاول إخفاء ارتباكها من استدعاء السيد المفاجئ، شعرت بأن الأجواء لم تكن كالمعتاد .
" هل استدعيتني يا سيـ …… "
" ما هو التاريخ الذي ستعود فيه كارولين ؟ "
" عفواً ؟ آه، إنه الخامس عشر من أغسطس."
على الرغم من فظاعة مقاطعة كلامها فجأة، إلا أن جوان أكملت حديثها بهدوء دون أن يبدو عليها الانزعاج .
" … ماذا قلتِ ؟ "
كان فرايجر هو من بدت عليه علامات الذهول هذه المرة .
" أعيدي ما قلتِ."
" إنه الخامس عشر من أغسطس، ولكن لماذا تسأل فجأة … يا إلهي، سيدي ؟ "
لم يستمع فرايجر حتى لنهاية كلام جوان، بل انطلق بخطوات سريعة. بدا مظهر خروجه وهو يدفع الباب متسرعاً للغاية .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
قاد فرايجر جسده المتعب نحو غرفة النوم. ظل طوال اليوم يسأل خدم القصر عن موعد عودة كارولين، لكنه لم يسمع الإجابة التي كان يريدها .
الخامس عشر من أغسطس. كان جميع خدم القصر، وكأنهم قد اتفقوا مسبقًا، ينطقون جميعاً بالتاريخ نفسه. بل إن فرايجر هو من صار يُعامل كشخص غريب الأطوار، رغم أن الجميع لم يجرؤ على إظهار ذلك لمعرفتهم بطباع سيدهم.
استلقى فرايجر على جنبه فوق السرير وفتح الرسالة التي أرسلتها كارولين. وبدأ حاجبه الوسيم الممدود ينقبض تدريجياً .
" … هل خدعتني ؟ "
ولكن لماذا بحق خالق الجحيم ؟
استلقى فرايجر على ظهره محدقاً في السقف، وغرق في تفكير عميق.
لا يمكن لتلك المرأة الساذجة التي لا تعرف شيئاً عن أحوال العالم أن تدبر أمراً كهذا . لا بد أن خطأً ما قد حدث في مكان ما.
" هل من الممكن أن خطبًا ما قد أصابها … "
بمجرد أن وصل تفكيره إلى هذه النقطة، نهض فرايجر من السرير فجأة، ثم سحب حبل الجرس .
" أرسل شخصاً إلى بلايك الآن، وفي هذه اللحظة."
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
عاد الخادم الذي أُرسل إلى بلايك إلى العاصمة بعد أربعة أيام، وحمل إلى فرايجر أخباراً لا تُصدق .
" لم يكن هناك أحد في فيلا بلايك."
بل إن خدم الفيلا قالوا إنهم لم يعلموا بأمر زيارة كارولين .
قبل رحيلها، كان فرايجر قد أرسل بالتأكيد بريداً إلى فيلا بلايك، يأمرهم فيه بالاستعداد لأن كارولين ستصل خلال أيام. ومع ذلك، أفاد حارس الفيلا بأنه لم يتلقَّ مثل هذا البريد قط.
وخلال الأيام الأربعة التي قضاها الخادم في الطريق إلى بلايك، كان على فرايجر مواجهة حقيقة أكثر صدمة .
" أتقولون إنكم لا تعرفون الخادمة التي رافقت كارولين ؟ "
" نحن نعرفها، ولكن … تلك الفتاة لم يمر على توظيفها سوى أقل من شهر … "
فتاة بلغت لتوها سن الرشد، ولم تعمل سوى لمدة أسبوعين فقط. لم يكن أحد يعرف عنها شيئاً سوى اسمها، ستيفاني، وعمرها.
" هل تعني أن زوجتي انطلقت في رحلة مع خادمة مستجدة بلغت لتوها سن الرشد ؟ بهذا المزيج غير المنطقي والمريب لأي شخص يراه ؟ "
قال فرايجر ذلك وهو يزمجر، كان مظهره يوحي بأنه على وشك تمزيق عنق أحدهم، مما جعل الجميع يتردد في التقدم .
في وسط هذا الصمت، كان رئيس الخدم إدموند هو من تجرأ على فتح فمه وتحدث : " … لقد أخذت معها أيضًا سائق عربة من القصر، و إريك، خادم الملحق الجانبي."
" إريك ؟ "
قطب فرايجر جبينه لسماعه اسماً مألوفاً إلى حد ما، محاولاً استحضار وجه الرجل المدعو إريك، لكن لم تُرسم في مخيلته سوى هيئة ضبابية للرجل، دون ملامح واضحة .
كان في قصر الكونت الفسيح ستة خدم رئيسيين. فمن تحت إشراف إدموند، كبير خدم القصر الذي يشرف على جميع العاملين، كان هناك خدم مسؤولون عن المبنى الرئيسي والملحق الجانبي، وخدم مخصصون لكل من فرايجر و كارولين .
علاوة على ذلك، لم يكن فرايجر يزور الملحق الجانبي كثيراً، لذا كان من الطبيعي ألا يتذكر وجه إريك. أطلق فرايجر أنيناً منخفضاً بسبب الصداع الذي بدأ يهاجمه .
" هذا يعني أن الجميع وقفوا يتفرجون بينما كانت زوجتي تستعد للسفر دون حراسة، برفقة سائق عربة، و خادم، وخادمة مبتدئة فقط."
" في الواقع … ذكرت السيدة أنها ترغب في تكوين أقل عدد ممكن من الأفراد … "
أجابت ديل، التي احتلت المكان الشاغر بعد رحيل مارشا (خادمة كارولين المخصصة السابقة)، وهي تهمس بصوت غير مسموع .
فوخزتها جوان في خصرها بمرفقها، في إشارة لها بأن تصمت وتفهم الموقف، لكن الأوان كان قد فات، فقد مست كلمات ديل مزاج فرايجر الذي كان قد بلغ ذروة غضبه بالفعل .
" هل تظنين حقاً أن هراءً كهذا يمكن أن يكون عذراً ؟ "
" … أنا آسفة."
" بصفتك الخادمة المخصصة لزوجتي، لا تعرفين إلى أين ذهبت ولا مع من، إنكِ حقًا تنجزين عملكِ ببراعة."
أحنت ديل رأسها بشدة وعضت على شفتيها بقوة .
في الأصل، لم تكن راضية عن قيام السيدة باصطحاب تلك الفتاة المدعوة ستيفاني، التي ظهرت فجأة، بدلاً منها وهي الخادمة المخصصة. ويبدو أن تلك المرارة التي كانت تكتمها في صدرها قد خرجت عن السيطرة وتجاوزت حدودها لتنطق بها أمام السيد .
" لقد أمرت السيدة بأقل عدد من الأفراد لكي لا تشعر بعدم الارتياح أثناء السفر، وقالت إن الأمر سيكون بخير لأن هناك خدمًا في فيلا بلايك أيضاً."
تحدثت جوان وهي تقف خلسة أمام ديل لتحميها. وعند رؤية ذلك المشهد، أفلتت من فرايجر ضحكة ساخرة من شدة ذهوله .
زوجة تخدع زوجها وتهرب، وخدم لم يلاحظوا ذلك ولو قليلاً … إنه موقف يثير العجب حقاً.
قرر فرايجر، بدلاً من استهلاك طاقته في الصراخ، اختيار وسيلة أكثر عقلانية.
" احرصوا على ضبط ألسنتكم جيداً، لا تسمحوا لهذه الأخبار بأن تتسرب للخارج دون داعٍ."
" حسنًا."
ترك فرايجر الخدم الثلاثة وهم ينحنون له، واتجه بخطواته نحو المكتب .
وعندما رآه لوجان، الذي كان ينهي ما تبقى من أعمال داخل المكتب، نهض من كرسيه .
" اجلس وأكمل ما كنت تفعله."
" ولكن …… "
" منصب المساعد وُجد لهذا الغرض."
أمام نبرة فرايجر القاطعة، عاد لوجان للجلوس وكأنه لا يملك خياراً آخر. في الحقيقة، كان لوجان يعلم جيداً، أنه عندما يظهر فرايجر بهذا الموقف، فلا فائدة من أي حديث معه.
— زفير .
قام فرايجر بفك ربطة عنقه و أزرار أكمامه بحركات خشنة، وجلس أمام مكتبه يتنفس بعمق وهدوء، ثم أخرج الوثائق التي كان قد وضعها جانباً وبدأ في مباشرة أعماله .
ارتسم على وجه لوجان، الذي كان يراقب المشهد، علامات الذهول والاشمئزاز، فرغم علمه بأن فرايجر بارد المشاعر، إلا أنه لم يتخيل أن يحاول العمل حتى في موقف كهذا .
" هل … ستعمل ؟ "
" وهل لديّ شيء آخر أفعله غير العمل ؟ "
" …… "
" العمل عمل، والحياة الخاصة حياة خاصة، المشاكل التي تحدث في منزلي سأعالجها بنفسي، لذا كُفَّ عن الفضول واهتم بعملك."
" … حسنًا "
تجاهل فرايجر نظرات لوجان وبدأ يتفحص الوثائق بوجه لا يختلف عن المعتاد. هز لوجان رأسه يميناً ويساراً في تعجب ثم عاد ببصره إلى الأوراق التي كان يراجعها .
وقع فرايجر على الوثائق، وعدّل جدول مواعيده وهو ينظر إلى التقويم. وبين الحين والآخر، كان يتجه نحو خزانة الكتب لجلب مراجع إضافية .
بدا مظهره الخارجي طبيعياً تماماً كأي يوم آخر، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً. مهما حاول التركيز في العمل، لم يستطع .
… وكل هذا بسبب كارولين، زوجته اللعينة .
ظل فرايجر يعبث بغطاء القلم لفترة طويلة، ثم أخرج حزمة من الأوراق من الدرج السفلي للمكتب، كانت عقود توظيف الخدم.
بدأ يقلب العقود بسرعة، وكانت عيناه تبحثان بلهفة مسعورة عن اسمي إريك و ستيفاني. ولم يمضي وقت طويل حتى عثر على اسم إريك في القسم المخصص لخدم القصر .
[ إريك فوستر ]
العمر : ثمانية وعشرون عاماً. خادم مسؤول عن الملحق الجانبي، بخبرة 5 سنوات. عمل كخادم بسيط لمدة عامين ثم تم ترقيته لمنصب "خادم إداري" بعد أن لفتت كفاءته الأنظار .
توقفت نظرات فرايجر عند الصورة الشخصية لإريك الموجودة على يسار العقد. كانت صورة باللونين الأبيض والأسود، لكن لم يكن من الصعب تمييز ملامحه .
' برؤيته هكذا، أظن أنني أتذكره.'
كان رجلاً بملامح مرتبة، جبهة مستقيمة وجسر أنف متناسق، يعطي انطباعاً عاماً بالنظافة والترتيب. تذكر فرايجر بغموض أنه التقى به عدة مرات عند زيارته للملحق الجانبي .
' بما أنه من عائلة فوستر، فلا بد أنه قريب بعيد للبارون ديلان فوستر.'
استحضر فرايجر وجه البارون فوستر، الذي كان يفتخر بشارب طويل ملتف، لكن الرجل في الصورة لم يكن يشبه البارون في شيء.
اشتدت قبضة فرايجر على الورقة .
' كانت تتصرف وكأنه لا يوجد رجل في هذا العالم سواي … هل كان هذا النوع من الرجال هو ذوقها ؟ '
رفع فرايجر زاوية فمه بابتسامة ساخرة وملتوية، ثم التقط حزمة عقود الخادمات، و وجد فيها اسم ستيفاني آردن.
لم تكن هناك صورة مرفقة بعقد ستيفاني آردن، ولم تكن هناك أي سيرة ذاتية أو ملاحظات خاصة .
' لقد خططتِ لكل شيء إذاً.'
قصر الكونت هانتيد كان مكاناً يصعب التوظيف فيه حتى لو أحضر المتقدم رسالة توصية من عائلة نبيلة أخرى. ومع ذلك، تم توظيف فتاة مبتدئة في الثامنة عشرة، بلا سيرة ذاتية ولا رسالة توصية، كخادمة .
إن إدارة شؤون الخدم هي مسؤولية "سيدة القصر" بالكامل. وكارولين اختارت بنفسها هذه الخادمة المشبوهة ثم غادرت معها.
بمجرد أن وصل تفكيره إلى هذه النقطة، شعر فرايجر ببرودة غريبة تسري في عقله. لم يشعر بمرارة أو ضيق، بل كان الأمر مضحكاً بالنسبة له.
" لوجان … "
" نعم ؟ "
" أين هو هيوغو ؟ "
" في هذا الوقت ربما …… "
نظر لوجان إلى ساعة يده.
" سيكون في فندق 'أوكيكس'."
كان هيوغو قد عاد من مهمة عمل خارج البلاد قبل أيام نيابة عن فرايجر. ومن المفترض أنه الآن يستلقي على سرير الفندق ويستمتع براحة هادئة .
" أحضره إلى هنا."
" … نعم ؟ هكذا فجأة ؟ "
اتسعت عينا لوجان من الأمر المفاجئ. كانت الكلمات التي خرجت من فم فرايجر بمثابة تحطيم شامل لسلام هيوغو.
أرجع فرايجر ظهره إلى الكرسي باسترخاء وقال: " لدي مهمة خاصة له."
****************************