" عزيزي ! أتصف الأمر بمجرد سبب سخيف ؟ كيف يمكن لمسألة زواج جومين أن تكون مجرد أمر سخيف ! "
نظر غيو تشول إلى سون يونغ بنظرات تملأها الازدراء والشفقة كمن يرى أمرًا مثيرًا للحسرة.
" لقد ظننتُ أن والدتكَ ستتولى الأمر بحكمة وترشح له فتاة لطيفة وجيدة، ولكن يبدو أن هناك خطأ ما قد وقع في المنتصف، وأتمنى أن تسأل أنت والدتك عن الأمر بهدوء …."
تلاشت نبرة صوت سون يونغ في نهاية كلماتها وهي تراقب ملامح زوجها بحذر؛ إذ رأت أن استفسار زوجها من والدته سيكون أفضل بكثير من استفسارها هي بصفتها زوجة الابن .
غير أن غيو تشول، بدلاً من أن يُعير كلمات سون يونغ اهتمامًا أو يُصغي إليها، صب جام غضبه على جومين و وبخّه بحدة: " كم بلغ عمرك الآن لتظل مختبئًا خلف ظلال والديك هكذا ! "
"والدي!"
"هل تنوي جني امتيازات الحفيد البكر للعائلة والتهرب من واجباتك؟"
احتج جومين والظلم يرتسم على ملامح وجهه: " ليس الأمر كذلك، ولكن جدتي قد رشحت لي ابنة موظف لدينا لتكون شريكة حياتي ! امرأة لا تملك شيئًا يُلتفت إليه باستثناء وجهها ! "
لكن غيو تشول لم يتزحزح قيد أنملة أمام احتجاج ابنه، وقال: " إذا ساورتك الشكوك، فكان من الأجدر بك أن تذهب وتسألها بنفسك، لا أن تأتي راكضًا كالصغار لتشتكي لوالدتك دون أدنى وقار يليق بالرجال "
" …… "
" إن لم يعد لديك ما تقوله، فغادر فورًا ".
أمام أمر طرده الصارم، طوى جومين قبضتيه بقوة نحو الداخل وعض على شفته السفلية ثم استدار ومضى.
كان يعتقد أن مجرد ولادته في هذا العالم يكفي لأداء واجبه بالكامل. وكل ما عليه فعله الآن هو الزواج من امرأة من عائلة مرموقة ليمتد نسل العائلة، وبذلك يكتمل التزامه . لكنه شعر بالإهانة؛ فكيف لشخص بمثل عظمته ومكانته التي يستمدها من مجرد وجوده، أن ينتهي به المطاف دائمًا بالشعور بالضآلة كلما وقف أمام والده ؟ كان هذا الأمر يثير في نفسه شعور بالظلم لا حد له.
راقبت سون يونغ بقلق خطى ابنها وهو يتجه نحو الجناح الداخلي للمنزل، ثم تبعت زوجها غيو تشول بخطوات مسرعة وهو يدخل إلى مشغله .
" كان بإمكانك أن تنصحه بكلمات ألين وأخف وطأة من ذلك "
لكنه بدا وكأنه لم يسمع كلماتها قط؛ إذ التقط سكين الرسم، وجلس أمام لوحة الرسم .
قالت سون يونغ بملامح يكسوها الحزن والأسى بجانب زوجها المستغرق في عمله وهو يجلس على كرسي صغير: " عزيزي، جومين هو طفلنا الوحيد في هذا الوجود "
" …… "
وسواء تحدثت أم لزمت الصمت، ظل غيو تشول يشخص بنظراته الثاقبة نحو لوحة الرسم أمامه فحسب دون أن يعيرها أدنى انتباه .
"عزيزي!"
"يكفي".
قطع كلماتها صوت رخيم وشديد الانخفاض اتسم بالبرود التام والجفاء. وظلت نظرات غيو تشول مثبتة نحو الأمام .
رمقته سون يونغ بملامح تملأها الحيرة والاضطراب. فبعد أن تعرض ذلك الزوج لحادث جسيم وعاد بأعجوبة من عتبة الموت، كان يعتني بها و بجومين بكل رعاية وحنان. وكان يعتز بابنه الذي وُلد في غيابه اعتزازًا أعمى، ولا ينفك يقول لسون يونغ التي أنجبت الطفل وربته بمفردها "شكرًا لكِ" و "أنا آسف".
غير أن ذلك الرجل تبدل وتغير منذ وقت ما، فباتت نظراته الموجهة لها باردة وجافة، وأصبح فظًا وصارمًا مع جومين. وبدا في كثير من الأحيان كمن تلاشت من قلبه أي عاطفة تجاه عائلته، ليعاملهم بجفاء يفوق جفاء الغرباء .
وفي وقت ما، ساورها الشك في احتمال وجود امرأة أخرى في حياته، غير أن هذا الاحتمال لم يكن ينطبق على رجل يقضي يومه بطوله منغلقًا على نفسه داخل مشغل الرسم .
"… المعرض بات على الأبواب "
تردد صدى صوته الجاف والخالي من أي مشاعر في أرجاء المكان الواسع.
"…أعلم ذلك".
أمام كلمات غيو تشول الباردة، عضت سون يونغ على شفتها السفلية بقوة واستدارت لتغادر. وما إن أغلقت باب المشغل خلفها بهدوء، حتى تنفس غيو تشول الصعداء بعمق، و وضع سكين الرسم جانباً ثم نهض من مكانه.
وتقدم بخطوات بطيئة وثقيلة نحو باب آخر يقع في زاوية المشغل. وضغط على الأرقام السرية لتتحرر آلية القفل، ثم خطى بجسده نحو الداخل .
" …… "
سار بخطوات مباشرة نحو اللوحة المعلقة على الجدار. وفي المكان الذي كان يُفترض أن تُعلق فيه تسع لوحات من قماش الرسم، لم يكن متبقيًا الآن سوى ثماني لوحات فحسب. ولم يكتمل العدد تسعة لآخر أعمال الفنان الراحل ميونغ غيجونغ؛ إذ كان الجزء الأوسط والأكثر أهمية مفقودًا، لتبقى اللوحات معلقة وتحيط بفراغ تام .
وحتى الآن، لم تتخلَّ السيدة آن عن أملها وتبذل كل جهودها للعثور على أثر ذلك العمل الأخير؛ غير أن ما عجزوا عن العثور عليه طوال تلك السنين مستحيل أن يظهر بمجرد مرور الوقت وتوالي الأيام .
تمتم غيو تشول بصوت منخفض ونظرات تملأها الكثافة والغموض: " هل كنتَ تعلم بالأمر يا أبي ؟ "
تحسر الناس على ضياع ذلك العمل الفني الذي تتجاوز قيمته مليارات الوونات، غير أن قيمة ذلك العمل لم تكن تكمن في المال قط، بل كانت هذه اللوحة بمثابة هدية تركها الفنان ميونغ للأجيال القادمة التي ستحمل إرث عائلة سويوندانغ وتكمل مسيرتها .
"… ولكن في الحقيقة، ما الفائدة من كل هذا بعد الآن ؟ "
أطلق ضحكة تملأها الخيبة وهو يشخص بنظره نحو ذلك الجدار الفارغ .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
في اليوم التالي، غادر جيهان المنزل بعد تناول وجبة الإفطار. ورغم أن والدته كانت تخمن أنه ذاهب إلى منطقة «غابيونغ»، إلا أنها لم تظهر معرفتها بالأمر كما هو حالها دائمًا.
إن الابنة الكبرى لعائلة كوك، والتي كانت ذات يوم مبعث فخر واعتزاز، أصبحت الآن ابنة يرغبون في إخفائها عن الأعين.
هل يمكن للآباء أن يتخلوا عن أولادهم الذين ولدوا من لحمهم ودمهم دون أدنى تردد على هذا النحو ؟
كلما رأى جيهان والديه اللذين محوا وجود سونغ يون تمامًا من حياتهما، كان يتذكر سونغ يون التي نسيت وجود ابنتها سي ها أيضًا. وسواء كان الأمر متعمدًا أم لا، فإن النتيجة واحدة .
" أبي، هل أنت ذاهب اليوم أيضًا للقاء مرشحة لتكون أمي ؟ "
كانت سي ها تتسكع في جوار جيهان وتطرح عليه السؤال متظاهرة بعدم الاكتراث. و وضعت يديها خلف ظهرها بينما نظرت نحو الفراغ. وبدا واضحًا عليها علامات القلق، والوحدة، والحزن، وهي مشاعر لم يكن يرغب في التماسها لدى طفلة في عمرها .
"هل تودين الذهاب معي؟"
" لا أريد، ثم إنني لو تبعتُك يا أبي، ستوبخني جدتي."
هزت الطفلة رأسها يمنة ويسرة وهي تقطب حاجبيها، فتموجت حاشية فستانها الكحلي الداكن مع حركتها. وقيل له إن الفتيات في مثل سنها يفضلن اللون الوردي الفاتح أو الأصفر الفاقع، غير أن ذوقها القاتم ذاك كان ثابتًا وراسخًا كأشجار الصنوبر .
"لماذا لا ترتدين اللون الوردي؟"
" لأن الوردي ليس جميلاً، ثم إنني جميلة مهما ارتديت، لذا لا يهم "
" هذا مريح، يبدو أنكِ بارعة في التقييم الموضوعي لنفسكِ "
" ماذا يعني ذلك ؟ "
" يعني أنكِ جميلة "
يبدو أن مديحه قد راق لسي ها؛ إذ خرجت على غير عادتها لتوديعه حتى عتبة الباب الرئيسي. بل إنها رفعت يدها الصغيرة التي تشبه ورقة الخريف ولوحت بها ببطء وهي تنظر إلى جيهان .
" هل تلوحين لتتمني لي رحلة آمنة ؟ "
" لا، أنا ألوح بيدي فحسب "
تحدثت الطفلة بجفاء، غير أن عينيها كانتا تتلألآن كأن نجوم السماء قد غُرست فيهما. وكلما أمعن النظر في وجهها، وجدها تشبهه كثيرًا، بل تشبه سونغ يون تمامًا .
< جيهان، رافقتك السلامة >
إن سونغ يون التي كانت تودعه بابتسامة صافية ومشرقة لم تعد بعد . مد جيهان يده ومسح على رأس سي ها بخفة. وبدا الارتباك واضحًا عليه وهو يمسح على رأسها، مثلما كان واضحًا على سي ها وهي تقف ساكنة دون حراك .
" … أنا مغادر "
" حسنًا "
أومأت سي ها برأسها، فتركها جيهان وخرج ليتولى قيادة سيارته بنفسه. وكان من المتوقع أن تستغرق الرحلة إلى الفيلا التي تقيم فيها سونغ يون قرابة ساعتين .
ولم يكد يمر وقت قصير على انطلاقه حتى وردته مكالمة هاتفية من سونغمين. وعندما قام بتحويل المكالمة إلى مكبر الصوت، انطلق صوت الأخير المشرق فجأة :
— أين أنت ؟
"لقد انطلقتُ للتو".
— إذن ستصل في حدود الساعة الحادية عشرة والنصف تقريبًا ؟
"في ذلك الوقت تقريبًا، وأين أنت؟"
— أنا وصلتُ بالفعل.
رفع جيهان أحد حاجبيه حيرة. كيف لسونغمين، الذي يتسم ببطء حركته كحيوان الكسلان، أن يصل إلى فيلا غابيونغ في هذا الوقت المبكر ؟
عندما يغير المرء سلوكه المعتاد فجأة، فلا بد أن هناك أمرًا مريبًا وراء ذلك .
" ما الخطب ؟ "
— ما الخطب في ماذا ؟
"لماذا أنت نشيط ومجتهد على غير عادتك؟"
— عندما يطور المرء من نفسه في اتجاه إيجابي كهذا، كان الأجدر بك أن تمدحه لا أن تستجوبه. قُد على مهلك، سأذهب في نزهة قصيرة مع شقيقتك في الجوار .
أنهى سونغمين المكالمة بنبرة مبهجة. و وصوله إلى فيلا غابيونغ في هذا الوقت يعني أنه غادر منزله قبل شروق الشمس حتمًا.
وبعد انتهاء المكالمة، زاد جيهان من سرعة السيارة؛ إذ كان من المؤكد أن الطرقات ستشهد ازدحامًا مروريًا لكونه عطلة نهاية الأسبوع، وكان يتوجب عليه الإسراع. فسونغ يون، التي باتت تشتاق إلى عائلتها والناس كثيرًا في الآونة الأخيرة، لا بد أنها تنتظر وصوله.
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
كانت حركة السير على الطريق أفضل مما توقع، فوصل جيهان إلى غابيونغ قبل الوقت المحدد بقليل.
وما إن انحرفت السيارة مبتعدة عن الطريق الرئيسي عند التقاطع، حتى بدأت تسير على طول طريق هادئ ومنعزل. خفف جيهان من سرعة السيارة وأنزل زجاج النافذة إلى المنتصف. فاندفعت رائحة الغابة المنعشة والأشجار والعشب بعبقها الفواح نحو أنفه . وساعدت الرياح الباردة التي كانت تلامس وجنتيه في تجميع أفكاره المشتتة وزيادة تركيزه.
وبينما كان يصعد الطريق الضيق ببطء، لمحت عيناه من بعيد امرأة تسير متجهة إلى الأعلى. وإذا تتبع المرء هذا الطريق، فسيصل إلى دار رعاية مسنين كبيرة نوعًا ما. وتقع فيلا جيهان في مكان أعلى قليلاً من ذلك الدار . ولم يكن من المحتمل أن تكون وجهة المرأة هي فيلا جيهان، فلا بد أنها فرد من عائلة أحد المرضى في دار الرعاية .
وكانت المرأة تسير على قدميها في طريق يُقطع عادة بالسيارات الخاصة أو سيارات الأجرة . وعندما شعرت بحركة سيارة تقترب من خلفها، توقفت عن السير واستدارت ببطء نحو الخلف .
ضيق جيهان عينيه عندما ظهر وجه المرأة في مجال رؤيته بوضوح شديد وكأنه مشهد مقرب . لقد كانت هي، تلك المرأة التي قابلها كعاملة مؤقتة في المرة الأولى، ثم كمعلمة رسم في المرة الثانية، واليوم تظهر كزائرة لدار الرعاية على ما يبدو : شين إيسو .
مطعم أوندوون، و منزله، والآن هذا المكان . هذا هو اللقاء الثالث بينهما في أماكن غير متوقعة. وسواء كان الأمر مجرد مصادفة بحتة أم إستراتيجية مدروسة وذكية، فإن الحقيقة لا يعلمها إلا هي .
أوقف جيهان سيارته بجانبها وأنزل زجاج النافذة بالكامل.
" هل تعيشين في الجوار ؟ "
نظرت إيسو إلى جيهان بأعين تملأها الدهشة. وبدا وجهها شاحبًا للغاية لدرجة تثير الشك في أنها جاءت لتُقبل كمريضة هنا بقدميها من شدة سوء حالتها الصحية .
" … ما الذي جاء بكَ إلى هنا ؟ "
سألت وهي تنظر حولها بسرعة و بوجهٍ يعكس توترًا شديدًا. بدت كمن صادف مجرمًا خطيرًا في الجبال المهجورة. وكان الأمر مُثيرًا للسخرية بالنسبة لجيهان، الذي كان على وشك أن يسألها إن كانت تُلاحقه .
" هذا السؤال يجب أن أطرحه أنا، لماذا أنتِ هنا في هذه الساعة، يا آنسة شين إيسو ؟ "
" … جئتُ لزيارة شخص في دار المسنين، وماذا عنك يا والد سي ها ؟ "
" والد سي ها ؟ "
" أنتَ والد سي ها، أليس كذلك ؟ "
أطلق جيهان زفرة استهزاء خافتة. «والد سي ها»، لم يكن يرغب مطلقًا في أن تناديه بهذا اللقب، خاصة هي من بين جميع البشر .
سحبَ من محفظة بطاقاته بطاقة عمل، و وضعها بين أصابعه ثم مدّها نحوها. التقطتها إيسو، واتسعت عيناها وهي تنظر بالتناوب بين البطاقة و جيهان .
كانت البطاقة ذات حواف ذهبية مكتوب عليها: «المدير التنفيذي كوك جيهان، رئيس قسم قطاع الأعمال الهندسية، في شركة هوغوك للإنشاءات».
" أركبي، سأنزلكِ أمام الدار "
أشار بعينيه نحو مقعد الراكب الأمامي، غير أن إيسو هزت رأسها بالرفض .
" لا بأس، شكرًا لك "
" سيتعين عليكِ السير لوقت طويل "
" رغم ذلك، لا بأس "
" حسنًا إذن "
لم يكرر عرضه مرتين .
وانطلقت سيارة جيهان مخلّفة وراءها صوت صفير الرياح وهي تتجاوز إيسو. وظلت الأخيرة ممسكة بالبطاقة في يدها، تنظر نحو السيارة المبتعدة.
منذ أول مرة رأت فيها كوك جيهان وحتى اليوم، كانت كل لقاءاتهما غريبة لدرجة أنه بدا وكأنه مفتعلاً .
… ولا تعلم ما السبب، لكن ساورها حدس بأنها ستتورط مع هذا الشخص بشكل متكرر في المستقبل .
****************************
الفصل : ١٢
وضعت إيسو بطاقة العمل في محفظتها واستأنفت سيرها مجددًا .
لم يكن إصرار كوك جيهان على منحها هذه البطاقة إلا لرغبته في أن تناديه بلقب «المدير التنفيذي» أو «رئيس القسم». وسواء كان ميونغ جومين أو كوك جيهان، يبدو أن الأثرياء يملكون حساسية مفرطة تجاه الألقاب والمسميات ؟
أما سبب رفضها لعرض جيهان في إيصالها، فيعود إلى أنها لم ترتب أفكارها ومشاعرها بعد. فلم تكن قد قررت بعد ما ستسأله أو تسمعه من خالتها التي اعتقدت أنها والدتها الحقيقية. تعمّدت السير في الطريق لأنها كانت بحاجة إلى بعض الوقت للتفكير .
وبعد مسيرة استغرقت قرابة عشرين دقيقة أخرى، وصلت إلى المستشفى. وظنت أنها قد تلمح كوك جيهان هنا مجددًا، غير أن أثره كان قد اختفى .
كان محيط المستشفى هادئًا كالمعتاد، وكان المرضى والممرضون الذين خرجوا لاستنشاق الهواء النقي يتحركون ببطء على طول ممر المشاة. كان مشهدًا يفيض بالسلام والسكينة.
" آنسة إيسو "
بينما كانت تجلس بهدوء على مقعد خشبي، ظهرت الممرضة وهي تدفع الكرسي المتحرك الذي تجلس عليه هوا يونغ.
" تفضلي، هذا ما طلبتِهِ مني "
مدت الممرضة شيئًا ما نحو إيسو بخفية. و أومأت إيسو برأسها تعبيرًا عن امتنانها وشكرها، ثم أخذت الطرد الصغير التي سلمتها إياها الممرضة و وضعتها داخل حقيبتها. لقد كانت غرضًا طلبت من الممرضة تأمينه لها مسبقًا.
وما إن ابتعدت الممرضة وتَرَكتهما بمفردهما، حتى وجهت إيسو نظراتها نحو وجه هوا يونغ. وبناءً على نظراتها الغائمة، بدا واضحًا أن حالتها الذهنية لم تكن صافية أو مستقرة .
" لقد جئتُ لزيارتكِ "
" …… "
تحدثت إيسو، غير أن هوا يونغ لم تبدِ أي رد فعل؛ بل ظلت تشخص بنظرها نحو الأمام بملامح باردة وفارغة. وكانت مشاعر الاكتئاب والندم تترسب بكثافة خلف ذلك التعبير الجامد والخالي من الحياة .
"…هل تشتاقين إلى ابنكِ ولهذا تبدين هكذا؟"
أمام سؤال إيسو، رفعت هوا يونغ رأسها فجأة بحدة. ولمعت في عينيها بريق غريب لبرهة، و رمشت بعينيها مرتين وهي تنظر إلى إيسو؛ فبدت ملامحها كمن ينتظر منها النطق بمزيد من الكلمات .
" ابني، الطفل الرضيع، لقد أخذته شقيقتي الكبرى إلى بيت ثري "
ويبدو أن صمت إيسو قد أثار توجسها وقلقها؛ إذ أخذت تقبض كفّيها الهزيلين وتبسطهما وهي تحرك شفتيها بارتياب واضطراب .
تأملت إيسو وجه هوا يونغ بصمت. ورغم أنها شعرت بملامح ميونغ جومين تلوح على وجه هوا يونغ لبرهة، إلا أنها لم تشعر بشبه كلي أو كبير بينهما بشكل عام .
ويبدو أن القول بأن والد ميونغ جومين البيولوجي كان وسيمًا هو حقيقة، فبما أن جومين لا يشبه هوا يونغ، فلا بد أنه ورث الكثير من ملامح والده البيولوجي .
" أعيدي إليّ ابني ! "
صرخت هوا يونغ بنبرة حادة وهي تقبض بكلتا يديها على مقبضي الكرسي المتحرك بإحكام. واصطبغت عيناها المحتقنتان بالدم باللون الأحمر القاني، واهتزت عضلات وجنتيها برعشة طفيفة عجزت عن كبح جماح انفعالها الشديد.
"لقد تخلصتِ منه وتخليتِ عنه فور ولادته، فما خطبك تبحثين عن ابنكِ الآن؟"
" أنا لم أتخلص منه ! بل أرسلتُه ليربى وينشأ في بيت ثري فحسب ! "
" هذا يسمى تظاهرًا وتخليًا يا خالتي "
" لا ! بل استبدلتُه بابنة ذلك المنزل ليعيش طفلي حياة رغيدة ويأكل جيدًا فحسب ! "
صرخت بأعلى صوتها وهي تنفي الأمر بشدة وعناد. وبدا أن ذكريات هوا يونغ قد خُزنت في عقلها بالطريقة التي تخدم مصلحتها وتبرئ ساحتها فحسب؛ إذ لم يظهر عليها أدنى شعور بالذنب أو تأنيب الضمير رغم تخليها عن طفلها.
"إذن، أين هي ابنة ذلك المنزل الآن؟"
"شقيقتي الكبرى تربيها، ألم تقل إنها ستربيها جيدًا ثم تعيد إرسالها إلى ذلك المنزل مجددًا؟"
"…وإلى ذلك المنزل، كيف يمكن إعادتها مجددًا؟"
وفي تلك اللحظة، خطرت على مخيلة إيسو ملامح وجه السيدة آن ميونغ جا وهي تتأملها بنظرات تملأها الرضا في الماضي .
" وكيف لي أن أعرف أمرًا كهذا ! "
شعرت إيسو بالراحة لأن خالتها لم تكن ضحية في هذه القصة؛ فلم تكن بحاجة إلى أن تشفق عليها أو تتعاطف معها. وينطبق الأمر نفسه على الوالدين اللذين ربياها وعلى أفراد عائلة سويوندانغ أيضًا .
" أنا إيسو يا خالتي، استعيدي وعيكِ وانظري إليّ جيدًا، أنا شين إيسو، ابنة كانغ سون إيم، شين إيسو "
تأكدت الحقيقة بين يديها واستلمت الغرض الذي أرادته، ولم يكن متبقيًا سوى أن تدير ظهرها وتغادر . غير أن إيسو تحلت بالصبر والتزمت مكانها بانتظار أن يستعيد عقل هوا يونغ صفاءه المعتاد؛ إذ كانت هناك كلمات يتوجب عليها قولها حتمًا عندما تكون خالتها في كامل وعيها .
" … أأنتِ إيسو ؟ "
" نعم، أنا إيسو "
"وما الذي جاء بكِ إلى هنا مجددًا؟"
تحدثت هوا يونغ بنبرة جافة فظة بعد أن عرفت هوية إيسو أخيرًا، غير أن الأخيرة كانت تدرك أن هذا الجفاء ليس نابعًا من قلبها. فبالنسبة لامرأة غابت عنها شقيقتها الكبرى وقاطعتها عائلتها، كانت إيسو هي زائرتها الوحيدة في هذا الوجود. ومستحيل ألا تشعر هوا يونغ بالبهجة لرؤيتها .
" ولذلك، جئتُ لأخبركِ أنني لن آتي بعد الآن "
"لن تأتي بعد الآن؟ ولماذا؟"
اتسعت عينا هوا يونغ بذهول تملأه الصدمة.
" لأنكِ يا خالتي… لستِ والدتي "
" هل جُننتِ ؟ أهذا كلام تنطقين به في وجه الأم التي ولدتكِ ؟ "
" أنتِ تعلمين جيدًا مغزى الكلمات التي أقولها "
بما أن شقيقتها الكبرى وبقية أقاربها لم يزوروا هذا المكان قط، فإن تقمصها لدور الابنة البارة طوال تلك المدة كان كافيًا و وافيًا. ولعلهم كانوا يتركون هوا يونغ لمصيرها هنا وهم مطمئنين، لثقتهم الكاملة بوجودها بجانبها .
"…لا، ما خطبكِ فجأة… ما هذا الكلام…!"
" كوني بخير وتمنياتي لكِ بالصحة، لقد جئتُ اليوم لألقي عليكِ تحية الوداع الأخيرة فحسب "
رمقت إيسو هوا يونغ المستغرقة في ذهولها بنظرات هادئة ومجردة من المشاعر. ولقد انتهى اليوم دور الابنة المتبناة المطيعة، أو دور الابنة البيولوجية الصالحة واللطيفة إلى غير رجعة .
" ماذا تعنين بكلماتكِ هذه ؟ ألن تأتي حقًا ؟ هاه ؟ ألن تعودي ؟ أتتخلى الابنة الوحيدة عن أمها وتتركها لمصيرها ؟ "
تناهى إلى مسامعها صراخ هوا يونغ الرافض لرحيلها خلف ظهرها المبتعد دون تردد، غير أن إيسو لم تلتفت نحو الخلف ثانية واحدة .
كانت تلك نهاية قاطعة، غير أنها كانت بداية أخرى أيضًا .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
عادت إيسو إلى منزلها، و فتحت باب الغرفة التي تستخدمها كمخزن .
وعندما تزدحم الأفكار وتتشابك في العقل، يكون تحريك الجسد دون تفكير هو الحل الأمثل دائمًا، غير أن غرفة المعيشة، وغرفة النوم، والمشغل لم تكن بحاجة إلى تنظيف. ولذا، عزم قلبها على ترتيب ذلك المخزن الذي تتراكم فيه الأغراض المتنوعة .
ورغم أنها تطلق عليه اسم المخزن، إلا أنه كان غرفة تُحفظ فيها كل التفاصيل والأدوات المتعلقة بأعمال الرسم. وكانت هناك لوحات فنية رسمتها بيدها منذ زمن بعيد، فضلاً عن الصناديق التي تحوي الكتالوجات الفنية التي جمعتها من زيارات المعارض المختلفة .
أخذت إيسو تتفقد المحتويات غرضًا بغرض، لتفصل بين ما يتوجب التخلص منه وما يستحق الاحتفاظ به. وبينما كانت تتأمل لوحات قماش الرسم المستندة إلى الجدار واحدة تلو الأخرى، استغرقت في ذكريات طويلة عابرة .
وفي تلك الأثناء، عثرت بين اللوحات على غرض غريب لم يألفه نظرها، يبدو أنه إطار للوحة رسم .
" …… "
كانت لوحة الرسم ذات الحجم الصغير مغلفة بإحكام بعدة طبقات، مما جعل تخمين محتواها أمرًا عسيرًا. ومستحيل ألا تتعرف على غرض يخصها، غير أن هذه اللوحة لم تكن ملكًا لها مهما أطالت النظر فيها .
وبينما كانت تتأمل واجهة اللوحة وخلفيتها بملامح يكسوها العجب، رن هاتفها المحمول. وضعت إيسو اللوحة مكانها وخرجت إلى غرفة المعيشة .
" ما الخطب في عطلة نهاية الأسبوع ؟ "
─ كيف هو وقتكِ بعد ظهر الغد ؟
كان المتصل هو سوك هون. ثبتت إيسو الهاتف بين كتفها وفكها، وشغلت آلة صنع القهوة، ولم تمسك الهاتف بيدها مجددًا إلا بعد أن بدأت الآلة بالعمل .
" ليس لديّ أي مخطط خاص، كنتُ أنوي الذهاب إلى المعرض صباح الغد فحسب "
─ هذا رائع، لقد تقرر أن ألتقي بالفنان ميونغ غدًا، فلنذهب معًا لمقابلته .
" الفنان ميونغ …؟ "
─ أجل، الفنان ميونغ غيو تشول. عندما سألتُه عن الوقت المناسب له، أخبرني أنه يفضل أيام الأسبوع العادية. وبما أنه لا يمانع الغد، فقد اتفقنا على اللقاء في مشغل قصر العائلة .
وانطلق صوت طحن حبوب القهوة، ليفوح عبق القهوة ويملأ أرجاء المنزل بالكامل. ورغم توقف المطحنة عن العمل، إلا أن إيسو ظلت واقفة مكانها لبرهة دون أن تبدي أي حركة .
─ ما خطبك صامتة هكذا ؟ لا تخبريني أنكِ تراجعتِ عن رغبتكِ الآن ؟
"…في أي ساعة غدًا؟"
─ في تمام الساعة الثانية بعد الظهر. ولذا، يتوجب علينا الالتقاء قبل ذلك الوقت بقليل، أليس كذلك ؟ سأكون عند باب منزلك في حدود الساعة الحادية عشرة، لنتناول وجبة الغداء معًا ثم ننطلق .
" … وكيف تخطط لتقديمي للفنان غدًا ؟ "
الحفيد البكر لعائلة سويوندانغ، الفنان ميونغ غيو تشول. الرجل الذي يملك احتمالاً كبيرًا في أن يكون والدها البيولوجي .
هل ستلتقي بذلك الرجل غدًا حقًا ؟ كانت دقات قلبها متسارعة وصاخبة لدرجة شعرت معها أن صدى النبضات يتردد في أذنها بوضوح .
─ قدمي نفسكِ بالطريقة التي تروق لكِ. قولي إنكِ فنانة رسم أو معلمة فنون. وإن لم تجدي لقبًا مناسبًا، فبإمكانكِ القول إنكِ حبيبتي.
" هذه ليست مزحة مُضحكة "
─ أنتِ الوحيدة التي تجد الأمر ثقيلاً، أنتِ فقط.
" نلتقي غدًا "
أنهت المكالمة الهاتفية، ثم سحبت إيسو نفسًا عميقًا ونفثته ببطء. ولم يفلح مزاح سوك هون في تخفيف حدة التوتر الشديد الذي استبد بجسدها.
ستكون هذه هي المرة الأولى التي تطأ فيها قدماها قصر سويوندانغ منذ تلك الزيارة السرية التي قامت بها قبل عشر سنوات .
إذا أخبرت والديها أنها ستلتقي بالفنان ميونغ غيو تشول هناك غدًا، فماذا سيكون ردهما ؟
وشعرت أنه لو علم والداها بهذا الأمر، فربما سيعملان على إلغاء هذا اللقاء وإفساده حتمًا. ولذا، قررت إيسو ألا تخبر والديها بهذه الحقيقة حتى تذهب إلى هناك غدًا وتنهي اللقاء .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
في صباح اليوم التالي.
ظهر سوك هون -الذي وعد بالقدوم في تمام الحادية عشرة- أمام منزل إيسو في ساعة مبكرة، بعد التاسعة صباحًا بقليل .
كانت إيسو تستعد لتناول وجبة إفطار متأخرة وبسيطة، وعندما سمعت الرنين الصاخب لجرس الباب، فتحت البوابة الخارجية وخرجت إلى باحة المنزل .
" لقد اتفَقنا على اللقاء في الحادية عشرة "
" أنا شخصٌ مُجتهد، خذي، استلمي هذا "
تحدث بنبرة ممتزجة بالمزاح والتبجح وهو يخطو داخل البوابة، مادًا نحو إيسو صندوق نبيذ ثقيل الوزن .
"ما هذا؟"
"كانت لديّ بضع زجاجات في المنزل، فجلبتُ واحدة معي"
"زجاجة من نوع أرمان دي برينياك؟"
" في الحقيقة، هما زجاجتان، سأهدي الأخرى للفنان ميونغ "
سلمها ذلك النبيذ الفاخر الذي يتجاوز سعره المليون وون بسهولة وكأنه يسلمها زجاجة جعة عادية، ثم وقف أمام باب المدخل مشيرًا بعينيه لتفتح الباب بسرعة.
" وهل أخذتَ إذنًا من مديرة المتحف قبل جلبه ؟ "
" وأي إذن أحتاجه لأجل بضع زجاجات نبيذ فحسب ؟ لستُ طفلاً صغيرًا ".
"على أية حال، سأشربه باستمتاع، شكرًا لك".
وضعت النبيذ في خزانة التبريد الخاصة بالخمور، وسكبت كوبين من القهوة. ولمح سوك هون مائدة الإفطار البسيطة المعدة على طاولة الطعام، فجلس على الكرسي المقابل وطلب شوكة .
" ألم تتناول إفطارك بعد ؟ "
" تناولته، لكن الكمية تبدو وفيرة، لذا جئتُ لأشارككِ تناولها "
" لا بأس، يمكنني إنهاؤها بمفردي ".
ورغم أنها تحدثت بجفاء، إلا أنها وضعت طبقًا و أدوات مائدة أمام سوك هون. أطلق سوك هون ضحكة خافتة، والتقط بالملقط كمية مناسبة من السلطة لينقلها إلى طبقه .
كان سوك هون المقرب من بين كل الأشخاص الذين التقت بهم منذ دخولها الجامعة. وبفضله حظيت برعاية المعرض الفني، ونالت حظوظًا وافرة لم تكن لتخطر بذهنها. ولا يمكن لأحد أن ينكر أن فضل سوك هون كان كبيرًا في وصول إيسو إلى مكانتها الحالية واستمرارها في نشاطها الفني .
"متى تقرر أن تبدأي الذهاب إلى منزل رئيس مجلس الإدارة كوك؟"
" اعتبارًا من هذا الأسبوع، حددنا الموعد يوم الخميس في الرابعة عصرًا، لكن الوقت يبقى مرنًا وقابلاً للتغيير ".
"وهل الطفلة لطيفة؟"
" بدت لي أنها تشبه والدها كثيرًا "
والمؤكد أن الشبه لم يكن مقتصرًا على الملامح الخارجية فحسب حتمًا .
" إذن، لا بد أنها جميلة."
" نعم، إنها جميلة "
وعندما فكرت في سي ها، تذكرت مشهد جيهان وهو يمنحها بطاقة عمله قبل أن يتجاوزها بالسيارة .
— اهتزاز .
استعادت وعيها على صوت اهتزاز قصير لهاتفها المحمول، فتحققت من الرسالة النصية الواردة :
— { معلمتي، هل ستأتين حقًا يوم الخميس ؟ }
" …… "
لم يكن هناك اسم للمرسل، إلا أنها عرفت هويتها في ثانية واحدة .
إنها طفلة في السابعة من عمرها، تعرف كيف تُلمّح للناس بعدم الحضور : إنها كوك سي ها .
****************************