" مرحبًا، هيوغو ! "
التفت نحو الصوت المألوف، ليرى لوجان واقفاً يستند بجسده إلى أحد الأعمدة عند مدخل الفندق .
" … لماذا يبدو وجهك كمن حضر جنازة ؟ "
" … من، أنا ؟ "
" نعم، تبدو كمدينٍ يهرب من مرابٍ يطارده."
" … ستعرف السبب قريباً."
أجاب لوجان وهو يفرك عينيه الغائرتين. كانت عيناه، الغائرتان بالأصل، تبدوان الآن أكثر شحوباً و إرهاقاً بشكل يثير الشفقة.
قاد هيوغو نحو العربة المنتظرة .
" اصعد بسرعة."
" … هل من الآمن حقاً أن أصعد ؟ "
" ماذا تعني بهذا الكلام ؟ "
تحدث هيوغو وهو ينظر تارة إلى لوجان وتارة إلى العربة : " بصراحة، يبدو لي أن هذه عربة سريعة متجهة مباشرة إلى الجحيم."
" … احم ! "
ارتجف لوجان من هذه الملاحظة الحادة والدقيقة بشكل غير ضروري، وأحدث جلبة وهو يحاول مداراة الأمر : " جـ … جحيم ماذا ؟ كفَّ عن الهراء واصعد بسرعة ! "
ثم دفع هيوغو، الذي كان أطول منه، داخل العربة قسراً .
نعم، من الناحية المنطقية، لم يكن الجحيم. بل كان الأمر مجرد توجهٍ نحو المكان الذي يتواجد فيه رئيسه، الرجل الذي يفوق "سيد الجحيم" نفسه قسوةً وفظاعة .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
كان فرايجر يقرأ الوثائق التي تسلمها من إدموند، وهي وثائق تحتوي على البيانات الشخصية لذلك المدعو إريك فوستر، الذي هرب مع كارولين .
" ليس من أقارب البارون فوستر ؟ "
اشتدت قبضته على حواف الورق، فأجاب إدموند وهو يحني رأسه باحترام : " نعم، حتى البارون فوستر نفسه قال إنه لا يعرفه، بعد التحري، تبين أنه ينتمي لفرع بعيد جداً من العائلة، انفصل عن سلالة البارون منذ عهد جده الأكبر، في الواقع، هو غريب تماماً عنهم."
" ماذا عن المعلومات الأخرى ؟ "
" قيل إنه كان يدرس في كلية الطب بالعاصمة، لكنه ترك الدراسة."
ارتجف حاجب فرايجر أمام هذا السجل غير المتوقع، يبدو أن الرجل أذكى مما ظن .
" ما سبب تركه للدراسة ؟ "
" يبدو أن الرسوم الدراسية كانت هي العائق، بخلاف ذلك، لا توجد معلومات تذكر … "
" هذا القدر كافٍ، يمكنك الانصراف."
" أمرك."
حدق فرايجر في وثيقة قبول إريك فوستر في كلية الطب وكأنه يريد اختراقها بنظراته، فقد كان إريك الأول أو الثاني على دفعته في جميع الفصول الدراسية، باستثناء الفصل الذي سبق انسحابه مباشرة .
" ترك الدراسة بسبب المال … "
تمتم فرايجر وهو يسند ذقنه على يده. كان شفق الغروب، الذي كان يستقر في منتصف الجبل، قد بدأ يغرق الآن بلون أحمر قاني يشبه لون الدماء .
" سموك، إنه أنا لوجان."
رفع فرايجر رأسه عند سماع الصوت اللاهث القادم من خلف الباب. وبدلاً من أن يأمره بالدخول، سار نحو الباب وفتحه بنفسه .
" يا إلهي … أفزعتني ! "
" …… "
" لماذا تفعل فجأة شيئًا لم تفعله من قبل ؟ "
بدا أن هيوغو قد فزع حقاً، إذ توقفت يده التي كانت توشك على الإمساك بمقبض الباب معلقة في الهواء. فضربه لوجان على ذراعه ضربة قوية سُمع صوتها، ليصمته عن تذمره الخافت .
لم ينطق فرايجر بكلمة، بل تنحى جانباً عن الباب قليلاً. حينها فقط دخل لوجان وهيوغو إلى المكتب. وعلى الرغم من أن هيوغو قد أدرك الموقف بفضل ثرثرة لوجان المستمرة منذ ركوبهما العربة، إلا أن رؤية فرايجر غارقاً في هذا الهدوء المخيف والمظلم جعلته يشعر بضيق في التنفس .
تظاهر هيوغو بالهدوء وبسط كتفيه ثم جلس على الأريكة. بعد قليل، أحضرت خادمتان الشاي.
لم يفتح فرايجر فمه بكلمة واحدة طوال فترة إعداد أدوات الشاي وتخميره، بل على العكس، بدا مسترخياً وهو يستنشق عبير الشاي ويتذوقه بتمهل .
" هل كانت رحلة عملك إلى رامفيلد ممتعة ؟ "
لم يتحدث فرايجر إلا عندما شعر بأن لوجان وهيوغو قد بلغا حافة الموت من التوتر. وحتى سؤاله كان متعلقاً بالعمل، مما جعل هيوغو يمسح العرق المتصبب من كفيه خفية .
" نعم، كان رد الفعل هائلاً جداً لدرجة أن الابتسامة لم تكن تفارق وجهي وأنا أشاهد النتائج."
" يسرني سماع ذلك."
" بالطبع، كان التعب يفوق المتعة بمراحل."
" أنت ولوجان … كلاكما تبالغان في المرض."
" هاهاها "
ضحك هيوغو ضحكة مرتبكة وانتظر الكلمات التالية، لكن فرايجر اكتفى بشرب الشاي والابتسامة تعلو وجهه.
كان من الواضح أنه ينوي تركهما يحترقان ببطء تحت وطأة التوتر. وبينما كان هيوغو يلوم لوجان في قرارة نفسه ويتحسر على ركوبه تلك العربة، أخرج فرايجر ظرفاً. حدق الرجلان في ظرف الرسالة الذي أُلقي على الطاولة بتعبيرات ملؤها الحيرة والارتباك .
" … ما هذا ؟ "
" اقرأه."
أجاب فرايجر بإيماءة قصيرة من ذقنه رداً على سؤال هيوغو. تردد هيوغو للحظة، لكنه وتحت إلحاح نظرات لوجان، أخرج الرسالة من الظرف. كان الخط المستدير الذي يشبه صاحبه مألوفاً لديهما إلى حد ما.
" اقرأ السطر الأخير."
" عفواً ؟ حسنًا."
مسحت عينا هيوغو الرسالة بسرعة حتى استقرتا على الجملة الأخيرة المكتوبة فيها.
" لنلتقي قبل أن يحلّ شهر أغسطس، يا عزيزي … ؟ "
" مرة أخرى."
" … لنلتقي قبل أن يحلّ شهر أغسطس، يا عزيزي."
شعر هيوغو بمرارة في لسانه وهو ينطق بكلمات الحب بينما ينظر إلى فرايجر. ورغم أنه لم يكن سوى قارئ لما كتبته كارولين، إلا أنه لم يكن يرغب أبداً في قول "عزيزي" لهذا الرجل ذو الوجه البارد والقاسي .
" ما هو تاريخ اليوم ؟ "
" عفوًا ؟ إنه أغسطس … آه …… "
تصلب فم هيوغو الذي كان على وشك نطق التاريخ دون تفكير، و وضع فرايجر ابتسامة ملتوية وهو يراقب رد فعله .
" أجل، إذاً أنا لم أخطئ في القراءة."
" …… "
" ولكن، لماذا ؟ "
كادت الرغبة في قول "ومن أين لنا أن نعرف؟" أن تخرج من حنجرة لوجان.
لقد قال منذ قليل إنه يجب الفصل بين العمل والحياة الخاصة، والآن يجلس موظفَين بريئين ليسمعهما مشاكله الأسرية، شعر لوجان بشيء من الاستياء تجاه فرايجر، ولكن، لكي تكون "عاملًا بارعًا" من الدرجة الأولى، عليك أن تعرف متى تحني رأسك .
أما هيوغو، الذي لم يكن يعلم ما يدور في عقل لوجان، فقد قطب حاجبيه وخفض صوته قليلاً : " … هل أصاب السيدة مكروه ؟ "
" لا."
" إذاً …… "
" المكروه لم يصب كارولين، بل أصابني أنا."
" …… "
" لقد خدعتني."
قال فرايجر ذلك وهو يرفع فنجان الشاي بأناقة، في حركة هادئة وأرستقراطية للغاية .
اتسعت عينا هيوغو من الصدمة عند سماع كلمة "هروب" (التي تضمنها المعنى) .
نظر هيوغو إلى لوجان تارة، وإلى الجملة المكتوبة في الرسالة تارة أخرى، ثم عاد ببصره إلى فرايجر.
كان يعلم أن خطباً ما قد حدث، لكن "الهروب" ؟ لقد كان أمراً مفاجئاً لأن الشخص الذي ارتكبه هو أبعد ما يكون عن مثل هذه الأفعال، والأكثر مفاجأة كان برود رئيسه وهو يتحدث عن الأمر بكل ثبات .
" هل أنت متأكد من ذلك ؟ "
فتح هيوغو فمه ليتحدث وهو يحاول تثبيت بؤبؤي عينيه اللذين كانا يتخبطان بضياع .
" التاريخ الذي أخبرتني به، وكما هو مكتوب في الرسالة، كان في شهر يوليو، أما التاريخ الذي أخبرت به الخدم، فهو منتصف أغسطس."
" …… "
" وبدلاً من أن تكون في بلايك، قامت بسرقة البريد المرسل إلى حارس الفيلا دون أن يلحظ أحد."
" …… "
" لقد رحلت بصحبة خادمة لم يمر على تعيينها سوى أسبوعين، وخادم وسيم في الثامنة والعشرين من عمره."
حين أضاف فرايجر سؤاله: " ما رأيك ؟ "، لم يكن وجهه يوحي بأنه ينتظر إجابة من أحد .
ورغم أنه كان يظن أنه يكبح مشاعره، إلا أن مزيجاً من الغضب، الكراهية، الاستياء، والسخرية تجاه كارولين كان يتدفق منه بوضوح.
شعر هيوغو وكأن ثقل تلك المشاعر يضغط على كتفيه.
" … السيدة ليست من النوع الذي يفعل ذلك … "
" وكيف لك أن تعرف ذلك ؟ "
أمام ملاحظة فرايجر، ابتلع هيوغو ريقه بصعوبة.
"لا يوجد شخص في هذا العالم يمكن الوثوق به"؛ كانت هذه هي الحقيقة التي تعلمها هيوغو بكل كيانه أثناء عمله تحت إمرة فرايجر.
" حسناً، لنمضي مع افتراضك بأن كارول ليست من ذلك النوع من الأشخاص."
" …… "
" لنفترض أنها بتلك الملامح البريئة، وبينما كانت تهمس في أذني بكل أنواع الكلمات المعسولة، كانت تدبر هذا الأمر من خلف ظهري."
" …… "
" هذا يجعلني أشعر بحنق أكبر."
وضع فرايجر فنجان الشاي بقوة لدرجة أحدثت صوتاً عالياً، ففقد الشاي توازنه وفاض خارج الفنجان.
أجبر فرايجر زوايا فمه على الارتفاع مبتسماً، كانت ابتسامة باردة لدرجة تجعل القشعريرة تسري في كامل الجسد .
اضطرب السكون المحيط بهم وكأنه عاصفة.
" … هل أبحث عنها ؟ "
كان صوت هيوغو الحذر هو ما كسر حاجز الصمت. وعند سماع كلماته، أخرج لوجان أيضاً قلم الحبر ودفتر ملاحظاته من حقيبته .
" لا أعلم، ماذا عليّ أن أفعل ؟ "
حدق فرايجر في بقعة الشاي التي كانت تنتشر على الطاولة. كان الشاي الذي خرج من الفنجان يرسم دائرة كبيرة تتسع مساحتها تدريجياً . ولحسن الحظ، كان وجهه المنعكس على سطح السائل يبدو مشوهاً بشكل يروق له.
" عذراً، لقد أرسلت شخصاً إلى 'لو فالي' تحسباً لأي طارئ … "
عند سماع صوت لوجان، التفت فرايجر وهيوغو نحوه في وقت واحد. يبدو أن لوجان قد أدرك خطورة الموقف واتخذ إجراءات مسبقة .
فتح لوجان دفتر ملاحظاته وتحدث بحذر: " لم تزر قصر ويزل بالطبع، بل إنها لم تقترب من ضواحي لو فالي على الإطلاق."
كانت 'لو فالي' قرية ريفية صغيرة في جنوب المملكة، حيث يقع منزل عائلة كارولين .
" لقد أرسلت شخصاً أيضاً إلى مكتب بريد بلايك حيث خُتمت الرسالة، ونجحت في العثور على المنزل الحقيقي لعائلة إريك فوستر، وبمجرد اكتشاف أي شيء، سيتصلون بنا فوراً."
" … تقوم بأعمال لم آمرك بها، لا أعلم أأثني عليك أم أوبخك."
" أياً كان خيارك، سأعتبره بمعنى إيجابي."
أطلق فرايجر ضحكة ساخرة خفيفة على دعابة لوجان. رغم أنه كان يكره مكره وتملقه، إلا أنه كان شخصاً مفيداً بطريقته الخاصة.
" حسناً، إذاً اخرج يا لوجان وتابع عملك."
" … عفواً ؟ مرة أخرى ؟ "
" بما أن عرض رامفيلد قد انتهى، عليك البدء بمهام أخرى."
" لكن الساعة الآن الثامنة مساءً … "
" بالمقابل، أنا أدفع لك المزيد من المال."
" هذا صحيح … "
لم يكفّ لوجان عن التذمر، لكنه حزم حقيبته بجدية. لم يبقَ في المكتب بعد خروج لوجان سوى فرايجر وهيوغو.
" هيوغو."
حدق فرايجر في هيوغو بنظرة ثاقبة ومركزة قبل أن يتحدث : " لدي مهمة لك."
" إذا كان هناك ما تأمر به …… "
ابتلع هيوغو ريقه وهو يواجه نظرات فرايجر. في هذا الموقف، لم يكن هناك سوى شيء واحد يمكنه توقعه.
****************************