الفصل ١١٨ و ١١٩ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم السادس عشر _ 1/11 (6)

قطبتُ حاجبيَّ لبرهة ثم هرعتُ بخطوات متسارعة نحو المطبخ .

" …… "

توقفتُ فجأة حين رأيتُ باب المخزن مفتوحاً على مصراعيه.

تسللت رائحة كريهة وخفيفة إلى طرف أنفي. كنتُ أعلم أن بقاء باب المخزن مفتوحاً ليس أمراً غريباً بحد ذاته، ولكن … دخلتُ إلى المخزن بحذر، وفور دخولي فاحت رائحة القبو العفنة بقوة.

— نبضات، نبضات.

بدأ قلبي يسقط في هاوية لا قاع لها. حدقتُ صامتة في الباب الحديدي المفتوح على اتساعه. يبدو أن وقتاً ليس بالقصير قد مضى منذ نزول الجميع إلى الأسفل، لدرجة أن رائحة القبو بدأت تتسرب إلى خارج المطبخ.

" …… "

ساد سكون تام.

كان ذلك دليلاً قاطعاً على أن أولئك الذين فتحوا الباب الحديدي قد وصلوا بالفعل إلى الكوخ.

حدقتُ في الباب الحديدي للحظة ثم خرجتُ من المخزن.

ربما كان هذا أفضل … إذا نزل كل من في القصر عبر الباب الحديدي، فسيكون لديَّ متسع من الوقت للتحقق من منصة الإطلاق .

تفحصتُ القصر على عجل؛ وبدا أن حدسي كان في محله، إذ لم تكن هناك أي علامة على وجود شخص في أي مكان .

لم يكن يُسمع سوى وقع خطواتي وهي تملأ أرجاء القصر. صعدتُ مسرعة إلى الطابق الثالث. وبحلول الوقت الذي بدأ فيه نَفَسي يتقطع، تمكنتُ أخيراً من الوصول إلى الطابق الثالث بشق الأنفس.

" …… "

كان المكان هنا أيضًا غارقاً في السكون. إضاءة الطابق الرابع كانت لا تزال تسلط نورها على أرضية الطابق الثالث المظلمة كليلٍ دامس .

عبرتُ ردهة الطابق الثالث التي تتناثر فيها أضواء تشبه النجوم، وصعدتُ إلى الطابق الرابع .

كانت فوهة منصة الإطلاق، التي كانت موجهة نحو حبل تمثال الأسد بوقار، تلمع بلون أزرق بارد تحت الإضاءة .

ابتلعتُ ريقي بصعوبة واقتربتُ من منصة الإطلاق. كان التوتر يتملكني؛ فمن المؤكد أن أحدهم قد وضع الرصاصة بالفعل في الأسطوانة.

ولكن في تلك اللحظة بالضبط …

— صرير .

تناهى إلى مسامعي صوت فتح باب في الطابق الثالث. كان صوتاً يبعث قشعريرة مرعبة في الأوصال.

قبضتُ يدي على الحاجز بقوة دون وعي. وبعد لحظات، الشخص الذي انعكست صورته في عينيَّ كان … هانا.

كان وجهها عادياً كما هو دائماً. حدقت فيَّ بعينين يملؤهما الهدوء، وكأنها كانت تتوقع تماماً وجودي هنا.

حينها فقط، استطعتُ أن أدرك بشكل غامض أن الشخص الذي وضع القصاصة في غرفتي كانت هانا.

— نبض، نبض.

بدأ قلبي ينبض بعنف. شعرتُ وكأنه سيقفز من صدري في أي لحظة. كان خفقانه قوياً لدرجة أنني شعرتُ بتنميل في أطراف جسدي كله.

"..... هل تنوين التحقق من منصة الإطلاق؟"

سألتني هانا بهدوء وهي تحدق فيَّ بجمود. وضعتُ يدي على فمي دون أن أتمكن من نطق كلمة واحدة رداً على سؤالها.

حاولتُ كتم أنفاسي بيديَّ اللتين ترتجفان بشكل غير طبيعي، لكن ذلك لم يفلح في تهدئة ضربات قلبي المتسارعة .

تردد صدى صوت هانا في أذني. وتخيلت صورة ديريك وهو يقترب من فيفيان الواقفة على منصة أُطفئت كل أنوارها، وتداخلت صورته مع صورة هانا الآن.

<لطالما كانت عيناي تقعان عليكِ قبل الممثلين الرئيسيين.>

رغم أن المكان كان مختلفاً تماماً عن قاعة المسرح المزينة بالفخامة.

" انزلي."

" …… "

" تحققكِ من منصة الإطلاق في هذا الوقت لن يؤدي إلا إلى تعزيز شكوكي ضدكِ."

تموج الغضب في عينيها تحت ضوء المصابيح. ورغم أن نبرة هانا كانت هادئة، إلا أن المعنى الكامن خلفها كان واضحًا. حتى لو أخرجتُ الرصاصة الحية من المنصة، فلن يتغير شيء .

فكما قالت، ستكون أفعالي هذه دليلاً قاطعاً ضدي، وسأكون أنا من يموت في التصويت الثاني. حركتُ قدميَّ المتجمدتين بهدوء.

حين نزلتُ و وقفتُ أمامها، كانت أضواء القاعة مبهرة، لدرجة أنها آلمت عينيَّ.

فتحت هانا شفتيها الجافتين، وهي تتبع تحركاتي بنظرات ثاقبة: " بما أن الجميع قد غادروا القصر لفترة، فلدينا متسع من الوقت للحديث."

… هل كان هذا من فعل ريموند ؟ هل كان هذا هو السبب الذي جعله يسأل بإلحاح عن الرقم السري للمخزن … ؟

" يبدو أن لديكِ ما تقولينه بشأن هيلين، أليس كذلك ؟ "

" صحيح."

وافقتني هانا الرأي، لكنني لم أستطع تصديق كلماتها؛ فلا بد أن لديها غاية أخرى من استدعائي .

نطقت هانا بهدوء: " أردتُ أن أشعر بآلامكِ … أن أعرف كيف يكون الحزن على فقدان العائلة … إنه عذاب، ومع ذلك، أنا هنا لأنني أريد معرفة السبب."

تحدثتُ وكأنني أضغط على حروفي بشدة: "...... هل أنتِ من قتل هيلين ؟ "

كان لدى هانا دافع كافٍ، إن كانت استنتاجاتي صحيحة، وإن كانت هي أيضاً قد وصلت إلى الحقيقة الكاملة.

رمشت هانا ببطء رداً على سؤالي. كانت حركة بطيئة وكأنها تستحضر ذكريات الماضي.

حدقت بشرود في السقف للحظة، ثم أعادت نظرها إليَّ: " ماذا تعتقدين ؟ "

انعقد لساني فجأة. وحين رأت هانا صمتي، أطلقت ضحكة ساخرة.

".... لو أنني قتلتُ تلك الفتاة بيدي أولاً، لربما لم أكن لأشعر بكل هذا العذاب الآن."

شعرتُ حينها وكأن الهواء قد انقطع عني .

اقتربت مني هانا ببطء وهي تراقبني بعينين جافتين تماماً: " كنتُ أود سؤالكِ … هل كنتِ سعيدة طوال ذلك الوقت ؟ أم أنكِ كنتِ تعيشين حياة طبيعية على الأقل ؟ "

" …… "

"...... على عكسي أنا، التي كنتُ أعيش في قلب الجحيم."

...... هل تسأل إن كنتُ سعيدة ؟

بدت كلماتها مثيرة للسخرية بشكل لا يصدق. لم تكن هذه كلمات ينطق بها شخص وقح لا يعرف شيئاً عما مررتُ به طوال تلك الفترة .

تسللت ضحكة من بين شفتيَّ رغماً عني. كان من حسن حظي أنني لم أعد أرتجف كما كنتُ قبل قليل؛ إذ ساد رأسي هدوء غريب .

كان هذا أفضل من الظهور بمظهر بائس ومخزٍ. توقفتُ عن الضحك بصعوبة وسألتُ هانا: " ولماذا كنتِ تعيشين في الجحيم ؟ "

" لأن ذلك الرجل الذي قتلتِهِ … هو ابني."

نطقت هانا بكلماتها بهدوء، لكن عندما رأت أن ملامحي لم تتغير، بدأ وجهها يتشوه تدريجياً، وبرزت عروق زرقاء في رقبتها من شدة الانفعال .

" هل كنتِ تعرفين كل شيء بالفعل ؟ "

"...... هل هذا شيء لا يُفترض بي معرفته؟"

" …… "

" بما أن الآنسة هانا تعرف أيضاً أنني أنا من قتل ديريك."

كان هذا مجرد تبرير، لكنني لم أقله لاستفزازها عمداً. لم يعد بإمكاني الاعتذار، كما أن الوقت قد فات لإنكار الأمر .

منذ لحظة ما، بدأتُ أتصرف وكأن صماماً في عقلي قد تعطل، فلم تعد ملامحي أو أفعالي، أو أي شيء فيَّ، يتحرك وفق إرادتي .

لو كنتُ أملك القدرة على تغيير تعابير وجهي بحرية، لربما حاولتُ الإنكار، لكن في تلك اللحظة، أمسكت هانا بتلابيب قميصي بعنف، وبدأت ملابسي تخنق رقبتي.

حاولتُ جاهدة إخراج زفير للبحث عن أي ثقب صغير للتنفس، لكن دون جدوى. ومع ذلك، وبما أنني عشتُ حياتي كلها وكأن خناقاً يلتف حول عنقي، لم أشعر بتأثر كبير تجاه هذا الموقف.

" منذ متى بالتحديد … ؟! "

اصطبغ وجه هانا باللون الأحمر القاني، بلون يشبه الوردة الحمراء التي أهداها ديريك لفيفيان كهدية .

أملتُ رقبتي قليلاً لأجد متنفساً، لكن التنفس ظل صعباً: "..... أنا من يود سؤالكِ عن ذلك، متى عرفتِ أنني القاتلة التي أودت بحياة ديريك ؟ "

نظرة هانا تجاهي لم تتغير إلا منذ بضعة أيام فحسب.

تحديدًا … منذ اللحظة التي فُتح فيها الباب الموصد في الطابق الرابع.

تلمستُ مشاعر هانا بشرود وغمغمتُ بهدوء: ".... يبدو أن الآنسة هانا هي من فتح باب الطابق الرابع."

" …… "

"...... أليس كذلك؟"

لم يأتِ رد من هانا، وكأن كلماتي كانت هي الحقيقة. كان من المضحك قليلاً تذكر كيف أصرت على عدم امتلاكها للمفتاح، وكيف حاولت اتهامنا ومطالبتنا بتسليمه.

" أي نوع من الأدلة وجدتِ هناك لتصلي إلى هذه النتيجة......"

أطلقتُ ضحكة فاترة. لقد كان الموقف برمته يثير الحيرة والذهول. أولئك الذين كانوا يطالبونني بألا أكذب، كانوا هم أنفسهم يتنفسون كذباً.

لم تكن حقيقة أجهلها، لكنني لم أتخيل أنهم بهذه الوقاحة. تصلب وجه هانا تماماً، وبدا أنها لم تعد تسمع كلماتي. بدأت قبضة يدها التي تمسك بي ترتخي تدريجياً. تراجعتُ عنها وأنا ألهث بصعوبة لاستعادة أنفاسي .

" هاهاها ......!"

انفجرت هانا في ضحك هستيري كالمجانين، وبدأت تمزق شعرها وهي غير قادرة على كبح مشاعرها .

ذلك الوجه الذي كان يضحك ببؤبؤ عينين متسع، سرعان ما غطتها ملامح العذاب، وبدأت تضرب رأسها بقبضتها بقوة محدثة صوتاً مكتوماً.

" هاهاها......!"

تردد صدى ضحكاتها الخشنة في أذني .

" ذلك الطفل...... ذلك الطفل......"

غمغمت هانا بوجه شارد، ثم نظرت إليَّ مباشرة وقالت: "...... لقد كان فخري واعتزازي."

" يبدو أنه لم يكن لديكِ الكثير لتفخري به إذاً يا آنسة هانا."

في تلك اللحظة بالضبط ……

— صفعة !

حدث الأمر بسرعة خاطفة لدرجة أنني لم أستوعب الموقف فوراً. لم أشعر بالألم بقدر ما شعرتُ بالذهول. رغم أنني لم أقل شيئاً خاطئاً.

أعدتُ وجهي ببطء بعد أن انحرف من قوة الصفعة. كانت قبضة هانا مشدودة وكأنها تنوي قتلي ضرباً.

بدأت هانا تهمس بكلمات متواصلة وعيناها واسعتان تماماً: " القاتل ......"

" …… "

" يجب أن يموت، هذا هو العدل."

وجهتُ كلامي لهانا بهدوء: " صحيح، هذا هو العدل فعلاً."

بصقتُ الدم الذي تجمع في فمي وتابعت: " لهذا السبب مات ابنكِ."

****************************

الفصل : ١١٩

اليوم السادس عشر _ 1/11 (7)

لم تُبدِ هانا أي اضطراب يُذكر بعد سماع كلماتي.

كان رد فعلها مختلفاً تماماً عما توقعت؛ ظننتُ أنها ستستشيط غضباً، أو تتصرف بوقاحة، أو حتى يرتسم الذهول على وجهها.

وفي تلك اللحظة، توصلتُ إلى حقيقة واحدة.

أطلقتُ ضحكة فاترة يملؤها الخذلان: " آه، لقد كنتِ تعرفين بالفعل إذاً ......"

حينها فقط، بدأ خدي الذي صُفع يشعر بالألم والنبض.

" كنتِ تعرفين … ومع ذلك، تتصرفين بكل هذه الوقاحة......"

على الأقل، لو كنتِ تدركين حجم الجرائم التي ارتكبها ديريك، لما كان ينبغي لكِ مواجهتي بهذا الشكل. ورغم الألم النابض في خدي، تحركت زوايا فمي بابتسامة قسرية .

لم أقل ما قلته طمعاً في اعتذار منها، ولا رغبةً في نيل تفهمها … ولكن، حتى مع ذلك، أليس رد الفعل هذا مبالغاً فيه ؟

ألا يُفترض بها أن تُظهر ولو ذرة من الشعور بالذنب ؟ أم تراه الغضب لفقدان طفلها قد أعماها تماماً عن فهم معاناتي ؟

خرجت من بين شفتيَّ الملطختين بالدماء كلمات مضطربة: " أنتِ فقدتِ ابنكِ، لكنني أنا فقدتُ والديَّ."

" …… "

" لا أظنكِ تجهلين من الذي بدأ كل هذا."

ومع ذلك، تجرأت بكل وقاحة على نطق اسم هيلين، وقالت إنها تتألم لأنها لم تقتل تلك الفتاة البريئة أولاً … لا يجب أن يكون الأمر هكذا .

تمتمتُ وأنا أتراجع للخلف دون وعي: " أنتِ أيضاً ابنة لشخص ما، أليس كذلك ؟ "

لكن وجه هانا الذي كان يستمع إليّ لم يكن سوى كتلة من الغضب المتفجر الذي ابتلع كل شيء. وكلما واجهتُ وجهها ذاك، غلبتني الرغبة في الضحك. كنتُ أعلم أن هذا الشعور لا يتناسب أبداً مع الموقف، لكنني لم أستطع التوقف .

هل جننتُ أخيراً ؟

بمجرد مواجهة وجهها، شعرتُ وكأن كل ما كنتُ أؤمن به ينهار .

...... هل أنا الغريبة هنا ؟

بداية كل هذه المأساة كان ذلك الرجل. لو لم يقتل ديريك أحداً في شارع بيكر، لما كانت فيفيان تعيسة هكذا أبداً . لكانت عاشت حياة طبيعية في كنف والدين محبين، تذهب للمدرسة وتنعم بالهدوء، ولكانت أقامت حفل زفافها في حديقة الورود وهي تمسك بيد والدها لتتزوج من الرجل الذي تحب، تماماً كما تمنت هيلين .

تلك الحياة المثالية التي يحلم بها الجميع. الرجل الذي حطم كل ذلك هو ديريك جينكينز. لولا ذلك الرجل، لما حُبستُ في قصر إرنست، ولما وقفتُ الآن أمام هانا وأنا أشعر بهذا الشعور المقيت.

".... إذا دمر أحدهم حياة شخص آخر اليومية، فعليه أن يكون مستعداً لتقبل الثمن بتواضع."

بينما كنتُ أتحدث، شعرتُ بالاختناق مجدداً. وكأن شخصاً ما يشد الخناق حول عنقي .

اقتربت هانا مني ببطء بينما كنتُ أبتعد، ونطقت بصوت مكتوم وكأنها تضغط على مشاعرها: " للدولة قانون، وعلى المواطنين اتباعه لكي يسير العالم بانتظام، هذه قاعدة نزلت إلينا منذ العصور القديمة."

" …… "

" حتى لو كان ديريك يستحق العقاب، لم يكن من حقكِ أنتِ أن تنزليه به."

" وهل كان سيتلقى العقاب حقاً ؟ "

حدقتُ فيها بعينين يسودهما سكون تام.

" أنتِ نفسكِ لم تُعاقبي على الخطايا التي ارتكبتِها، فكيف تتوقعين أن ينال ابنكِ عقابه … ؟ "

عند سماع كلماتي، بدأت ملامح وجه هانا تتصدع تدريجياً.

" يبدو أن ذلك 'القانون' الذي تتحدثين عنه يُطبق بشكل انتقائي … آه، ربما كان عليَّ أنا أيضاً أن أحاول إقامة علاقة مع أحد هؤلاء الكبار ذوي النفوذ."

نطقتُ بكلماتي وأنا أصرّ على أسناني: " لو فعلتُ ذلك، لربما استطعتُ العيش كما يحلو لي خارج حدود القانون."

أجل، لو كان الأمر كذلك، لكانت فيفيان وهيلين أسعد من أي شخص آخر.

أطلقتُ ضحكة خفيفة وسألتُ هانا: "بالمناسبة، كيف كان شعوركِ وأنتِ تصنعين حجّة غياب للقاتل الذي أودى بحياة ابنكِ؟"

شعرتُ بامتنان صادق تجاه لوكاس؛ فرؤية وجه هانا وهو يتصلب تدريجياً كانت تبعث في نفسي نوعاً من المتعة .

تشنج فكّها بقوة، لكنها سرعان ما حاولت كبح مشاعرها، وأخذت تعبث بمعصمها وهي تتحقق من الوقت .

" …… "

بدا أنها كانت تتحقق من الوقت المتبقي على انطلاق الرصاصة.

"...... أتمنى أن تصبحي تعيسة بقدر ما أنا عليه الآن."

" …… "

" حياة لا تقوين فيها على الموت، حياة تجعلكِ تظنين أن الموت أرحم بكِ، أتمنى أن تكون حياتكِ غارقة في البؤس إلى هذا الحد."

يا لها من لعنة مبتكرة حقاً . لكن بالنظر إلى أنني أعيش بالفعل حياة كهذه، يبدو أن الحاكم قد استجاب لطلبها مسبقاً.

" إذاً، سأدفع ثمن خطاياي كاملاً، وعندما أموت سأذهب إلى الجنة، أما ابنكِ، فلا شك أنه يتخبط في قاع الجحيم الآن."

" من يعلم، هل سيكون الأمر كذلك حقاً ؟ "

نطقت هانا بكلماتها بهدوء. وفي اللحظة التي قطبتُ فيها حاجبيَّ بسبب قولها … وجهت هانا نظرها نحو الباب الخشبي الموجود في منتصف الطابق الرابع، وجمعت كفيها معاً، ثم بدأت تهمس بشيء ما بوجه يملؤه الخشوع .

" …… "

تتبعتُ نظراتها نحو الباب الخشبي، وسرعان ما أدركتُ ما الذي كان موجوداً عليه.

… علامة "تحقيق الأمنيات".

أطلقتُ ضحكة فاترة. يبدو أن هانا تصرّ على تقديم قربان للشيطان لتتمنى لي التعاسة .

كان وجه هانا وهي تصلي وكفاها مجمعتان يبدو نقياً وطاهراً، وخالياً من العيوب. ربما بدت في تلك اللحظة مؤمنة بقدر إيان حين كان يصلي لأجل موت جاك.

وبعد فترة، انتهت صلاتها وفتحت عينيها. كانت عيناها لا تزالان فاقدتين للتركيز، وخاليتين من أي مشاعر تُذكر .

"هل اعترفتِ للحاكم بخطاياكِ على الأقل؟"

سألتُها دون وعي، فرسمت هانا ابتسامة خفيفة. كانت أصفى ابتسامة أظهرتها حتى الآن. كان مظهرها ذلك يبعث قشعريرة مرعبة في الأوصال بشكل غريب .

نظرت هانا إلى يدها بتمعن؛ كان عقرب الثواني في ساعة معصمها يتحرك بسرعة كبيرة.

وبينما كانت تراقب الساعة، تمتمت بكلمات غير مفهومة بصوت خافت: " لم يتسنى لي حتى أن أعانقه بشكل لائق ......"

كانت كلماتٍ بلا فاعل صريح، لكنني أدركتُ أنها كانت تقصد ديريك .

في تلك الأثناء، خلعت هانا الساعة التي كانت تطوق معصمها، و وضعتها بعناية على الأرض.

قطبتُ حاجبيَّ وأنا أنظر إليها بحيرة لما تفعله: " ما الذي تفعلينه الآن......؟ "

" أريد التكفير عن ذنبي."

تابعت هانا بصوت جاف وخالٍ من الحياة: " إن كل الخطايا التي ارتكبها ذلك الطفل هي بسببي، لأنني كنتُ له أماً عاجزة."

...... تكفير ؟

نظرت هانا إليَّ و رسمت على وجهها ابتسامة مشرقة: " أتمنى من كل قلبي … أن تتمكني أنتِ على الأقل من الخروج من قصر إرنست بسلام."

وفي اللحظة التي أزعجتني فيها كلماتها تلك ……

— طاخ !

دوّى في الفضاء صوت طلقة نارية ضخم جعل أذنيَّ تصابان بالطنين.

وفي الوقت نفسه، انقطع الحبل المتدلي من السقف وهوى تمثال الأسد إلى الأسفل .

— بـوم !

تحول عقلي بياضاً تاماً، وفي تلك اللحظة، تناثرت الدماء في الهواء ورشت قطرات حمراء ساخنة على وجهي.

" …… "

تصلبتُ مكاني تماماً وأنا أحدق في الأرض. لم يعد لهانا أثر حيث كانت تقف؛ كل ما وقع عليه بصري هو الماء القابع تحت الأرضية الزجاجية .

انتشرت الدماء القانية في الماء الشفاف، وبدأت تتوسع بسرعة وكأنها حبر سُكب فيه، حتى تحول لون الماء أحمر قانياً بالكامل .

لقد دُفنت هانا تماماً داخل رمز عائلة جينكينز الذي لطالما أحبته. وكأنها تحتفي بسقوطها النهائي، لمعت شظايا الزجاج المحطم وهي تعكس الضوء، لتزيد ردهة الطابق الثالث بريقاً.

أضاءت قاعة الرقص بموتها، لكن رائحة الدماء التي فاحت في المكان لم تكن سوى رائحة تثير الغثيان .

وفي تلك اللحظة، وسط ذهولي الشديد، طرأ على ذهني سؤال واحد .

...... تكفير ؟ عن أي تكفير تتحدث ؟ ولمن ؟

اقتربتُ من هانا دون وعي؛ كانت الشقوق التي بدأت من الحفرة التي خلفها سقوط تمثال الأسد تتسع تدريجياً في الأرضية، لكنني لم أستطع التوقف عن التقدم نحوها.

" … هل ماتت ؟ "

...... لماذا ؟ هل سوف تكفرين عن ذنبه بالموت ؟ من أنتِ لتفعلي ذلك ؟ أنا لم أغفر لديريك بعد، فكيف تقررين أنتِ أن تتحملي ثمن خطاياه ؟

تردد صدى صوتي في أذني كطنين النحل. لم يعتذر لي أحد؛ لقد استغلوا كلمة "التكفير" المثالية كما يحلو لهم، ثم رحلوا بالموت .

نظرتُ إلى السقف بوجه شاحب ومضطرب.

إن كان هذا تكفيراً، فلماذا لم يعتذر لي أحد ؟ ولماذا يقررون التكفير عن ذنوبهم أمام حاكمهم فقط ؟

لم يكن هناك من يجيب على سؤالي؛ فقد مات الآن الشخصان اللذان يتشابهان بشكل مثالي.

… على الأقل، لو كنتم ستتصرفون بهذه الأنانية، كان عليكم أن تنطقوا بكلمة اعتذار واحدة سخيفة لي .

تشوهت ملامح وجهي من الغيظ. لو كنتُ أعلم أنكِ ستتخلصين من حياتكِ بهذا الرخص، لكنتُ قتلتُكِ بيدي أولاً.

" هاهاها......"

انفجرتُ بالضحك رغماً عني. لم يعد للندم الآن أي قيمة ولن يغير من الواقع شيئاً.

— تك !

سقطت قطعة من أنياب تمثال الأسد التي كانت معلقة بشكل خطير بعد تصدعها، وتدحرجت على الأرض حتى لمست طرف قدم شخص ما كان واقفاً عند الباب وتوقفت .

وسرعان ما بدأت أسمع من بعيد وقع أقدام أشخاص يهرعون نحو المكان.

أغمضتُ عينيَّ ببطء.

… لقد انتهى كل شيء .

كانت هذه الفكرة تتردد في ذهني وكأنه حقيقة بديهية. كان كل شيء حطامًا، ولم يتبقَّ لي سوى شعور طاغٍ بالعجز يلفني كالدخان .

شعرتُ بنظرات الأعين الكثيرة المصوبة نحوي وكأنها نظرات قضاة يصدرون حكمهم؛ ولم أكن أملك القوة لتحمل وطأة تلك النظرات.

مسحتُ الدماء عن خدي بظهر يدي. كان اختلاط دمائي بدم هانا يثير اشمئزازي لحد الجنون.

"...... فيفي."

نادت آرييل اسمي بوجه شاحب.

" أنتِ، ما الذي يحدث الآن ......"

تردد صوتها المرتجف في أذني. كان جسد هانا المسحوق تحت تمثال الأسد مشوهاً، لكن لم يكن من الصعب التعرف عليها.

نظرتُ إلى ساعة المعصم التي تركتها خلفها، وأفلتت مني ضحكة ساخرة دون وعي .

أعتقد أنني بدأتُ أدرك ولو قليلاً ماهية العقوبة التي أنزلتها بي .

وجهتُ نظري نحو الباب، ثم نطقتُ بهدوء: " أنا من قتل ديريك."

كانت تلك هي الحقيقة الوحيدة، ولا شيء غيرها .

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان