" ماذا ؟ "
لم أسمع صوته جيداً، فسألتُه دون وعي ليعيد ما قاله. وفجأة، بدا أن لوجان قد استشاط غضباً، وسألني بوجه محتقن بالاحمرار: " لماذا قمتِ بمواعدته ؟ "
"...... هل تقصد سيزار ؟ "
"ومن عساني أقصد غيره؟"
سألني بصوت فظ، ثم بدأ يلح عليَّ لآتيه بالجواب تماماً كما فعلتُ معه قبل قليل: " أخبريني، لماذا واعدتي ذلك الوغد ؟ "
"...... هل عليَّ الإجابة حقاً ؟ "
أجاب لوجان وكأن الأمر بديهي: " نعم."
لكن، لم يكن لديَّ ما أقوله تحديداً، فقلتُ مستفزة إياه: "...... لأنه وسيم ؟ "
" ماذا ؟! "
قفز لوجان من مكانه مذعوراً.
"هل أصيبت عيناكِ بالعمى ؟ ما الوسيم في شخص مثله ! "
أخذ يذرع المكان جيئة وذهاباً وهو يتمتم بضيق. وقفتُ مذهولة من رد فعله، وحركتُ شفتاي بصعوبة لأنطق في النهاية: " هل أنت من واعدتَ سيزار ؟ أنا من واعدته، فلماذا أنت ......"
انقبض وجه لوجان بشدة، ثم قاطع حديثي صارخًا: " هذا لأن ......! "
لكنه أطبق فمه فجأة دون أن يكمل جملته.
...... بدا من نبرة صوته وتعبيرات وجهه أنه غاضب حقاً.
راقبتُ لوجان وهو يزفر أنفاسه بصعوبة؛ لم أكن أفهم ما الذي أثاره إلى هذا الحد. وبدا أن لوجان نفسه أدرك أن حالته غريبة ومضطربة، فمسح وجهه بيده بخشونة.
دحرجتُ عينيَّ بتوتر، ثم سألتُه بنبرة خافتة: "...... هل ننزل؟"
لم يأتِني رد منه، لكنني بدأتُ أمشي بصمت. وبعد برهة قصيرة، سمعتُ وقع خطوات لوجان خلفي. وبخطواته الواسعة، سرعان ما لحق بي.
ظننتُ أنه سيتجاوزني ويتركني خلفه، لكنه أبطأ من سرعته ليمشي بجانبي تماماً.
" يمكنك التقدم عني......"
كان تصرفه مفاجئاً لي، فنظرتُ إليه بعينين متسعتين من الدهشة. حينها، نطق لوجان بتعبيرات وجهه الفظة المعتادة: " ماذا ؟ هل لديكِ اعتراض ؟ "
أثار كلامه ذهولي فأطلقتُ ضحكة ساخرة وأجبته: " لقد واعدته فحسب."
" أجل، واعدته فحسب، بل ودار بينكما حديثٌ لم يكتمل أيضاً."
هز لوجان كتفيه بخفة وكأنه يؤكد استنتاجه. على الرغم من أن تصرفه كان يثير حنقي، إلا أن الشيء الجيد هو أن الصداع الذي كان يفتك برأسي قد خف قليلاً أثناء حديثي معه.
أجل، لنكتفي بهذا القدر حالياً.
".... ماذا ستفعلين حين تخرجين من هذا القصر؟"
سألني لوجان بنبرة هادئة فجأة.
"ليس لدي شيء محدد في ذهني، ماذا عنك أنت؟"
" لا شيء كبيراً، لكنني أنوي الذهاب للقاء يورين."
" آه، هل تقصد تلك التي قلت إن لديها حبيبًا ؟ "
اتسعت عينا لوجان لسماعه ذلك، لكن سرعان ما بدأت زوايا فمه ترتجف بابتسامة خفيفة وسألني: " ماذا، هل كنتِ تتذكرين أمراً كهذا أيضاً ؟ "
توقفتُ عن المشي فجأة دون وعي. بدا أن مزاج لوجان قد تحسن فجأة، إذ لم تفارق الابتسامة وجهه.
" أنتِ مهتمة بي بشكل غير متوقع."
.... هل يمكن اعتبار هذا اهتماماً حقاً ؟
كان هناك خطأ منطقي واضح في استنتاجه، لكنني ابتلعتُ الكلمات التي كادت تخرج من فمي، ثم تابعتُ السير مجدداً.
" سيكون من الرائع لقاؤها مرة أخرى."
أطلق لوجان ضحكة ساخرة وكأن كلامي أثار مضحكته، كانت ضحكة تبدو وكأنها تسخر مني.
"لماذا تضحك؟"
"فقط لأنكِ تقولين أشياء تثير الذهول حقاً."
" …… "
" تلك المرأة ليست سوى عميلة."
...... عميلة ؟
" بصرف النظر عن العمل، لقد طعنني حبيبها بالسكين، لذا على أحدهم أن يدفع الثمن غالياً."
قال لوجان ذلك و وجهه يفيض بالاستمتاع. أدركتُ أنني لو سألتُ عن المزيد فلن أسمع شيئاً يسرّني، لذا تابعتُ المشي بصمت.
وفي تلك اللحظة بالضبط ……
[ اكتملت عملية ترميم الصورة.
هل تودين التحقق منها الآن ؟
أريد رؤيتها فوراً ! / لا بأس حالياً.]
...... عملية ترميم ؟
تذكرتُ حينها فقط أنني تركتُ صورة هانا الممزقة للنظام ليتولى إصلاحها. لقد كانت السرعة أكبر مما توقعت؛ ظننتُ أن الأمر سيستغرق وقتاً أطول .
بمجرد نزولي إلى الطابق الأول، اتجهتُ نحو الممر الغربي، لذا ناداني لوجان محتارًا من ذلك: " إلى أين أنتِ ذاهبة ؟ "
" سأذهب إلى غرفتي للحظة."
أسرعتُ بالدخول إلى الغرفة وأغلقتُ الباب قبل أن يتمكن لوجان من إيقافي، ثم فتحتُ "قائمة الأدوات".
" …… "
في الخانة السفلية من القائمة، رأيتُ صورة تتلألأ. كانت الصورة تطفو فوق الخانة وتشع بضوء أصفر ساطع، وكأنها تعلن عن وجودها لي.
مددتُ يدي بحذر وأمسكتُ بالصورة، وما إن فعلتُ ذلك حتى خبا الضوء الذي كان يلفها بسرعة .
[ أهدي ماضيَّ المشرق إليك ]
حتى الأجزاء المفقودة من الجملة المكتوبة على ظهر الصورة قد اكتملت الآن. بدت الكلمات متعرجة وكأن شخصاً خطّه سيئ قد بذل قصارى جهده في كتابتها، ومع ذلك، كان الإخلاص يفيض من بين ثنايا الحروف.
الصورة التي كان نصفها محترقاً عادت أيضاً إلى حجمها الطبيعي الذي أعرفه. قلبتُ الصورة بحذر نحو الأمام.
" …… "
في الصورة بالأبيض والأسود، ظهرت هانا بشعرها الطويل المتطاير وهي تبتسم ابتسامة مشرقة. ظننتُ في البداية أن سبب ابتسامتها غير المعتادة هو أن الصورة التُقطت في أيام شبابها؛ فمن الطبيعي أن يبتسم المرء عند التقاط الصور، لكن، كان هناك شيء آخر … تحت هانا في الصورة، ظهر طفل صغير يجلس في عربة أطفال.
عقدت الدهشة لساني لبرهة. بدا الطفل صغيراً جداً، في الثالثة من عمره تقريباً. لم يكن يشبه أحداً في هذا القصر، باستثناء هانا.
وضعتُ الصورة التي في يدي داخل "قائمة الأدوات"، ثم سارعتُ بالتحقق من معلوماتها .
[ صورة ماضي "هانا ووكر"
صورة تجسد اللحظة الأكثر تألقاً في حياة هانا ووكر.
ابنها الذي تحبه أكثر من أي شخص آخر، وحبيبها الذي ينظر إليها وإلى ابنهما بعينين تفيضان بالحب.
إنها صورة لزمن ثمين لا يمكن استبداله بأي شيء.
لقد كانت مستعدة لتحمل كل شيء، حتى وإن كان حبهما مخالفًا لقوانين المجتمع.]
حب مخالف لقوانين المجتمع … لم يكن هناك سوى إجابة واحدة .
… الخيانة الزوجية .
لكنني لم أستطع تصديق أن هانا قد ارتكبت فعلاً كهذا؛ فقد كانت تبدو أكثر نزاهة من أي شخص آخر هنا. ومع ذلك، كان من الواضح أن هانا قد تورطت في علاقة غير أخلاقية، وأنجبت طفلاً كدليل على ذلك.
تمنيتُ لو استطعتُ اعتبار كل هذا مجرد زيف، لكن بوجود الدليل المادي، لم يكن أمامي خيار سوى تصديق هذه الصورة.
علاوة على ذلك، لو لم تكن هذه الصورة حقيقية، لما كان هناك سبب يدفع هانا لمحاولة حرقها.
" …… "
عضضتُ على شفتي السفلى بقوة. بدا لي أن "الدليل" الذي حاول سكان الطابق الثالث إحراقه كان أكثر أهمية بكثير مما تخيلت.
أعدتُ الصورة إلى "قائمة الأدوات" واستدرتُ للخروج من الغرفة، لكنني توقفتُ فجأة مكان بذهول حين رأيتُ قصاصة ورق ملقاة أمام الباب.
ما هذا أيضًا … ؟
بذلتُ جهداً لتحريك قدميَّ المتجمدتين واقتربتُ لأحدق في القصاصة الملقاة هناك.
يبدو أن أحدهم قد دسّها من تحت فجوة الباب. وبما أنني دخلتُ الغرفة على عجل، لم ألحظ وجودها في البداية.
كان الخط المكتوب على القصاصة غريباً عليّ، لم أعرفه قط.
[ سأنتظرك في ردهة الطابق الثالث تمام الساعة 6:45 مساءً.]
كانت جملة قصيرة لكنها حملت ثقلاً كبيراً.
هذا الموعد لا يفصله عن وقت إطلاق الرصاص (الساعة 7:15) سوى ثلاثين دقيقة فقط. لم أكن أعرف من أرسل هذه القصاصة، لكنني استطعتُ تخمين نيته بشكل غامض .
..... كان تجاهل مثل هذه الرسائل هو الخيار الأمثل بالتأكيد.
فركتُ يديَّ الشاحبتين اللتين تملكهما الذعر، وانحنيتُ لألتقط الورقة الملقاة على الأرض.
في اللحظة التي رفعتُ فيها الورقة، سقطت ورقة أخرى كانت مخبأة خلفها.
والجملة المكتوبة على هذه الورقة الثانية كانت بسيطة هي الأخرى: [ لديَّ ما أقوله بشأن هيلين، لذا أرجو منك القدوم بمفردكِ.]
...... هيلين.
التقطتُ الورقة بيديَّ اللتين ترتجفان بعنف. كلمة قصيرة، لكنها كانت أعمق أثراً في نفسي من أي رسالة أخرى.
...... هل ريموند هو من فعل ذلك لأنه ذكر اسم هيلين ؟ أم تراه إيان ؟
من يكون يا ترى … ؟
لو كانت الرسالة تخبرني بأن المرسل يعرف حقيقة قتلي لديريك، لربما شعرتُ بوضع أفضل؛ لأنني كنتُ سأتجاهلها فحسب، لكن بما أنه استدعاني باستخدام اسم هيلين، فليس أمامي خيار سوى الاندفاع نحو الفخ بنفسي، متمسكة ببصيص من الأمل.
حدقتُ في القصاصة بنظرة قلقة، ثم وضعتها في "قائمة الأدوات".
تمنيتُ لو استطعتُ معرفة المرسل على الأقل …
[ لا يمكن إستخراج المعلومات.]
عضضتُ باطن خدي وأنا أنظر إلى النافذة الحمراء التي ظهرت أمامي.
يا له من نظام عديم الفائدة في وقت كهذا.
****************************
الفصل : ١١٥
اليوم السادس عشر _ 1/11 (3)
حدقتُ بشرود في نافذة النظام، لكن لم يكن هناك شيء ليتغير.
.... لِمَ يحدث هذا في مثل هذا الوقت الحرج تحديداً ؟
أخرجتُ القصاصة من "قائمة الأدوات" مرة أخرى. كنتُ أعلم جيداً أن محتواها لن يتغير، ومع ذلك، أخذتُ أحدق فيها بإصرار يكاد يكون هوساً.
" …… "
كيف لي أن أعرف ما الذي قد يحدث لي إن ذهبتُ وحدي إلى الطابق الرابع كما تقول الرسالة ؟
في زاوية ما من عقلي، برزت فكرة تجاهل الرسالة وإخبار الآخرين بأمرها، لكن في الوقت ذاته، كانت الرغبة في معرفة حقيقة ما حدث لـهيلين تسيطر عليَّ .
على أية حال، يبدو أنني لن أتمكن من مغادرة قصر إرنست أبداً. سأواجه نهاية "الجثة المعلقة على الجدار" تماماً كما حدث لفيفيان في اللعبة.
وبما أن موتي هو النهاية المحتومة، أليس من الأفضل أن أعرف حقيقة هيلين قبل رحيلي ؟
لم يكن هدفي في الأساس هو النجاة، بل كان كشف الحقيقة وراء قضية هيلين.
إذن، فليكن … قبضتُ يدي بقوة على القصاصة، حتى غارت أظافري في لحم كفي الرقيق.
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
توقفت قطرات المطر التي كانت تهطل طوال يوم أمس تماماً، ولم يحلّ محلها سوى برودة قاسية .
" آنسة لوبيز."
في تلك اللحظة، ناداني إيان وأنا متجهة نحو المطبخ. سرت قشعريرة في جسدي لبرهة، ثم استدرتُ بهدوء لأواجه عينيه.
لم يكن هناك أحد غيرنا في المكان.
" … أظن أنني أخبرتُك بوضوح ألا نلتقي ونحن بمفردنا."
" …… "
لم يأتِ رد من إيان. كان ينظر إليَّ بصمت وكأنه يعرف هذه الحقيقة مسبقاً، وظلت عيناه اللتان تراقباني ثابتتين دون تغيير .
لم أكن أعقد آمالاً كبيرة على إيان، لكنني في هذه اللحظة تأكدتُ تماماً من حقيقة أنه يتجاهل رغباتي كلياً.
تركتُ إيان الصامت خلفي وتابعتُ سيري داخل المطبخ. وبعد لحظات من السكون، سمعتُ وقع خطواته تتبعني من الخلف.
" هل عالجتِ جرحكِ ؟ "
تلا ذلك سؤاله بنبرة هادئة. أثارت تصرفاته حنقي وشعرتُ برغبة في الانفجار، لكنني بذلتُ جهداً مضاعفاً لابتلاع كلماتي .
بما أنني لم أجبه، بدا أن إيان ظنّ أنني لم أسمعه، فاقترب مني خطوة إضافية.
" أعتقد أنه يجب عليكِ معالجة الجرح أولاً."
" …… "
" إذا تفاقم الأمر أو حدث التهاب …… "
لم أعد أحتمل الاستماع إلى كلماته أكثر من ذلك.
" أليس هذا أمراً لا يخصك ؟ "
" …… "
" هناك شيء واحد فقط أطلبه منك؛ أن نكون في علاقة يتجاهل فيها كل منا الآخر، وكأننا غير موجودين."
نطقتُ بكلماتي وكأنني أضغط على حروفي بشدة، لكن إيان اكتفى بمراقبتي بتلك النظرات الجافة. وكأن ما أقوله الآن لا يهمه في شيء، ظل يحدق في يدي فقط.
شعرتُ وكأن الصداع الذي هدأ قليلاً بدأ يعاودني بسبب نظراته تلك.
" إن كنتَ قلقاً عليّ بصدق، فالزم الصمت ولا تقل شيئاً، هذا هو الشيء الوحيد الذي سيفيدني حقاً."
ظل إيان على حاله، وشعرتُ بالخوف يتسلل إليّ من بروده هذا. أثار حنقي وجعلني أشعر بالرعب؛ هذا الرجل الذي لا يبدو عليه أي تأثر أو اضطراب عاطفي.
" …… "
هل فهم كلماتي هذه المرة ؟ بدا إيان وكأنه يريد أن يفتح فمه ليقول شيئاً، لكنه في النهاية أطبق شفتيه.
هل هو غاضب ؟ لو كان كذلك، لتمنيتُ أن يصب غضبه عليّ؛ فعلى الأقل سيبدو حينها كبشر، لكن إيان، على عكس توقعاتي، ظل بوجهه الجامد كما هو، ثم اتجه نحو الثلاجة وكأن شيئاً لم يكن .
" …… "
ما أخرجه إيان من الثلاجة لم يكن سوى قِدر. تجاهلتُه واتجهتُ نحو المخزن .
وفي اللحظة التي أدرتُ فيها مقبض باب المخزن …
— صرير.
فُتح الباب في تلك اللحظة بالضبط .
" أوه ؟ الآنسة فيفي ؟ "
...... كان صوتاً لا يبعث على السرور أبداً .
ابتسم ريموند بوجه مشرق وهو يلوح لي بيده خفة، ثم لوح بيده أيضاً لإيان الواقف قرب حوض الغسيل .
" مرحباً بك أيضاً يا سيد إيان."
تجاهلتُه تماماً ودخلتُ إلى المخزن.
" ما الذي تنوين فعله داخل المخزن ؟ "
سألني ريموند بنبرة تعلوها الحيرة: "ألا يجب أن تستمري في شجاركِ مع السيد إيان؟"
توقفت خطواتي فجأة في تلك اللحظة. استدرتُ بوجهٍ عابس، فأمال ريموند رأسه وكأنه يتساءل أليس ما قاله منطقياً.
" يبدو أن التنصت على أحاديث الآخرين هو هوايتك المفضلة ؟ "
"عليكِ وزن كلماتكِ بدقة؛ ألا تظنين أن صوتكِ كان عالياً بشكل مبالغ فيه؟"
لم يكن هناك جدوى من الرد عليه.
" هل تعلمين كم جُرحت مشاعر السيد إيان الآن ؟ "
" أنا بخير."
كان الاثنان ثنائياً متناغماً بشكل مثير للأعصاب. أطلقتُ سخرية مكتومة في داخلي ودخلتُ إلى المخزن.
" الباب الحديدي لم يُفتح بعد."
نطق ريموند بتلك الكلمات وهو يرمقني بنظرة خاطفة، ثم أردف: " أردتُكِ أن تعرفي فقط."
هز ريموند كتفيه وكأنه يطلب مني ألا أفهمه خطأ، ثم اقترب من إيان بضحكة فارغة.
"هل تحضر وجبة الطعام؟"
أما أنا، فقد انقبض وجهي بشدة واتجهتُ نحو الباب الحديدي وسحبتُ المقبض.
بدا أن كلام ريموند كان صحيحاً، إذ لم يتزحزح الباب الحديدي قيد أنملة. تفحصتُ المنطقة المحيطة بالباب بدقة بحثاً عن أي أثر يدل على أنه فُتح مؤخراً، لكنني لم أجد شيئاً يذكر.
" …… "
في النهاية، رفعتُ يدي عن الباب دون جدوى.
" إنه الحساء الذي أعددناه صباحاً، ستتناول منه أنت أيضاً يا سيد إيان، أليس كذلك ؟ "
" نعم."
" وماذا عن آنستنا فيفي ؟ "
تسلل صوت ريموند عبر فجوة باب المخزن المفتوح. عضضتُ على شفتي السفلى لبرهة، ثم أجبته بهدوء: " لن آكل."
" حسناً، الآنسة فيفي هي الخاسرة إذاً."
سمعتُ صوت قرقعة أوانٍ من جهة ريموند وإيان، تلاه صوت وكأن أحدهم يضع الملاعق على طاولة الطعام . راقبتُ تحركاتهما بحذر، ثم اقتربتُ من الصندوق الأحمر .
واحد، اثنان، ثلاثة … كان عدد الطلقات المتبقية أربع طلقات بالضبط. وباستثناء الرصاصة التي أعطاني إياها لوكاس ليلة أمس ورصاصات نزلاء الطابق الثالث، كان العدد متطابقاً تماماً.
بعد انتهائي من التأكد، خرجتُ من المخزن وكأن شيئاً لم يكن .
في هذه الأثناء، كان إيان قد وضع الخبز على المائدة واتجه نحو القِدر.
ناداني بصوتٍ خفيض وأنا أخرج من المخزن: " آنسة لوبيز."
" …… "
بما أنني لم أجبه كالعادة، رمق إيان ريموند الجالس إلى المائدة بنظرة خاطفة، ثم سألني بنبرة عادية: " هل هذا وقتٌ آخر يُمنع فيه الحديث معكِ أيضًا ؟ "
" ماذا ؟ هل تقاسمتما أوقاتاً كهذه معاً ؟ "
سرعان ما امتلأت عينا ريموند بالفضول .
...... أيها الثعلب اللعين .
بدأ إيان يغرف الحساء في الأطباق بوجه هادئ تماماً، ثم وجه كلامه إليّ وأنا لا أزال أرمقه بنظرات غاضبة: " هل يمكنكِ تذوقه ؟ "
"هناك شخص يجلس هناك باسترخاء، فلماذا عليَّ أنا فعل ذلك؟"
" آنسة فيفي، لا تكوني فظة هكذا، سأبدأ بالشعور بخيبة الأمل أنا أيضاً."
تدخل ريموند بصوته المستفز بيني وبين إيان. وكأنه لا يسمع اعتراضي، غرف إيان ملعقة من الحساء وبدأ يبردها بلطف شديد، ثم مدها نحوي قبل أن تسنح لي فرصة مغادرة المطبخ .
" إذا رفضتِ حتى هذا، سيشعر الآخرون بعدم الارتياح."
" …… "
" أليس هذا أكثر ما كنتِ تخشينه ؟ لهذا السبب تعمدتِ إخفاء علاقتكِ بالمحقق، أليس كذلك ؟ "
لم أتوقع أبداً أن يجرؤ على ذكر ذلك الأمر هنا.
ظل إيان ماداً الملعقة نحو فمي وكأنه يطالبني بالكف عن الجدال وتذوق الحساء فحسب. وفي النهاية، قبلتُ تذوقه وأنا لا أزال أحدق فيه بغيظ.
[ ارتفعت نسبة ثقة "إيان وايت" بك بنسبة 4%.]
ظل إيان يراقبني بتمعن وكأنه ينتظر ردي.
… لقد كان طعماً مروعاً حقاً.
كان أسوأ حساء تذوقته في حياتي؛ حتى وجبات مستشفى برياتون كانت أشهى منه، وهذا يقول الكثير.
أو لكي أكون أكثر دقة … لم أشعر بأي طعم للحساء على الإطلاق .
"...... كيف طعمه؟"
سألني إيان بحذر. لم أعلم كيف أتحكم في تعبيرات وجهي، فحاولتُ لملمة شتات تعابيري لكنني استسلمتُ في النهاية وتحدثتُ بصدق: " لا أشعر بأي طعم فيه."
بدا الذهول على وجه إيان إثر كلماتي، ثم أخذ الملعقة وغرف لنفسه وتذوق الحساء. فكر في الأمر للحظة، ثم أخرج علبة الملح من الخزانة ومده نحوي .
" …… ؟ "
نظرتُ إليه بحيرة، فنطق بهدوء: " أعتقد أنه من الأفضل أن تضبطي أنتِ المذاق يا آنسة لوبيز."
"...... ربما لا يناسب ذوقي أنا فقط؟"
أجابني إيان بنبرة اعتيادية: " لقد قلتِ إنكِ تريدين مساعدتي في تحضير الوجبات."
" …… "
" أعتقد أن ذلك الوقت قد حان الآن، لكن لا أعلم ما هو رأيكِ يا آنسة لوبيز."
مد إليَّ علبة الملح مرة أخرى .
****************************