بمجرد خروج جيهان من الحمام، رن هاتفه، كان المتصل سونغمين، الابن الثاني لرئيس متجر يو آي للماركات و صديق جيهان القديم. و وفقاً لكلام والدته، فهو أقوى منافسيه في سوق الزواج .
" كان من الأفضل أن تقابلها أنت قبل أن يصل الدور إليّ."
— لم يمر على طلاقي ستة أشهر بعد. أليس من المفترض أن ألتزم بفترة 'تأمل ذاتي' كمسألة أخلاقية ؟
بينما كان جيهان خارج البلاد، تطلق صديقه المقرب عن زوجته. كان يظن أنهما، إن لم يكملا العمر معاً، فسيقضيان على الأقل عشر سنوات معاً.
" سمعت أنك قد أصبحت متاحاً في سوق الزواج."
— يا رجل، تلك ليست فكرتي ! إنها مجرد ثرثرة من كبار السن في منزلي .
انتهى زواج سونغمين الذي كان متزوجاً من الابنة الكبرى لإحدى شركات الأدوية، منذ بضعة أشهر بعد ثلاث سنوات من الحياة الزوجية . تحدثت زوجته السابقة أمام المقربين منها أنها لم تستطع تحمل خيانته، لكن السبب المعلن لإنهاء الزواج كان ' عدم التوافق في الشخصيات'.
" وما قصة الشائعات التي تقول إنك كنت تخون زوجتك ؟ هل فعلتها حقاً ؟ "
حتى لو بقيت جالساً في منزلك، ستصلك أخبار العالم الخارجي. لا يمكن التأكد من الحقيقة، لكن شبكة معلومات الخدم كانت أسرع وأدق مما يتصوره المرء .
— خيانة ماذا ؟ لست متفرغًا لهذا الأمر .
" هذا صحيح، أنت لست مجتهدًا إلى هذا الحد."
على الرغم من أن سبب الطلاق لم يكن العنف أو القمار أو الخيانة الزوجية، إلا أنهما تطلقا. تحول غياب الحب الذي كان مفقوداً منذ بداية الزواج فجأة إلى سبب لافتراقهما. كانت المشكلة أن زوجة سونغمين السابقة وقعت في حبه، بينما ظلت مشاعره تجاهها كما هي. ولم تعد قادرة على تحمل العيش مع رجل لا يبادلها الحب .
— جيهان.
ناداه سونغمين فجأة. توقف جيهان عن شرب الماء وأصغى لهاتفة في صمت. بعد بضع ثوانٍ من الهدوء، فتح سونغمين فمه مجدداً.
— الحياة ليست سهلة حقاً.
مهما بدا سونغمين مرحًا أو مستهتراً، فمن المؤكد أنه وجد الطلاق صعبًا. لقد انقلبت حياته رأسًا على عقب دون أي استعداد، لذا لم يكن أمامه إلا أن يتعثر .
" لو لم تكن هناك مثل هذه الأحداث، لكانت الحياة مملة للغاية."
— هذا صحيح، ولهذا السبب أصبحتَ أب أعزب، لكي لا تشعر بالملل في ما تبقى من حياتك .
" ومع ذلك، يقال إن لقب 'مطلق' أفضل من 'أب أعزب'، مبارك لك، لقد تفوقت عليّ."
— اصمت، ومتى ستذهب إلى غابيونغ مجدداً ؟ اصطحبني معك عندما تذهب، أريد رؤية أختك .
في منزل العطلات بغابيونغ، توجد سونغ يون، شقيقة جيهان، التي كانت يوماً ما فخر العائلة، وأصبحت الآن عارها، الابنة الكبرى لعائلة كوك .
" تبدو متفرغاً جداً على الرغم من ادعائك الانشغال يا يو سونغمين."
— مهما كنت مشغولاً، سأجد وقتاً لرؤيتها.
" أفرغ جدولك في عطلة نهاية الأسبوع المقبلة، وسأتصل بك."
— حسناً، هذا رائع .
خلال الفترة التي لم يكن فيها جيهان في كوريا، كان سونغمين يزور شقيقته التي تعاني من مرض نفسي من وقت لآخر .
كان هو الشخص الوحيد إلى جانب جيهان الذي يعاملها كما كان في الماضي، رغم أن والديها البيولوجيين قد تخلّيا عنها. ولهذا السبب، ورغم حديثه غير اللائق أحياناً، سيظل شخصًا يشعر بالامتنان له.
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
تعيش إيسو في مكان يتساءل المرء إن كانت لا تزال هناك منازل مثله في سيؤول، في منزل مستقل قديم جداً، له تاريخ لكنه يفتقر إلى التقاليد، حيث تتأرجح النوافذ وتُحدث ضجيجاً مع أقل نسمة ريح قوية .
منزلها محجوب بالأشجار والكروم الكثيفة، فلا يمكن رؤية ما بداخله من خارج السور. وما إن تفتح البوابة الحديدية القصيرة وتدخل، حتى تجد ساحة لا تتعدى مساحة كف اليد، تضم بضع أشجار صغيرة، ومنصة خشبية، ومنزلاً متواضعاً هو كل ما في المكان.
تعيش إيسو هنا بمفردها منذ أن كانت في العشرين من عمرها. كانت إيسو تضع حامل الرسم في الساحة وتعمل على لوحتها عندما ظهر رأس فجأة فوق البوابة الحديدية الخضراء المنخفضة. كانت أختها إِيُون.
" لقد أتيتُ لتفقد الأشباح ! "
رغم أن إِيُون لم تكن تحب منزل إيسو كثيراً، إلا أنها لم تكن تتوانى عن زيارتها؛ فكانت تتخذ من ذريعة "تفقد الأشباح" عذراً لاقتحام منزل إيسو فجأة.
كانت إِيُون الزائرة الأكثر تردداً على هذا المكان، الذي لا يشهد حركة بشرية تذكر سوى عامل التوصيل وساعي البريد .
سارت إيسو بخطوات متثاقلة وفتحت البوابة. بمجرد أن فُتحت، دخلت إِيُون بسرعة وهي تبتسم بخبث، و رفعت الأمتعة الثقيلة التي كانت تحملها بكلتا يديها أمام عيني إيسو وكأنها تتباهى بها.
"ما هذا؟"
" أطباق جانبية، أمي طلبت مني إحضارها."
كانت الأمتعة التي تسلمتها أثقل بكثير مما بدت عليه. شعر قلب إيسو بالثقل والامتنان للأخت التي سارت إلى هنا وهي تحمل هذه الأوزان الثقيلة. في الواقع، لم يكن الامتنان هو الشعور الوحيد، بل تراكم الشعور بالدين أيضاً.
" كان بإمكانك استقلال سيارة أجرة."
" أنا إنسانة مقتصدة."
سلمت إِيُون أكياس التسوق الثقيلة لإيسو، ثم وقفت أمام حامل الرسم واضعة ذراعيها فوق صدرها بوجه جاد .
"ألم تذهبي للعمل اليوم؟"
" أجل، اليوم هو يوم عطلتي."
"إذا كان يوم عطلتك، كان يجب أن ترتاحي في المنزل، لماذا أتيتِ إلى هنا؟"
" بالنسبة لي، هذا هو الراحة، المجيء إلى هنا ممتع."
أجابت إِيُون وهي تحدق في اللوحة وتومئ برأسها ببطء. لقد تخلصت مؤخراً من حياة العمل غير المنتظم الطويلة، وحصلت على وظيفة كخادمة في منزل رئيس شركة هوغوك للبناء.
"كيف حال عملك الجديد؟ هل تشعرين بالتعب؟"
" إنه يناسبني تماماً، وإذا أردتِ الحق، فهو أفضل مكان للعمل."
كان منزل رئيس الشركة يوفر رعاية ممتازة للموظفين. فالموظف الذي يصادف عيد ميلاده يحصل على قسيمة طعام لشخصين في مطعم فاخر يسمى أوندوون. وبفضل ذلك تمكنت إيسو من تناول العشاء مع إِيُون هناك قبل بضعة أيام.
" والأهم من ذلك، أن المنازل ذات الجذور العريقة تختلف حتى في أشباحها المقيمة، إنهم يتمتعون بوقار شديد."
أومأت إِيُون برأسها وهي تبدو راضية جداً. كان ذلك أول عمل رسمي تحصل عليه بعد أن عاشت حياتها بالعمل في وظائف مؤقتة بسيطة. وجاء ذلك بفضل التوصية القوية من أحد الموظفين الذي لاحظ موهبة إِيُون الاستثنائية .
" إذاً، لماذا رفضتِ العمل في سويوندانغ ؟ كان بإمكانهم معاملتكِ بشكل أفضل هناك."
في الواقع، تلقت إِيُون العديد من العروض للعمل في سويوندانغ، حيث يعمل والداها، وكان بإمكانها الحصول على معاملة مميزة تقديراً لعلاقة عائلتها الطويلة مع أصحاب المكان، لكنها لم تفكر أبداً في العمل هناك. ومن المفارقات أنها الآن تعمل بسعادة في منزل عائلة يودانغ المرموقة، منزل رئيس شركة هوغوك للبناء .
" لا أعلم، مجرد شعور … بالمناسبة يا إيسو، ماذا سنتناول على الغداء ؟ فلنطلب طعاماً جاهزاً ! "
سارعت إِيُون بتغيير الموضوع وكأنها لا ترغب في الحديث أكثر عن سويوندانغ. كان من الواضح أن هناك أمراً تخفيه، لكن بما أنها لا ترغب في البوح به، لم تكن إيسو لتلح عليها بالأسئلة.
"هل تحضرين كل هذه الأطباق الجانبية ثم تقترحين طلب طعام جاهز؟"
" جربي أن تأكلي طعاماً بلا نكهة كل يوم، ستملين حقاً ! على أية حال، اليوم سنأكل طعاماً مليئاً بالمنكهات ! "
بعد قول ذلك، تمددت إِيُون على المنصة الخشبية المربعة وأخذت تلوح بيديها وقدميها في الهواء وهي تنظر إلى السماء كطفلة تفتعل نوبة غضب.
ضحكت إيسو بخفة لهذا المشهد المضحك. كان طعام الأم التي عملت لسنوات طويلة في سويوندانغ يفتقر عادةً إلى النكهات القوية وكان معتدل الملوحة. ولأن إِيُون أصبحت تتناول طعاماً صحياً ليس فقط في المنزل بل في العمل أيضاً، فقد كانت تتوق لتناول طعام قوي النكهة كلما خرجت .
" أخبريني بما تشتهين، وسأطلبه لكِ."
"حسناً، سأفكر بعناية، لا شيء في هذه الحياة أهم من اتخاذ قرار بشأن قائمة طعام لوجبة واحدة."
" هل ستظلين مستلقية هكذا ؟ "
وضعت إيسو حزمة الأطباق التي كانت تحملها على المنصة وجلست بجانب إِيُون. بالكاد اتسعت المنصة الصغيرة لهما.
"…الطقس رائع، سأنام قليلاً حتى يحين وقت الغداء، وأنتِ استمري في عملك."
"ألم تقولي إنك أتيتِ لتفقد الأشباح؟ ألن تتفقدي المكان؟"
" لا داعي، لا توجد أشباح هنا."
لوحت بيدها وهي مستلقية، كانت نبرة صوتها غير مبالية تماماً كتعابير وجهها.
"كيف يبدو الشعور برؤية ما لا يراه الآخرون؟"
سألت إيسو هذا السؤال بلامبالاة وهي تنتقل إلى مكانها أمام حامل الرسم.
" مزعج، لأنك تعرفين أشياء لا داعي لمعرفتها، وتضطرين لفعل أشياء لا ترغبين في القيام بها."
"يمكنكِ ببساطة ألا تفعلي ما لا ترغبين فيه."
" أمور هذا العالم لا تسير بهذه البساطة."
استدارت إِيُون بجسدها نحو إيسو واتخذت من ذراعها وسادة، وبدأت تحدق بها بصمت.
" قلتِ إنك ستنامين، نامي، سأوقظكِ لاحقاً."
قالت إيسو ذلك وهي تقوم بضربات فرشاة دقيقة على اللوحة. لم تكن بحاجة للالتفات لتشعر بنظرات إِيُون. رغم أنهما ليستا شقيقتين حقيقيتين، إلا أن إِيُون التي تعتني بها كأختها الصغرى كانت أشبه بصديقة مقربة لها. كانت تدرك دون أن تتحدثا أن إِيُون تأتي إلى هنا لأنها تقلق على أختها التي تعيش بمفردها.
"…إيسو، مَن مِن والديكِ تشبهين؟ أمكِ لا تشبهينها، لذا لا بد أنكِ تشبهين والدكِ الحقيقي، أليس كذلك؟"
"أهذا ما يقال لابنة أم عزباء لا تعرف حتى من هو والدها؟"
رسمياً، إِيُون هي أختها، لكن في الحقيقة، إيسو هي ابنة خالة إِيُون. الأم التي تناديها إيسو بـ "أمي" لم تذكر قط شيئاً عن والدها الحقيقي. لم تكن تعرف سوى معلومات مجردة، أنه رجل سيء وسيم الملامح، وهو أمر لا يساعد في اكتشاف أي شيء.
" لكنني أحب أنكِ أختي."
توقفت إيسو عن العمل للحظة والتفتت نحو إِيُون. وبما أنها لا تتوقف عن قول كلام متناقض وغير مترابط، كان من الواضح أن لديها شيئاً تريد قوله حقاً.
"إذا كان لديكِ ما تقولينه، فقوليه مباشرة، لا داعي للمراوغة."
" مجرد أمر مضحك، لقد اكتشفت أن هناك عائلات أخرى غير عائلتنا تنادي طفلة ليست ابنتهم بلقب 'ابنة'."
"ماذا تعنين بذلك؟"
" لا شيء، مجرد حديث عشوائي، مثل نباح كلب."
ضحكت إِيُون بخفة واستدارت إلى الجهة الأخرى. وبعد صمت طويل، أدركت إيسو أنها ربما غطت في النوم فعلاً. فعادت إيسو لتركيزها في عملها .
كان كل شيء هادئاً، وكان يمكن سماع أصوات أشخاص ينادون أحداً بأعلى صوتهم في الأزقة خلف السور، وضحكات الأطفال. كما كانت أصوات الدراجات النارية المارة وأجراس الدراجات الهوائية تقطع الصمت بين الحين والآخر .
"… شعور رؤية ما لا يراه الآخرون ومعرفة أسرارهم هو شعور فظيع، أشعر وكأنني أكذب دائماً."
" …… "
عند سماع هذه التمتمات الهادئة، وسعت إيسو عينيها والتفتت، لكن إِيُون كانت لا تزال مستلقية دون حراك .
****************************