رغم كلمات صوفيا، ظلت نظرات ريموند مثبتة عليّ بإصرار، قبل أن تتحول لتصيب لوكاس .
" لا أعلم لِمَ تنظر إليّ بهذه الطريقة......" تمتم لوكاس وهو يطلق ضحكة يائسة تلاشت في نهايتها .
في هذه الأثناء، كانت هانا تربت على كتفي كيڤن الصغيرين اللذين بدا عليهما القلق الشديد. كانت عينا هانا اللتان ترمقانني تفيضان بالاستياء، لكنني لم أستطع فهم سبب نظرتها تلك.
أبسبب اتهامي لكيڤن بالكذب … ؟ أيعقل أن يكون هذا هو السبب الوحيد ؟
بالطبع، أتفهم أن هذا الأمر ليس بسيطاً بالنسبة لها وهي التي تهتم به، لكنني مع ذلك لم أستطع فهم مشاعر هانا؛ فقد بدت وكأنها ترغب حقاً في قتلي.
"يا رفاق، لِمَ لا تزالون واقفين هكذا؟"
في تلك اللحظة، نزل ماكس من الطابق الثاني حاملاً مطرقة في يده. بدا على وجهه عدم الفهم لسبب بقائنا جميعاً في غرفة المعيشة حتى الآن.
أجابه ريموند بهدوء: "علينا إنهاء الحديث."
تمتم ماكس بنبرة غير مبالية: "كان عليكم فعل ذلك مبكراً......"
ومع ذلك، اقترب من غرفة المعيشة وكأن شيئاً لم يكن، ثم ألقى بالمطرقة التي كان يمسكها فوق أريكة فارغة بحركة سريعة.
"...... هذه."
اتسعت عينا آرييل التي تبعت صوفيا خارجة من المطبخ. أشار ماكس برأسه نحوي وقال: " هذه ملك للآنسة، لذا خذيها معكِ."
" …… "
" وعلى أية حال يا آنسة، حاولي كبح جماح غضبكِ قليلاً، فتحطيم الأشياء بهذا الشكل لن يحل أي مشكلة، أليس كذلك ؟ "
أجبته بهدوء على كلماته: "لقد أخبرتُك بوضوح أنني لستُ من فعل ذلك."
هز ماكس كتفيه بخفة وقال: "حين تقولين ذلك ويدكِ مصابة هكذا، من عساه يصدقكِ؟"
" …… "
" علاوة على ذلك، لم تسنح لي الفرصة لقول هذا سابقاً، لكنهم يقولون إنكِ أنتِ من حطم جميع الأسطوانات في 'غرفة البرسيم' أيضاً."
ارتجفت آرييل بشكل ملحوظ عند سماع كلماته.
" أعلم أن الإنسان قد ينفجر غضباً أحياناً، وطرق التنفيس عن الغضب تختلف من شخص لآخر، لكنني أرى أنكِ قد اعتدتِ على أسلوب خاطئ يا آنسة."
" هاهاها......"
انفجرتُ بالضحك رغماً عني. نظر إليّ ماكس وقال بنبرة وكأنه يحاول تهدئتي: " تعالي إلى غرفتي إن احتجتِ شيئاً، بما أنكِ قلتِ سابقاً إنكِ ستزورينني بنفسكِ، فلتكن هذه فرصة."
حينها، شعرتُ بارتجاف بيبِي داخل جيبي.
وضعتُ يدي في جيبي حتى لا يلاحظ الآخرون ارتعاش بيبِي، لكنني بمجرد أن فعلتُ ذلك، أدركتُ أنني أنا أيضاً كنتُ أرتجف .
...... لماذا تتعقد الأمور بهذا الشكل ؟
لقد كان ظل الكذبة أطول مما تخيلت. وبما أنني كنتُ مجبرة على الكذب، كان لا بد أن يأتي وقت يدوس فيه أحدهم على ظلي هذا.
لم أعد أملك أدنى فكرة عما يجب أن أقوله، فمهما تحدثتُ، لن يزداد ظلي إلا طولاً.
" … حسناً، ربما أحتاج أنا أيضاً إلى بعض الاستشارة."
نطقتُ بهذه الكلمات بهدوء. ولحسن الحظ، لم يرتجف صوتي. ومن المثير للسخرية حقاً أنني اعتبرتُ ثبات صوتي هذا نوعاً من النجاة .
وفي تلك اللحظة، بدأت النوافذ تظهر أمام عيني وكأن سداً كان يحبسها وانفجر فجأة .
[ انخفضت نسبة ثقة "آرييل هوارد" بك بنسبة 5%.]
[ انخفضت نسبة ثقة "لوجان بارنز" بك بنسبة 10%.]
[ انخفضت نسبة ثقة "إيان وايت" بك بنسبة 10%.]
[ انخفضت نسبة ثقة "هانا ووكر" بك بنسبة 10%.]
تمنيتُ لو كان بصري مظلماً تماماً حتى لا أرى كل هذا.
لم أشعر قط بمثل هذا الشوق لليلٍ حالك يختفي فيه حتى الظل .
أغمضتُ عينيَّ بقوة … لقد أصبح كل شيء حطاماً.
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
لم تكن هناك أي علامة على أن المطر سيتوقف. كنتُ أحدق بشرود في النافذة حيث يهطل المطر، ثم رفعتُ رأسي عند سماع صوت طرقات على باب غرفتي.
" آنسة فيفيان، هذا أنا."
كان صوت لوكاس. فكرتُ في التظاهر بالنوم وأغمضتُ عينيَّ، لكن انتهى بي الأمر بالنهوض وفتح الباب.
— صرير .
"هل يمكنني الدخول للحظة؟"
سألني لوكاس بحذر، فاكتفيتُ بفتح الباب له كإجابة. رسم لوكاس ابتسامة مجاملة على وجهه ودخل الغرفة.
"لقد جئتُ لزيارتكِ رغم وقاحتي، لأن لديَّ ما أقوله لكِ يا آنسة فيفيان."
"ألن تصبح أنت أيضاً محل شك؟"
"أتمنى لو حدث ذلك حقاً، ألن تتوزع الأصوات حينها؟" قال ذلك بنبرة تمازجها الدعابة.
ثم وضع شيئاً ما في كفي وتابع: " هذه ذخيرتي."
" …… "
" ذخيرتي هي رصاصة صوتية، إذا قام أحدهم غداً بتلقيم سلاحه برصاص حي، فقومي بتبديله بهذه الرصاصة."
أوصاني لوكاس بجدية تامة: " يبدو أن نزلاء الطابق الثالث قد تداولوا المعلومات بشأن ذخيرتهم فيما بينهم."
تنهد لوكاس بعمق و واصل حديثه: " بما أن الآنسة صوفيا قالت إنها تمتلك ذخيرة حية، فمن المؤكد أنها ستقوم بتلقيمها في وقت ما غداً."
" …… "
" إذا كانت رصاصة صوفيا الحية مُلقمة في الأسطوانة، فاستبدليها برصاصتي هذه."
" …… "
"...... آنسة فيفيان ؟ "
بدا لوكاس محتارًا من صمتي، فخفض رأسه ليتفحص وجهي.
"...... هل أنتِ بخير؟"
بدلاً من الإجابة على سؤاله، قبضتُ يدي بقوة على الرصاصة.
" شكراً لك."
" أنا أيضاً غداً، منصة الإطلاق في الطابق الرابع......"
— طاخ !
غرق صوت لوكاس وسط دوي طلقة نارية. ذُعر لوكاس بشكل ملحوظ من الصوت القوي للحظة، ثم التقت عيناه بعينيَّ بملامح يعلوها الحرج، وتابع كلامه بهدوء: ".... سأتفقدها باستمرار، لذا لا تقلقي كثيراً."
"...... حسناً."
فكرتُ في سؤاله عما دار من حديث في غرفة المعيشة بعد أن غادرنا أنا وآرييل، لكنني عدلتُ عن ذلك. فصمتُ لوكاس وعدم بوحه بشيء يعني أنه رأى أن من الأفضل لي ألا أسمع ما قيل.
ظل يرمقني بنظراته لفترة، وعندما رفعتُ نظري إليه محتارة، ارتبك لوكاس وتفادى نظراتي بسرعة.
" أنا … سأذهب الآن."
خرج لوكاس من الغرفة بتعثر وارتباك قبل أن أتمكن حتى من إيقافه.
بعد مغادرة لوكاس بوقت قصير، خرج بيبِي من تحت الأغطية. بدا أنه حظي بنوم عميق، إذ تلاشت آثار الخوف التي كانت تسيطر عليه.
اقتربتُ بحذر من بيبِي الذي كان يراقبني بعينين لامعتين ومددتُ يدي إليه.
"..... بيبِي، بخصوص الشخص الذي جاء إلى غرفة الطعام."
" …… "
" لقد كان ماكس هو من حطم 'فيل'، أليس كذلك ؟ "
ارتجف جسد بيبِي عند سماع كلماتي، ثم أغلق عينيه وفتحهما ببطء.
رمشة.
"هل جاء بحثاً عن المتجر؟"
رمشة.
هل قام بإغلاق مدخل المتجر تماماً لمنع الآخرين من استخدامه ؟ لكن في الأصل، لم يكن هناك ما يشتريه الآخرون؛ لأن أغراضاً مثل "حشرة الذكريات" أو "حساء الحشرات" كانت سلعاً محدودة.
… أم أنه حطم المتجر في نوبة غضب حين رأى أن جميع أصوات التصويت الإضافية قد نَفدت ؟
تأملتُ الرصاصة التي في يدي بصمت.
لا، الأهم من ذلك الآن هو … هل سيغير استبدال الرصاصة الحية، كما قال لوكاس، أي شيء حقاً ؟
السد الذي بدأ يتشقق لا يمكن إيقاف انهياره، وشعرتُ بحدسي أن الثقب قد اتسع لدرجة تفوق قدرتي على السيطرة.
"...... على الأقل، كنتُ أريد العثور على القاتل الذي أنهى حياة هيلين."
وضعتُ الرصاصة والقلادة التي أخذتها من آرييل داخل "قائمة الأدوات".
" آه، تذكرت ......"
قلتُ ذلك وأنا أداعب بيبِي: " أين كنت تنام عادةً ؟ "
" …… "
أخذ بيبِي يدحرج عينيه يمنة ويسرة إثر سؤالي.
" إن لم يكن لديك مانع، أود أن أجهز لك مكاناً للنوم.... ما رأيك؟"
اتسعت عينا بيبِي، وبدأ يقفز في مكانه بحماس وكأن اقتراحي قد أعجبه، ثم شرع في تفحص زوايا غرفتي بحثاً عن مكان مناسب.
أبديتُ تردداً وأنا أراقبه وقلت: " أظن أن النوم في غرفتي سيكون صعباً بعض الشيء......"
تصلب جسد بيبِي بشكل ملحوظ.
" ليس لأنني لا أريدك هنا، أبداً، بل لأن غرفتي مكان يتردد عليه الناس بكثرة."
" …… "
" إذا كان هناك مكان آخر يعجبك داخل القصر، فأخبرني، حسناً ؟ "
وعلى عكس حماسه قبل قليل، بدا بيبِي محبطاً. حاولتُ تهدئته وقلتُ بلطف: " ممم، ما رأيك في غرفة التدبير المنزلي ؟ هناك عارضات أزياء (مانيكان)، لذا لن تشعر بالملل."
لحسن الحظ، بدا أن الفكرة أعجبته، إذ رمش بعينيه موافقاً.
" فلنذهب معاً لنلقي نظرة."
حملتُ بيبِي بين ذراعي وخرجتُ من الغرفة. كنتُ أتمنى بصدق، ألا يشعر بيبِي بالوحدة في هذا القصر على الأقل .
****************************
الفصل : ١١٣
اليوم الخامس عشر _ 31/10 (11)، و اليوم السادس عشر _ 1/11 (1)
— بوم !
انتفض جسدي إثر دوي رعد مفاجئ. تسلل البرق ليرسم وهجاً عابراً وسط العتمة الحالكة، ومع خبو ضيائه، ظل النور المنبعث من المطبخ صامداً.
لا شعورياً، سحبتني خطاي نحو المطبخ.
"...... فيفيان؟"
نطق سيزار، الذي كان واقفاً هناك، باسمي بصوتٍ خفيض .
تفحصتُ المحيط بحذر قبل أن أسأله: " ماذا تفعل هنا ؟ "
كان سيزار يمسك بيده ورقة رقيقة، ولم يبدُ أن لديه أي نية لإخفائها عني.
[ تقرير طبي — ]
ضيّقتُ عينيّ لأرى بوضوح. بدت وكأنها شهادة طبية تخص شخصاً ما، لكن يده كانت تحجب الاسم فلم أتمكن من قراءته. بدلاً من ذلك، أخرج سيزار صحيفة من جيبه ومدّها نحوي.
أخذتها منه في حالة من الذهول .
" …… "
ما قدمه لي سيزار لم يكن سوى تلك الصحيفة التي قال إنه عثر عليها في غرفة الاستراحة سابقاً؛ الصحيفة التي تحمل خبر "حادثة شارع بيكر"، حيث لقي والدا فيفيان مصرعهما.
سألتُه بنبرة يملؤها الارتباك: "لماذا تعطني هذه......؟"
" …… "
إثر سؤالي، غطى وجه سيزار تعبيرٌ مثقل بالألم. في تلك اللحظة التي واجهتُ فيها ملامحه، شعرتُ وكأن كل جسدي يهوي إلى القاع .
… لماذا ترتسم على وجهك تعابير كهذه ؟
سارعتُ بمد الصحيفة نحوه مرة أخرى قائلة: " خذها، هذا دليل مهم، ولا يحق لي الاحتفاظ به."
لم أستطع فهم مغزى إعطائه لي هذه الصحيفة.
أيريد التباهي بأنه وجد الدافع وراء قتلي لديريك … ؟ أم أنه يحذرني بأن أمري قد انتهى ؟ ولكن، لِمَ يبدو وجهه هكذا ؟
أياً كان قصده من تسليمي الصحيفة، لم تصلني كلمات سيزار إلا كرسالة تحذير. علاوة على ذلك، كانت تلك حقيقة أعرفها مسبقاً؛ حتى دون تحذيره، كنتُ أدرك أن كل شيء قد انتهى بالفعل .
" أنا آسف."
لكن في تلك اللحظة، تجمدتُ تماماً إثر الكلمات التي خرجت من فمه. كان الوقت قد فات لاستجماع شتات ملامحي المبعثرة .
سألتُه بوجه شاحب مضطرب: ".... آسف على ماذا ؟ "
كان الاعتذار بلا سبب واضح عبئاً ثقيلاً عليّ، خاصة وأنا في موقف لا يسمح لي بأن أكون فخورة أو صادقة أمامه .
أطلقتُ ضحكة خافتة وتابعت: " لا تعتذر، فأنا لم أرغب أبداً في اعتذار كهذا."
" …… "
" كما أنه لا يوجد ما يستدعي شعورك بالأسف تجاهي."
بدا وجهه غير مقتنع بكلماتي، وكأن اعتذاره يحمل ثقلاً أكبر مما أستطيع فهمه .
نظرتُ إليه مباشرة وسألتُه: ".... هل تشفق عليَّ ؟ "
اختلطت قطرات المطر التي ترتطم بالنافذة مع ضوء القمر الخافت، وانعكست ظلالها على وجه سيزار. نظرتُ إلى وجهه الملطخ بالظلال ثم أنزلتُ عينيَّ .
لم يأتِ رد من سيزار لفترة من الوقت، ثم بعد برهة، تناهى إلى مسامعي صوته ممتزجاً بصوت المطر: ".... أجل، يبدو أنني أشفق عليك."
كتمتُ ضحكة ساخرة كادت تنفجر مني إثر كلماته .
… هل يجب أن أعتبر شعوره بالشفقة أمراً جيداً ؟
لسببٍ ما، شعرتُ بغثيان وضيق في صدري من هذه الحقيقة. كان ينبغي عليَّ أن أشعر بالراحة لأنه لا يكرهني، ولأن مشاعره تجاهي ليست سلبية، لكنني لم أستطع تقبل ذلك .
ربما لهذا السبب، خرجت كلمات حادة من فمي دون وعي مني: " ماذا لو كنتُ قد قتلتُ ديريك حقاً كما يقول الآخرون …؟ هل ستظل تشفق عليَّ حينها ؟ "
ظلت شفتا سيزار الحمراوان مطبقتين، لكن صمته كان إجابة كافية. فهو يكره ألبرتو، وهو في موقف لا يمكنه فيه أبداً مسامحة القاتل .
لقد كان ضحية لشخص ما؛ لذا لم يكن بوسعي أن أتجرأ وأطلب فهماً أو غفراناً من الضحية .
كانت عائلة سيزار ضحايا في حادثة مختبر فينيل، وبعد أن فقد عائلته بين ليلةٍ وضحاها، أصبح هو نفسه ضحية. أما فيفيان، التي كانت ضحية مثل سيزار، فقد أصبحت جانية أخرى.
< عقوبة المجتمع ضعيفة للغاية … مقارنة بالألم الذي تجرعته طوال هذا الوقت.... >
< لأنني لا أستطيع أن أكون نسخة من ذلك الرجل.>
لم أفهم سيزار حينها، ولا أزال لا أفهمه حتى الآن. لأن تعريفي للعدالة كان متمثلاً في "فيفيان". وأعتقد أن الأمر ذاته ينطبق على سيزار.
بالنسبة له، هو الذي ألقى بالمجرم الذي ظل يطارده لسنوات في السجن لمدة عشر سنوات فقط، كم سأبدو ساخرة ومضحكة في نظره، وأنا التي تقمّصت دور القاتل بدافع الانتقام .
اليوم السادس عشر _ 1 نوفمبر (1)
كان رأسي يؤلمني بشدة.
رمقتُ بيبِي النائم بجانبي بنظرة خاطفة.
بالأمس، ذهبتُ مع بيبِي إلى غرفة التدبير المنزلي وجهزتُ له مكاناً للنوم هناك قبل أن أعود، لكنه ظل يتبعني كظلي حتى انتهى به المطاف هنا.
لم يكن بإمكاني أن أطلب منه ألا يفعل ذلك، لذا عدتُ إلى غرفتي ومعي بيبِي. في الواقع، كان صحيحاً أنني شعرتُ بالقلق على بيبِي بسبب ما حدث في غرفة الطعام.
راقبتُ بيبِي بصمت لبرهة قبل أن أنهض من السرير، وحينها فتح بيبِي عينيه بمهارة وكأنه أحس بي.
" يمكنك النوم أكثر."
رغم كلماتي، دحرج بيبِي جسده ونزل من السرير، ثم بدأ يقفز وكأنه يطلب مني الخروج معه. تحركتُ خطوة للأمام، لكنني سرعان ما توقفتُ فجأة بشكل لا إرادي.
أمال بيبِي رأسه محتارًا من توقفي.
… كان ذلك بسبب خوفٍ داهم اكتسحني فجأة. ولأنني لم أستطع اتخاذ خطوة أخرى بسهولة، تدحرج بيبِي نحوي بحذر، فجلستُ ببطء حتى أصبحتُ في مستوى عينيه.
كان صوت أنفاسي الذي يتردد في أذني لا يزال غير منتظم، وغريباً.
" …… "
كنتُ خائفة من مرور الوقت. تمنيتُ لو أستطيع البقاء محتجزة في الماضي. كان هذا هو الأمر ذاته الذي كانت فيفيان تخشاه بشدة، لكنني كنتُ أحاول الآن السير في طريق معاكس تماماً لطريقها.
دفنتُ وجهي بين ركبتيَّ، فقفز بيبِي من مكانه و وضع جسده فوق يدي. كان ذلك الإحساس الدافئ يختفي ثم يعود مراراً وتكراراً.
...... هل سأتمكن من فعل ذلك ؟
في الأساس، حتى لو استبدلتُ رصاصة أحدهم الحية برصاصة لوكاس، فلن يتغير شيء على الأرجح. بل إن استبدال الرصاصة في وضع كهذا لن يؤدي إلا إلى زيادة الشكوك حولي.
وعندما لم يجد بيبِي مني أي رد فعل، بدأ يقفز بشكل أكثر حدة، حينها فقط رفعتُ وجهي عن ركبتيَّ وقلتُ له: ".... لنخرج."
نهضتُ من مكاني مع تنهد خفيف، فتدحرج بيبِي نحوي وكأنه يرجوني أن آخذه معي. وضعتُ بيبِي في جيبي كما اعتدت، ثم غادرتُ الغرفة. ربما لأن الوقت كان لا يزال باكراً، لم يكن هناك أحد في الطابق الرابع. تفقدتُ المحيط بحذر وأنا أتجه نحو منصة الإطلاق.
" …… "
سارعتُ بفحص أسطوانة السلاح، لكن الأسطوانة كانت فارغة تماماً.
… يبدو أنهم يخططون لتلقيمها عندما يقترب موعد الإطلاق.
أخذتُ أعبث بمنصة الإطلاق لبرهة، لكن سرعان ما داهم الخوف قلبي من احتمال دخول أي شخص إلى الطابق الثالث، فابتعدتُ عنها مسرعة.
وفي تلك اللحظة بالضبط ……
— صرير .
سمعتُ صوت فتح باب في الطابق السفلي. دخل لوجان إلى الطابق الثالث، وما إن التقت عيناه بعينيَّ وأنا أنزل من الرابع، حتى بدأ بؤبؤ عينيه بالاهتزاز بشدة.
وبدا وكأنه يدرك أن نظراته توضح مشاعره، فأدار رأسه عني بشكل واضح .
وجهتُ إليه تحية بصوتٍ خافت: ".... صباح الخير."
حينها، أدار لوجان الذي كان يتجاهلني رأسه ببطء والتقطت عيناه عينيَّ. بما أنه لم يكن بيننا حديث معين لنتبادله، اكتفيتُ بإيماءة بسيطة من رأسي وتابعتُ سيري للمغادرة.
" مهلاً، أنتِ."
لكن في تلك اللحظة، ناداني لوجان، وأخذ يعبث بشعره من الخلف و وجهه يعلوه الضيق.
" هل أنتِ بخير ؟ "
" أنا بخير."
تنهد لوجان إثر جوابي وقال: " هذا يطمئنني إن كان صحيحًا … على أية حال، لا تعيري انتباهاً لما قاله أولئك الأوغاد بالأمس."
رسمتُ ابتسامة باهتة رداً على كلماته، فامتلأ وجه لوجان بالانزعاج وسألني: " ما هذا ؟ ما خطب هذا الوجه ؟ "
"...... إنني أبتسم."
" هل هذه طريقة غير مباشرة لقولكِ إن عينيَّ بهما خلل ؟ "
ضحكتُ رغماً عني من كلامه، حينها رفع لوجان طرف فمه بابتسامة وهو يراقب وجهي بتمعن .
" أخيراً ابتسمتِ."
كانت ضحكتي نابعة من ذهولي فحسب، لكن لوجان بدا راضياً بتلك النتيجة .
شعرتُ ببعض الإحراج من ذلك، فغيرتُ الموضوع هرباً من الموقف: " هل تناولتَ طعامك ؟ "
"...... ليس بعد."
" لننزل معاً إذاً."
"في الواقع، هناك شيء يراودني وأريد سؤالكِ عنه."
توقفتُ عن الحركة عند سماع كلماته. لم أكن أعرف ما الذي ينوي قوله، لكن ملامح وجهه الجادة للغاية كانت تشي بأن الأمر ليس مجرد حديث عابر .
بينما كنتُ أراقب وجهه بصمت بانتظار ما سيقوله، كان لوجان مشغولاً بتفادي نظراتي.
...... ما الذي يحدث يا ترى ؟
"هل هو أمر خطير؟"
لم أطق صبراً أمام صمته المطبق فحثثته على الكلام.
تردد لوجان طويلاً ولم يفتح فمه، متظاهراً بالانشغال بأمور أخرى، لكنه في النهاية استسلم لإلحاحي ونطق: " مع ذلك الرجل......"
ولكن، على عكس بدايته الواثقة نسبياً، بدا أنه فقد الشجاعة لإكمال الجملة، فتلاشت الكلمات في نهايتها.
****************************