الفصل ٩ و ١٠ : جِلْسَا

" لقد عدتَ إلى المنزل مبكرًا اليوم "

نهضت سوك هي من مقعدها واقتربت من جيهان. وتبعتها إيسو، وعندما تلاقت عيناها مع عيني جيهان من فوق كتف سوك هي، أومأت برأسها قليلاً. وعلى عكس إيسو التي كانت تشعر بالارتباك، بدا جيهان طبيعيًا تمامًا ولم يكترث للأمر .

" أرى أن لديكِ ضيفة هنا ؟ "

" إنها معلمة الرسم التي ستعلم سي ها، كنتُ أتحدث مع رئيس المعرض يون عبر الهاتف وسألته عن الأمر، فرشحها لي قائلاً إن لديه زميلة مناسبة تمامًا، لذا طلبتُ منها الحضور اليوم لنلتقي لبعض الوقت "

"هل تحققتِ من هويتها؟"

تصرف وكأنه يراها للمرة الأولى، غير أن نظراته ظلت مستقرة على وجه إيسو. ورغم أنها كانت نظرات باردة و مجردة من المشاعر، إلا أن الموضع الذي سقطت عليه نظراته من وجهها شعر بالحرارة .

" أتعرف الآنسة إِيُون التي تعمل في منزلنا ؟ إنها شقيقتها، هي شخص موثوق "

" هذا غريب "

" يا لكَ من رجل، كيف تتحدث هكذا ! … معذرةً أيتها المعلمة، انتظري لحظة من فضلكِ "

رمقت سوك هي جيهان بنظرة عتاب رقيقة. ورغم أن نبرتها بدت وكأنها توبخ ابنها، إلا أنه كان من الواضح أنها لا تكره فظاظته تلك.

أشارت بيدها إلى إيسو تطلب منها الانتظار لبرهة بينما كانت تجيب على اتصال وردها للتو، ثم أومأت بعينيها نحو جيهان لتطلب منه الصعود إلى الأعلى، إذ يبدو أنها لم تكن ترغب في ترك إيسو و جيهان بمفردهما في غرفة المعيشة .

" أوه، مرحبًا يا مديرة المتحف … هل سمعتِ بالأمر من رئيس المعرض يون ؟ نعم، هذا صحيح، لقد طلبتُ منه ترشيح معلمة "

بناءً على ما التقطته أذنها من تفاصيل تلك المكالمة، استنتجت إيسو أنهما يتحدثان عنها. ولا بد أن المتصلة هي المديرة، والدة سوك هون.

ورغم أن سوك هي نادت إيسو بلقب «المعلمة»، إلا أن نبرتها كانت مغلفة بفوقية شديدة. كانت تلك طبيعة متأصلة في أجساد أفراد الطبقة المخملية، تفوح منهم كنوع من العطور الخاصة بهم. وكان من السهل التماس ذلك التباين والتباعد حتى في حركاتها الصغيرة، ونبرة صوتها، ونظراتها، وابتسامتها .

" معلمة ؟ "

أمال جيهان رأسه قليلاً وهو يطرح سؤاله بنبرة أثارت انزعاج إيسو، خاصة وأنه ناداها بنبرة تحمل علامة استفهام لا نقطة نهاية .

" يبدو أنني سأقوم بتعليم سي ها الرسم مستقبلاً، أتطلع للعمل معكم "

" أعتقد أنني سمعتُكِ تقولين بوضوح في ذلك اليوم أنه لن تكون هناك فرصة للقائنا مجددًا "

" أنا أيضًا لم أكن أعلم أن الأمور ستؤول إلى هذا الحد "

أمام كلمات إيسو، ضيق جيهان عينيه. ولم يكن لومه ببعيد، فامرأة قام بطردها وتحذيرها ألا تتسكع في جواره، تجلس بعد بضعة أيام على أريكة غرفة معيشة منزله، لذا كان من الطبيعي أن يساوره الشك. غير أنها شعرت ببعض الظلم لأنها لم تخطط لهذا الموقف مطلقًا .

"تبدين مخططة ومثابرة للغاية، أليس كذلك؟"

"… أنا كذلك بالفعل "

" ولكن يبدو أنكِ تفتقرين للذكاء "

" هذا سوء فهم منك، فأنا لستُ غبية "

لم يتحرك بؤبؤ عين الرجل المثبت على وجه إيسو قيد أنملة .

" إجاباتكِ سريعة ومباشرة دائمًا يا شين إيسو "

" وهل يمثل ذلك مشكلة ؟ "

" في المرة الأولى موظفة مؤقتة، وفي المرة الثانية معلمة رسم، أنا فضولي فقط لأعرف بأي منصب ستظهرين أمامي في المرة القادمة، إن نطاق تحولاتكِ واسع جدًا لدرجة تجعلني عاجزًا عن التخمين "

عندما استمعت إلى كلماته، شعرت وكأنها محتالة تعمدت التقرب منه. وبدا كلامه وكأنه يحمل مزيجًا من الشك والسخرية، غير أنها لم تستطع قراءة أي تعبير محدد على وجهه.

" تمنياتي لكِ بالتوفيق "

" …… "

استدار جيهان ومضى تاركًا خلفه كلمات تشجيع لم تبدُ مشجعة على الإطلاق. وشعرت إيسو في تلك اللحظة وكأنه ألقى بها داخل قفص أسد ثم رحل .

" هل أنتِ معلمة الرسم الخاصة بي ؟ "

بينما كانت إيسو تنظر نحو جيهان وهو يصعد الدرج الحلزوني، تناهى إلى مسامعها صوت رنان من جانبها. والتفتت لتجد سي ها واقفة هناك تنظر إليها بعينين متسعتين، دون أن تعلم متى اقتربت. وكما لاحظت في المرة السابقة، كانت طفلة جميلة تشبه الدمية .

" نعم، يبدو أن الأمر سيكون كذلك "

" لكنني لا أحتاج إلى معلمة "

" وأنا أيضًا لا أحتاج إليكِ حتمًا "

" إذن لا تأتي إلى منزلنا بعد الآن "

وفي غضون ثانية، تقوس طرفا عيني الطفلة بحدة نحو الأعلى، فبدت نسخة طبق الأصل من والدها في تلك اللحظة .

" هذا غير ممكن، فقد أخبرتني جدتكِ أنها ستمنحني الكثير من المال "

"هل أنتِ فقيرة يا معلمة؟"

" لستُ فقيرة، ولكن كلما زاد المال كان ذلك أفضل "

" …… "

بدا أن الطفلة لم تفهم إجابة إيسو؛ إذ قطبت ما بين حاجبيها بشدة وهي تحاول فهم مغزى الكلمات التي قيلت لها للتو .

" أراكِ لاحقًا "

نظرت إيسو في عيني سي ها وارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة. ورغم أن الطفلة كانت تتحدث بجفاء عنيد، إلا أنها لم تبدُ بغيضة في عينيها؛ بل رأت خلف وجه الطفلة ملامح فتاة صغيرة أخرى، كانت تتوق بدورها لنيل الحب والاهتمام من عائلتها .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

غادرتُ منزل رئيس مجلس الإدارة كوك بعد أن حددتُ يوم درس سي ها و وقتها، واستمعتُ إلى بعض التنبيهات والتحذيرات الواجب مراعاتها في القصر .

كان لديها موعد لقاء مع سوك هون في استوديو المعرض، لذا نقلت خطواتها نحو ذلك الجانب .

ظهر سوك هون في الطابق الخامس حاملاً في كلتا يديه كوبين كبيرين، فوضع أحدهما أمامي ثم جلس على الكرسي المقابل للطاولة المستديرة. سحبتُ الكوب نحوي وأحطتُه بكلتا يدي؛ فقد أحببتُ دفأه المعتدل الذي لا يحرق اللحم من شدة حرارته، ولا يترك المرء يرتجف من الصقيع.

"هل استمتعتِ بتأمل الأعمال الفنية في منزل رئيس مجلس الإدارة كوك؟"

" لقد رأيتها، هناك الكثير من اللوحات لدرجة تجعل من لا يعرف حقيقة المكان يظن أنه معرض فني حتمًا "

"إن السيدة لا تقتني اللوحات من أجل الاستثمار الفني والتربح فحسب، بل هي تحب الرسم حقًا، كما أنها تملك نظرة ثاقبة ورفيعة في تقييم الأعمال".

ابتسم سوك هون عريضًا وشبك ذراعيه أمام صدره. وبدا عليه الفخر والاعتزاز بوصفه الشخص الأساسي الذي زود ذلك المنزل بالعديد من تلك اللوحات.

" لقد رأيتُ هناك أيضًا لوحات للفنان ميونغ غيو تشول، يبدو أن… علاقة السيدة بالفنان ميونغ عميقة و وثيقة للغاية "

"هناك الكثير من العائلات العريقة ذات التاريخ الطويل والعديد من مجموعات الشركات الكبرى في بلادنا، غير أن المكانين الوحيدين اللذين يستوفيان الشرطين معًا هما عائلة يودانغ وعائلة سويوندانغ "

بدأ سوك هون يشرح الأمر بلطف. وكما قال، فإن عائلة يودانغ هي المالكة لشركة هوغوك للإنشاءات، وعائلة سويوندانغ تمتلك مؤسسة تعليمية خاصة، مما جعل كلاهما عائلة عريقة ومجموعة اقتصادية ثرية في آن واحد .

" بالطبع لا يمكن مقارنة ثروة سويوندانغ بيودانغ، لكن عائلة سويوندانغ تملك في المقابل فنانًا عبقريًا وهو الفنان ميونغ غيجونغ، فضلاً عن وجود الفنان ميونغ غيو تشول أيضًا، ولعل هذا هو السبب وراء عاطفة السيدة الخاصة تجاه سويوندانغ؛ إذ يُعرف أن التواصل والزيارات بين العائلتين قائمة منذ زمن بعيد".

تمامًا كما قال سوك هون؛ فقد بدا لها أيضًا أن سوجين -حفيدة السيدة آن من ابنتها- وكوك جيهان يتصرفان معًا بأريحية ودون كلفة .

" وعندما سُرقت آخر أعمال الفنان ميونغ غيجونغ، قامت زوجة رئيس شركة هوغوك للإنشاءات بالبحث والتحري عن الأمر في كل حدب وصوب ".

وفي اليوم الذي وقعت فيه تلك الحادثة، كانت إيسو هناك أيضًا. وقيل آنذاك إن الأمر حدث بطريقة غامضة لا يمكن للأحياء تصديقها؛ إذ كانت بوابة مشغل الفنان ميونغ مزودة بقفل رقمي مزدوج، ولم يكن يملك حق الدخول إلى هناك سوى الفنان نفسه وابنه الفنان ميونغ غيو تشول. وبسبب هذا، سرت شائعات لبرهة تزعم أن اختفاء اللوحة لم يكن سوى مسرحية من تدبير وإخراج الفنان ميونغ غيو تشول نفسه .

"ولكن يقال إن الجزء المفقود كان مجرد جزء من العمل، أليس كذلك؟"

"من بين الأجزاء التسعة التي انقسمت إليها اللوحة، اختفى الجزء الأوسط وهو اللب والركيزة الأساسية للعمل، إنه عمل فني لا يقدر بثمن، وضياعه أمر يدعو للأسف الشديد والحسرة البالغة، وبصراحة، فإن لوحة من المقاس الخامس ليس بالقياس الذي يصعب إخفاؤه وتخبئته، لذا فإن العثور على الجاني كان أمرًا مستحيلاً منذ البداية "

لوحة من مقاس قماش الرسم الخامس تعد حجمًا يمكن وضعه بسهولة داخل حقيبة واسعة أو كيس تسوق. وإن نجح السارق في إخراجها من المشغل، فإن إخفاءها سيكون أمرًا يسيرًا نسبيًا. ورغم أن عائلة سويوندانغ أعلنت على الملأ أنها لن تحاسب السارق بل ستمنحه مكافأة ضخمة إن هو أعاد اللوحة فحسب، إلا أنهم لم يحققوا أي نتيجة حتى الآن .

"…هل تسير الاستعدادات لمعرض الفنان ميونغ على ما يرام؟"

" في الواقع، لقد تقرر أن أزور منزله قريبًا لمناقشة الأمور المتعلقة بالمعرض، فهل تودين الذهاب معي ؟ "

صمتت إيسو لبرهة. وكلما تردد ذكر عائلة سويوندانغ، كانت تشعر وكأن إبرة طويلة تغرس في أعماق قلبها؛ بسبب افتراض ما حدست به رغماً عنها، دون أن تملك دليلاً قاطعاً بعد.

" وهل سيوافق هو على ذهابي ؟ "

ضرب سوك هون صدره بقوة وهو يتحدث بصوت جهوري واثق: " أنا متواجد معك، فما الذي يقلقكِ ! "

"حسنًا إذن، أعتقد أن الذهاب برفقتك سيكون أمرًا جيدًا حقًا".

" لماذا أشعر أن كلامكِ هذا لا يبدو كإطراء ومديح ؟ "

" أعني أنني أغبطك، لأنني لا أقوى على فعل ما تفعله "

" بل أنا من يغبطكِ أنتِ، فأنتِ تملكين شيئًا لا يمكن شراؤه بالمال "

كانت تعلم جيدًا أي جانب يعنيه سوك هون ويغبطها عليه. هل تلك الإنجازات التي ظنت طوال الوقت أنها حققتها بجهدها وعملها الطويل، لم تكن في الحقيقة سوى موهبة فطرية وُلدت بها ؟ وبمجرد التفكير في هذا الأمر، شعرت وكأن مئات الشظايا الثلجية تنغرس في صدرها.

"هل تعرف… أي شيء عن ابن الفنان ميونغ أيضًا؟"

"أتتحدثين عن ميونغ جومين؟ بالطبع أعرفه، ولكن، لماذا تسألين عن ذلك الرجل؟"

"أي نوع من الأشخاص هو؟ لقد قيل لي إنه في مثل عمري تمامًا"

طرحت إيسو السؤال بنبرة تبدو عابرة وغير مبالية، بينما أخذت تداعب سطح الكوب ببطء بأطراف أصابعها. ولم تكن أطراف أصابعها الباردة لتدفأ رغم تلك الحرارة المنبعثة من الكوب. وبدا لها أن ذلك النحيب الذي صرخ بكلمة «ابني» يتردد في أذنها كأنه هلوسة سمعية .

" إن ميونغ جومين هو معجزة عائلة سويوندانغ، وفي الواقع، لا توجد دراما تلفزيونية تفوق دراما حياته إثارة، أتعلمين أن الفنان تعرض لحادث جسيم في الماضي وظل مستلقيًا على فراش المستشفى لوقت طويل ؟ في ذلك الوقت، كان ميونغ جومين لا يزال جنيناً في بطن السيدة، وكاد أن يولد يتيم الأب، ولقد كان من حسن الحظ العظيم والمدعاة للشكر أنه وُلد ابنًا ذكرًا لا بنتًا "

"…ولماذا كان ذلك من حسن الحظ العظيم ؟ "

هل ميونغ جومين هو حقًا من سلالة الفنان ميونغ غيو تشول بصلة الدم ؟ إن كان ميونغ جومين هو بالفعل الابن الذي أنجبته خالتي، فأين هو الطفل الحقيقي الذي أنجبته زوجة الفنان ميونغ …؟

" إنه حفيد عائلة سويوندانغ البكر، لو كانت بنتًا لتعقدت الأمور كثيرًا، إذ كان سيتعين عليهم ترك كل تلك الثروة الهائلة للعائلة وتمريرها لشخص آخر أمام أعينهم "

هل أنجبت زوجة الفنان ميونغ طفلاً من الأساس ؟ أم أن ذلك الطفل قد مات ؟

أم لعلني … أنا هي تلك الطفلة ؟

< لا تتحدثي هكذا، سأعرّفك على شخص ما، لذا اذهبِ و قابليه، سيكون مناسبًا لك تمامًا >

هل يمكن القول إن الاهتمام الذي تبديه السيدة آن تجاهي لا علاقة له بهذا الأمر حقًا ؟

ماذا لو لم تكن عائلة سويوندانغ قد فقدتني، بل تخلت عني عمدًا وبشكل مقصود …

" بالطبع، لو كان لديهم ابنة وابن كما هو الحال في منزل الرئيس كوك لكان الأمر مختلفًا "

" وهل لدى الرئيس كوك ابنة ؟ "

رفعت إيسو -التي استغرقت في أفكارها لبرهة- عينيها ونظرت إلى سوك هون. لم تكن تعلم أن لكوك جيهان شقيقة .

ولماذا ظنت تلقائيًا وبشكل بديهي أنه ابن وحيد ؟

" آه، لا بد أنكِ لا تعلمين، هناك شقيقة كبرى تكبر كوك جيهان تدعى كوك سونغ يون، وفي وقت ما، كثر الحديث حول من سيتزوجها، و وُصفت بأنها العروس الأكثر رقيًا وأناقة في كوريا، لكنني لا أعلم أين تعيش الآن وماذا تفعل، أظنني سمعتُ أنها تعيش حياة جيدة في الخارج "

" …… "

شعر سوك هون بتصلب في جسده، فشبك كفّيه ومد ذراعيه عالياً فوق رأسه ليمدد عضلاته .

" سمعتُ أنهما كانا شقيقين مقربين ومتآلفين للغاية في صغرهما، ولكن كل ذلك يصبح بلا فائدة عندما يكبر المرء … انظري إليه، إنه لا يبحث عن شقيقته حتى، ما نفع الأشقاء البيولوجيين إذن ؟ على أية حال، إنه رجل مجرد من المشاعر، وبارع كالسيف في قطع علاقاته بمن يحيطون به "

" …… "

كوك جيهان. باتت تسمع اسمه كثيرًا في الآونة الأخيرة. ذلك الرجل الذي كان يملك كل شيء، كيف انتهى به المطاف ليسلك طريق حياة وحيدة هكذا ؟

****************************

الفصل : ١٠

في تمام الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم السبت، كانت إيسو تجلس في بهو الطابق الثاني من الفندق، بانتظار الرجل الذي رتبت السيدة آن لقاءها معه لتأمل تدبير زواج بينهما .

ولم تكن تملك أي معلومات مسبقة عن ذلك الرجل، ورغم ذلك، فإن قبولها خوض هذا اللقاء كان نابعًا من ظنها أنه قد يساعدها في حل الشكوك والعلامات الاستفهامية التي تدور حول عائلة سويوندانغ وحول نفسها .

جلست بجانب النافذة حيث بدأت الشمس تميل نحو الغروب، وأخذت ترمق الخارج بنظراتها. وكان المقعد كاشفًا للمدخل من الأعلى بشكل جيد. وكان لا يزال متبقيًا قرابة عشر دقائق على الموعد المحدد. وكانت تلك الشجرة الكبيرة الراسخة الجذور أمام الفندق ترتجف بجسدها بشكل طفيف كلما هبت الرياح. ومع كل رجفة، كان جسدها وقلبها يهتزان ويرتجفان معًا. وكانت الرياح تهب خلف الزجاج المحكم، غير أن البرد كان يتسلل إلى أعماق صدرها .

وبينما كانت تطيل النظر إلى الأسفل، لمحت رجلاً يرتدي حُلة رسمية أنيقة يقترب من المدخل. وما إن نظرت إلى وجهه حتى تصلبت ملامحها تدريجيًا؛ إذ كان وجهًا مألوفًا للغاية بالنسبة إليها.

وبعد أن تبادل الرجل بضع كلمات مع الموظف عند مكتب الاستقبال في الداخل، سار بخطوات مباشرة نحو إيسو. إنه ميونغ جومين، الحفيد الوحيد لكبيرة عائلة سويوندانغ. وتباطأت خطواته المسرعة بشكل ملحوظ في اللحظة التي رأى فيها وجهها .

" … الآنسة شين إيسو ؟ "

" … نعم، مرحبًا بك "

توقف أمام الطاولة وشخص بنظراته نحوها من الأعلى، وكانت عيناه تفيضان بالارتباك والحيرة. وتلفت حوله مجددًا ليتأكد مما إذا كانت شريكته في هذا اللقاء هي إيسو حقًا، فارتسمت على وجهه تعابير الذهول والغرابة.

" أنتِ الفتاة التي رأيتها في منزل الرئيس كوك آنذاك، صحيح ؟ ابنة السيد شين "

"هذا صحيح، أنا الشقيقة الصغرى لإِيُون"

"وما الذي جاء بشقيقة شين إِيُون إلى هنا؟"

سأل جومين وهو يتلفت حوله مجددًا كمن لا يصدق الأمر، وظل واقفًا في مواجهتها دون أن يجلس .

" لقد جئتُ لأن السيدة آن أخبرتني أنها ستعرفني على رجل لألتقي به "

مَسحَ جومين بين حاجِبيه المُنقبِضين بشدة بعد سماع إجابة إيسو. وبعدها جَلسَ مُكرهًا في مواجهتها .

" هذا الأمر حقًا … لَم يَخطُر بذهني قط، هل كُنتِ تَعلمين يا شين إيسو أنني أنا مَن سآتي ؟ "

لَم يَتعمّد إخفاء حقيقة صَدمته. ورأت إيسو أن تَصرّفَه هذا أفضل بكثير من أن يَرسم على وجهه قِناعًا ويُجاملها بابتسامة زَائفة .

" أنا أيضًا لَم أكن أعلم أن الطرَف الآخَر هو أنتَ يا سيد جومين، ويبدو أنكَ لَم تسمع أي شيء أنتَ الآخَر "

" سيد جومين ؟ "

وفي تلك اللحظة، تَصدّعت ملامح وجهه. وبَدت المَشاعر التي أظهرها بحِدة مَشاعر ضِيق واشمئزاز . وبالفعل، لو كان يَجهل عنها كل شَيء لكان الأمر مُختلفًا، ولكنه رآها مِرارًا، فهي ابنة الموظف الذي يَعمل في قصر عائلته، فضلاً عن أنه شَاهدها وهي تُساعد شقيقتها في قصر الرئيس كوك قبل أيام. ولَم يكن من الصعب تَفهم مَشاعره تلك .

" إن كان لَقب سيد جومين يُزعجك، فأخبرني بلقب آخَر يُناسبك لأُناديكَ به "

" نادِيني بالمُدير ميونغ جومين، فذلك أفضل "

" سأفعل ذلك أيها المُدير "

يَعمل جومين مُديرًا تنفيذيًا للشؤون الإدارية في مؤسسة «بوكيونغ» التعليمية التي تَرأس مَجلس إدارتها جَدته السيدة آن. وبما أن والده، الفنان ميونغ غيو تشول، لا يَتدخل في شؤون المؤسسة، فقد تَولى الحفيد ذلك المَنصب مُبكرًا نيابة عنه .

وتَمتلك عائلة غيو تشول جُزءًا كبيرًا من أسهُم مؤسسة بوكيونغ التي تُوصف بأنها رابحة للغاية. والغريب في الأمر هو حقيقة أن والده لَم يَنقل لجومين أي حِصة من تلك الأسهم بعد .

وكان هذا الأمر مَبعث حِيرة وتَساؤل بين مُحبي الشائعات، إذ كان من المُفترض أن تَبدأ عملية نَقل الإرث والملكية منذ زمن، غَير أن غيو تشول لَم يُحرّك ساكنًا حتى الآن .

" لقد سَمعتُ من جَدتي أنها ابنة أحد مَعارفها فحسب، وظَننتُ أن الاسم مألوف، لكن لم يَخطر بذهني قط أن تكوني أنتِ يا شين إيسو، هل هناك حقيقة أجهلها عنكِ ولم أُدركها بعد ؟ "

"حقيقة لَم تُدركها… عن أي شَيء تَبحث وتَسأل تحديدًا؟"

" عن مِيزة خاصة بكِ مثلاً، أو شَيء مَخفي لا أعلمه عنكِ "

طَلبَ الشاي من الموظف الذي اقترب منهما، ثم سأل إيسو عما إذا كانت تملُك خلفية عائلية أو اجتماعية أخرى؛ كأنه يَستفسر عما إذا كانت تَملك مِيزة خاصة تَجعلها مناسبة له، كالثروة أو الشهرة .

"وهل ستكون أقل ارتباكًا وضِيقًا لو كانت لديّ مِيزات أخرى أيها المُدير؟"

"على الأقل سأجد مُبررًا يقنعني بهذا الموقف، فبصراحة، أنا لا أعلم حتى الآن لِماذا أجلس هنا في مواجهتكِ"

" أنا آسفة، لكن ليس لديّ ما أضيفه أو أقوله لك، فكل ما تَعرفه عني هو حقيقتي كاملة "

أطلق جومين زَفرة نَفس عَميقة وبشكل مَكشوف. وبدا التعب واضِحًا على ملامح وجهه ومَا بين حاجِبيه المُنقبِضين. وتَمازجت في نظراته الخاطفة مَشاعر باتت أقرب إلى الغضب العارم منها إلى خيبة الأمل.

"يبدو أن هذا الموقف لا يَعنيكِ بشَيء ولا يُؤثر فيكِ يا شين إيسو؟"

" أنتَ تَكرهني وتَزدريني بشكل مَكشوف هكذا، فكيف لا يَعنيني الأمر ولا يؤثر فيّ ؟ "

" بصراحة، قد تَرين أنتِ أن حَظكِ ضَرب ضربته وأصابكِ سهم ماليّ واجتماعي، لكن مَوقفي أنا مُختلف تمامًا "

"وهل مَواقفنا تختلف إلى هذا الحد؟"

يبدو أن كبرياءه قد جُرح بشدة. وتحول ذلك الغضب النابع من كبريائه الجريح نحو إيسو بشكل غريب وعشوائي. وبالنسبة لإيسو، التي كانت تُجيبه بهدوء، كان هذا التصرّف كصاعقة نزلت عليها من سماء صافية .

" أنا وأنتِ وُلدنا في طَبقتين مُختلفتين منذ البداية يا شين إيسو، ونحن أشخاص لا ينبغي لنا أبدًا أن نجلس وجهًا لوجه هكذا طوال حياتنا "

" … من المؤسف سماعك تقول ذلك "

" سأغادر أولاً، وإياكِ أن تَنبسي ببنت شفة لأي شخص كان عن هذا اللقاء "

وبدا أن جومين يَشعر بالخزي والعار من حقيقة أنه التقى بإيسو كشريكة لتدبير الزواج، فانسحب من المكان مُسرعًا كمن يلوذ بالفرار. وحتى ظهره المُبتعد كان يَكسوه التصلب والجمود التام .

" …… "

ضمّت إيسو أطراف أصابعها المرتجفة بهدوء. وما إن تلاشى جسد ميونغ جومين عن ناظريها، حتى خارت قواها وتبددت تلك الطاقة التي كانت تَشد جسدها وتُصلبه. وحاولت رَفع الكأس بيدها المرتجفة، لكنها تخلت عن الفكرة في نهاية المطاف.

لماذا رغبت السيدة آن في تعريف حفيدها العزيز جومين بامرأة مثلها ؟

لم تَستطع مُخيلتها العثور على إجابة أو سبب مقنع لذلك. بل لم تَعد ترغب في إطلاق العنان لمُخيلتها أكثر، فكلما أمعنت التفكير في السبب، شَعرت أنها ستصل إلى نَتيجة مُرعبة وقاسية .

وحسدت جومين الذي سيذهب فورًا إلى بيته ليَصب جَام غضبه وضِيقه في وجه جَدته. أما هي، فَمشاعر غضبها العارم وضيقها الشديد الذي يَكاد يَنفجر في صدرها، لَم تكن تَقوى على إظهارها لأي شخص كان .

وبمجرد التفكير في أن الجميع من حولها يَقِفون في صف واحد ويَشتركون في خديعتها، احترقت عيناها بالدموع في ثانية واحدة . وشعرت وكأنها مُمثلة وُضعت بمفردها فوق خَشبة مَسرح صَمم الآخرون مَشاهد مسرحيته وأخرجوها بإحكام .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

ما إن أوقفَ جومين سيارته ودخل إلى المنزل، حتى بدأ يبحث عن والدته فورًا. وبعد أن أخبره أحد الموظفين أنها متواجدة في مشغل والده، غيّر اتجاهه على الفور ودفع باب الفناء الخارجي سريعًا .

وفي جانب من الحديقة التي كستها خيوط آخر أشعة شمس بعد الظهر، كانت سون يونغ تجلس على مقعد خشبي تقرأ كتابًا. وكلما كان غيو تشول يرسم لوحاته داخل المشغل، كانت هي تلازم ذلك المقعد الخشبي أمامه لتقرأ كتبها على هذا النحو غالبًا.

وعندما اقترب جومين بخطوات واسعة ومتسارعة، شعرت سون يونغ بحركته فرفعت رأسها، وسرعان ما ارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة وهي تنهض من مكانها. وتدفق من عينيها الشاخصتين نحو ابنها فيض من مشاعر الحب والاعتزاز التي عجزت نظراتها عن استيعابها بالكامل .

"لقد أخبرتَني أن لديكَ موعدًا بعد ظهر اليوم، أعدتَ إلى المنزل بهذه السرعة؟"

ارتسمت ملامح القلق على وجه سون يونغ وهي تراقب ابنها الذي تصلب وجهه بشدة. ونفضت يدها غبارًا خفيفًا علق بكتف جومين، ثم أمعنت النظر إليه بأعين تملأها المودة والحرص .

"أمي، هل تعلمين من هو الشخص الذي عدتُ من لقائه للتو؟"

"أعلم أنها فتاة رشحتها جَدتكَ، لكنني لا أعرف هويتها بالتحديد، ولكن، ما خطب ملامح وجهك هكذا؟ ألم تُعجبك تلك الآنسة؟"

" ألم تُعجبني ؟ "

" ما الذي حدث بالضبط ليغضب ابني هكذا ؟ عليك أن تشرح لي الأمر بطريقة أفهمها."

أطلق جومين زفرة استهزاء خافتة «ها!» كمن يشعر بذهول يعجز عقله عن تصديقه كلما أمعن التفكير في الأمر .

ونفث أنفاسه نحو الفراغ بعمق، ثم عاد ليتحدث مجددًا: " الشخص الذي ظهر في موعد تدبير الزواج هي الابنة الثانية للسيد شين، الذي يعمل في قصرنا هذا ! "

" لماذا ستكون ابنة عائلة شين هناك ؟ هل هي في مهمة بطلب من السيدة ؟ "

"أمي، ألا تتظاهرين بالجهل وأنتِ تعلمين كل شيء بالفعل؟"

" جومين، ما الذي تعنيه بكلماتك هذه ؟ "

سألت وعيناها تتسعان بملامح ذهول تام يظهر أنها تجهل الأمر .

" اسألي جدتي إذن، اسأليها ما الذي كانت تفكر فيه عندما حاولت تزويج ابنة تلك العائلة لي ! "

" لا بد أن هناك سوء فهم ما قد حدث، تمالك نفسك واهدأ قليلاً، سأسأل جدتك إن كان هناك خطأ ما "

" إنه ليس خطأ، بل إنها حقيقة واضحة ! جدتي تُريد حقًا تزويجي من الابنة الثانية لعائلة شين ! "

" هل تملك تلك الابنة الثانية مهنة مرموقة أو تخصصًا علميًا مميزًا مثلاً ؟ "

سألت سون يونغ بنبرة تحمل مظاهر الرجاء والاحتمال؛ إذ كانت تؤمن وتثق أن حماتها مستحيل أن ترضى بفتاة لا تملك خلفية لتكون زوجة لحفيدها .

" إنها تعمل بدوام جزئي في معهد لتعليم الرسم في الحي ! فضلاً عن أن شقيقتها الكبرى تعمل كموظفة في قصر عائلة يودانغ، وقد رأيتها بنفسي وهي تأتي إلى هناك لمساعدتها في العمل ! "

"مستحيل أن ترشح لكَ جَدتك فتاة بتلك المواصفات، لا بد أن هناك سوء فهم كبير وراء هذا الأمر"

" أو ربما لديها نقطة ضعفٍ كبيرةٍ للسيدة ! "

" جومين ! "

وفي تلك اللحظة التي كانت فيها سون يونغ تحاول جاهدة وبعجز تهدئة ابنها الذي استبد به الغضب العارم، فُتح باب المشغل، وخرج غيو تشول وهو يرتدي ملابس الهانبوك المريحة. وضيق ما بين حاجبيه وهو يوجه نظرات باردة نحو الاثنين تلو الآخر.

"ما كل هذا الضجيج والاضطراب هنا؟"

" آه، والدي …."

أطبق جومين شفتيه بإحكام أمام كلمات غيو تشول التي خرجت بنبرة ثقيلة وصارمة. فقد كان غيو تشول هو الشخص الأكثر هيبة وصعوبة بالنسبة لجومين في قصر سويوندانغ بالكامل .

وكان يهاب والده ويجده أكثر صعوبة حتى من جَدته التي تترأس عائلة سويوندانغ. ورغم أنه الابن الوحيد له في هذا الوجود، والحفيد البكر الذي كاد أن يولد يتيم الأب في الماضي، إلا أن غيو تشول لم يكن يعامله بود عاطفي، بل كلما رآه، كان وجهه يصبح باردًا و جافًا .

ولم يكن الأمر كذلك منذ البداية، بل إن طريقة تعامل غيو تشول معه تحولت إلى البرود والجمود في لحظة ما من الماضي .

" لقد سألتُكما عن سبب هذا الضجيج "

" عزيزي، لقد عرفتْ والدتك امرأة ليلتقي بها جومين، وتبيّن أنها الابنة الثانية لعائلة شين، ولذا، فمن الطبيعي أن يشعر جومين بجرح في كبريائه وصدمة شديدة من هذا الموقف "

شرحت سون يونغ الموقف لزوجها بنبرة هادئة ومفصلة. وظنت أنه مهما بلغت قسوة زوجها وشدته مع ابنه، إلا أنه لن يملك مفرًا من التضامن والتعاطف معه في مثل هذا الموقف الشائن … لكنها كانت مخطئة .

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان