الفصل ٧ و ٨ : جِلْسَا

— { هل التقيتِ بكبيرة العائلة جيدًا اليوم ؟ }

بينما كانت إيسو تنتظر الحافلة في المحطة، رن منبه هاتفها ففتحت الرسالة النصية. كانت الرسالة من والدتها سون إيم. ففي اليوم الذي تلتقي فيه بالسيدة آن، تأتيها حتمًا رسالة تفقدية من والدتها على هذا النحو، إذ كانت تشعر بالفضول لمعرفة طبيعة الحديث الذي دار بينهما.

— {نعم, لقد افترقنا قبل قليل }

— { ماذا قالت لكِ ؟ }

— { لم يكن هناك شيء مهم، سأخبركِ لاحقًا }

أرسلت إيسو الرسالة إلى سون إيم ثم صعدت إلى الحافلة. وعندما شعرت أن الحديث سيطول، قامت بتأجيل التفاصيل إلى وقت لاحق .

جلست على مقعد فُتحت نافذته بمقدار شبر، وأخذت تنظر إلى المشهد الخارجي وهي تسترجع في ذهنها الحوار الذي دار بينها وبين السيدة آن قبل قليل.

إن كلام السيدة آن حول تعريفها برجل ذي شروط جيدة لم يكن مجرد حديث عابر حتمًا. فلا بد أن هناك شخصًا محددًا تضعه نصب عينيها. ورغم أنها هي نفسها لا تعلم هوية ذلك الرجل، إلا أن السيدة آن كانت واثقة تمامًا من أنهما سيتوافقان معًا كقطع أحجية متطابقة .

" …… "

ورغم أنها كانت تلتقي بالسيدة آن بين الحين والآخر وكأنها تخضع لاختبار الواجبات المدرسية كلما حان الوقت، إلا أن شكوكها لم تتبدد أدنى درجة.

لماذا تبدي المرأة هذا الاهتمام العميق بها إلى هذا الحد ؟ ظل هذا السؤال الذي لا تجد له إجابة قائمًا ومستمرًا .

وصلت إلى المنزل قرابة الساعة الرابعة بعد الظهر. وعندما فتحت الباب الحديدي الذي يصدر صريرًا ودخلت، وجدت طردًا بريديًا رقيقًا موضوعًا فوق أرضية الفناء الإسمنتية القديمة.

وبناءً على العنوان المكتوب على المغلف، تبين أنه مرسل من المستشفى الذي فيه والدتها البيولوجية. إنه مستشفى رعاية المسنين والمرضى حيث والدة إيسو البيولوجية، كانغ هوا يونغ .

" هل تكنين لي الضغينة ؟ "

كانت والدتها تعاني من مرض عقلي و ترمق إيسو أحيانًا بنظرات يمتزج فيها السخرية وتطرح عليها هذا السؤال .

ولا بد أن ذلك نابع من شعور يشبه ذنب ضميرها، رغبة منها في سماع إجابة تنفي ذلك لتحصل على الطمأنينة في قلبها. أو لعلها تريد تذكيرها باستمرار بحقيقة أنها أمها البيولوجية فحسب.

" لا أكن لكِ الضغينة "

وعندما كانت إيسو تجيبها هكذا، كانت المرأة تطلق ضحكة خافتة متقطعة وكأنها وجدت أمرًا مسليًا للغاية.

أنجبت هوا يونغ إيسو بمفردها، وخاضت بعد ذلك زواجين رسميين وانفصالين رسميين، غير أن إيسو كانت طفلتها الوحيدة التي أنجبتها بالفعل. وظنت إيسو أن السبب وراء فشل والدتها البيولوجية في التخلي عنها تمامًا يعود إلى كونها سلالتها الوحيدة .

" …… "

بينما كانت تفكر في وجوب ذهابها قريبًا لزيارة مستشفى الرعاية حيث والدتها البيولوجية، اهتز هاتفها مُحدثًا ضجيجًا صاخبًا .

— { هل يمكنكِ التحدث الآن ؟ }

كانت هذه رسالة نصية أرسلها سوك هون. حملت إيسو الطرد ودخلت إلى المنزل وهي تتصل به.

"ما الخطب؟"

─ أين أنتِ؟ هل انتهى موعدكِ؟

" لقد دخلتُ إلى المنزل للتو ".

─ لو كنتِ قد انتهيتِ مبكرًا، كان عليك الاتصال بي لنتناول العشاء معًا.

" لسنا في علاقة تسمح لنا بتناول وجبتين معًا في يوم واحد حتمًا "

─ انظروا إليها، ولماذا لا يمكننا تناول وجبتين ؟

لم يكن سوك هون، الذي ملك الكثير منذ ولادته، يكترث كثيرًا بنظرات من حوله. فمن وجهة نظره، لم يكن هناك أدنى غرابة في أن يحادثها كلما حان له الوقت أو أن يتناولا وجبتين معًا في اليوم؛ بل كان يتبع رغبته في فعل ذلك دون تفكير زائد. تلك الحرية النابعة من الثراء الاقتصادي، حيث لا حاجة للمرء بأن يشغل ذهنه بنظرات الآخرين .

" تناولها مرتين مع حبيبتك مستقبلاً بدلاً مني "

─ وهل أنا رجل في نظرك ؟

" بالنسبة لأمك، لا بد أنني امرأة "

─ لو كانت تفكر بذلك، لكنتُ ممتنًا، فوالدتي تحبكِ كثيرًا .

يملك سوك هون، الذي يمتلك نظرة ثاقبة وبارعة في تقييم اللوحات، جانبًا غبيًا كهذا. فقد ابتسمت والدته ذات مرة وهي تطلب من إيسو أن تعرف ابنها على فتاة لطيفة. ولن يدرك سوك هون أبدًا مغزى الكلمات التي وجهتها والدته إليها آنذاك .

ولم تكن تشعر بالضيق أو الغضب من موقف والدته ذلك. بل وجدته مُضحكًا بعض الشيء، ومُؤلمًا في الوقت نفسه، لأنها كانت تُحاول وضع حدودٍ خوفًا من أن تطمع هي، بخلفيتها المتواضعة، في سوك هون .

"ما هو الغرض الحقيقي من اتصالك؟"

حولت إيسو مجرى الحديث خشية أن يطول الكلام.

─ آه، الغرض ! في الحقيقة، ترغب زوجة رئيس مجلس الإدارة كوك في تعليم حفيدتها الرسم، فما رأيكِ ؟

"… زوجة الرئيس كوك ؟ "

توقفت عن فتح أزرار قميصها وتصلبت حركتها. إن كانت حفيدة الرئيس كوك، فهي تلك الطفلة التي رأتها في القصر آنذاك. ابنة كوك جيهان البالغة من العمر سبع سنوات، كوك سي ها.

─ نعم، ترغب في تعليمها الرسم ولكنها لا تريد إرسالها إلى الخارج، أتفهمين ما أعنيه ؟

وعلى غير عادته، أطال الشرح وكان صوته يحمل نبرة حذرة وهو يسأل .

" أفهم ما تعنيه … ولكن لماذا تخبرني أنا في هذا الأمر ؟ "

─ بما أنها فتاة، فإنهم يريدون معلمة امرأة، وبالطبع، يجب أن تكون ماهرة بما يكفي لأقدمها لها.

"لن أكون أنا ذلك الشخص حتمًا يا زميلي".

سَكبت إيسو الماء من القنينة في كأس زجاجي ببطء بعد أن أخرجتها من الثلاجة. وتساءلت في نفسها عن السبب الذي يجعل سوك هون يسرد التفاصيل شبرًا بشبر على هذا النحو، ويبدو من الأمر أنه ينوي توكيل هذه المهمة إليها.

─ درس واحد في الأسبوع. يمكنكِ تحديد الوقت كما يريحكِ، ولكن يُفضل أن يكون قبل عشاء الأيام العادية إن أمكن. ولم تذكر الأجر بعد، لكنها ستدفعه بشكل جيد تلقائيًا. أعلم أنكِ لن ترغبي في ذلك، ولكن اعتبريها فرصة لتوسيع شبكة علاقاتكِ، اتفقنا ؟

" ابحثْ عن شخص آخر، هناك الكثير من حولك ".

ورغم توسل سوك هون، إلا أن إيسو أجابت بجفاء. و رشفت رشفة من الماء البارد فشعرت بأن وعيها قد استيقظ. وبدا لها أن ذلك الصداع مثل السيدة آن والموعد والوالدة البيولوجية قد بدأت تتبدد من رأسها الآن .

─ من بين الرسامين الذين أعرفهم، أنتِ الوحيدة التي تستوفي هذه الشروط. أتعلمين أن السيدة من كبار الشخصيات في معرضنا ؟ لا بد أن للسيدة حصة في مكبر الصوت جنيفا الذي اشتريتِهِ مؤخرًا، أليس كذلك ؟

وعندما لم ينفع التوسل، بدأ سوك هون يهددها بوضوح. قطبت إيسو حاجبيها وألقت نظرة خاطفة نحو مكبر الصوت الخشبي المربع الموضوع فوق خزانة العرض في غرفة المعيشة.

رفاهيتها الصغيرة التي ترفع من جودة حياتها. وكانت حقيقة أن للسيدة هان، من كبار الشخصيات في المعرض، حصة في ذلك الشيء أمرًا لا يمكن إنكاره .

" لماذا تريدني أن أفعل ذلك تحديدًا ؟ "

─ بما أنني من سأرشح لها، فلا يمكنني إرسال أي شخص، ولا أريد أن أُنتقد بسبب إرسال شخص غير كفء .

" أي شخص تعرفه يملك الكفاءة لتعليم طفلة في السابعة من عمرها حتمًا "

─ ليست مجرد طفلة عادية، بل هي حفيدة الرئيس كوك، كما أن نظرة السيدة ثاقبة و رفيعة، ولذا لن يرضيها أي شخص كان.

يبدو أن سوك هون قد اتخذ قراره بالفعل لإرسالها. وبالطبع، كان بإمكانها الرفض ببساطة، ولكنها علمت أن الأمر لم يكن أمرًا بل رجاءً، فصعب عليها رد طلبه دفعة واحدة. وفي نهاية المطاف، سيكون هذا العمل من نصيبها.

وعندما فكرت في حفيدة الرئيس كوك، تذكرته هو تلقائيًا. وتذكرت أيضًا مشهد ذلك اليوم الذي كادت تصبح فيه صيدًا له.

"… سأفكر في الأمر"

─ ستفكرين بإيجابية، أليس كذلك ؟

" سنتحدث مجددًا لاحقًا "

وفي النهاية، أنهت إيسو المكالمة مع سوك هون بعد هذه الكلمات. وتخيلت في ذهنها قصر الرئيس كوك الذي تمازجت فيه البيوت التقليدية العريقة مع المباني الحديثة بشكل متناسق. ولاحت أمام عينيها أوراق الشجر الخضراء وهي تهتز بفعل الرياح، وأشعة الشمس وهي تملأ تلك المساحات ببريق مبهر.

وكانت نهاية أفكارها تتجه نحو وجه كوك جيهان وهو ينظر إليها من الأعلى. تلك العينان السوداوان اللتان كانتا تنظران إليها وكأنه شخص يعرفها بالفعل .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كان مستشفى رعاية المسنين والمرضى الذي فيه والدة إيسو البيولوجية يقع فوق تلة منحدرة تشرف على غابة خضراء ممتدة .

وقفت إيسو، التي جاءت للزيارة، تنظر إلى الغابة الكثيفة الممتدة أسفل المقعد الخشبي.

"هل وصلتِ يا آنسة إيسو؟"

التفتت إيسو فور سماعها صوتًا لطيفًا. كانت الممرضة تقترب وهي تدفع كرسي هوا يونغ المتحرك. وما إن تلاقت عيناها مع عيني إيسو، حتى انحنت قليلاً ملقية التحية، ثم غادرت المكان تاركة هوا يونغ معها.

" أنا هنا "

ومع كلمات إيسو، تحركت عيناها الخاليتان من أي بريق ببطء نحو الجانب. كانت تسند جسدها الهزيل بلا قوة إلى مسند الكرسي المتحرك.

أنجبت طفلة كأم غير متزوجة، وتزوجت مرتين وهو أمر يصعب على الآخرين خوضه ولو لمرة واحدة، لكن هوا يونغ انتهى بها المطاف وحيدة، تجلس بضعف وانكسار أمام الطفلة التي تخلت عنها في الماضي .

"… ماذا حل بالطفل لتأتي بمفردكِ ؟ "

خرج صوت خافت من بين شفتيها الجافتين. وبدت يدها النحيلة المستندة إلى مسند الذراع كغصن شجرة في أعماق الشتاء .

" وأي طفل لديّ ؟ "

" ذلك الرضيع … الذي قمتِ بأخذه يا شقيقتي الكبرى "

تحدثت هوا يونغ بصوت خافت يشبه الهمس. كانت هوا يونغ التي يضطرب وعيها بين الفينة والأخرى، تظن إيسو اليوم شقيقتها الكبرى تمامًا.

غير أن حالتها تلك لم تكن أمرًا سيئًا بالكامل بالنسبة لإيسو. ففي مثل هذه الأوقات، كان بإمكانها الاستماع دون أي تحفظ إلى كلمات لا تنطق بها هوا يونغ عندما تكون في كامل وعيها.

" إذن، لماذا أرسلتِ ابنتكِ إلى شقيقتكِ الكبرى ؟ لينتهي بكِ المطاف وحيدة على هذا النحو "

وكذلك إيسو، كان بإمكانها في مثل هذه الأوقات توجيه كلمات إلى والدتها البيولوجية لا تقوى على قولها في الأحوال العادية. وكانت تظهر دون تردد مشاعر الضغينة والكره، وحتى الشفقة تجاهها .

" ابنة ؟ أي ابنة ؟ متى أنجبتُ ابنة حتى تقولين هذا ؟ "

"الابنة التي أنجبتِها أنتِ، هل نسيتِ الآن حتى أنكِ أنجبتِ ابنة؟"

انطلقت من هوا يونغ ضحكة متهكمة أمام كلمات إيسو، ولوت حافة شفتيها ساخرة.

وحركت شفتيها اليابستين بتعابير متعالية: " لماذا تكون تلك الفتاة ابنتي ؟ إنها الطفلة التي أحضرتها أنتِ و زوجكِ يا شقيقتي "

" أنا إيسو، ألا تتذكرينني ؟ شين إيسو "

عندما لا تكون في كامل وعيها، كانت تتحدث معها وتنتظر حتى يعود إليها عقلها. وخلال ذلك الوقت، كانت هوا يونغ تنهال عليها بالشتائم أو تنطق بكلمات هذيانية، لكن الأمر اليوم كان مختلفًا بعض الشيء عما قبله. وشعرت بنوع من الغرابة والريبة لا تدري سببه .

" أعلم، إنها رأس مال معيشة منزلكِ، الفتاة التي قمتِ بإحضارها بديلاً عن طفلي الذي منحتكِ إياه "

" …… "

أطلقت هوا يونغ ضحكة متقطعة خافتة، ثم تحدثت بصوت منخفض كمن يفشي سرًا.

وفي تلك اللحظة، تصلب وجه إيسو بشكل طفيف. وتساءلت في نفسها عما سمعته للتو. وظلت شاخصة بنظراتها نحو شفتي هوا يونغ فحسب. فقد كانت تعلم أن والدتها البيولوجية قد تهذي، لكنها لا تكذب أبدًا .

" ابني يكبر جيدًا في ذلك المنزل، أليس كذلك ؟ لقد قلتِ أنكِ ترينه كثيرًا أثناء عملك، أليس كذلك ؟ "

ابتسمت ابتسامة عريضة، ثم رفعت عينيها لتنظر إلى إيسو بنظرات تملأها الجنون. وفي الوقت نفسه، تلاشت كل الضوضاء المحيطة فجأة. وأخذت دقات قلبها المضطربة تضرب رأسها بقوة .

" … أي … ابن تتحدثين عنه ؟ "

" ابني جومين بالطبع، طفلي الذي أرسلته إلى سويوندانغ بديلاً عن بطاقة اليانصيب التي منحتها لك يا شقيقتي "

" …… "

وبعد أن نطقت بتلك الكلمات، أخذت تهز جسدها وتضحك بقهقهة. وتحولت تلك الضحكات التي خرجت بخشونة إلى سعال مستمر. وفي النهاية، أخذت تسعل سعالاً جافًا متتاليًا وهي تقبض بيدها فوق موضع قلبها بوجه يعلوه الألم. ومع كل سعلة، كان جسدها الهزيل يرتجف كأنها ورقة رقيقة .

أما إيسو، فقد ظل وجهها شاحبًا كالثلج، واكتفت بالتحديق في وجهها بذهول. وعندما هدأ ذلك السعال الخفيف، بدأت المرأة تضحك مجددًا بخفوت.

واستمر الأمر على هذا النحو لبرهة طويلة، حتى استنشقت في النهاية نفسًا عميقًا ثم زفرته ببطء، وتلاقت عيناها مع عيني إيسو. وبدت عيناها الغائبتان عن الوعي تستعيدان وضوحهما تدريجيًا، مما دل على أن وعيها كان يعود إليها ببطء .

" متى جئتِ أنتِ ؟ "

" … مَـ … مَن … أنا ؟ "

ثبتت إيسو نظراتها عليها، وحركت شفتيها بصعوبة بالغة. وأخذ قلبها الذي كان يخفق بشدة كمن ركض مسافة مئة متر ينتفخ كبالون كبير، ليضغط بقوة على صدرها وأنفاسها.

" مَن ستكونين غير إيسو ؟ شين إيسو "

" …… "

" شقيقتي و زوجها يعملان جيدًا في سويوندانغ، أليس كذلك ؟ هل جميع أفراد ذلك المنزل بخير ؟ "

" …… "

وأدركت إيسو فجأة حقيقة أن والدتها البيولوجية لم تنادها أبدًا بلقب «ابنتي» طوال حياتها وحتى الآن .

وهوى قلبها الذي كان يرتجف ذعرًا نحو قاع الهاوية في لحظة واحدة .

هل كان تفقدها لأحوال أفراد سويوندانغ، والذي كانت تتجاوزه ببساطة أحيانًا، يحمل هذا المعنى ؟

****************************

الفصل : ٨

كان الطريق المؤدي إلى عودتها لمدينة سيول طويلاً وقصيرًا في آن واحد. وخلال ركوبها الحافلة وعودتها إلى المنزل، كان الحوار الذي دار بينها وبين هوا يونغ يعاد بثه في عقلها دون انقطاع .

وظلت الكلمات التي تفوهت بها هوا يونغ، مثل «ابني» و «سويوندانغ»، عالقة في صدرها وكأنها صُفيت بمصفاة وبقيت هناك .

" …… "

أسندت إيسو رأسها إلى النافذة المهتزة وعيناها مغلقتان. وكان رأسها ينبض بالألم وكأنه على وشك الانفجار، وشعرت بحرارة تحرق عينيها كأنها لُفحت بالنار. وخافت إن رفعت جفنيها أن تنهمر الدموع التي تحبسها بصعوبة بغزارة، فلم تفتح عينيها المغلقتين طوال طريق عودتها إلى المنزل .

ولم تكن تعلم أين يجب أن توجه هذه المشاعر التي تمازجت فيها الصدمة والضغينة واليأس، والتي ستنتهي في نهاية المطاف إلى غضب عارم .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

نزلت إيسو في محطة حافلات الحي، وسارت بخطوات ثقيلة نحو المنزل. وفي ذلك الزقاق المظلم والخالي من المارة، كانت إِيُون تحوم أمام باب بيتها. غير أن إِيُون لم تكن مبعث فرح لها اليوم على الإطلاق .

"يا فتاة ! أين ذهبتِ لتأتي إلى المنزل في هذا الوقت ؟ أتعلمين كم مرة اتصلتُ بكِ ؟ "

" … ذهبتُ لزيارة خالتي، ما الذي جاء بكِ إلى هنا في مثل هذا الوقت ؟ "

أجابت إيسو بصوت منخفض ومنكسر، وتركت إِيُون واقفة بجانبها بينما أخذت تضغط على أرقام القفل الرقمي للباب تلو الآخر . وشعرت بضعف يوشك أن يتسلل إلى يدها، فكان عليها أن تضغط بأطراف أصابعها بقوة و وعي .

" لقد جئتُ لتفقد الأشباح بالطبع، أليس عليّ التحدث معهم وتهدئتهم أيضًا ؟ "

استمعت إيسو إلى كلمات إِيُون التي كانت تمزح كعادتها، و ارتسمت على شفتيها ابتسامة مريرة.

" أيمكنكِ رؤية الأشباح حقًا ؟ "

" ماذا ؟ أتَشُكّين فيّ الآن ؟ "

" …… "

تركت خلفها إِيُون التي ثارت وضَرَبت الأرض بقدمها، و دخلت إلى المنزل. وبدت طريقة تعامل شقيقتها المختلفة عن العادة غريبة، فأمالت إِيُون رأسها بحيرة وتبعتها إلى الداخل فورًا .

" هل حدث لكِ خطب ما في المستشفى ؟ هل ساءت صحة خالتي كثيرًا ؟ "

" … إنها كما كانت في السابق تمامًا، لا شيء أفضل، ولا شيء أسوأ "

" ولكن لماذا يبدو مزاجكِ منخفضًا إلى هذا الحد ؟ تبدين كشخص حدث له خطب سيء حتمًا "

"… لماذا جئتِ إلى هنا في هذا الوقت يا أختي ؟ "

دخلت إيسو إلى المنزل وهي تخلع معطفها بوجه يكسوه التعب وطرحت السؤال. ولم تكن ترغب في لقاء أي شخص كان بمشاعرها الحالية، وخاصة وجوه أفراد عائلتها، لم تكن تريد رؤيتها أبدًا .

" طلبت مني أمي أن أطمئن عليكِ، وقالت إنكِ التقيتِ بكبيرة عائلة سويوندانغ قبل بضعة أيام أيضًا، ما الذي تحدثتِ عنه معها ؟ "

" أجئتِ إلى هنا لتسأليني عن هذا ؟ "

" لا، ليس هذا فحسب، بل سمعتُ أيضًا أنكِ قررتِ تعليم الرسم لحفيدة رئيس مجلس الإدارة، يا فتاة ! كان عليكِ إخباري بأمر مهم كهذا أولاً ! "

توقفت إيسو عن الحركة والتفتت إلى الوراء بينما كانت تهم بدخول غرفتها لتبديل ملابسها. لقد كانت تنوي الموافقة، ولا بد أن سوك هون ظن أنها ستفعل ذلك أيضًا، غير أنه كان من المؤسف أن يُنقل الأمر إلى الطرف الآخر قبل أن تُحسم المسألة بينهما .

وبالحديث عن هذا، بدا لها أنها تلقت رسالة نصية من سوك هون بالفعل، ولكن لم يكن في رأسها متسع من الوعي لفتحها وقراءتها .

"ومن أين سمعتِ هذا الكلام أيضًا؟"

" لقد سألتني السيدة عنكِ، وقالت إن رئيس معرض ما أخبرها بأنكِ شقيقتي "

"… لم أتخذ قرارًا حتميًا بعد "

تحدثت إيسو وهي تطلق زفرة من بين شفتيها. واجتاحها التعب كأمواج عاتية تضاهي حجم منزل كبير . ولم يعد في جسدها طاقة متبقية للاغتسال حتى، بل كل ما كانت ترجوه هو الاستلقاء على السرير وإغلاق عينيها .

" يا إلهي ! ولماذا تترددين في أمر كهذا ؟ سيعطونكِ الكثير من المال حتمًا، فضلاً عن أن إعطاء دروس خصوصية لحفيدة رئيس مجلس الإدارة أمر يدعو للفخر أينما ذهبتِ وتحدثتِ عنه ! عليكِ فِعل هذا حتمًا، حتمًا ! "

" أهذا كل ما لديكِ يا أختي ؟ إن كنتِ قد انتهيتِ، أتمنى لو تغادرين الآن، أنا متعبة "

" ما خطبكِ اليوم ؟ أنتِ تتعاملين معي وكأنني شخص غريب، هذا يؤلمني "

يبدو أن إِيُون لم تكن غافلة عن حقيقة أن إيسو ليست على طبيعتها، بل كانت تتظاهر بالجهل فحسب. وعندما عجزت عن كبت ضيقها أكثر، نفخت وجنتيها بشدة معبرة عن استيائها .

" نحن غريبتان بالفعل، فلسنا شقيقتين بالتأكيد "

" ماذا ؟ هل أكلتِ شيئًا خاطئًا اليوم ؟ "

" أختي "

" تشه، لسنا شقيقتين، فلماذا تنادينني أختي إذن ؟ "

وفي تلك اللحظة، بدا وكأن حبلاً عصبيًا كان مشدودًا إلى أقصى حد قد انقطع فجأة. فثبتت إيسو وجهها والتفتت نحوها .

" لدي طلب، أيمكنكِ سؤال الأشباح عن هوية والدي البيولوجي ؟ أعتقد أنهم يعلمون "

" … يا … يا فتاة ! ما الذي تقولينه فجأة ! "

وقفت إِيُون تحت ضوء غرفة المعيشة الساطع عاجزة عن إخفاء ملامح الارتباك التي كست وجهها بالكامل. وبعد أن كانت تتصرف كمن تملك الكثير من الشكاوى والتذمر، أطبقت شفتيها بإحكام في لحظة واحدة. وأخذت عيناها اللتان عجزتا عن النظر إلى عيني إيسو مباشرة تائهتين، تترددان هنا وهناك .

" أم أنكِ تعلمين الأمر بالفعل يا أختي ؟ "

" … وأي … أي شيء سأعلمه أنا حتى تقولين هذا "

أطلقت إيسو ضحكة خفيفة وهي تراقب إِيُون المضطربة .

" لقد كنت أمزح "

" …… "

وكذلك إيسو، لم تكن تقوى على النظر إلى عيني إِيُون مباشرة. وكان شعورها بمشاهدة شقيقتها الموثوقة، التي كانت تقف في صفها دائمًا، وهي تخدعها هي الأخرى، أمرًا يفيض بالمرارة والتحطم .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

وبعد بضعة أيام، زارت إيسو قصر الرئيس كوك .

وعلى عكس المرة السابقة، لم تدخل اليوم من الباب الخلفي، بل عبرت من الباب الأمامي الرئيسي.

هل الفارق بين الباب الرئيسي والباب الخلفي هو تمييز طبقي أم مجرد تقسيم تنظيمي ؟

تبادرت هذه الفكرة إلى ذهن إيسو وهي تعبر الباب الكبير المفتوح لها على مصراعيه .

كانت تجلس الآن في غرفة المعيشة بانتظار سيدة هذا المنزل، السيدة هان سوك هي. ولقد صدق كلام سوك هون عندما قال لها إن الذهاب إلى قصر الرئيس كوك سيكون أمرًا ممتعًا؛ إذ تذكرت كلماته وهي تتأمل الأعمال الفنية الشهيرة التي كانت تشغل جدران ممر غرفة المعيشة .

كان الممر الطويل الممتد عبر أرجاء المنزل يوحي بمظهر معرض فني تُعرض فيه اللوحات الحصرية. وتملكها العجب والذهول في كل مرة كانت تكتشف فيها لوحة على الجدار بيعت بأسعار باهظة في المزاد العلني.

وفجأة، توقفت خطواتها البطيئة تمامًا أمام أحد الأعمال الفنية .

" …… "

كانت تلك اللوحة عملاً فنيًا بيع عن طريق معرض «دوتوم»، وكانت إيسو تعرفها حق المعرفة.

فاللوحة التي جمعت الفصول الأربعة -الربيع، الصيف، الخريف، والشتاء- في مشهد طبيعي واحد، تعد اللوحة الأغلى سعرًا من بين أعمال الفنانة «لي كيونغ». وتجلت فيها بوضوح ريشتها الفنية التي تدمج ببراعة متناهية بين أسلوب الرسم الشرقي والغربي، وهي اللوحة التي شهدت أكثر من ثلاثين مزايدة في المزاد العلني .

"هل رأيتِ هذه اللوحة من قبل؟ إنها من أعمال الرسامة لي كيونغ، إنها بارعة حقًا في استخدام الألوان، أليس كذلك؟"

تناهى إلى مسامعها صوت نسائي أنيق من خلفها. والتفتت إيسو لتلمح امرأة في منتصف العمر ترفع شعرها بشكل مرتب وجذاب.

كانت السيدة هان سوك هي؛ السيدة التي تبدي إعجابها بلوحات الفنانة الصاعدة والبارزة لي كيونغ، وهي التي اقترحت على سوك هون من قبل أن يرتب لها موعد عشاء مع الرسامة .

" مرحبًا بكِ، أنا شين إيسو "

أومأت السيدة سوك هي بيدها داعية إيسو للجلوس بعد أن انحنت الأخيرة ملقية التحية، ثم جلست على الأريكة واضعة قدمًا فوق أخرى بكل أريحية. و وُضعت كؤوس الشاي أمامهما. و نظرت إلى إيسو الجالسة أمامها بنظرات تملأها الفضول والاهتمام .

" سمعتُ أنكِ زميلة دراسية سابقة لرئيس المعرض يون في الجامعة "

" نعم، أنا أساعده في عمله بين الحين والآخر "

" إن رئيس المعرض يون متعدد المواهب حقًا، كما أنه مخلص في عمله، على عكس شباب هذه الأيام "

في مثل هذه المواقف، تلمس إيسو حقيقة أن سوك هون ابن عائلة ثرية و ذات نفوذ. فعندما يتردد اسمه بشكل ودي على ألسنة أشخاص ذوي مكانة اجتماعية مرموقة، تشعر أن سوك هون ينتمي بدوره إلى تلك الحلقة المغلقة الخاصة بهم.

"لقد قيل لي أيضًا إنكِ شقيقة الآنسة إِيُون، ولذلك رغبتُ في لقائكِ للسببين معًا، وحسبما سمعتُ، فإن إِيُون تملك موهبة استثنائية فريدة، فهل تملكين أنتِ أيضًا موهبة كهذه يا إيسو؟"

" لا، أنا لا أملك مثل هذه القدرات "

يبدو أن حديث إِيُون، التي كانت تقرأ الطالع لمعارفها على سبيل التسلية، قد تناهى إلى مسامع السيدة أيضًا. فقد كانت إِيُون تتنبأ بمستقبل من يحيطون بها بين الحين والآخر، وكانت تُوصف في كل مرة بأنها بارعة للغاية في توقعاتها. وكان هذا السبب الأكبر وراء توصيتها من قِبل موظف عائلة يودانغ الذي نالت إعجابه .

" همم، هكذا إذن، ولكن، لا يبدو أنكِ تشبهين شقيقتكِ كثيرًا، أليس كذلك ؟ أعتقد أن الناس لن يعلموا أنكما شقيقتان ما لم تخبريهم بذلك بشكل منفصل "

"ربما يعود ذلك… إلى أننا لسنا شقيقتين بيولوجيتين "

" لقد سمعتُ أنكِ الشقيقة الصغرى البيولوجية لإِيُون، أليس الأمر كذلك ؟ "

أمالت رأسها بحيرة وفتحت عينيها باتساع قليلاً: " من الناحية الورقية الرسمية، نحن شقيقتان حتمًا، ولكن والدينا مختلفان، لقد تم تبنيي في الماضي "

" آه، أنا آسفة، لقد تحدثتُ في أمر لا داعي له حقًا "

"لا بأس في ذلك، فهذه هي الحقيقة".

خفضت سوك هي عينيها و رفعت كأس الشاي وهي ترتسم ابتسامة باردة. لقد تواصلت مع رئيس معرض دوتوم، يون سوك هون، برغبة منها في تعليم سي ها الرسم. ولم يكن هناك أمر بارز ومثير للاهتمام بشكل خاص في السيرة الذاتية لشين إيسو، ولكن بما أنها زميلة نالت إعجاب رئيس المعرض الصارم، فلا بد أن كفاءتها جيدة. وحين قيل لها إنها شقيقة إِيُون، ظنت أن خطر إدخال شخص غريب إلى المنزل سيكون أقل، غير أنها عندما التقتها وجهاً لوجه، ساورها القلق لأن مظهر الفتاة كان جميلاً للغاية .

كانت تُدرك تمامًا المشاكل التي قد تنشأ بوجود موظفة جميلة. وكانت تدرك أيضًا الحوادث والمصائب التي قد تحدث عندما يلتقي شخص لديه الكثير ليخسره بشخص ليس لديه ما يخسره. و زوجها و ابنتها خير دليل على ذلك .

" ألديكِ حبيب يا إيسو ؟ "

" لا، ليس لديّ "

" يا إلهي، لقد ظننتُ حتمًا أنكِ تملكين حبيبًا، هل تبحثين عن شخص مناسب ؟ لدينا الكثير من الموظفين المخلصين و ذوي الكفاءة في الشركة "

سألت سوك هي وهي تضع ابتسامة تبدو وكأنها لوحة مرسومة بدقة. فالزهرة الجميلة التي لا يمكنها أن تنمو في حديقتها، يجب استئصال جذورها منذ البداية. ولم تكن تريد لتلك الزهرة أن تتطفل على بيتها بحيوية تشبه حيوية الأعشاب الضارة .

" أنا ممتنة لكلماتكِ، ولكن لا بأس في ذلك "

" لماذا، فأنتِ جميلة جدًا ؟ أنا أقول هذا من دافع الشفقة والحرص عليكِ فحسب "

" لأنني لستُ في وضع يسمح لي بالدخول في علاقة عاطفية حاليًا "

أجابت إيسو بهدوء. وبدا لها بوضوح أن السيدة هان الجالسة أمامها لا تكن لها أي مشاعر ودية. فأن تنطق بكلمات تحمل مظاهر اللطف بنظرات تملأها الريبة والحذر في أول لقاء بينهما، فإن تلك المشاعر المتناقضة التي لا تجتمع غالبًا ما تتجه نحو الجانب السلبي حتمًا.

"ولكن هذا مُثير للاهتمام، أنتِ تملكين قدرة متميزة على النظر في أعين الناس مباشرة يا إيسو، أليس كذلك؟"

"… لا أفهم تمامًا ما تعنيه بكلماتكِ "

" لأنه لا يوجد الكثير من الأشخاص الذين يطيلون النظر في عيني مباشرة، ولذلك وجدتُ الأمر غريبًا ومميزًا … آه، لا أقصد الإساءة إليكِ حتمًا، فلا تفهميني خطأ "

تحدثت السيدة هان بنبرة ناعمة وهي تقوس طرفي عينيها نحو الأسفل، غير أن حرارة نظراتها كانت منخفضة بشكل ملحوظ. ورُسم خط غير مرئي بينهما بشكل قاطع .

" …… "

وفي تلك اللحظة التي خيم فيها الصمت بينهما لبرهة، سُمع حركة صغيرة بالقرب من المدخل. والتفتت إيسو تلقائيًا نحو ذلك الجانب، فلمحت جيهان وهو يتقدم بخطواته نحو الداخل .

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان