الفصل ٢٣ و ٢٤ : جِلْسَا

ظننتُ أنني غفوتُ للحظة قصيرة فحسب، لكن الصباح كان قد أشرق بالفعل .

كنتُ أجلس على السرير بذهنٍ شارد وأنا أفكر في المهام التي عليّ إنجازها اليوم، حين تذكرتُ فجأة كلمات جيهان عندما قال إنه سيأتي إلى المعرض. سارعت في الاستعداد ثم غادرت المنزل .

وكعادتها اليومية، توجهت لشراء القهوة من المقهى القريب من المعرض، وهناك لمحت ظهر رجل مألوف. كان يقف اليوم أيضاً أمامها في الطابور ليطلب قهوته.

"مرحباً."

ألقت إيسو التحية على تايونغ الذي كان واقفاً أمام مكتب المحاسبة. التفتَ خلفه وحين رآها ابتسم قائلاً: " تبدين متعبة."

" لقد انتهى عملي في وقت متأخر بالأمس، و واصلتُ العمل حتى الفجر."

"... عمل ؟ هل تقصدين درس حفيدة رئيس مجلس الإدارة كوك ؟ "

" لقد قدمتُ الدرس، وكان لديّ أيضًا بعض الأعمال الشخصية."

استلم تايونغ قهوته، لكنه ظل واقفاً بجانبها ينتظر حتى تستلم هي الأخرى مشروبها. بعد لحظات، خرج الاثنان معاً إلى الخارج وكل منهما يحمل قهوته.

"كيف هم أفراد تلك العائلة؟"

"أفراد تلك العائلة؟ عن من تتحدث تحديداً؟"

" رئيس مجلس الإدارة كوك، أو زوجته، أو بقية أفراد الأسرة."

" لم أقابل أفراد العائلة إلا قليلاً، لذا لا أعرف عنهم الكثير."

" كم يبلغ عمر الطفلة ؟ سمعتُ أنها في سن الروضة."

توقفت إيسو عن شرب قهوتها، ونظرت إليه بريبة. لقد شعرت بهذا في المرة السابقة أيضاً؛ تايونغ يبدي اهتماماً كبيراً ومبالغاً فيه بكل ما يخص عائلة يودانغ.

"... عمرها سبع سنوات."

"هل تعرفين في أي شهر ولدت؟"

" لا أعرف ذلك، وحتى لو كنتُ أعرف، فليس من حقي التحدث في مثل هذه الأمور بحرية."

"سألتُ فقط لأنني أظنها طفلة جميلة، إذا سنحت الفرصة مستقبلاً، وددتُ لو أراها في الخارج ولو لمرة واحدة."

"لا أعتقد أن العائلة ستسمح بذلك، كما أنه ليس لديّ أي سبب يدعوني لأخذ الطفلة إلى الخارج."

رشفت إيسو من قهوتها. وبسبب أسئلته المستمرة عن عائلة رئيس المجلس كوك، بدأت تشعر بنوع من الحذر تجاهه. ورغم أنه صديق لسوك هون وفنان يعمل في المجال نفسه، إلا أنها لا تعرف حقيقته جيداً، مما يجعله في نظرها مجرد شخص غريب كأي شخص آخر.

" لماذا عدتَ إلى كوريا ؟ "

سألته إيسو وكأن الأمر خطر ببالها للتو، محاولةً تغيير مجرى الحديث بشكل طبيعي. فقد كانت فضولية لمعرفة سبب عودته المفاجئة إلى كوريا بعد أن كان كل نشاطه الفني يتركز في الخارج.

"عدتُ لأنني شعرت بالاشتياق إلى كوريا."

"إذن، لماذا غادرتها في المقام الأول؟"

"في ذلك الوقت، كنتُ أكره كوريا لدرجة أنني تمنيتُ الموت."

"... لا بد أنك سعيد بالعودة بعد كل هذا الغياب."

" الوضع ليس سيئاً."

في بعض الأحيان، كانت إيسو تشعر بغرابة وتناقض في شخصية تايونغ دون أن تفهم سببه. فرغم أن انطباعه العام كان هادئاً وأسلوبه في الحديث رزيناً، إلا أنها لم تستطع نسيان تلك النظرة الحادة كالشفرة التي كانت تلمحها تارةً بين عينيه الضاحكتين.

"إيسو، ما طبيعة العلاقة بينكِ وبين سوك هون؟"

" نحن مجرد زميلين، هو زميل أقدم مني في الدراسة، لقد قدّم لي الكثير من المساعدة، وما زال يساعدني حتى الآن."

" ألا تشعرين بأي انجذاب نحوه كرجل ؟ "

" لم أفكر في سوك هون بهذه الطريقة مطلقاً."

لم يخطر ببالها قط أن تنظر إلى سوك هون كحبيب. لقد كان الشخص الذي شكّل لها حجر الأساس لتقف على قدميها كرسامة في هذا العالم. وإذا كان لها أن تضع له وصفاً، فهو أقرب ليكون منقذها أو صاحب فضل عليها.

"هذا طبيعي، ففي النهاية، هو أمر مستحيل تماماً."

"لماذا تعتقد ذلك؟"

"لأنكِ قد تواعدينه، لكنكِ لن تتمكني أبداً من أن تصبحي فرداً من عائلتهم بشكل قانوني."

" …… "

أخذت إيسو رشفة أخرى من قهوتها وصمتت. كان تايونغ يبدو متشائمًا للغاية، خاصةً في كل ما يتعلق بالعائلات الثرية .

وعندما اقتربا من مبنى المعرض، تعثرت خطوات إيسو فجأة، والتفتت إلى الخلف بسرعة. شعرت بشعور غريب يراودها، وكأن هناك من يراقبها بحدة .

" ما الأمر ؟ "

" … لا شيء، لا شيء على الإطلاق."

هزت إيسو رأسها بخفة، ثم وجهت نظراتها مرة أخرى نحو الجانب الآخر من الطريق. وحين داهمتها فكرة أن ما شعرت به قبل بضعة أيام قد لا يكون مجرد وهم، سرت قشعريرة باردة في ظهرها.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

وصلت طاولة جديدة مستطيلة الشكل إلى الاستوديو في الطابق الخامس .

كانت من النوع الذي يُستخدم لوضع اللوحات الكبيرة التي يتجاوز حجم مقاسها ١٠٠ عليها أثناء الرسم، وقد أُحضرت خصيصاً لهذا الغرض.

على الجانب الآخر من جدار المرسم، كانت هناك قرابة عشر لوحات لتايونغ مكدسة ومرتبة بدقة، كما شُحنت من الخارج داخل غلافها الأصلي. ويبدو أنها كانت من مقتنياته الخاصة أو من اللوحات التي لم تُبع بعد .

"إيسو، هل سبق لكِ أن التقيتِ بالرسامة لي كيونغ؟"

سأل تايونغ فجأة وهو يفصل اللوحات ويرتبها واحدة تلو الأخرى، في حين كانت إيسو تنقل لوحات القماش الفارغة إلى الجدار المقابل. وعلى عكس تايونغ، لم تكن هناك أي لوحات تخص إيسو في هذا المرسم؛ إذ كان المعرض يحتفظ بمعظمها، بينما كانت بقية أعمالها في مرسم منزلها.

" نعم، التقيتُ بها "

كثيراً ما يواجه الفنانون أو العاملون التابعون لمعرض "دوتوم" هذا السؤال. فالرسامة الصاعدة لي كيونغ لا تظهر أبداً أمام العامة، وقد أثارت لمسات فرشتها المستقرة وتناغم الألوان البديع في أسلوبها الفني الفريد الكثير من التكهنات بأنها امرأة تمتلك خبرة وسنوات طويلة في هذا المجال. وكان سوك هون أكثر من يستمتع بردود الأفعال هذه، إذ كان يحمل حلماً طموحاً ببيع لوحات الرسامة لي كيونغ لاحقاً ليصبح أكثر ثراءً .

"سوك هون لم يخبرني بأي شيء عنها على الإطلاق، وهذا يشعرني بقليل من الخيبة … هل السبب في ذلك هو أنني لا أنتمي لمعرض دوتوم؟"

كان إخفاء هوية لي كيونغ فكرة سوك هون في البداية. وبفضل ذلك، اكتسبت الرسامة هالة من الغموض كميزة إضافية، مما أدى إلى تضاعف قيمة أعمالها واشتعال أسعارها بشكل قياسي مع مرور الوقت.

"ولماذا يثير فضولك أمر هذه الرسامة؟"

"حتى المعارض الفنية في إيطاليا حيث كنتُ أعمل كانت مهتمة جداً بالرسامة لي كيونغ، سوق الفن يحتاج دائماً إلى فنان نجم يقود الحركة، ومؤخراً تقوم لي كيونغ بهذا الدور، أليس كذلك؟"

لم يعد سوق الفن حكراً على العائلات الثرية الكبرى؛ فقد أصبح العالم الآن يهتم بما يُعرف بـ "الاستثمار الفني"، حيث يسعى عامة الناس أيضاً لاقتناء اللوحات التي من المتوقع أن تزداد قيمتها مستقبلاً. وكانت لوحات لي كيونغ، التي تشهد دائماً منافسة شرسة في مزادات "كي أوكشن" و"سيول أوكشن"، بمثابة القوة الدافعة والمثالية في هذا السوق .

"هناك شائعة تقول إن هذه الرسامة هي في الحقيقة امرأة شابة، هل هذا صحيح؟"

يبدو أن الأسرار تتسرب دائماً مهما حاول المرء كتمانها. كانت إيسو تظن أن سوك هون هو الوحيد الذي يعرف الأمر، لكنها أدركت مجدداً أن للحيطان آذاناً في كل مكان. وبما أنها شخصية تحظى بكل هذا الاهتمام، فمن المستحيل إخفاء هويتها إلى الأبد .

"... يمكنك سؤال سوك هون عن ذلك، لا أعتقد أنه يحق لي التحدث في هذا الأمر."

"إذن، ماذا لو سألتُ الرسامة نفسها؟"

توقفت إيسو عن وضع الأدوات في حقيبتها. وحين التقت نظراتهما، علت وجه تايونغ ابتسامته الناعمة المعتادة .

"... ماذا تقصد؟"

"أنتِ هي الرسامة لي كيونغ، أليس كذلك؟"

بما أنهما يتشاركان المرسم نفسه، كانت إيسو تتوقع أن يكتشف الأمر تلقائياً عاجلاً أم آجلاً، لكن مواجهة الموقف بشكل مفاجئ هكذا أصابها بالارتباك .

" لا تفهميني خطأ، لم أسمع هذا من سوك هون، وعلى أي حال، إنه لشرف كبير لي أن ألتقي بالرسامة لي كيونغ هكذا."

" …… "

اقترب تايونغ نحوها ببطء وقال: " كان من الغريب رؤية كيف يحرص سوك هون على رعاية إيسو بشكل خاص، علاوة على ذلك، من قد يمنحه مرسماً كاملاً في المعرض غير الرسامة لي كيونغ ؟ إنه أمر يمكن استنتاجه بقليل من التفكير، فلا تشعري بالانزعاج من فضلك."

لحسن الحظ، لم يكن السر قد تسرب للعلن بعد. وعندما فكرت في الأمر، تبين لها أن تخمينه كان منطقياً تماماً في ظل هذه الظروف كما قال.

" دعينا نتعرف بشكل رسمي إذن، أيتها الرسامة لي كيونغ، أنا كيم تايونغ."

مدّ تايونغ يده اليمنى مبتسماً ليصافحها. نظرت إيسو إلى يده لبرهة قبل أن تمد يدها وتصافحه على مضض .

" سأحافظ على هذا السر فلا تقلقي، لن أتحدث عن الأمر أبداً دون إذن منكِ."

"... سأكون ممتنة لك لو فعلت ذلك."

تحدثت إيسو بهدوء وهي تحاول كبح مشاعر الضيق الإحباط التي داهمتها. فلم يكن ظهور حقيقتها كرسامة يشكل مشكلة كبيرة بالنسبة لها حتى الآن .

لكن الأمور تغيرت الآن مع ظهور متغيرات جديدة مثل عائلة سويوندانغ والرسام ميونغ غيو تشول. فلو تأكدت صلة قرابتها بالرسام الراحل ميونغ والرسام ميونغ غيو تشول، فستصبح فجأة محط أنظار الجميع وحديث الساعة. مجرد التفكير في ذلك كان يصيبها بالدوار .

"وتأكيداً على هذا الاتفاق بيننا، ما رأيكِ في تناول الغداء معاً اليوم؟"

" أنا آسفة، ولكن لدي موعد اليوم، لنؤجل ذلك للمرة القادمة ونتناول الطعام نحن الثلاثة مع سوك هون، وسأتكفل أنا بالدعوة."

" حسناً، ليكن كذلك."

ظهرت علامات الخيبة على وجه تايونغ بعد سماع رد إيسو، لكن سرعان ما ارتسمت على ثغره ابتسامة مشرقة. وفي تلك اللحظة، شعرت إيسو برغبة مفاجئة في رؤية سوك هون، رغم أنها لم تكن ترغب في رؤيته عادةً .

ساد صمت محرج ولحظي، لكن اهتزاز هاتف إيسو داخل جيبها قطعه. سارعت بإخراج الهاتف لتتفقد الرسالة الواردة.

— في أي ساعة تنتهين ؟

كان المرسل هو جيهان. ورغم أنها كانت رسالة نصية بسيطة، إلا أن شعوراً بالبهجة غمرها ورسم ابتسامة تلقائية على شفتيها. شعرت وكأنها تعيش أجواء علاقة عاطفية معه .

— في حدود الساعة الحادية عشرة .

نقرت على الشاشة وأرسلت الرسالة. وعلى الفور، ظهرت علامة القراءة على شاشة الهاتف .

— الحادية عشرة .

"يبدو أنكِ تلقيتِ أخبارًا جيدة؟"

أعادها صوت تايونغ إلى واقعها، فأغلقت شاشة الهاتف بسرعة و وضعته في جيبها. كان عليها أن تتحرك بنشاط إن أرادت إنهاء عملها والمغادرة قبل الساعة الحادية عشرة.

" مجرد تأكيد على موعد."

عادت ملامح إيسو إلى طبيعتها المعتادة، وبدأت في جمع أدوات الرسم المتناثرة هنا وهناك على الأرض لتضعها في الصندوق بالتناوب .

" لا تفرطي في الثقة … لا بالأشخاص، ولا بالحب."

"ماذا تقصد بهذا الكلام...؟"

" وجهكِ ينطق بوضوح بأنكِ ذاهبة إلى موعد غرامي، لا يوجد في هذا العالم شخص أهم من المرء نفسه، كما لا توجد عاطفة هشة ومتقلبة كالحب … إنه حتى أرق بكثير من الشفقة."

بدا تايونغ وكأنه يخطئ في تقدير إيسو، واصفاً إياها بفتاة في العشرين من عمرها؛ تلك البالغة غير الناضجة التي تعتقد أن العالم يدور حولها، وأن حبها سيكون حلمًا حلوًا لا ينتهي أبدًا.

" لم أؤمن بهما قط، لا بالأشخاص، ولا بالحب."

لكن تايونغ كان مخطئًا. ففي هذا العالم، كان يبدو لها أنه لا يوجد شخص أقل قيمة منها نفسها، وكان أي حديث عن الحب بالنسبة لها ليس إلا حلمًا عابرًا موجودًا فقط في خيالها .

****************************

الفصل : ٢٤

خرجت إيسو من المبنى تمام الساعة العاشرة وخمسين دقيقة .

وما إن دفعت الباب الزجاجي للمدخل الرئيسي حتى لمحت سيارة تقف في موقف السيارات أمام المبنى. التقت نظراتها عبر زجاج السيارة بجيهان الجالس في مقعد القيادة، فارتسمت ابتسامة على وجهها .

" هل انتظرتَ طويلاً ؟ "

سألته إيسو وهي تربط حزام الأمان في المقعد المجاور له.

" وصلتُ للتو، هل مرسمكِ في هذا المبنى ؟ "

أمال رأسه متطلعاً إلى الطوابق العليا لمبنى المعرض .

" المرسم في الطابق الخامس، لكنني أستخدم جزءاً من المساحة مجانًا، لقد قدم لي سوك هون الكثير من التسهيلات."

" يون سوك هون ليس من النوع الذي يلعب دور المغفل الكريم دون مقابل."

" لستُ الوحيدة التي تستخدم هذا المرسم."

أضافت إيسو هذا التوضيح سريعاً بعد أن شعرت بوخزة ضمير. فبما أنها أصبحت تشارك المرسم مع تايونغ، لم يكن كلامها كذباً.

"هل تحبين النودلز (المعكرونة)؟"

" لستُ متطلبة في الأكل، أتناول كل شيء تقريباً."

" هناك مطعم يتقن إعداد النودلز في طريقنا إلى غابيونغ، لنتناول الغداء هناك."

"هل نحن ذاهبون إلى غابيونغ الآن...؟"

" لديّ فيلا خاصة بالقرب من مستشفى رعاية المسنين، سألتقي بشخص هناك، و أود أن تقدمي لي بعض المساعدة."

رمقها جيهان بنظرة سريعة وهي تبدي ملامح الشك والريبة، ثم ابتسم وتحرك بالسيارة.

لم يكن الطريق المؤدي إلى ضواحي المقاطعة مزدحمة. و وصل الاثنان إلى مطعم النودلز في وقت أبكر مما توقعا، وطلب كل منهما طبقاً ساخناً من نودلز الصنوبر. وأثناء انتظار الطعام، جالت إيسو بنظرها في أرجاء المكان .

كانت جدران المطعم القديمة والمتهالكة مغطاة بالكامل بأوراق تحمل توقيعات العديد من المشاهير وصناع المحتوى المعروفين. لم تكن متأكدة بعد من جودة المذاق، لكن كان من الواضح جداً أن المطعم يمتلك شهرة واسعة .

" لم أكن أعلم أنك تعرف مكاناً كهذا."

" أنا لا أتناول طعامي دائمًا في أماكن راقية مثل أوندوون، لكن هذه هي المرة الأولى لي هنا أيضًا، فقد أوصاني به أحد المعارف."

" يبدو من الأجواء أنه مطعم شهير بالفعل، الناس كثيرون هنا."

قالت إيسو بصوت خفيض وهي تميل بجسدها قليلاً نحو جيهان. كانت طاولات المطعم الواسع ممتلئة بالكامل تقريباً، وكان على الزبائن الذين وصلوا بعدهما سحب أرقام الانتظار بأسف .

" هل شعرتِ بالخيبة لأن وجبة موعدنا الأول في مكان كهذا ؟ "

"هل نحن... في موعد اليوم؟"

" وإلا، هل ظننتِ أننا في اجتماع أولياء أمور ؟ "

"... لكنك قلت إن هناك عملاً تود مني مساعدتك فيه اليوم."

ما نوع المساعدة التي يمكنها تقديمها له ؟ خمنت إيسو بشكل غامض أن الأمر يتعلق بالرسم.

" إنه ليس أمراً صعباً للغاية، كل ما في الأمر أنني أريدكِ ألا تتفاجئي وتتعاملي بأريحية مع الشخص الذي سنلتقي به."

أومأت إيسو برأسها معلنةً فهمها لكلام جيهان. كان تايونغ شخصاً متشائماً بشأن اللقاءات التي تجمع بين أشخاص من طبقات اجتماعية مختلفة. ولو قدر له أن يراها برفقة جيهان، لربما نسج سيناريو ينتهي حتماً بنهاية مأساوية. لكن لماذا يبدي تايونغ كل هذا الاهتمام البالغ بشؤون عائلة كوك ؟

" أيها المدير، هل تعرف بالصدفة الرسام كيم تايونغ ؟ "

"... لا، إنه اسم غير مألوف، هل هو شخص مشهور ؟ "

" إنه رسام في مجال الفن الحديث، ليس معروفاً كثيراً في كوريا، لكنه يمتلك شهرة جيدة في أوروبا مثل فرنسا وإيطاليا، وقد عاد منذ أيام إلى كوريا بعد غياب دام ثماني سنوات تقريبًا."

صبّ جيهان الماء في كوبين وهو يستمع إلى حديث إيسو.

" هذا مثير للاهتمام، ولكن، لماذا قمتِ بسؤالي عنه ؟ "

سألها والابتسامة الباردة تعلو وجهه، بينما يدفع بكوب الماء نحوها .

" لقد ظننتُ أن الرسام كيم له علاقة بعائلة يودانغ."

كان القول بأن تايونغ مهتم بعائلة يودانغ قد يبدو غريبًا. لذا، اختارت إيسو كلماتها بعناية حتى لا يساء فهمها أو يشعر جيهان بالانزعاج. ورغم حذرها، يبدو أنها أساءت الاختيار؛ إذ تحولت ملامح جيهان على الفور إلى البرود .

" ولماذا ظننتِ ذلك ؟ "

أوقعت إيسو نفسها في مأزق لمجرد أنها فتحت موضوع تايونغ. فمن خلال رؤيتها لاهتمامه العميق بعائلة يودانغ، اعتقدت يقيناً أنه مرتبط بهم بشكل أو بآخر، لكن اتضح أن الأمر ليس كذلك، ويبدو أنها أغضبت جيهان بلا سبب .

" بدا لي أنه مهتمًا بالعائلات العريقة، وبالتأكيد هذا من أجل أعماله الفنية، فأنا نفسي سُحرت بعائلة يودانغ حين رأيتها لأول مرة."

" هل أنتِ مقربة من ذلك الرسام ؟ "

" لا يمكنني القول إننا مقربان أو متباعدان، هو مجرد فنان يشاركني المرسم نفسه، لا أكثر."

" يبدو أن ظروفكِ المادية صعبة لدرجة تضطركِ لمشاركة المرسم مع شخص لا تعرفينه."

تصلبت ملامح إيسو عند سماع كلمات جيهان. كانت هذه سخرية واضحة .

" أعلم أنه من وجهة نظرك قد أبدو وكأنني من الطبقة شديدة الفقر، لكنني بحسب معاييري أعيش حياة ميسورة."

" هل شعرتِ بالإهانة ؟ "

" لقد اعتقدتُ أنك قلت هذا بقصد إهانتي."

" هذا صحيح، لأن مزاجي الآن سيء للغاية."

كان جيهان شخصًا لا يمكن لأحد أن يرى ما في داخله بسهولة. رجل يمكنه أن يعاملكِ بلطف، ثم يلتفت فجأة بملامح جادة وباردة في أي وقت. ربما كانت هذه طريقته؛ أن يقطع الآمال والتوقعات منذ البداية، ويحافظ على مسافة مناسبة .

" هذا أمر مؤسف."

رشفت إيسو من كوب الماء. وشعرت بقلبها الذي ظل محلقًا طوال طريق القدوم، يبدأ الآن في الهبوط والاستقرار ببطء .

" اعتبري الأمر مجرد غيرة."

" من يغار من من ؟ "

" أنا … أغار من ذلك الرسام."

" …… "

" أنتِ تعلمين بالفعل أنني معجب بكِ، أليس كذلك ؟ "

رغم أنها سمعت هذه الكلمات منه مباشرة، إلا أن المعنى الكامن وراءها لم يتسلل إلى قلبها ليفرحها بشكل كامل .

ولأن إيسو لم تكن ترغب في إعطاء إجابة، غيرت مجرى الحديث قائلة: " لم أكن أعلم أن هناك فيلا خاصة بالقرب من مستشفى رعاية المسنين، كنتُ أظن أن تلك المنطقة خالية تماماً من أي شيء."

" حين بُنيت الفيلا، لم يكن المستشفى موجوداً بعد، لقد اخترنا مكاناً هادئاً ومنعزلاً عن عمد لبنائها، ثم أُنشئ المستشفى بعد ذلك بفترة طويلة."

"هل يبقى هذا المكان مهجوراً في العادة؟"

"هناك شخص يقيم في الفيلا، وبما أننا ذاهبان إلى هناك اليوم، فستلتقين به على الأرجح."

تولد لدى إيسو يقين بأن الشخص الذي جاء جيهان للقائه في المرة السابقة هو الشخص نفسه. وإذا كان جيهان يقود سيارته بنفسه ليأتي ويلتقي به، فلا بد أن هذا الشخص ليس مجرد موظف أو ما شابه .

"هل من المقبول حقاً أن أقابل هذا الشخص؟"

" أنا أود منكِ أن تقابليه."

بدا لها أنه شخص مهم بالنسبة لجيهان، وأخذت الأسئلة تتضخم داخل رأسها: هل يحق لها لقاء شخص كهذا ؟ وقبل ذلك، لماذا أحضرها جيهان إلى هنا من الأساس ؟ ومع ذلك، لم تسأل إيسو عن هوية ذلك الشخص، فكل شيء سيتضح قريباً على أي حال .

كانت النودلز اللذيذة المليئة بحبات الصنوبر الغنية ملائمة تماماً لشهيتها. ولم يكن من فراغ أن تمتلئ الجدران بتوقيعات المشاهير الذين زاروا هذا المكان .

بعد فترة وجيزة، انتهى الاثنان من تناول الطعام وخرجا، لتنطلق بهما السيارة وهي تقطع طريقاً ريفياً هادئاً. وعلى جانبي الطريق المرصوف جيداً، امتدت أشجار دائم الخضرة بلا نهاية.

ورغم أن إيسو كانت مستمتعة بهذا الهدوء، إلا أن توتراً يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة كان يتدفق ببطء في أعماق قلبها . وحين مرت السيارة من أمام مستشفى رعاية المسنين، خطرت هوا يونغ في بال إيسو لبرهة. فلربما كانت تمطرها بالشتائم في كل مرة تستعيد فيها وعيها.

"في ماذا تفكرين بكل هذا التركيز؟"

اخترق صوت جيهان الصمت السائد، فالتفتت إيسو لتنظر إليه. ويبدو أنه كان يراقبها بطرف عينه.

"... كنتُ أفكر في خالتي لبرهة."

" تلك السيدة في ذلك المستشفى ؟ "

" نعم، عندما جئتُ في المرة السابقة، أخبرتها أنني لن آتي مجددًا، فبدأت تصرخ في وجهي بغضب قائلة إنني جاحدة، ولا أعلم من أين أتتها كل تلك القوة رغم جسدها الضعيف."

" ولماذا تراكِ خالتكِ جاحدة ؟ "

" تقول إنني أحاول التخلي عنها، وهي التي في الحقيقة أمي البيولوجية."

هذه القصة لم تكن إيسو قد باحت بها لأي شخص قط خارج نطاق عائلتها التي عاشت معها. ومع ذلك، انفتح لسانها بالحديث أمام جيهان بسهولة .

"آه، هل كانت خالتكِ هي أمكِ الحقيقية؟"

" كنتُ أظن ذلك، ولكن على الأرجح … ليس كذلك."

" على الأرجح ليس كذلك … ؟ "

في الوقت الحالي لا تملك سوى الشكوك، لكن النتائج ستظهر قريبًا. وحينها سيكون عليها التفكير مجدداً فيما ستفعله بتلك النتائج .

" أنا نفسي لم أعلم بالأمر إلا منذ فترة قصيرة، طوال حياتي كنت أظن أن خالتي أنجبتني كأم عزباء، ثم تبنتني أمي وقامت بتربيتي، لكن الخالة الآن عادت لتقول إنها لم تنجبني قط، لذا، قمت بإجراء فحص الحمض النووي للتحقق من الحقيقة."

"هل تبحثين عن والديكِ الحقيقيين؟"

"... إن كان ذلك ممكناً."

كان مجرد استحضار أمر عائلة سويوندانغ في ذهنها يرهقها. وأمام هذا القدر الأكبر من الفوضى والألم، بدا لها أمر خالتها صغيراً وهيناً للغاية. ولعل هذا هو السبب الذي جعلها تتحدث عنه بمرونة أكبر، لكن هذه كانت حدود الحقيقة التي يمكنها إظهارها له .

علاوة على ذلك، فإن عائلة يودانغ ترتبط بعلاقة وثيقة للغاية مع عائلة سويوندانغ. وحين تتضح كل الأمور وتتخذ قرارها النهائي، ربما تتمكن حينها من التحدث عن كل شيء. لكنها في الوقت الحالي، لا تستطيع تخمين بأي مشاعر ستفتح هذا الموضوع آنذاك .

" إنها حياة استثنائية."

" أتمنى أن تتوقف عن كونها استثنائية."

لم تكن حياتها مخططة منذ البداية لتكون مختلفة عن الآخرين. كل ما في الأمر أن مسار حياتها قد عُدّل ليتحول إلى هذا المنعطف الاستثنائي بناءً على قرارات وخيارات أشخاص آخرين .

" لقد وصلنا تقريباً."

وبينما كانت السيارة تصعد طريقاً متعرجاً، ظهر من بعيد منزل أبيض مكون من طابقين يقف فوق التلة.

كان الفناء الأمامي للمنزل مكسواً بالعشب الأخضر الكثيف، وبدا واسعاً كملعب رياضي، مما جعل المنزل الكبير يبدو صغيراً ومتواضعاً نسبياً بالمقارنة مع مساحة الأرض.

وما إن اقتربت سيارته من البوابة، حتى انفتحت البوابة الحديدية البيضاء ببطء إلى الجانبين. وداخل حديقة المنزل، بدأت تظهر للعيان التماثيل المقامة هنا وهناك، تليها النافورة، ثم أحواض الزهور المنسقة بعناية .

كان كلام جيهان عن وجود شخص يعيش هنا حقيقياً؛ إذ كان من الواضح أن المكان يحظى باهتمام وعناية فائقة. ومع اقتراب السيارة من الموقف، أسرع أحد الموظفين الذي كان ينتظر هناك بخطوات حثيثة نحو السيارة .

" لقد وصلتَ يا سيدي."

انحنى رجل في منتصف العمر بوقار لجيهان وهو ينزل من السيارة، ثم رمق إيسو بنظرة سريعة ملؤها الفضول.

" وأين شقيقتي ؟ "

" إنها بالداخل."

وفي تلك اللحظة القصيرة، لم تستطع إيسو إخفاء دهشتها وسخريتها من الموقف حين سمعت كلمة "شقيقتي" تخرج من فم جيهان.

هل يعقل أن الشخص الذي ستلتقي به اليوم هي شقيقته الكبرى ؟ كان هذا أمراً لم تتوقعه على الإطلاق .

نظرت إليه بأعين متسعة من المفاجأة، فأشار إليها جيهان بعينيه للدخول .

سارت إيسو خلف جيهان نحو مدخل المنزل بملامح مرتبكة. وكانت هناك امرأة في منتصف العمر ترتدي مئزراً تقف عند المدخل، فانحنت لتحيتهما، ثم فتحت باب المنزل على مصراعيه فوراً .

" تفضلي بالدخول."

كان الوقت الذي استغرقته للتفكير في "هل يحق لي الدخول إلى هنا ؟" قصيراً جداً. وما إن تبعته إلى الداخل، حتى رأت إيسو ظهر امرأة تجلس على كرسي هزاز أمام نافذة زجاجية ضخمة وممتدة .

" أنا هنا."

أدارت المرأة التي كانت ثابتة كتمثال من الجبس، رأسها ببطء نحوهما .

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان