الفصل ١٢٢ و ١٢٣ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم السادس عشر _ 1/11 (10)

كانت المرأة تأتي إلى المكتب كل يوم دون انقطاع .

في الوقت المحدد تماماً، الثانية ظهراً. وكأنها تحاول حفر وجودها في ذاكرتي، كانت في غاية الإصرار .

" أهلاً بك، هل عدت ؟ "

في كل مرة يرى فيها تلك المرأة وهي تقف أمام باب المكتب بوجه وقح، لم يكن أمام سيزار سوى أن يطلق ضحكة من فرط العجز.

في البداية كانت تبدو عليها ملامح الدهشة، أما الآن، فقد أصبحت تخاطبه بصوت جاف وخالٍ من التعبير، وهو أمر لا يكاد يصدق لشدة وقاحته.

" لقد جاء المالك هذا الصباح ورحل."

فتح سيزار باب المكتب دون أن ينبس ببنت شفة.

" قال إنه ممتن للقضية التي تولاها حضرة المحقق في المرة السابقة، ويرغب في دعوتك لتناول وجبة طعام."

" …… "

" وبالنسبة للتاريخ المحدد … "

" كفى."

قاطع سيزار كلمات فيفيان بنبرة باردة.

توقفت فيفيان للحظة، ثم هزت كتفيها بخفة وتابعت حديثها: " قال إنه سيخبرك بالتفاصيل لاحقاً."

" …… "

" وذكر أن الموعد سيكون على الأرجح السبت القادم، لكن أليس لديك جدول أعمال في ذلك اليوم ؟ "

شعر سيزار بصداع يبدأ في غزو رأسه. دلك جبينه بأصابعه وهو يطلق تنهيدة خفيفة .

لم تفوّت فيفيان هذه الفرصة وسألته بنعومة: "هل أحضر لك دواءً للصداع؟"

" أعتقد أن كل شيء سيُحل بمجرد خروجكِ من هنا."

" أوه، إذن أنا بالنسبة لك بمثابة الدواء."

شعر أن الصداع قد اشتد أكثر. عندما رمقها سيزار بنظرة حادة، اكتفت هي بابتسامة باهتة وكأن شيئاً لم يكن.

لم تكن امرأة غبية لدرجة ألا تفهم الكلام، لذا كان من المؤكد أنها تفعل ذلك عمداً.

".... أعتقد أنني أوضحتُ لكِ الأمر في المرة السابقة."

" تقصد عندما قلتَ لي 'اخرجي' ؟ أم عندما طلبتَ مني ألا آتي مجدداً ؟ "

" إذن، أنتِ لم تسيئي الفهم، ظننتُ أنكِ لم تفهمي كلامي لأنكِ تجلسين أمام المكتب بكل وقاحة منذ ذلك اليوم."

عندما تحدث بقسوة دون قصد، بدت ملامح الانكسار واضحة على وجه المرأة .

".... أرجو أن تعتبر هذا دليلاً على مدى يأسي."

مدت فيفيان رزمة الأوراق التي كانت تحملها. كانت الأوراق التي رآها بالأمس مهترئة بسبب المطر، لكنها الآن بدت نظيفة ومرتبة وكأنها أُعيدت كتابتها من جديد.

كان سيزار يدرك أكثر من أي شخص آخر أن يأس هذه المرأة هو ما قادها إلى مكتبه.

حتى إنه فكر في نفسه: ما مدى سوء حالها لتبحث عن شخص غير مشهور مثلي ؟

ولكن، حتى وإن كان يدرك كل ذلك، لم يكن بمقدوره قبول قضيتها.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كان معهد "فينيل" للبحوث عبارة عن محطة لتوليد الطاقة .

هذا على الأقل ما كان يعرفه سيزار.

لكن ما كان جده يبحث فيه لم يكن شيئاً سوى … الأسلحة.

كان العالم يتطور بسرعة هائلة. وفي خضم هذا التقدم المرعب الذي يتطلب التكيف معه، كان أكثر ما يحتاج إليه العالم هو السلاح الذي يحمي المواطنين .

ولم يكن اللصوص الذين قتلوا جده لصوصًا عاديين .

براندون كوتون … كان هو الشخص الذي أحبه سيزار أكثر من أي شخص آخر في هذا العالم؛ فهو الرجل الوحيد الذي احتضنه بعد أن فقد والديه في سن مبكرة .

كان براندون رجلاً دافئاً. كان يقرأ القصص للطفل الصغير الذي تطارده الكوابيس وتمنعه من النوم حتى يُبحّ صوته، ويظل ساهراً بجانبه طوال الليل ليتأكد من أن نار المدفأة لم تنطفئ.

لكن، منذ يوم معين، لم يعد براندون إلى المنزل .

ظن سيزار حينها أنه قد تخلى عنه أخيراً. ففي قرارة نفسه، كان يرى أن هناك مليون سبب يدفع براندون للتخلي عنه. ومع ذلك، لم يكن يمانع. فبراندون لم يكن ملزماً بتربيته، لذا قرر سيزار ألا يتمسك بالأمل، لكن، رغم ذلك، ظل ينتظر عودته. وإن كان قد أصبح بلا فائدة، فقد أراد على الأقل أن يتوسل إليه للبقاء.

ذلك الدفء الذي شعر به لأول مرة في حياته منحه سعادة غامرة تكاد تحبس أنفاسه. كان سيزار يخشى كلما فتح عينيه في الصباح أن يكون كل هذا مجرد حلم. لذا قرر ألا يحزن، حتى لو قرر ذلك الرجل التخلي عنه في أي وقت .

<سيزار، أنت طفل تستحق الحب.>

كان صوت جده الهادئ وهو يمسح على شعره كل ليلة لا يزال يتردد في أذنيه، ولم يكن سيزار يريد أن يفقد هذا الصوت أبداً. حتى وإن كان عقله يخبره بأنه قد هُجر بالفعل.

نظف المنزل نيابة عن جده المشغول. وحاول بكل قوته أن يطبخ حساء الشمندر الذي كان يحبه.

كان براندون رجلاً تقليدياً ببعض الجمود. ولم يكن هناك سبب خاص لانتشاله سيزار سوى أن الدماء التي تجري تحت جلودهما تثبت أنهما عائلة … كان هذا هو السبب الوحيد.

ولم يكن هناك سبب مميز لكون براندون باحثاً، سوى أنه كان يرغب في إفناء جسده من أجل بلاده .

كان جده يقول إن البلاد لا تستقيم إلا بوجود القانون، ومن أجل ذلك، يجب على المواطنين أن يثقوا في شؤون الدولة .

كان يقول إنه يجب الانصياع للقائد. ولم يمر وقت طويل بعد ذلك حتى عاد براندون جثة هامدة باردة .

<...... لا أفهم، لماذا مات جدي؟>

بالنسبة لسيزار الصغير، كان يظن أن الإجابة على سؤاله سهلة للغاية، لكن يبدو أن ذلك كان مجرد ظنه هو؛ إذ لم يمنحه أحد إجابة شافية على سؤاله.

في ذلك الوقت، كان سيزار لا يزال يجهل معنى كلمة "انتقام". كان في سن لا يعرف فيه كيف يعبر عن تلك المشاعر المكبوتة، والمظلومة، والمأساوية. ولم يكن هناك من يستمع لكلمات سيزار الصغير.

رغم أن براندون وهب حياته لبلاده، لم يقف أحد في صفه بعد موته. بقيت قضيته معلقة؛ لم يُحل فيها شيء.

كان يجب حل جميع القضايا، لكن، لو كان هذا هو "القانون" الذي تحدث عنه جده، فهل كان سيظن حقاً أن كل شيء قد حُل ؟

لم يستطع سيزار الوصول إلى إجابة حتى الآن. وحتى لو سعى للانتقام منتهكاً القانون، لم يكن ليعرف ما إذا كان براندون سيرضى عن كل هذا أم لا. فالموتى لا يتكلمون .

[ من أرسل رسالة التهديد ؟ لا نزال نجهل ذلك.
ظننا أن السيد سيزار على الأقل سيعرف، لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك.]

نفث سيزار دخان السيجارة الذي كان في فمه ببطء .

لو قبلتُ هذه القضية، ألن تُغلق على الأقل تلك القضية التي بقيت معلقة ؟

شعر أن الكابوس المروع الذي ينهش روحه قد يتلاشى قليلاً .

— صرير .

في تلك اللحظة، سُمع صوت فتح الباب؛ صوت أصبح مألوفاً الآن، و رائحة مألوفة.

رفع سيزار رأسه ببطء. كانت رائحة الخزامى. يبدو أن المرأة كانت تعبر شارع "هيريل"، إذ كان الطين يلطخ حذاءها دائماً .

" لقد اشتريتُ لك الإفطار."

كانت شطيرة وقهوة. وضعت فيفيان الطعام على الطاولة بابتسامة باهتة.

مع مرور الوقت، بدأ القلق يتسلل إلى وجه المرأة بوضوح. وكان من الصعب على سيزار رؤيتها في تلك الحالة. فقد كان يشعر وكأنه يرى نفسه في أيام صغره .

كان كل وقت يمر يمثل ضياعاً، والوقت الضائع لا يمكن استرداده أبداً.

" القهوة بردت قليلاً في الطريق إلى هنا … "

" إلى متى تنوين الاستمرار في هذا العبث ؟ "

" …… "

كان يدرك تماماً ماهية يأسها، لكن الحقيقة المرة هي أن سيزار لم يكن بمقدوره مساعدتها. وتجاهل الواقع لن يضر أحداً سوى هذه المرأة .

في كل مرة يواجهها، كان سيزار يشعر وكأنه يُدفع نحو حافة الهاوية .

لقد كان شخصًا محطمًا، وهذه المرأة التي جاءت إليه محطمة هي الأخرى .

" حتى تقبل قضيتي، أيها المحقق."

" أعتقد أنني أخبرتكِ أنني لن أقبلها."

ارتجفت شفتا فيفيان الجافتان. لم يتغير شيء في شفتي المرأة التي عصف بها نسيم الشتاء البارد، تماماً كما كانت في المرة الأولى التي رآها فيها وهي تصنع الرجل الثلجي .

" لقد قُتلت شقيقتي."

نطقت فيفيان بكلماتها بنبرة هادئة، وكأنها استسلمت أخيراً لهذه الحقيقة؛ كان وجهها يفيض بالسكينة .

" وماذا في ذلك ؟ "

أثار مظهرها هذا غضب سيزار. كان يشعر بأسى شديد على وقت فيفيان الذي يضيع وهي تعيش في هذا الجحيم .

هل تدرك هذه المرأة كم من الوقت أهدرت وهي تلاحق شخصاً يرفض مساعدتها ؟

" أنا بحاجة إلى مساعدتك."

كان صوتها العادي بمثابة أشواك بدأت تغرس في صدر سيزار وتقلب كيانه.

" لستُ في حالة تسمح لي بمساعدة الآخرين."

رغم أنه قرر يوماً ألا يكون مثل أولئك الكبار الذين رفضوا مساعدته، إلا أنه وجد نفسه قد أصبح واحداً منهم في النهاية.

كان يكره هذه المرأة التي تجعله يشعر بهذا الإحساس عدة مرات في اليوم.

يبدو أنها لم تدرك أن رفضه لها تطلب منه شجاعة هائلة .

أفلتت ضحكة من بين شفتي سيزار رغماً عنه؛ فالوضع برمته كان خانقاً. هذه المرأة الحمقاء، وحالته العاجزة التي لا تفعل شيئاً.

فرك سيزار السيجارة التي كانت بين يديه في المنفضة. كان الرماد المتطاير يشبه حاله تماماً.

اختفت رائحة اللافندر التي كانت تداعب أنفه، وحلّ مكانها دخان السجائر الكثيف. ورغم أن دخاناً لا يزال يتصاعد من طرف السيجارة التي لم تنطفئ تماماً، إلا أن سيزار لم يفكر في إخمادها.

"هل يعني هذا أنك لن تقبل القضية؟"

في تلك اللحظة، اخترقت رائحة اللافندر دخان السجائر المقزز واقتربت منه فجأة.

وبسبب هذا التغير المفاجئ، نطق سيزار دون وعي: " فيفيان لوبيز."

كان من الأفضل وضع حد لهذا الأمر؛ من أجل هذه المرأة التي تشعره بالاشمئزاز من نفسه، ومن أجل نفسه هو أيضاً.

تردد حذاء المرأة القديم عند الخط الفاصل بين بلاط الأرضية. وبدا أنها لا تشعر بالبرد، رغم أن جوربها الملطخ بالطين كان يظهر من ثقوب حذائها الممزق .

كانت حمقاء، وكرهها لأنها كذلك. وجد أن من الغباء أن تأتي امرأة لمثله وهي تعلم أنه لا يملك القدرة على المساعدة .

" صبري ليس طويلاً، وبالإضافة إلى ذلك، لا أحب تكرار الكلام نفسه."

لو كان هذا العالم مثالياً، لما كان هناك سبب لنتعذب أنا وأنتِ بهذا الشكل.

" بدلاً من إلقاء غضبك على الشخص الخطأ، أرى أن تحرككِ بنفسكِ سيوفر عليكِ تضييع الوقت."

خطا سيزار مبتعداً، لكن في تلك اللحظة، أمسكت به يد المرأة التي تشبه الشتاء. كانت باردة، لمسة باردة لدرجة جعلته يقشعر.

" ما الذي تفعلينه الآن......"

"قضية سطو مختبر فينيل."

نطقت المرأة أخيراً بنقطة انطلاق الكابوس.

" إذن، سأطلب منك التحقيق في تلك القضية."

كانت كلماتها التالية صادمة؛ كانت هذه هي المرة الأولى التي يصاب فيها سيزار بالذهول، هو الذي كان يظن أنه يستطيع التنبؤ بكل أفعالها .

" خلال ذلك الوقت، سأعيش بالطريقة التي تريدها، سواء كنتُ مساعدتك، أو باحثة في معهد فينيل."

صوبت عيناها الزرقاوان نظرها نحو سيزار مباشرة. لم يستطع استيعاب ما تقوله.

توكله بقضية معهد فينيل ؟ هل تدرك ما الذي يخرج من بين شفتيها ؟ أم أنها تقول ذلك فقط لتهز كيانه ؟

" إذا حُلّت قضية معهد فينيل، فهل ستفكر حينها في قبول طلبي الثاني ؟ "

عند سماع كلماتها، أدرك سيزار حقيقة واحدة: أنه لا يملك خياراً سوى الانصياع لهذه المرأة. كان من الطبيعي أن يضعف أمامها، وهي التي تعكس صورته في صغره كمرآة.

رغم أن اجتماعهما معاً لن يؤدي إلا إلى نهاية محتومة ومعروفة مسبقاً لكليهما .

لماذا كان عليهما أن يلتقيا ؟

ومع ذلك، فكر سيزار بأنه يرغب في الانصياع لها بكل سرور. بينما كان يفكر في أن الأحمق الحقيقي ربما يكون هو نفسه.

****************************

الفصل : ١٢٣

اليوم السادس عشر _ 1/11 (11)

— بوم !

"أنت تنوي حقاً قبول قضية فينيل رغم كل شيء؟"

ضرب ديفيد المكتب بيده في النهاية، عاجزاً عن كبح جماح غضبه. اكتفى سيزار بالنظر إليه بهدوء كإجابة .

" هاه ! لا أستطيع أن أفهم ما الذي تحاول فعله الآن بالضبط."

بينما كان يراقب ديفيد المستشيط غضباً، فتح سيزار فمه ببطء وقال: " أنا من لا يستطيع أن يفهم لماذا أنت غاضب إلى هذا الحد."

"…… ماذا قلت؟"

" ألسْتَ أنت من كشف لي الحقيقة وراء قضية معهد 'فينيل' للبحوث ؟ "

بدا وكأن الكلمات قد انحشرت في حلق ديفيد.

تفقد سيزار الوقت .

الثانية ظهرًا … إنه موعد وصول تلك المرأة.

"…… أيها المحقق، هل يمكنني الدخول للحظة؟"

في الوقت المناسب تماماً، تناهى صوت المرأة من خلف الباب. قطب ديفيد وجهه بامتعاض والتفت بحدة نحو المصدر .

" ادخلي."

خلف المرأة التي فتحت الباب ودخلت، ظهر رجل يبدو عليه التقدم في السن. أدرك سيزار على الفور من يكون؛ فلم يكن غريباً عليه.

" أنا لويس بيكوك، مدير معهد فينيل للبحوث، إنه لشرف لي أن ألتقي بك."

كانت أصابعه العشرة مليئة بخواتم ذهبية سميكة. وبينما كان سيزار يصافحه، وقع نظره على حجر كريم أزرق يشبه لون عيني تلك المرأة تماماً.

" تفضل بالجلوس."

وضع سيزار سيجارته بين شفتيه وأومأ برأسه نحو الأريكة .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

" … كلما استمعتُ إلى القصة أكثر، زاد ذهولي مما أسمع."

حدقت المرأة في ديفيد لبرهة، ثم أدارت رأسها. وعندما التقت عيناها بعيني سيزار، بدت متفاجئة قليلاً قبل أن تتجنب نظراته كالعادة .

مال سيزار برأسه وهو يحدق فيها بإمعان، حتى أعادت نظرها إليه أخيراً .

"إذن؟ هل تقول إنك ستدفع بهذه المرأة داخل المعهد الآن؟"

سأل ديفيد بنبرة حادة وصارمة.

" على أي أساس تثق بها ؟ "

أنا لا أثق بها. كانت تلك حقيقة بديهية.

" لأنه يدرك مدى يأسي."

فتحت المرأة شفتيها الجافتين ونطقت. تماماً كما قالت، كانت في غاية اليأس أكثر من أي شخص آخر. وكان سيزار يشعر بالشيء نفسه.

" لا بد أنه عمل داخلي، أو على الأقل هناك شخص من الداخل يتعاون مع المبتز."

مدت المرأة يدها الهزيلة لتمسك بملف القضية. أغمض ديفيد عينيه بقوة للحظة، ثم مرر يده بخشونة على وجهه. ويبدو أنه أدرك أن الحوار لن يجدي نفعاً، فنهض من مكانه فوراً.

لم تعر المرأة ديفيد أي اهتمام، بل بدأت تقرأ أوراق القضية بتركيز، حتى بعد أن أُغلق الباب خلفه .

أشار سيزار بذقنه نحو الشطيرة الموضوعة على جانب الطاولة وقال: " كُلي."

انتقل نظر المرأة الذي كان غارقاً في الأوراق نحوه. وبدا وكأنها لم تفهم قصده، إذ ارتسمت علامات الاستفهام على وجهها .

تنهد سيزار تنهيدة خفيفة وسحب ملف القضية من بين يديها.

" بهذه الهيئة التي تبدو وكأنكِ ستنهارين في أي لحظة، أتساءل كيف ستساعدينني حقاً."

"..... هذه الوجبة أحضرتُها لتكون من نصيبك أيها المحقق، بالإضافة إلى ذلك، لقد تناولتُ إفطاري بالفعل."

" أنا لا أكرر كلامي مرتين."

[ الباحثة ريبيكا ماليدن، تابعة للمختبر رقم ٢.]

كان هذا هو اسمها الجديد. ردد سيزار الاسم في عقله ثم أطلق ضحكة ساخرة رغماً عنه .

هل يوجد اسم آخر لا يليق بها أكثر من هذا ؟

بينما كان يقرأ أوراق القضية، أدرك فجأة أن الغرفة سادها صمت مطبق، فرفع رأسه. كانت المرأة تأكل الشطيرة، ففزعت عندما شعرت بنظراته وأدارت رأسها بسرعة. بدا وكأن لقمة غصت في حلقها، لكنها لم تصدر أي صوت.

ضاقت عينا سيزار، وسرعان ما انفتح جفن المرأة وفتحت شفتيها الصغيرتين لتسأل: " هل كنتُ مصدر إزعاج لك ؟ "

"...... لا."

بدا واضحاً أن من تسبب في الإزعاج هو نفسه لا هي.

تنهد سيزار بخفة ثم نهض من مقعده: " لدي مكان يجب أن أذهب إليه، ابقي في المكتب."

تدحرجت عيناها في محجريها بريبة وهي تراقبه يغادر. عندما عاد سيزار إلى المكتب، كانت قد انتهت من وجبتها تماماً. أنهت الشطيرة كلها، وكان سطح الطاولة نظيفاً باستثناء ملف القضية.

أخرج سيزار مغلفاً من جيبه ومده نحوها. وعندما ترددت في أخذه، دفعه نحوها مجدداً، فأخذته أخيراً.

بمجرد أن تأكدت من مبلغ المال الموجود داخل المغلف، بدأت عيناها تتسعان ببطء.

نظر سيزار إليها ونطق بهدوء: ".... سأعمل على حل هذه القضية بأسرع ما يمكن."

كان هذا أقصى ما يمكنه تقديمه من وعود.

عضت المرأة على شفتها السفلية، وبعد صمت قصير، قالت بصوت منخفض: " شكراً لك."

لم يستطع سيزار أن يفهم تماماً لماذا تشكره، وما هو الشيء الذي يستحق الشكر حتى، لكنه لم يطرح تساؤله؛ بل ظل صامتاً بينما كانت الدقائق تمر ثقيلة دون أن ينبس ببنت شفة.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كانت المرأة بارعة في الكذب.

وجهها الشاحب الذي يدّعي دوماً أنها بخير، وعجزها عن التعبير عن مشاعرها الحقيقية؛ كانت كلها أموراً لا يستطيع سيزار فهمها.

ومع ذلك، لم يحاول الإشارة إلى ذلك صراحة؛ فلو بدأ في لومها على كل تفصيل، فلن ينتهي الأمر أبداً.

في كل مرة يحدث فيها شيء، كانت تعض على شفتيها. كانت تنشغل بالعض على اللحم الرقيق داخل وجنتيها لدرجة أن خديها الشاحبين كانا يغوصان للداخل.

كان من السهل عليه أن يتخيل أنه لو فحص فمها الصغير، فلن يجد نسيجاً ناعماً، بل جروحاً وندوباً خشنة ناتجة عن ذلك العض المستمر، ولكن، في كل مرة يواجه فيها هذه المرأة، كانت تتدفق إلى ذهنه ذكريات الماضي الأليم .

كانت تنعكس أمامه كمرآة؛ تلك الصورة القديمة لنفسه حين كان طفلاً يصمد أمام تجاهل أولئك الذين لم يقدموا له ذرة من مساعدة.

<سيزار، لم يكن ذنبك أن ابني تخلى عنك، حين أفكر في الأمر الآن، أشعر أنه تركك لي كهدية لأنني كنت وحيداً، أنت بالنسبة لي كالهدية، لذا لا تراودك أي أفكار غريبة.>

كانت كلمات جده تتردد في أذنيه … ومعها مظهره في لقائهما الأخير.

أراد أن يتذكر براندون وهو يبتسم بوضوح، لكن براندون الذي بقي في ذاكرته لم يكن سوى هيئة مشوهة بها فجوة فارغة.

" أيها المحـ …… "

في تلك اللحظة، تناهى إلى مسامعه صوت شخص ما.

" أيها المحقق ! "

فتح سيزار عينيه. ومع خيوط الشمس الباهتة، ظهر خيال المرأة أمامه.

كان وجهاً يراه لأول مرة بهذا القرب. وبينما كان يجبر عينيه اللتين تأبيان الانفتاح على الاستيقاظ، كانت شفتا المرأة الحمراوان ترتجفان بذعر.

وما إن استعاد وعيه المشتت بالكاد، حتى نطقت بصعوبة: "...... أنا آسفة."

"...... على ماذا؟"

سألها دون وعي، فأجابت بوجه بدا وكأنها على وشك الانفجار بالبكاء: " هكذا فقط."

بدا أنها لا تعرف حتى لماذا اعتذرت. قبض سيزار يده بقوة؛ كان جسده غارقاً في عرق بارد. حينها فقط أدرك أنه كان غارقاً في كابوس دون أن يشعر.

لا، هل كان كابوساً حقاً ؟ لقد كان متأكداً أنه سمع صوت براندون .

حاول سيزار النهوض بجسده المنهك، لكنه ترنح على الفور. ورغم نظراتها المذعورة، سارعت المرأة بالإمساك به.

"هل أنت بخير؟"

بدا أنه لا يزال عاجزاً عن الحركة. أطلق أنيناً خافتاً وقطب جبينه ألماً.

"...... إنه ليس أمراً جللاً، لذا اتركي يدي."

لكن المرأة لم تترك يده التي تمسك بجسده، بل بدا أنها زادت من قبضتها قوة.

من ذا الذي يجب أن يُعامل من كمريض ؟

" أنا بخير."

نطق سيزار بهدوء، لكن المرأة اكتفت بهز رأسها بصمت. كانت أكثر عناداً مما تخيل. ضيق سيزار عينيه وهو يراقب هذا الجانب الجديد منها.

" لقد كان مجرد كابوس بسيط."

مجرد حلم لا أكثر. حتى وإن كان حلماً مرتبطاً بالواقع، فإنه لا يعني شيئاً.

" الكوابيس ليست بسيطة أبداً."

كانت عيناها صافيتين تماماً. انسكبت أشعة الشمس من بين الغيوم التي كانت تتدفق ببطء. وعلى يدها النحيلة، ظهرت العروق الزرقاء بوضوح.

عضت المرأة على شفتها السفلية مجدداً، ولسبب ما، شعر سيزار أنه فقد القدرة على مواجهتها.

"...... هل أحضر لك مهدئاً؟"

" لا حاجة لذلك، إنه مجرد حلم على أي حال."

حلم سيختفي بمجرد الاستيقاظ.

ابتسمت المرأة بمرارة. لم يستطع سيزار فهم لماذا ترتسم هذه التعبيرات على وجهها هي. وتملكه شعور مبهم بأنه ربما لن يفهمها للأبد.

".... إذا حُلّت هذه القضية، هل سيتلاشى كابوسك أيضًا ؟ "

لم يستطع سيزار الإجابة على سؤالها، لكن المرأة، التي يبدو أنها فسرت صمته بطريقتها الخاصة، قالت بهدوء: " لنحلّها بأي ثمن، ليرتاح قلبك أخيراً."

"لماذا؟ هل تودين حلها بسرعة لكي أقبل قضيتكِ أنتِ؟"

" لا أنكر أنني أرغب في ذلك أيضاً."

بدأت يدها التي كانت تقيد جسده تبتعد ببطء: "...... لكنني أريدك أن تنام بسلام ولو قليلاً، لا أعرف كيف ستسمع كلماتي هذه، لكنني أعنيها بكل صدق."

رسمت شفتاها الجافتان انحناءة خفيفة … كانت هذه المرة الأولى.

بمجرد أن انقشعت قضبان الحزن، بدأت عيناها تتألقان بلون أزرق صافٍ لا يضاهى. بدت المرأة، بعد زوال ذلك الستار المظلم، مشرقة بجمال يفوق الوصف. ولم يستطع سيزار أن يشيح بنظره عن ذلك الضياء.

كان الأمر ساخناً. تلك الحرارة التي قد تبدو عادية للبعض، كانت بالنسبة له كحريق تحت شمس حارقة.

كان إحساساً يختبره لأول مرة في حياته.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان