الفصل ١٢٨ و ١٢٩ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم السادس عشر _ 1/11 (16)

" …… "

بدت سيريا، التي واجهها خلف القضبان الحديدية، مختلفة تماماً عن الصورة التي انطبعت في ذاكرته.

لقد قطعت لسانها بنفسها؛ كانت تلك إرادتها الواضحة في الصمت المطبق عما رأته وسمعته في مكتب الأمن العام، وعن كل ما تعرفه.

لم يكن فعلاً يمكن لشخص في كامل قواه العقلية أن يقدم عليه. ومع ذلك، وهي تحدق في الفراغ، بدا مظهرها أكثر راحة وسلاماً من أي وقت مضى.

أغمضت سيريا عينيها ببطء وهي تستمع إلى زقزقة العصافير المتسللة من الخارج. للوهلة الأولى، بدا وجهها وكأنها استسلمت لنوم هادئ وعميق.

استدار سيزار وغادر دون أن ينطق بكلمة واحدة.

لم يستطع أن يلقي بكامل لوم قضية فينيل عليها وحدها. لو أنها ظنت أن فعلتها الشنيعة هذه ستريح قلبه، فقد كانت غارقة في وهم متغطرس.

ومع ذلك، قرر سيزار إغلاق قضية فينيل. مواساةً لنفسه بفكرة أنه إذا نال أحدهم السكينة، فربما يكون ذلك كافياً.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

بالطبع، هذا لا يعني أن كوابيس سيزار قد تلاشت تماماً.

لقد بقي كما هو؛ لا يزال يرى الأحلام ذاتها، ويستيقظ ممتناً لأن الواقع هو ما يحيط به.

"هل أنت متأكد … أن هذا يرضيك؟"

كان يحتاج إلى الوقت حتى يتعافى تماماً. ومع ذلك، لم يملك سيزار رداً سوى الإيماء برأسه تأكيداً.

" عقوبة المجتمع ضعيفة للغاية … مقارنة بالألم الذي تجرعته طوال هذا الوقت......"

عشر سنوات؛ كانت مدة طويلة وقصيرة في آن واحد، لكن بالنسبة لسيريا العجوز، كان حتى هذا الوقت دهراً.

لم يكن الأمر أنه سامح سيريا، لكنه ببساطة لم يعد يرغب في معاقبتها؛ فقد نالت من العقاب ما يكفي. ويا للسخرية، تحول نصل غضبه نحو جيمس، الذي كان يحاول قتل سيريا بلا رحمة.

رمش سيزار بعينيه ببطء: " لأنني لا أستطيع أن أكون نسخة من ذلك الرجل."

هل كان هذا هو "الخيط الفاصل" الذي تحدث عنه في الأكاديمية العسكرية ؟

ابتسم سيزار بمرارة. اعتقد أن السنوات مرت دون أن يغير فيه شيء، لكن يبدو أن الجميع قد تغيروا … باستثنائه هو .

جذب سيزار فيفيان وضمها إليه. كانت مشاعره التي تدفقت كتيار هادئ تتحول تدريجياً إلى تسونامي عظيم يجتاحه.

بدت فيفيان مرتبكة للحظة، قبل أن تحتضن هذا الرجل الذي يفوقها حجماً بكثير. بدا الأمر وكأنه هو من يضمها، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك.

لقد كان سيزار هو من يحتمي بحضن هذه المرأة الصغيرة. كان هذا كافياً. في المستقبل الذي رسمه بخطوط مهتزة، كانت هذه المرأة الصغيرة هي رفيقته .

إذا كان مستقبله الموعود ممتلئاً بفيفيان، فربما يستطيع أن يكون سعيداً كما تمنت هي له .

بما أنكِ دعوتِ لي بالسعادة، فعليكِ أن تكوني معي … لأن هذا كان وعدنا.

… لكن في تلك الأثناء، بدأ شيء ما يتصدع ببطء.

" آه، صحيح...... هيلين هي......"

كانت المرأة بارعة في الكذب. ورغم إدراكه لهذه الحقيقة منذ زمن، إلا أن سيزار لوى شفتيه بامتعاض .

" سأقوم بالتحقيق أولاً ......"

"...... بمفردكِ ؟ "

"...... نعم."

"ألم تأتِ إليّ طلباً للمساعدة في البداية؟"

انزاحت نظرة فيفيان نحو الأرض بارتباك، لكنها سرعان ما غيرت الموضوع بشكل واضح: " لـ … لدي موعد، سآتي مرة أخرى في وقت لاحق."

لم يستطع سيزار منعها وهي تتفوه بتلك الكذبة الواضحة. كان يشعر بالبؤس عشرات المرات في اليوم، رغم أن ما تفعله لم يكن أمراً جسيماً.

بدأ يكبح نفسه، بينما أصبحت مشاعره تتقلب صعوداً وهبوطاً كالمجنون .

كانت تدفعني إلى حافة الهاوية، ثم بضحكة واحدة منها، تجعلني أشعر وكأنني أركب عجلة دوارة فوق تلك الهاوية .

تكرر هذا الأمر عشرات المرات في اليوم الواحد. كنت أشعر وكأنني مهجور دون معرفة السبب. أضمها وأستمع إلى نبضاتها الهادئة، ورغم أنني تيقنت من حبها، إلا أنها لم تشعرني قط بأنها ملكي.

ومع ذلك، كان الأمر مقبولاً، فأنا كنت ملكًا لها بالفعل، ولم يكن الباقي يهم.

لو أنني فقط عبرتُ عن مشاعري هذه لكِ، هل كان شيء ليتغير ؟

كنت سأقول لكِ إنني مستعد لحمل أثقالكِ مهما كان ما تخشينه .

… لو قلتُ ذلك، هل كان شيء ليتبدل ؟

تمنيتُ ألا تتغير هذه العلاقة، ولهذا كان الخوف يتملكني .

أنا مستعد لفعل أي شيء لأجلكِ. ومهما كان السر الذي تخفينه عني، فأنا قادر على تفهمكِ .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

" سيزار."

" …… "

" أرجوك، اعتبر أنك لم تسمع بطلب قضيتي الثانية."

كان تعبير وجهها خالياً من المشاعر، لكنها لم تستطع إخفاء ارتجاف صوتها. حدق فيها سيزار بنظرات جافة وهو يستمع لصوتها المنساب بين أنفاسها البطيئة.

"...... هل وجدتِ الجاني؟"

" لا."

"إذن لماذا؟"

"هكذا فقط."

كالعادة، لم تكن سوى أكاذيب. بدءاً من قولها إنها بخير، وصولاً إلى رغبتها في إنهاء كل شيء الآن.

كل ما نعرفه هو أن السائق كان امرأة، وأن السيارة كانت صغيرة … ومع ذلك، لماذا الآن ؟

"...... هل تظنين أننا لن نتمكن من القبض على الجاني؟"

" …… "

" إن لم يكن كذلك، فما السبب بحق خالق الجحيم ؟ "

مد سيزار يده نحو فيفيان: " أعطيني سبباً واحداً على الأقل يمكنني فهمه."

في هذه المهمة، كان سيزار هو الأكثر تمسكاً بها. اختفت تلك اللهفة التي جاءت بها فيفيان أول مرة وهي تطلب منه العثور على قاتل شقيقتها.

بدلاً من ذلك، بدت فيفيان في عجلة من أمرها لسبب ما. ومن بين طيات ذلك الاستعجال، أدرك سيزار أنها كانت خائفة من شيء ما.

… ولم يكن ذلك الشيء سوى خوفها منه هو.

حاول ألا يعترف بذلك، حاول تجاهله، لكن الحقيقة كانت شيئاً لا يمكن إغفاله .

مهما كان الخوف مريراً، كان عليه قبوله وتحمله. في تلك اللحظة، مدت فيفيان يدها. وبلمسة شاحبة احتضنت وجنتي الرجل وقبلته قبلة خفيفة.

قبلة صغيرة بدأت من شفتيه، ثم أنفه، وصولاً إلى جفنيه، وانتهت بضحكة خافتة من فيفيان .

كانت ضحكة جافة كالأرض القاحلة. لا تزال هذه المرأة تعيش في ذلك الشتاء الذي التقيا فيه لأول مرة، وتلك الحقيقة كانت تخنق أنفاس سيزار .

لم يستطع سيزار النوم حتى ساعة متأخرة من الليل. ربما لأنه أدرك أن الشقاء يطرق الباب دائماً من حيث لا نتوقع.

لم يكن يعلم ماذا يقول، لكنه توجه نحو غرفتها. كان هناك الكثير ليخبرها به، لكن، وقبل أن يتمكن من نطق كلمة واحدة، واجه سيزار غرفة فيفيان الفارغة.

لم تترك وراءها أثراً واحداً. كانت غرفة نظيفة تماماً بشكل مثالي .

أطلق سيزار ضحكة خفيضة لا إرادية .

لقد أخذتِ حياتي بالفعل … كيف لي أن أترككِ ترحلين وأنتِ تحملين حياتي بين يديكِ وتهربين بها ؟

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

"...... هل كان حادثاً مرورياً ؟ "

" نعم، لكننا لم نعثر على أي خيط يدل على الجاني بعد."

ماتت امرأة أخرى، وكان حادثاً مرورياً.

" لكن المريب في الأمر هو أن تشوه الجثة بليغ جداً ليكون مجرد حادث مروري بسيط، عادة، عندما يصدم شخص أحداً بالخطأ، يلوذ بالفرار فوراً، لذا تقتصر الإصابات على آثار الاصطدام المعتادة."

فحص سيزار الجثة بعينين باردتين. كان الشريان السباتي مقطوعاً تماماً.

".... هناك احتمال كبير أن الحادث كان مدبراً عن عمد."

بدأت خيوط القضية تتضح شيئاً فشيئاً، لكنكِ لم تكوني هنا.

ومع ذلك، لم يتوقف سيزار عن التحقيق، فقد كان يؤمن بأنها ستعود يوماً ما.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

" أنت المحقق سيزار، أليس كذلك ؟ "

جاء ذلك الضيف غير المرحب به في يومٍ غمرته أشعة شمس الصيف المشرقة .

" لديّ مهمة أود توكيلها إليك."

ضيق سيزار عينيه وهو يراقب ابتسامة الرجل الماكر.

" أدعى ريموند ميلر."

" أنا لا أستقبل أي طلبات حالياً."

" آه، يبدو أنني تأخرت إذن."

كانت اللحظة التي بدأ فيها سيزار بالتحرك والابتعاد.

" فيفيان لوبيز، المهمة تتعلق بتلك المرأة، ولا أعلم إن كنت ستظل متمسكاً برأيك بعد سماع اسمها."

ارتفعت زوايا فم ريموند ببطء.

" لقد اختفت الآنسة فيفي فجأة، أعتقد أنني زللت بلساني أمامها، فهل يمكنك إيصال رسالة لها ؟ "

" …… "

" ديريك … لا بد أنك سمعت بهذا الاسم، إنه زميل مقرب لي، لكنه اختفى تماماً بعد لقائه الأخير بالآنسة فيفي، عندما أخبرتها بذلك، اختفت فجأة عن الأنظار."

...... ديريك جنكينز.

كان هذا اسم الرجل الذي قيل إنه فُقد منذ أواخر خريف العام الماضي .

" لوبيز … ؟ آه، هل تقصد اسم الزوجين ضحايا جريمة القتل التي وقعت منذ زمن ؟ "

بدأت قطع الأحجية المتناثرة تترابط أخيراً. وبدأت ذكرياته تعود ببطء أمام الحقيقة.

وجهكِ الباكي أمام القبر، وأنتِ التي لا تزالين سجينة ذكريات ذلك اليوم. لو كنتِ سعيدة بعد رحيلكِ عني، لكان ذلك كافيًا .

هكذا ظننتُ حين غادرتِ … لكن، إن لم يكن الأمر كذلك … فماذا أفعل أنا بحق خالق الجحيم ؟

كل قضية يجب أن تنتهي بكلمة "إغلاق"، سواء كانت قضية لم تُحل أو قضية تم فك خيوطها. حتى وإن لم أكن مقتنعاً بذلك، كنت أتقبل الأمر ما دام قد حُسم في إطار القانون، لأن ذلك يعني "النهاية".

وبوجود النهاية، تكتمل القضية، وأنتِ … قد أعلنتِ نهايتنا.

تركتِني و رحلتِ دون كلمة واحدة، ولم تبلغيني سوى بوداع بائس لعلاقتنا.

لقد تخليتِ عني … كانت هذه إجابة واضحة، لذا، كان لديّ آلاف الأسباب التي تمنعني من العودة إليكِ .

ومع ذلك، لماذا أجد نفسي أهرع نحوكِ الآن ؟

كان عليّ أن ألتقي بكِ. إن كنتِ رحلتِ خوفاً من الحقيقة التي تخفينها، فقد كان عليكِ على الأقل سماع جوابي .

بينما أنا، الذي اكتملتُ بكِ، أتحطم الآن ببطء.

تسارعت خطوات سيزار أكثر فأكثر .

وبدأت عجلة الذكريات تدور بجنون .

عندما التقى بفيفيان مجدداً في قصر إرنست، كانت كما هي. وجه المرأة التي تمنى لها السعادة لم يتغير عما كان عليه قبل عام .

لو كان رحيلكِ عني من أجل سعادتكِ، لكان عليكِ أن تكوني سعيدة على الأقل .

كنتُ خائفاً. لقد رحلتِ لأنكِ كنتِ تخافين مني ومن الإرهاق الذي ينهشكِ. خفتُ أن تغرقي في أعماق المحيط لو اعترفتُ لكِ بأنني أعرف كل حقائقكِ، لذا، لم أستطع النطق سوى بكلمات جوفاء .

اعتذرتُ لأنني لم أستطع البقاء بجانبكِ، ولأنني أدركتُ الحقيقة التي كنتِ ترغبين بشدة في إخفائها .

حتى عندما أعطيتكِ تلك الصحيفة التي تتحدث عن "جريمة شارع بيكر".

<أنا آسف.>

في الواقع، لم تكن تلك هي الكلمات التي أردتُ قولها.

أردتُ أن أقول إن الأشرار سينالون عقابهم يوماً ما. وأن الضحية وحده هو من يملك حق إصدار الحكم، لذا، أنا أحترم كل خياراتكِ .

كان عليّ أن أقول تلك الكلمات بدلاً من الاعتذار … بأن "عدالتي" كانت متمثلة فيكِ أنتِ وحدكِ.

دفع سيزار باب غرفة فيفيان بقوة، لكن ما واجهه هناك … لم يكن سوى اليأس التام .

****************************

الفصل : ١٢٩

اليوم السابع عشر _ 2/11 (1)

<سأكفر عن ذنبي … إن كل الخطايا التي ارتكبها ذلك الطفل هي بسببي، لأنني كنتُ له أماً عاجزة.>

كان ظلاماً لا ينتهي. كنتُ أتخبط فيه، عاجزةً عن الخروج من أعماقه.

سألتُ عن ماهية "التكفير" الذي تحدثت عنه هانا، لكن لم يكن هناك من يجيب على سؤالي.

" …… ! "

وفي تلك اللحظة، فتحتُ عينيّ، لكنني وجدتُ نفسي لا أزال حبيسة الظلام ذاته .

ظننتُ للحظة أنني في العالم الآخر، لكن ما رأيته كان غرفتي المألوفة.

قبضتُ بيدي على الأغطية بقوة. بقدر ما تمنيتُ الهروب من هذا المكان، كنتُ لا أزال قابعة في جحيمي .

حتى الموت … ألا يُسمح لي بنيله كما أريد ؟

أغمضتُ عينيّ بشدة. لم أكن أظن أن هناك جحيماً أسوأ من هذا .

— صرير .

حينها، سمعتُ صوت فتح الباب، فسارعتُ بالاختباء تحت الأغطية حتى رأسي. اقترب مني أحدهم و رفع الغطاء بحذر، ثم وضع يده على وجنتي.

ارتجفتُ دون وعي، فسحب يده عني فوراً.

" فيفيان."

كان صوت سيزار. شعرتُ بقلبي يسقط عند سماع نبرته.

لقد رأى كل ما حدث في الطابق الثالث. رأى ما فعلتُه، وسمع الاعتراف الذي قلته. كنتُ أعرف تماماً ما سيقوله لي بعد أن واجه الحقيقة كاملة … فكل ما حدث، كان بسببي أنا.

" فيفيان … "

لكنني حبستُ أنفاسي حين استمر في مناداتي .

كان صوته غريباً ومضطرباً. فتحتُ عينيّ بهدوء واستدرتُ نحوه. أردتُ رؤية وجهه، لكن الظلام كان يحجبه عني .

"...... سيزار ؟ "

ناديتُ اسمه لا إرادياً، لكنه لم يتحرك. تملكني ذعر مفاجئ، فمددتُ يدي بسرعة وأمسكتُ بيده التي كانت تظهر كظلٍ باهت … كان يرتجف .

"...... سيزار."

ناديتُه مرة أخرى، وظل الصمت هو الجواب الوحيد.

ابتسمتُ بمرارة … لقد رأى كل شيء، رأى ما فعلتُه لأهرب من هذا الجحيم .

كنتُ أتمنى ألا يراني أحد وأنا بتلك الهيئة المريعة. كان من حسن الحظ أنني نقلتُ بيبي لمكان آخر، فإذا كان هذا رد فعل سيزار، فمن المؤكد أن بيبي كان سيصاب بصدمة أكبر .

مددتُ يدي الأخرى بحذر و ربتُّ عليه بهدوء .

".... أنا آسفة لأنني جعلتُك ترى شيئًا لا ينبغي رؤيته."

" …… "

" ومع ذلك … كان عليكَ أن تتركني وشأني."

قبضتُ على يدي بقوة … كان عليكَ أن تتركني أموت فحسب، كنتُ بالفعل حبيسة قبري. لو أنكَ تركتني أواجه موتي، لما اضطررتُ الآن للشعور بهذا العجز القاتل .

شعرتُ ببعض الاستياء تجاه سيزار. ورغم شعوري بالأسف لأنني أريته ذلك الجانب مني، إلا أن مشاعري كانت متناقضة.

سأموت على أي حال، و الموت هكذا كان أفضل من الموت على يد ألبرتو .

… على الأقل، كان عليكَ أن تترك لي حق اختيار نهايتي بنفسي .

" لماذا ......"

خرج صوته مخنوقاً من بين أسنانه. لم يكمل جملته، ولم يتبعها بكلمات أخرى.

لا أعلم أي نوع من الإجابات كان ينتظر سماعها مني.

" … لا بد أنك سمعتني حين قلتُ إنني قتلتُ ديريك."

" …… "

" لو لم أكن موجودة في حياتك، لكنتَ تعيش الآن حياة هادئة ومستقرة."

عند سماع كلماتي، أفلت سيزار ضحكة ساخرة مريرة: " حياة هادئة ؟ "

زادت قوة قبضته على يدي وهو يتابع: " فيفيان، أنا لم أعش يومًا تلك الحياة التي تتحدثين عنها."

نهضتُ بجسدي بصعوبة. وفي وسط الظلام، كانت عينا سيزار تلمعان ببريق حاد .

".... وزاد الأمر سوءاً منذ اللحظة التي تركتِني فيها."

" إن أردت لومي فافعل … لقد خدعتُك."

اصطبغ وجه سيزار بالألم للحظة، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه ونطق بصوت منخفض: "...... وهل تظنين حقاً أنكِ خدعتِني ؟ "

" بالطبع فعلت، لقد ارتكبتُ جريمة قتل بكل وقاحة، وتظاهرتُ أمامك بأنني طاهرة ونقية."

" لكن، لماذا لا أشعر أنا بهذا الأمر ؟ "

تسمرتُ في مكاني عند سماع كلماته. لم أستطع فهم ما يرمي إليه سيزار.

ألا يعتقد أنني خدعته ؟

أحكم سيزار قبضته على يدي مرة أخرى وقال: " كل ما أشعر به هو أنني كنت سعيداً بلقائكِ مجدداً، وممتناً لأنكِ ناديتِ باسمي، وأشعر بالراحة الآن لمجرد أنكِ تتنفسين أمامي."

" …… "

" هذا كل ما يهم بالنسبة لي."

امتلأ رأسي بآلاف التساؤلات. لقد قتلتُ ديريك، واعترفتُ بذلك بلساني، وسمع الجميع في القصر هذا الاعتراف.

ومع ذلك، لماذا يقول لي هذا الكلام ؟

حتى هانا لم تستطع فهم خطيئتي، ولم يتفهم أحد قط دوافعي أو عدالتي الخاصة.

قطبتُ حاجبيّ بحدة وقلت: ".... لماذا تقول لي هذا ؟ أنت محقق ! "

" لماذا ؟ هل كرهتِني لأنني أؤيد القتل ؟ "

" ليس هذا ما أقصده ! "

"إن لم يكن هذا، فما المشكلة إذن؟"

بدا رد سيزار وكأن ثمة خللاً ما قد أصاب عقله. ضيقتُ ما بين عينيّ بذهول. سيزار، الذي كان ينطق دائماً بالحقائق المنطقية، أصبح من الصعب فهم كلماته منذ وقت ليس بالقصير … لم تكن ردوده مقنعة أبداً.

رفعتُ صوتي دون وعي: " لقد قتلتُ ديريك ! ارتكبتُ جريمة القتل التي تمقتها أنت بشدة ! "

" أجل، لقد فهمتُ ذلك جيداً، لكنني أسأل مجدداً … ما المشكلة في ذلك ؟ "

كانت عينا سيزار تشبهان أعماق المحيط الساكنة. وظللتُ أنا عاجزة عن فهم منطقه.

انساب صوته مع أنفاسه الهادئة: ".... فيفيان، لقد سألتِني ذات مرة عن هدفي، أليس كذلك؟"

<ما هو هدفك؟>

" هدفي هو أن أخرج من هذا القصر برفقتكِ."

" …… "

" هذا هو هدفي الوحيد."

عضضتُ على شفتي السفلى بقوة وسألتُ: " منذ متى.... منذ متى وأنت تفكر هكذا ؟ "

" منذ اللحظة التي التقينا فيها مجدداً في هذا المكان."

"...... لا أفهمك أبداً."

حاولتُ سحب يدي من بين قبضته، لكنه رفض إفلاتي .

" لماذا … لماذا تقول لي كل هذا ؟ "

" لأن هناك مهمة كُلفتُ بها أيضاً."

عضضتُ على شفتي السفلى عند سماع كلماته، فمدّ سيزار يده ولمس شفتي برفق .

" أنتِ موكلتي حتى يتم حل القضية التي كُلفتُ بها، وأنا ملزم بحماية موكلي."

أبعدتُ يده التي كانت تداعب شفتي، وقلتُ بصوت حازم: "...... أنا موكلتك؟"

هززتُ رأسي بابتسامة مريرة وتابعتُ: " لا، أنا لا تربطني بك أي علاقة، لذا، لستَ ملزماً بحمايتي."

كما اتفقنا في اليوم الأول؛ أنا وسيزار مجرد شخصين يعرفان بعضهما البعض. علاقة بين غريبين قد يمر أحدهما بجانب الآخر دون أن يتعرف عليه … هذا كل ما في الأمر .

غصصتُ بضحكة ساخرة: " علاوة على ذلك، أيُّ هراء هذا ؟ طلبٌ من قاتلة ؟ إنه طلب لا يعقل بالنسبة لمحقق."

" هناك أمر واحد تسيئين فهمه بشأني."

ابتسم سيزار بوجه يعتصره الألم: " أنا لستُ محققاً تابعًا للأمن العام، أنا محقق خاص، أتحرك بدافع شخصي، ولا أتدخل إلا في القضايا التي أريدها."

" …… "

" وأنتِ هي القضية التي أريدها."

ما الفائدة من كل هذا الآن ؟ سأموت قريباً نتيجة التصويت، وحتى لو عرفتُ هوية قاتل هيلين، فلن يتغير شيء .

لم يعد بإمكاني الخروج من هذا القصر لأحلم بالانتقام. حتى لو سمعتُ اسم الجاني، فلن أتمكن من فعل شيء.

لقد كانت قضية محكوماً عليها أن تبقى دون حل .

"...... إنها قضية أُغلقت بالفعل."

" فكري كما تريدين."

بدأت عيناي ترتجفان ببطء أمام إصراره، وهو يتابع: " لأنني سأفعل ما أريد أنا أيضاً."

" لكنها قضية تفتقر لإرادة الموكل."

" إذن سأقوم أنا بتقديم الطلب بدلاً منكِ."

" …… "

" تماماً كما طلبتِ أنتِ مني التحقيق في قضية مختبر فينيل لأجلي."

لم أستطع الرد عليه بكلمة واحدة. لقد عجز لساني عن الكلام .

هل كان سيزار يشعر بهذا الشعور في ذلك الوقت ؟

راقبني وأنا أعض على شفتي، ثم قال بهدوء: " عليكِ أن تعيشي بأي ثمن، هذا إن كنتِ لا ترغبين في رؤيتي ميتاً."

" … هل هذا … تهديد ؟ "

" أجل، لذا، أتمنى أن تشعري بالخوف على الأقل."

وضع سيزار يدي التي يمسكها فوق جبهته. وبدأت حرارة جسده تتسلل ببطء إلى ظهر يدي.

" استخدميني، أو استخدمي أي شخص آخر … "

" …… "

" فقط ابقي على قيد الحياة، لا يهم إن اصبحت مجرد أداة لكِ."

" …… "

" أرجوكِ … لا تموتي فقط."

تردد صدى صوت سيزار في أذنيّ، ولم أستطع منحه أي جواب .

لا أموت … هل يدرك هذا الرجل حقاً معنى ما يقوله ؟

كانت كلماته تمثل عبئاً ثقيلاً عليّ، ويبدو أنه تعمد ذلك، لأنني أنا من قلتُ له كلمات مشابهة في الماضي .

كنتُ أعرف أكثر من أي شخص آخر ما الذي كنتُ أشعر به عندما قلتُ تلك الكلمات لسيزار حينها.

بدأت يد سيزار التي تمسك بيدي ترتجف ببطء، وظللتُ أنا عاجزة عن النطق بأي حرف .

****************************

الرواية المفروض اسمها : الخارجون عن القانون 😭😭😭

.

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان