الفصل ١٢٦ و ١٢٧ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم السادس عشر _ 1/11 (14)

كان جيمس شخصاً طيباً. من ذلك النوع الأحمق الذي لا يطيق رؤية الظلم، ويعتبر التضحية بنفسه أمراً بديهياً.

لقد كان مغفلاً لدرجة أنه تهجم ذات مرة على هارفي ضخم الجثة لأنه كان يضايق زملائه، فانتهى به الأمر بضرب مبرح.

ومرة أخرى عارض علناً بروفيسوراً فاسداً، مما أدى إلى تضرره في نتائج الامتحانات.

أجاب جيمس بابتسامته المعتادة التي لم تتغير: " مر وقت طويل، يا سيزار."

سخر سيزار من كلماته قائلاً: ".... لا أعتقد أن لقاءنا الأخير كان منذ زمن بعيد."

"...... هذا صحيح."

تلاشت الابتسامة عن وجهه، ولم يتبقَ سوى مرارة واضحة.

" هل ليام هنا أيضاً ؟ "

هز جيمس رأسه نفياً بهدوء. كان أضواء الممر تتذبذب بشكل خطر، فنظر إليها جيمس بطرف عينه قبل أن يقول بصوت خفيض: ".... أنت هنا بسبب تلك القضية التي لم تُحل منذ اثني عشر عاماً، أليس كذلك؟"

لم يُجب سيزار. فبكل الأحوال، جاء جيمس وهو يعلم كل شيء، ولن يغير جوابه من الواقع شيئاً.

ضحك جيمس بسخرية ونقل نظره إليه متسائلاً: "إذن، هل وجدت الإجابة؟"

"...... وماذا لو فعلت؟"

"وهل توصلت إلى استنتاج؟"

رسم سيزار ابتسامة مائلة على وجهه. وعندما التقت عيناه بعيني جيمس، قال جيمس بهدوء: " يؤسفني ما حدث للسيد براندون."

" أعتقد أن هذا الكلام جاء متأخراً جداً."

".... ربما، لكني لا أزال رجلاً يملك ضميراً."

بدأ البريق يختفي تدريجياً من عيني جيمس وهو يكمل: " فقط سلمني سجل الأبحاث، إذا أعدته، فسأنسحب أنا أيضاً من هذا الأمر."

" أنت أكثر من يعلم أنه لو كان الانسحاب ممكناً بعد الوصول إلى هذه النقطة، لما بدأ هذا الأمر من الأساس."

لقد بدأت الأمور بالتدفق بالفعل، ولا يوجد شيء يمكنه إيقافها الآن.

أفلتت ضحكة قصيرة من جيمس وهو يقول: " ما الذي يمكنك فعله الآن؟ هل ستمسك بالقاتل الذي ذبح جدك وتقتله؟ أم ستحاول حماية سجل الأبحاث؟ لا، لا يوجد شيء يمكنك فعله هنا."

" ربما، لكننا لن نعرف يقيناً إلا إذا جربنا."

أمال سيزار رأسه بحدة وأضاف: " لقد جئتُ إلى هنا بناءً على طلب قانوني، لذا أنت من يعيق عملي الآن، يا جيمس."

" طلب مدير المعهد ؟ لم يكن ذلك سوى ذريعة، كانت وسيلة لاستدراجك إلى هنا لأنك تملك سجل الأبحاث."

" هناك شخص آخر غير ذلك الرجل أوكل إليّ هذه القضية أيضاً."

بدأ ملمس الزناد يضغط على إدراك سيزار. حتى لو مات جيمس في هذا المكان، فلن يمثل ذلك فارقاً كبيراً بالنسبة لسيزار. فجيمس، الذي تقرب منه أولاً، لم يفعل ذلك إلا لاستغلاله.

أطلق جيمس ضحكة خفيفة وتابع: " ما رأيك بهذا إذن ؟ "

" …… "

" تلك القضية التي تسلمتها … هل كتب إن هناك قنبلة ستنفجر في المختبر رقم ٢ ؟ "

ضاقت عينا سيزار بشدة.

" من الحقائق المؤكدة أن مدير المعهد تلقى رسالة التهديد تلك، وصحيح أيضاً أن القنبلة ستنفجر خلال هذا اليوم؛ فنحن أنفسنا لم نتمكن بعد من تحديد هوية المبتز."

سيريا … كانت تلك المرأة على الأرجح هي المبتز نفسه، أو جاسوسة داخلية تتواطأ معه.

وإلا فمن الممكن أن يكون … المدير لويس، الرجل الذي استدرجه إلى المعهد.

لقد كان احتمالاً وارداً جداً. كان لويس رجلاً جشعاً؛ وربما أعطته الحكومة مبالغ طائلة لاستعادة سجل الأبحاث، وكان مستعداً لفعل أي شيء في سبيل ذلك.

وفي تلك اللحظة، توصل سيزار إلى حقيقة جعلته يتصلب تماماً في مكانه. لاحظ جيمس ذلك فارتسمت على وجهه ابتسامة مائلة.

" أنت هو محور هذه اللعبة يا سيزار، وقد أحضرتَ معك طعماً ممتازاً يمكننا من خلاله اصطيادك."

ركض سيزار دون أن ينتظر سماع كلمة جيمس الأخيرة. ورغم تفكيره في أنها ربما تكون قد عادت إلى المنزل بالفعل، إلا أنه لم يستطع التوقف عن الركض .

لم تكن هناك … لا، بل يجب ألا تكون هناك.

كان الضوء يتسرب من بين شقوق باب المختبر رقم ٢ .

دفع سيزار الباب بقوة ليفتحه، وفي تلك اللحظة تناهى إلى مسامعه صوت ناعم: " أهلاً بك."

كانت أضواء المختبر ساطعة. زفر سيزار كل الأنفاس التي كان يحبسها في صدره حين رأى المرأة الواقفة أمامه.

… يا إلهي، كان ذلك من حسن حظه .

لم تكن المرأة الموجودة في المختبر سوى سيريا. أفلتت من سيزار ضحكة لا إرادية من شدة الارتياح.

رسمت سيريا ابتسامة مائلة وتقدمت نحو سيزار ببطء: ".... مرحباً بك في مختبري الصغير."

كانت تجاعيد وجهها قد حُفرت بعمق ونعومة، أكثر مما كان يتذكر في الماضي.

لقد مر زمن طويل جداً، لكن سيزار كان لا يزال يشعر وكأنه ذلك الطفل الواقف وحيداً في ذلك البيت القديم الذي لم يعد إليه براندون أبداً .

" لقد كبرتَ كثيراً."

ابتسمت سيريا ابتسامة باهتة. تلك البالغة التي كانت تبدو عملاقة في نظره حين كان صغيراً، أصبحت الآن أقصر من مستوى نظره. ورغم أن سيزار لم يتغير في جوهره، إلا أن أشياء كثيرة قد تبدلت.

توقفت سيريا عن المشي وسألته بصوت خفيض: "...... هل تزور براندون باستمرار؟"

لوى سيزار شفتيه وأجاب: " بالطبع، كنتُ آمل أنني قد ألتقي هناك بالشخص الذي ظللتُ أبحث عنه طوال هذه السنين."

ضحكت سيريا ضحكة قصيرة عند سماع كلماته.

"وهل التقيتَ بذلك الشخص؟"

".... لقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً واتخذتُ مسارات ملتوية، لكني التقيتُ به في النهاية."

أطلقت سيريا ضحكة خالية من المشاعر.

".... لقد استغرق الأمر دهراً."

كما قالت تماماً، لقد كانت رحلة طويلة وشاقة. رفعت سيريا رأسها وبدا على وجهها إرهاق شديد و واضح.

" لم أكن أظن أن الأمر سيستغرق كل هذا الوقت."

بدا وجهها وكأنها تختنق، فحدق فيها سيزار بتعبيرات غامضة وسأل: " هل كنتِ تظنين أنني سأعثر عليكِ فوراً ؟ "

" لو كنتُ مكانك لفعلت."

كانت سيريا تعبث بجهاز تحكم في يدها. رمق سيزار ذلك الجهاز وضحك بسخرية من نفسه.

"لو كنتُ قد جئتُ إليكِ وأنا طفل، هل كان ذلك سيغير شيئاً؟"

"وهل تغير شيء الآن؟"

"ربما لا."

أجاب سيزار بنبرة جافة. فلم يظن يوماً أن شيئاً سيتغير؛ كل ما أراده هو التأكد من نهاية هذا الكابوس.

ابتسم سيزار بمرارة: " ومع ذلك، كنتُ أتمنى أن تأتي إليّ أنتِ أولاً، لا أن تدعيني إلى مختبركِ هكذا."

السبب الذي منع سيزار من البحث عن سيريا كان بسيطاً نسبيًا.

سيريا هي من قتلت براندون للحصول على سجل أبحاثه، لكن براندون، في وصيته، غفر لهذه القاتلة اللعينة التي سلبته حياته .

[ سيزار، لكل إنسان واجبات مفروضة عليه. إنها الالتزامات التي يجب أن يؤديها كل من يتمتع بحقوقه.
أنا رجل يجب أن يعمل من أجل تطور البلاد، وهناك آخرون يضطرون لتلطيخ أيديهم بالدماء حتماً من أجل الدولة. أما أنت، أيها السيد الصغير سيزار، فواجبك هو ألا تفوّت وجبات طعامك .
لا أريد أن أكون سبباً في جعلهم يتخلون عن واجباتهم . إن مفاهيم الصواب والخطأ تختلف من شخص لآخر، وكلها ليست إجابات خاطئة بالضرورة، لذا، قررتُ أن أفهمهم.
بالطبع، أعلم أنني لستُ جيداً بما يكفي لفهم أي شخص بشكل كامل، … على أي حال، بحلول الوقت الذي تقرأ فيه أيها الصغير هذه الرسالة، ربما أكون قد ارتكبت خطيئة أخرى .
أحبك يا سيزار.
سأصلي من أجل سعادتك إلى الأبد، فأتمنى أن تتمنى لي السعادة أنت أيضاً.
… أرجو ألا يطول الوقت الذي تقضيه في معاناتك وحيداً.]

لم يستطع سيزار حتى الآن فهم جده. هو، الذي تُرِك وحيداً، لم يستطع مسامحة المرأة الواقفة أمامه، لكن براندون سامحها، بل وقال إنه يتفهم خطيئتها تماماً.

...... هذه القاتلة التي تقف أمامي.

أفلتت من سيزار ضحكة خافتة.

شعر وكأنه يطفو وحيداً في عرض بحر هائج بلا منارة ترشده. كان يظن أنه بمجرد مواجهة نقطة بداية الكابوس، قد يجد الإجابة، لكنه لا يزال واقفاً بمفرده.

"هل كان شيء سيتغير لو جئتُ إليكِ؟"

" لا، لم يكن ليتغير شيء، أعتقد أنني فعلت الصواب، السلاح الذي كان يطوره جدك كان بإمكانه إنقاذنا جميعاً، لذا كانت تضحية طبيعية."

تحدثت سيريا بوجه يعتصره الألم. وخلافاً لكلماتها، كان وجهها ملطخاً بالذنب، لكن سيزار قرر عدم الاعتراف بذلك .

السلاح الذي كان يطوره براندون لم يكن شيئاً ينقذ أحداً، بل كان سلاحاً يملك القوة لتدمير العالم في لحظة. و براندون كان يريد منع الحرب بأي ثمن؛ لأن قوة الحروب الحالية اختلفت مساراتها تماماً عن حروب الماضي.

".... لا أظن أن الأمر كان سيخلو من التغيير."

تحدث سيزار بصوت هادئ: " لأنكِ الوحيدة التي كان بإمكانها إنقاذ ذلك الطفل الصغير الذي دفعتِ به أنتِ إلى الجحيم."

بدأ وجه سيريا يتصلب تدريجياً.

" ما كنتُ أحتاجه في الماضي هو اعتذار، حتى جدي سامحكِ ......"

ربما كل ما كان يحتاجه سيزار هو مجرد كلمة واحدة.

"هل كنتِ خائفة من ذلك الطفل الصغير ؟ أنتِ التي قتلتِ نفسًا بشريّة."

لو كنتِ ستظهرين بهذا الوجه الوقح الآن، لكان عليكِ الظهور في الماضي، لكن يبدو أنها لم تكن تملك حتى ذلك القدر من الوقاحة حينها.

"...... ماذا قلت؟"

تشوه وجه سيريا على الفور، فاقترب سيزار منها ببطء.

" أنا لا أزال غير قادر على مسامحتكِ، جدي قد يظن أنكِ فعلتِ ما ترينه صواباً، لكني لا أستطيع فهمكِ أبداً......"

بدأت عينا سيريا ترتجفان ببطء: " براندون … سامحني ؟ "

" كانت كلمات يمكنني إيصالها إليكِ منذ زمن لو أنكِ بحثتِ عني، لكن لسوء الحظ، لم تصلكِ إلا الآن."

بدأ وجه سيريا يمتلئ بلون الندم والذنب. يبدو أن سيزار لم يكن الوحيد الذي عاش في عذاب طوال تلك السنين.

فتحت فمها بصعوبة لتسأل: "...... لماذا؟"

كان سيزار يعرف الإجابة، لكنه لم ينطق بها.

"...... لمَ فعل ذلك؟"

بدأ وجه سيريا ينهار ببطء. سقطت أخيراً جاثية على الأرض، بينما كانت يداها ترتجفان بشكل بائس، و سقط جهاز التحكم من يدها على الأرض.

— بيب، بيب.

انبعث صوت خطر من القنبلة الموجودة في مكان ما داخل المختبر رقم ٢ .

ابتسم سيزار بمرارة وتحرك نحو مصدر الصوت. تأكد من وجود آلة صغيرة تتشابك فيها أسلاك معقدة، ففتش في صندوق الأدوات الموضوع على الطاولة، و عثر على مقصًا للأسلاك وأخرجها.

بدأ في قطع الأسلاك واحداً تلو الآخر. كان صوت الشرارات الكهربائية المتطايرة يدوي بوضوح في أذنيه. ومع كل سلك يُقطع، كانت ذكرياته تُمحى واحدة تلو الأخرى.

تحت أشعة الشمس الدافئة، اليوم الذي التقى فيه ببراندون لأول مرة … أول وجبة تناولها معه.

مشاهد من مدينة تيفرن حين كان مغموراً بالسعادة.

" توقف ! "

في تلك اللحظة، اندفعت سيريا نحو سيزار ودفعته بعيداً، لكن سيزار الذي كان يمسك بالأسلاك لم يتزحزح من مكانه.

" أرجوك، توقف......"

بدأت سيريا تنتحب وهي تضربه بقوة.

" هذا المكان … يجب أن يُدفن هكذا......"

انتزعت سيريا المقص من يد سيزار. لم تكن القنبلة قد فُككت بالكامل بعد، لكن سيزار لم يفكر حتى في استعادة المقص، بل ضيق عينيه بتركيز .

كان المقص الحاد ينغرس في عنق سيريا الهزيل .

— بيب، بيب.

"...... هل تنوين أن تُدفني مع المختبر؟"

" لقد جئتُ إلى هنا بهذه النية."

بدا التعب واضحاً على وجه سيريا. أطلق سيزار ضحكة ساخرة قصيرة.

بإذن مَن تفعل هذا ؟

"...... لقد أديتُ المهمة الموكلة إليّ، لذا يمكنني الارتياح الآن."

لم يكن سيزار يجرؤ حتى على تخمين مقدار الدماء التي تلطخت بها يداها.

" هل كان استدعائي للمختبر لهذا السبب فقط ؟ لتريني موتكِ ؟ هل ظننتِ أنني أريد ذلك ؟ "

بدت كلماته كأنها أصابت الحقيقة، فالتزمت سيريا الصمت. كان المقص الحاد لا يزال موجهًا نحو عنقها. في تلك اللحظة، فكر بأن هدفها ربما لم يكن سجل الأبحاث أبداً.

تحركت شفتا سيريا قائلة: ".... لم أتردد لأنني ظننتُ أنني على حق، لم يكن تفكيري خاطئاً، كان عليّ أداء واجبي."

نظر إليها سيزار وسألها بهدوء: "هل تندمين؟"

"...... لا، مستحيل."

خلافاً لقولها، كان وجهها مشوهاً بالألم. فكر سيزار أنه من الأفضل أنها قالت إنها لا تندم. فحتى لو ندمت، لن يتغير شيء. كانت هذه حقيقة واضحة .

— بيب، بيب.

دوّى صوت إنذار واضح في أرجائهما.

".... لكن مؤخراً، بدأتُ أفكر أن براندون ربما كان هو المحق."

ارتسمت على وجه سيريا ابتسامة مريرة، و اجتاحت كلماتها كيانه كأنها تسونامي .

ما فائدة قول هذا الآن وقد مات براندون ؟

"...... اخرج من هنا بسرعة، تفجير القنبلة هو جزء من مهمتي، ويجب أن أرى هذه النهاية."

هل يتضمن واجبها الانتحار أيضاً ؟

كلب الصيد العجوز انتهت صلاحيته، لكن سيزار لم يستطع تركها هكذا .

وفي تلك اللحظة، شعر سيزار بحركة شخص ما بالقرب من الباب، فدفع سيريا الواقفة أمامه بعيداً.

— طاخ !

انتشرت رائحة دماء نفاذة في الأرجاء.

****************************

الفصل : ١٢٧

اليوم السادس عشر _ 1/11 (15)

تساقطت قطرات الدماء على الأرض بغزارة.

أطبق سيزار على أسنانه بقوة والتفت نحو سيريا. كانت عينا سيريا فارغتين، وبدت في حالة لا تسمح لها بإجراء حوار متزن.

انتزع سيزار المقص من يد سيريا التي بدأت قوتها تنخفض، ثم دفعها من ظهرها بخفة قائلاً: " سيكون من الأفضل لكِ أن تغادري هذا المكان فوراً."

أمسك بالمقص بإحكام وهو يقطب حاجبيه ألمًا، فقد بدأ كتفه المصاب برصاصة يغرق في الدماء.

لو كان سيزار في حالته المعتادة، لغادر المختبر وترك كل شيء خلفه. فانهيار هذا المختبر كان أمراً يتمناه؛ فلو تحول معهد فينيل الذي ينهش ذكرياته إلى حطام، لربما شعر براحة أكبر مما هو عليه الآن … لكن فيفيان قد تكون لا تزال هنا. تلك المرأة تتسم بالعناد، ومن المحتمل جداً أنها بقيت حتى النهاية.

بدأ سيزار في قطع الأسلاك واحداً تلو الآخر، تاركاً سيريا خلفه. لم يحصل على إجابة شافية بعد. تمنى أن تتلاشى ذكرياته كما تنقطع هذه الأسلاك، لكن لدهشته، بدأ الكابوس يصبح أكثر وضوحاً.

ربما لن يتمكن من كسر هذه الحلقة حتى يموت، راوده هذا الفكر فجأة .

لم يُحلّ شيء، ولا يزال الغرق في الكابوس يحيط به. هل سيتمكن يوماً من الهروب من هذا الشعور الذي يسحبه نحو الهاوية ؟

ما عجز عن فهمه طوال تلك السنين، لن يفهمه الآن بالضرورة، ورغم أن هذه حقيقة واضحة، إلا أن هناك أموراً لا تزال عالقة وتحتاج إلى حل، تماماً مثل هذه الأسلاك المتشابكة … لذا، كان عليه أن يعيش.

— طق.

انقطع سلك آخر، لكن الطنين المؤلم في أذنيه لم يتوقف. و بدأت رؤية سيزار تتشوش تدريجياً.

ظل يردد في نفسه أنه بخير، وأنه صمد طويلاً وسينجو هذه المرة أيضاً. ومع ذلك، وفي اللحظة التي بدأت فيها رؤيته الملطخة بالحمرة تنجذب نحو الظلام …

" سيزار ! "

دوّى صوت مألوف في أذنيه. رمش سيزار بعينيه بدهشة.

هرعت فيفيان نحوه وتفقدت حالته، لكن بمجرد أن رأت يديها وقد تلطخت بدماء غزيرة، بدأت عيناها الزرقاوان ترتجفان رعباً.

" دم … هناك الكثير من الدماء......"

أفلتت من سيزار ضحكة ساخرة مريرة … لقد أمرها بالعودة، ومع ذلك بقيت .

حاول رفع يده التي تمسك بالمقص بصعوبة، لكن قواه كانت قد خارت تماماً. بيدين مرتعشتين، أسندته فيفيان ونقلته إلى الجانب.

".... ما … ماذا يجب أن أفعل ؟ أخبرني ! "

أخذت المقص من يده بحذر، بينما سقطت ذراع سيزار الهزيلة بجانبه وكأنها أدت دورها الأخير.

ضحك سيزار بخفة ونطق بصعوبة: " اخرجي من هنا."

لكن كالعادة، لم تكن لدى المرأة أدنى نية للاستماع إليه.

حدقت فيه بوجه يعكس عناداً شديداً وقالت بهدوء: " لو تبادلنا الأدوار، هل كنت ستتركني وترحل ؟ "

دائماً ما كانت هذه المرأة تملك الكلمات التي تخرسه.

" أنا أيضاً أشعر بالشيء نفسه، لذا، دعنا نعود معاً."

كان بريق عينيها جميلاً لدرجة مخيفة، لدرجة جعلته يرغب في أن يغرق في ذلك الضوء تماماً.

" عدني … عدني أننا سنخرج من هنا أحياء."

كان وعداً مثيراً للسخرية في ظل هذه الظروف، ومع ذلك، أجاب سيزار وكأنه مسحور: "...... أعدكِ."

حينها فقط، رسمت فيفيان ابتسامة باهتة. سقطت قطرة دم حمراء من وجنة فيفيان، وعندما ضاقت عينا سيزار قلقاً، اتسعت عيناها بدهشة .

.... إنه يمقت بشدة هذا النوع من الموكلين الذين لا يستمعون إلى كلامه أبداً.

رغم جراحه، فتح سيزار فمه بصعوبة ليقول: " ابدئي بقطع السلك الموجود في الأسفل تماماً."

أمسكت فيفيان بالمقص بحذر شديد. راقب سيزار حركاتها بصمت وأسند رأسه بضعف إلى الخزانة خلفه.

خرجت أنفاسٌ ملؤها الرعب من بين شفتيها.

— قطع.

"...... وماذا بعد؟"

لم يستطع سيزار مواصلة الحديث، واكتفى بتأمل وجه فيفيان. كانت رموشها الرقيقة كأجنحة الفراشة ترتجف، بينما انسابت قطرات من الدم المتطاير على خط فكها.

استمع سيزار إلى أنفاسها اللاهثة وقال بهدوء: " فيفيان، انظري إليّ."

جفلت فيفيان عند سماع صوته ونظرت إليه.

… كان بإمكانكِ الهروب إن كنتِ خائفة إلى هذا الحد .

مدّ سيزار يده بصعوبة ليمسح على وجنتها. وجنتها التي كانت دافئة يوماً ما، بدت الآن باردة كريح عابرة في يوم شتوي.

" رددي في سركِ ثلاث مرات أن كل شيء سيكون بخير."

بدت فيفيان وكأنها تظنه يمزح، فعضت على شفتها السفلى قائلة: " وهل سيجدي نفعاً مثل هذا الشيء فحسب …؟ "

"إنها طريقة لنخبر أنفسنا بأننا لن ننهار، أياً كان ما يواجهنا."

رسم سيزار ابتسامة باهتة وأضاف: " لقد استخدمتُ هذه الطريقة للتو، وها أنتِ قد جئتِ لإنقاذي."

بدأت أنفاسها المرتعشة تستقر تدريجياً، وقالت بهدوء: ".... تذكر هذه الكلمات جيداً، لأنني سأسألك عنها بإلحاح عندما نخرج."

ضحك سيزار بخفة. رمقته فيفيان بنظرة عتاب بسيطة، ثم شرعت في قطع الأسلاك التي حددها لها واحداً تلو الآخر.

كانت تتحدث باستمرار دون توقف، وكأنها تخشى أن يغرق سيزار في النوم ويفقد وعيه.

"بالمناسبة … هل تم حل القضية؟"

" ربما."

أجاب سيزار وهو يرمش ببطء. لقد غادرت سيريا المختبر، وبما أنها لم تنفذ مهمتها الأخيرة بالانتحار، فإن الموت سيلاحقها قريباً بكل تأكيد.

لم يكن سيزار يعلم حتى الآن ما إذا كان هذا ما أراده فعلاً. فكر كثيراً في الانتقام، لكنه لم يجد إجابة واضحة حول ما إذا كان هذا هو صدق مشاعره أم لا.

— طق.

انقطع سلك آخر.

" يبدو أن إجابتك غامضة لأنك لم تضع نهاية حاسمة للأمر."

"..... ربما، فلم يتغير أي شيء بعد."

كما قال جيمس وسيريا، لم يتغير شيء. لا يزال واقفاً وسط بحر هائج دون أن يعرف وجهته.

" لا أظن أن الأمر لم يتغير بالكامل."

— طق.

بعد أن قطعت فيفيان كل الأسلاك، وضعت المقص جانباً. اقتربت من سيزار وجلست بجانبه، ثم أخرجت مغلفاً من جيبها.

" لقد تأخرتُ قليلاً بسبب هذا."

أخرجت فيفيان الرسالة من المغلف وأظهرتها لسيزار الذي لم يكن قادراً على استخدام يديه .

" أنا … أريدك أن تكون سعيداً، وإن كان قولي هذا سيشكل عبئاً عليك، فليكن، عش وأنت تحمل هذا العبء، أريدك أن تعرف أن هناك من يتمنى سعادتك بصدق، وأن تتذكر الوعد الذي قطعته لي للتو."

[ إلى السيد براندون.
أعلم أن هذه الرسالة لن تصل إليك أبداً، ومع ذلك أكتبها.
لقد قلتَ يوماً إن خياري كان صحيحاً … هل لا تزال تفكر بنفس الطريقة حتى الآن ؟
أم أنك استقبلت الموت وأنت تكنّ لي الضغينة ؟
...... أنا لا أعرف حقاً.
لقد كانت الدولة هي من رعتني بعد أن تم التخلي عني. ظننتُ أن بذل هذه الروح البائسة في سبيل خدمتهم هو أمر لا يستحق الندم، لذا، لطختُ يدي بالدماء، وعشتُ حياتي هكذا.
لقد كان قدري أن أشعر بالقدرة على التنفس فقط عندما أقتل شخصاً ما، لكنني الآن لم أعد أعرف ما هو الصواب.
ماذا يجب أن أقول لك، أنت الذي متّ وأنت تردد أنك بخير ؟
حتى لو ندمتُ الآن، فأنا مجرمة.
شكراً لأنك أخذتني من شتائي القاسي إلى الربيع.
سأحمل هذه الخطيئة طوال حياتي.
…… أنا آسفة.
أنا آسفة لأنني حطمتُ حياتك اليومية.]

بدأ وجه سيزار يتشوه تدريجياً من شدة الألم والارتباك. أعادت فيفيان، التي لم تطلع على محتوى الرسالة، الأوراق بهدوء داخل المظروف .

" لقد وجدتُ هذه الرسالة في غرفة الآنسة سيريا … وكان بجانبها مغلف مالي وألعاب أطفال أيضاً."

شعر سيزار بغصة مريرة تملأ حلقه.

ماذا عساي أن أفعل الآن … بعد كل هذا الوقت … ماذا عليّ أن أكون ؟

في هذه الأثناء، قامت فيفيان بتمزيق معطف المختبر الخاص بها، وبدأت في ربط كتف سيزار المصاب لتضمد جراحه.

سقط شيء ساخن من طرف ذقن سيزار ليستقر على ظهر يد فيفيان.

" ماذا عليّ أن أفعل الآن......"

خرج صوته خفيضاً من بين أسنانه المحطمة.

نظرت إليه فيفيان بصمت، ثم مدت يدها بهدوء وأسندت جبهتها فوق جبهته بلطف: " لنبدأ من الآن بصنع ذكريات جميلة معاً."

" …… "

" بينما نجمع اللحظات السعيدة واحدة تلو الأخرى، سترى بوضوح شكل الحياة التي تتمناها."

كان همسها يبدو كأنه آتٍ من عالم الخيال، ولهذا السبب كان يخشاه؛ فقد كان مستقبلاً لم يجرؤ على التفكير فيه ولو لمرة واحدة.

"أنا...... لا أزال لا أعرف."

" سنجده معاً."

همست فيفيان بصوت رقيق، فشعر سيزار وكأن صوتها يتردد في أعماق حلم جميل.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كانت عجلة الزمن تدور بسرعتها المعتادة. ورغم أن القضية لم تُحل بالكامل بعد، إلا أن الخيوط بدأت تتضح أمام سيزار شيئاً فشيئاً.

حتى جاء ذلك اليوم الذي اعترفت فيه سيريا، التي هربت من المختبر، بجرائمها للشرطة. لقد كان تدفقاً هادئاً للأحداث بشكل نسبي، حتى تلقى المكالمة .

<...... سيريا؟>

<أجل، سلمت نفسها هذا الصباح بصفتها مدنية، واعترفت بأنها المسؤولة عن حادثة السطو على معهد فينيل.>

تذكر سيزار كلمات ديفيد، فبدأ وجهه يتقطب بشدة.

من المستحيل أن يطلق الأمن العام سراحها بهذه السهولة. خاصة وأن صاحب المسدس الذي أطلق النار في المختبر رقم ٢ كان يستهدف سيريا بالأساس .

"هذا لا يعقل......"

" لا يوجد في هذا العالم شيء لا يعقل يا سيزار، فكل شيء له سبب ونتيجة."

لم يكن صاحب الصوت سوى جيمس. كان جيمس يقف في المكتب وبيده زجاجات من الجعة.

"قلتُ في نفسي، لِمَ لا نتبادل أطراف الحديث كصديقين قديمين؟"

ابتسم جيمس بخفة وأشار برأسه نحو كتف سيزار المصاب. لم يكن ضيفاً مرحباً به على الإطلاق.

"...... ما الذي أتى بك؟"

" لا داعي للقلق بشأن سيريا."

ضيق سيزار عينيه بشك، فدخل جيمس إلى المكتب و وضع الخمر فوق الطاولة دون إذن.

" اعتبر الأمر هدية لك، وفي الوقت نفسه، هي مراسم التقاعد الأخيرة لسيريا."

" تحدث بوضوح."

"هل تضرر عقلك أيضاً عندما أصيب كتفك؟"

ألقى جيمس دعابته تلك بنبرة ساخرة، ثم تابع كلامه بجدية: " الأمر تماماً كما قلت، حسناً، كان من الأسهل لنا أن نقتلها، ولكن......"

بدأت ملامح وجه جيمس تزداد قتامة.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان