استطاعت إيسو أن تدرك من النظرة الأولى أن هذه المرأة هي سونغ يون، شقيقة جيهان. فقد كانت تشبه جيهان إلى حد كبير .
وعلى الفور، تبادر إلى ذهنها وجه شخص آخر تلقائياً؛ كوك سي ها. وبدا الشبه بينهما كبيراً لدرجة جعلت إيسو تفكر بأن سي ها ستبدو هكذا تماماً عندما تكبر. ورغم شحوب وجه المرأة، إلا أنها كانت تمتلك جمالاً لا يقل عن جمال الممثلات .
وعندما التقت نظراتها بإيسو، ظهرت على وجهها علامات المفاجأة، لكن سرعان ما ارتسمت عليه ابتسامة ترحيبية حارة وقالت: " مرحبًا بكِ، لقد كان القدوم إلى هنا متعباً، أليس كذلك ؟ أنا من تمسكتُ برأيي وأصررتُ على جيهان لكي يحضركِ إلى هنا، أنا آسفة."
انحنت إيسو أولاً احترامًا لسونغ يون، ثم التفتت تنظر إلى جيهان الواقف بجانبها محاولةً استيعاب ما يحدث. كانت سونغ يون تتحدث وكأنها على علم مسبق بزيارة إيسو، في حين أن إيسو نفسها، وهي المعنية بالأمر، لم تعلم بهذه الحقيقة إلا قبل قليل.
كان الأمر يتطلب منه تفسيراً أكثر تفصيلاً. لكن جيهان ظل صامتاً ولم يقل شيئاً. وفي تلك الأثناء، نهضت سونغ يون من مكانها واقتربت من إيسو، ثم أمسكت بإحدى يديها وأخذت تربت على ظهر يدها بلطف .
وبينما كانت إيسو تكتفي بابتسامة متكلفة لمجاراة الأجواء، تجمدت كليا ككتلة من الجليد إثر الكلمات التي تلت ذلك: " لقد أردت رؤيتكِ حقًا، يا أم سي ها."
هذه المرة، كان تفسيره أمرًا حتميًا ولا مفر منه. رمق جيهان إيسو -التي اتسعت عيناها من شدة الصدمة- بنظرة سريعة، ثم أعاد سونغ يون لتجلس على الكرسي الهزاز مجدداً، وغطى ساقيها ببطانية .
" اجلسي هنا، ولا تجهدي نفسكِ."
" كيف أفعل هذا وقد جاءتني ضيفة ؟ ثم إنني بخير."
" على مهلكِ، خذي الأمور على مهلكِ."
كان مظهر جيهان وهو ينظر إلى شقيقته بنظرات مليئة بالدفء غريباً جداً على إيسو. ومن خلال رؤيته وهو يغطيها بالبطانية بعناية فائقة، استشعرت مدى حبه الصادق لسونغ يون واهتمامه بها.
" كان يجدر بك إحضار الطفلة معك أيضًا، لو أنكما أحضرتماها لكان أمراً رائعاً."
" في المرة القادمة."
" دائماً ما تقول في المرة القادمة."
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيها. وحين ضحكت وظهرت غمازتا وجهها، كانت في غاية الأناقة والجمال .
عند رؤيتها تذكرت إيسو كلمات سوك هون حين قال إن سونغ يون كانت يوماً ما العروس الأفضل والأكثر طلباً في كوريا برمتها. ورغم أنها سمعت من سوك هون بوضوح أن سونغ يون متواجدة خارج كوريا، إلا أنها كانت تقف الآن أمام عيني إيسو مباشرة … كيف حدث هذا ؟
" هل تناولتما الغداء ؟ "
" نعم، ونحن في طريقنا إلى هنا."
" وماذا أكلتما ؟ "
" نودلز الصنوبر."
"شخص يقطع كل هذه الطريق الطويلة إلى هنا، ولا تطعمه في النهاية سوى مجرد نودلز؟"
نظرت إليه سونغ يون بعينين عاتبتين بلطف، فاكتفى جيهان بابتسامة خفيفة. كانا أخوين تجمعهما رابطة قوية و ودودة للغاية. ومع ذلك، شعرت إيسو بنوع من التناقض والتباعد وهي تراقبهما. فرغم تواجدهما معاً، كان هناك شعور بأنهما لا يمتزجان، بل يطفو كل منهما بعيداً عن الآخر كالماء والزيت .
" جيهان، أود الحديث مع أم سي ها بمفردنا، فهل يمكنك مغادرة المكان لبرهة ؟ "
" تحدثي وأنا موجود هنا."
" هل تخشى أن أمارس عليها دور أخت الزوج المتسلطة ؟ الأمر لن يستغرق سوى لحظة، من الطبيعي أن يكون هناك حديث خاص بين النساء."
لم تتراجع سونغ يون، فقطب جيهان جبينه قليلاً والتفت ينظر إلى إيسو. لم يكن ينظر إليها مجرد نظرة عادية، بل كان يستطلع رأيها بعينيه ويسألها إن كانت قادرة على مسايرته في هذه المسرحية.
" أنا لا أمانع."
تحدثت إيسو محاولةً الحفاظ على هدوئها قدر الإمكان. ورغم أنها لم تكن تفهم أبعاد ما يحدث، إلا أنها أدركت أمراً واحداً بوضوح: وهي أنها تتواجد في هذا المكان الآن بصفتها الأم الحقيقية للطفلة سي ها.
ومن خلال تخمينها لحوارهما، يبدو أن سونغ يون أصرت على جيهان لكي يحضر سي ها وأمها، فما كان منه إلا أن أحضر إيسو مكرهاً. ورغم أنها ليست الأم الحقيقية لسي ها. ورغم أنها لامت نفسها داخلياً لأنها تبعته بتبسيط للأمر، ظناً منها أن المساعدة ستكون متعلقة بالرسم واللوحات، لكن لم يكن بوسعها فعل شيء الآن. فقد أصبح الموقف غير قابل للتراجع.
" هل أنتِ متأكدة أنه لا بأس بذلك ؟ "
" نعم."
سواء كان قد فعل هذا لأنها شخص يسهل التعامل معه، أو لأنها مريحة، أو لأنه يثق بعدم حدوث عواقب لاحقة؛ فقد قررت أن تستمع إلى تبريره حول تحويلها إلى "أم سي ها" في طريق عودتهما .
ورغم شعورها بالارتباك وعدم الارتياح، إلا أن إيسو شعرت بالراحة تجاه سونغ يون منذ البداية، بل وشعرت بألفة تجاهها نظراً لملامحها التي تشبه سي ها تماماً. وقبل كل شيء، بدت سونغ يون ذات شخصية مرحة ولطيفة، على عكس جيهان.
التفت جيهان لينظر إليها مرة أخرى وكأنه لا يشعر بالاطمئنان تماماً، ثم فتح الباب وخرج. وحينها ابتسمت المرأة لإيسو بشكل أكثر إشراقاً من ذي قبل، وأشارت إليها بيدها لتأتي وتجلس. فجلست إيسو على الأريكة المقابلة لها.
" لقد رغبتُ حقاً في لقائكِ، كنتُ فضولية بشأنكِ طوال الوقت."
ابتسمت بابتسامة عريضة وأمسكت بيد إيسو مرة أخرى. وعندئذٍ، أدركت إيسو أن المشاعر يمكن أن تنتقل عبر لمسة اليد أيضاً؛ إذ شعرت بصدق محبتها لها.
" لو كنتُ بصحة جيدة لكنتُ سنداً لكما منذ مدة طويلة … أنا آسفة لأنني لم أستطع فعل ذلك، كما ترين... جسدي ليس بخير، أشعر بالخجل أمام والديّ، وجيهان يعاني بسببي."
في تلك اللحظة جفلت إيسو. لم تكن تتوقع أن تسمع حديثاً كهذا منها. وشعرت أن هذا الكلام لا ينبغي لها الاستماع إليه .
كيف ينوي جيهان تسوية هذا الوضع لاحقاً بعد أن خدعها وجعلها تظن أنها أم سي ها ؟
لم تعلم إيسو بماذا تجيب، فاكتفت بالنظر في عينيها فحسب. خشيت أن تجيب بتسرع فتتحطم هذه المسرحية. كانت سونغ يون سعيدة بصدق للقائها، ولم تكن إيسو ترغب في إفساد سعادتها تلك .
" أنا ممتنة لكِ حقاً لأنكِ صمدتِ وانتظرتِ طوال هذه المدة."
هل جيهان ينتظر أم سي ها الحقيقية الآن ؟ وهل الحقيقة أنه لم ينفصل عنها، بل كان يكسب الوقت حتى ينال اعتراف والديه ؟
وعندما وصلت إلى هذا الاستنتاج، ثقل قلب إيسو. وداهمها شعور بالصدمة من نفسها حين أدركت تولد مشاعر تشبه الغيرة تجاه شخصية لا تعرف حتى هويتها . لقد كانت تغار من أم سي ها الحقيقية، دون أن تملك الحق أو السبب في ذلك.
" سي ها تبلغ من العمر ست سنوات الآن، أليس كذلك ؟ أنا أيضاً لم أرها إلا في الصور ولم أشاهدها على أرض الواقع."
"... بل سبع سنوات."
"سبع سنوات؟"
"نعم."
كان عمر سي ها أمراً تستطيع إيسو الإجابة عنه بيقين، ولكن مع كلماتها، قطبت سونغ يون ما بين حاجبيها بقليل من الحيرة، وبدت ملامحها وكأنها تحاول جاهدة تذكر شيء ما.
طوت أصابع يدها اليمنى واحداً تلو الآخر وهي تفكر في أمر ما، ثم مالت برأسها حيرةً. وبعد ذلك، وشعوراً منها بالأسف لأنها شردت بذهنها لبرهة و إيسو جالس أمامها، تخلت عن ملامح الشك وابتسمت باشراق.
" أنا آسفة، لا بد أنني كنت مخطئة."
" لا بأس، أنا أيضاً يحدث لي هذا كثيراً."
" يجب أن أستعيد صحتي سريعاً لأعود إلى عائلة يودانغ، أود أن أرى جيهان وهو يعيش حياة جيدة عن قرب، أنا لا أقصد أنني سأتدخل في شؤونكما كأخت زوج، فلا تفهميني خطأ."
من حيث الظاهر، لم تكن تبدو مريضة بشكل كبير باستثناء شحوب وجهها الطفيف، فلماذا تعيش هنا بمفردها بعيداً عن عائلتها ؟ رغم أنه مكان جميل ويوجد به موظفون، إلا أنه يختلف تماماً عن العيش في عائلة يودانغ .
" لقد زرتِ يودانغ، أليس كذلك ؟ "
أومأت إيسو برأسها خفيفاً.
"وهل ذهبتِ إلى الفناء الخلفي أيضاً؟"
" نعم."
ومع إجابة إيسو، بدت علامات البهجة أكثر وضوحاً على وجه سونغ يون.
" في الماضي، كنتُ أتنافس مع جيهان كثيراً في الرماية هناك، بالنسبة لي كانت مجرد لعبة، لكن جيهان كان ماهراً جداً لدرجة تؤهله ليكون لاعباً في المنتخب الوطني."
عند سماع قصتها، تذكرت إيسو القوس والسهام الصغيرة المرتبة بدقة على الحامل. ويبدو أن ذلك القوس كان يخص سونغ يون.
" مثلي تماماً، كان جيهان سيد العائلة المستقبلي ليودانغ، لذا لم تكن تصرفاته حرة، كان اللعب مع الأصدقاء بعد المدرسة أو لقاؤهم في الخارج خلال العطلات أمراً لا يمكن تخيله، ولأننا كنا الطفلين الوحيدين في ذلك القصر الشاسع، فقد كنا الصديقين الوحيدين لبعضنا البعض، وكانت الرماية هي اللعبة الأكثر حرية التي يمكننا ممارستها داخل يودانغ."
عائلة يودانغ التي كانت تشبه قرية صغيرة، كبر طفلاها الوحيدان وصارا بالغين، والآن أصبحت سي ها هي الطفلة الوحيدة هناك.
تذكرت إيسو الطفلة سي ها التي كانت تتعمد مضايقتها دائماً. بالنظر إلى الأمر، لم تكن سي ها تكرهها هي فحسب، بل كانت تكره جميع النساء الشابات.
ظنت إيسو في البداية أن الطفلة تفعل ذلك خوفاً من أن يتزوج والدها بامرأة أخرى، ولكن ربما كان الخوف الأكبر في قلبها هو خشية أن يسلبها أحد والدها .
"... أتمنى أن تستعيدي صحتكِ قريباً وتعودي إلى يودانغ."
قالت إيسو بصوت خفيض. ورغم جمال هذا المكان، إلا أنه كان يختلف تماماً عن جمال عائلة يودانغ. ومثلما كان جيهان يبدو ملائماً ليودانغ كلوحة فنية، كانت هي أيضاً تبدو أكثر ملاءمة هناك من هذا المكان. وبدا لها أن وقوفهما معاً وخلفهما الحديقة الخضراء سيكون مشهداً رائعاً بحق.
"... شكراً لكِ."
كانت تبتسم بخفة، لكن نظراتها كانت تحمل مسحة من الحزن والوحدة. وبدا وكأنها تحن لشيء ما، ولم تعلم إيسو إن كان هذا الحنين موجهاً ليودانغ أم لوالديها.
"هل انتهى الحديث السري الذي أردتما خوضه بمفردكما؟"
" نعم."
في تلك اللحظة، فتح جيهان الباب ودخل. ورمق إيسو بنظرة خاطفة يستطلع ملامحها، وكأنما يحاول معرفة إن كانت هناك أي مشكلة قد حدثت أثناء غيابه .
"هل عدتَ سريعاً خوفاً من أن أفعل بإيسو شيئاً ما؟"
" بل عدتُ خوفًا من أن تفعل هي بشقيقتي شيئاً ما."
انفجرت سونغ يون ضاحكة عند سماع كلمات جيهان، ثم قالت: " آه صحيح، ما هي طبيعة عملكِ يا إيسو ؟ جيهان لم يخبرني عنكِ بأي شيء على الإطلاق، لذا لا أعرف عنكِ شيئًا."
" أنا أرسم اللوحات، وأقوم بتدريس الطلاب أحياناً."
" … رسم ؟ رسم … ؟ رسم …… "
كررت الكلمة عدة مرات وهي تتمتم وتحدث نفسها. تجولت نظرات سونغ يون وتشتتت يميناً وشمالاً دون أن تستقر على شيء، وبدت ملامح وجهها قلقة ومضطربة للغاية.
"ما هي قائمة طعام العشاء؟"
في تلك اللحظة، ألقى جيهان بسؤاله فجأة نحو سونغ يون.
"... العشاء؟"
" لقد جئنا إلى هنا بعد قطع طريق صعبة، فلا بد لنا من تناول وجبة طعام معاً على الأقل."
"آه، صحيح، العشاء! ماذا تحبين يا إيسو؟ أخبريني إن كان هناك طعام تفضلينه أو طعام تكرهينه."
انقشعت غيوم القلق عن وجهها فجأة، وعادت ملامحها لتشرق من جديد. وأدركت إيسو أن جيهان قد تعمد تشتيت انتباهها وتحويله إلى موضوع آخر؛ إذ بدا أن كلمة "الرسم" تشكل صدمة أو محفزاً سلبياً بالنسبة لسونغ يون.
****************************
الفصل : ٢٦
تناول الثلاثة وجبة العشاء معاً. ورغم أن إيسو لم تكن فرداً من هذه العائلة، إلا أن الظروف جعلتها تتناول الطعام مع أفراد عائلة جيهان لعدة مرات.
" في المرة القادمة، اتركي جيهان وتعالي وحدكِ، سأرحب بكِ في أي وقت."
أثناء مغادرتهما وتوديع سونغ يون، أمسكت الأخيرة بيد إيسو معبرة عن أسفها لقصر مدة اللقاء. ولم تكن إيسو قادرة على تقديم وعد كاذب بالمجيء، فاكتفت برسم ابتسامة باهتة على وجهها. وتساءلت في نفسها إن كان سيأتي يوم تتصل فيه بهذا الرقم الجديد الذي حُفظ في هاتفها .
ركب الاثنان السيارة مخلفين وراءهما سونغ يون التي ودعتهما بأسف.
"... أعتقد أنني بحاجة إلى تفسير لما حدث اليوم."
حين لم يعد مظهر سونغ يون ظاهراً عبر المرآة الجانبية للسيارة، التفتت إيسو نحو جيهان وسألته.
رغم أن سونغ يون كانت امرأة طيبة ولم يكن الوقت الذي قضته معها مزعجاً أو سيئاً، إلا أن فكرة تعرضها للاستغلال من قِبل جيهان ظلت تلازمها. وحتى لو حاولت التماس العذر له بأن ظروفه كانت طارئة لدرجة اضطرته لإظهار شقيقته -التي ينبغي إخفاؤها عن الأنظار- أمامها، إلا أنها لم تستطع التخلص بسهولة من شعور الخيانة الذي داهمها دون سبب واضح .
" إنها تعاني من اكتئاب حاد، كما أنها مصابة باضطراب شديد في الذاكرة، لقد أردتُ فقط تلبية رغبتها."
"حتى وإن كان ذلك يتطلب الكذب بهذه الطريقة؟"
"أتمنى أن يأتي اليوم الذي تدرك فيه شقيقتي بنفسها أن كل هذا كان مجرد كذبة."
" إنها تظنني الآن أم سي ها، وحين تكتشف الحقيقة لاحقاً، ستشعر بخيبة أمل وخيانة أكبر بكثير."
لم تستطع إيسو استيعاب تسرع جيهان وقلة حذره. ففي النهاية، ستكتشف سونغ يون أنها ليست الأم الحقيقية التي أنجبت سي ها. وشعرت إيسو بعدم الارتياح الشديد لكونها أصبحت شريكة في هذه الكذبة التي تخدع المرأة .
" لن يحدث ذلك، أعدكِ."
" أيها المدير، هل أنت في الحقيقة تنتظر عودة أم سي ها الحقيقية ؟ "
" نصف كلامكِ صحيح والنصف الآخر خاطئ، لكن الأمر يختلف تمامًا عما يدور في ذهنكِ."
كانت إجابة جيهان الغامضة بمثابة جرح لإيسو. لم تكن تتوقع أنه ينتظر حقاً عودة أم سي ها الحقيقية .
هل كان هذا هو السبب وراء تعامله ببرود وبلا مبالاة مع اللقاءات المدبرة لزواجه لمجرد كسب الوقت ؟
" كان يجدر بك إحضار أم سي ها الحقيقية إلى هنا فحسب، لو فعلتَ ذلك، لما كنتَ بحاجة إلى تمثيل هذه المسرحية غير المنطقية."
" لا يمكنني شرح كل شيء لكِ الآن يا إيسو."
" …… "
" أعلم أنكِ مرتبكة، وأعلم أنكِ لن تتمكني من فهمي، لذا أرجو منكِ أن تتجاوزي ما حدث اليوم وتدعيه يمر."
كانت كلماته غامضة تماماً كطبيعة العلاقة بينهما. وكانت تلك الكلمات تمثل أيضاً المسافة الفاصلة بينه وبينها. ورغم أن جيهان لم ينكر مكانتها، إلا أن إيسو شعرت بطريقة ما وكأنها أُلقيت في حقل قاحل ومجمد .
أوصلها جيهان حتى باب منزلها. وقررت ألا تسأله عن كيفية معرفته بموقع منزلها بدقة .
فالعلامات تشير إلى أنه -سواء كان مهتماً بها عاطفياً أم لا- يحذر بنفسه من أن تبدو مشاعره جادة وعميقة. ويبدو أنه لا يريد للأمور أن تأخذ طابعاً جاداً معها.
" تفضلي بالدخول."
نزلت إيسو من السيارة، والتقت نظراتها بجيهان عبر نافذة المقعد المجاور التي كانت مفتوحة حتى نصفها .
" في المعتاد، ألا يقول الشخص في مثل هذه المواقف: قد بحذر ؟ "
" قول ذلك لن يمنع حدوث ما قُدّر له أن يحدث، ولن يجعل ما لا ينبغي حدوثه يقع، أليس كذلك ؟ "
" يا لها من تحية وداع قاسية."
" يؤسفني أن تحيتي لم تنل إعجاب المدير."
ولم تخرج من فمها كلمة شكر على إيصالها، ولم ترغب حتى في تمني التوفيق له ولو كذبًا.
" شكراً لكِ على مرافقتي في هذه الرحلة الطويلة اليوم، بفضلكِ، استمتعت شقيقتي بوقتها بعد غياب طويل، وأنا آسف إن كان ما حدث اليوم قد تسبب في عدم ارتياحكِ."
" لا داعي للقلق بشأني، فأنا أنسى سريعًا … لقد اعتدتُ على ذلك."
لقد اعتادت في حياتها على أن يتم استغلالها من قِبل الآخرين، ولحسن الحظ، لم يكن قلبها قد مال إليه بالكامل بعد. وكان هذا الوضع لا يزال قابلاً للاحتواء والتراجع .
صاحب عمل وموظفة. كانت علاقتهما واضحة منذ البداية، لكنها كانت غارقة في وهمٍ زائف، مفتونةً بلطفه طوال الفترة الماضية. وهذا ما يُسمى بالوهم والافتراض الخاطئ، وشعرت بحرارة الخجل تسري في وجهها.
" الأمور والكلمات التي رأيتِها وسمعتِها اليوم..."
"سأكتم الأمر، أدرك ذلك جيداً دون أن تنبهني."
" تبدين الآن يا إيسو وكأنكِ محاربة في ساحة المعركة."
" إذن، ينبغي لي قطع رأس قائد الأعداء وتحقيق النصر، … وداعًا."
ودعته إيسو ثم فتحت البوابة الحديدية التي أصدرت صريراً قديماً ودخلت. وحاولت فجأة تقويم قلبها الذي انكمش شعوراً بالصغر، ورفعت رأسها، ثم أخذت تتأمل ببطء الفناء الصغير والمنزل اللذين يمتدان أمام ناظريها .
كانت قلعتها صغيرة ومتواضعة، لكنها كمالكة لهذه القلعة لم تكن وضيعة أو متواضعة أبداً. وكررت إيسو هذه الفكرة في أعماق قلبها مراراً وتكراراً .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
غيرت ملابسها واغتسلت سريعاً، ثم توجهت مباشرة إلى المرسم. وبدا لها أن النوم لن يطرق جفنيها الليلة. وإذا استمرت في مواصلة عملها الحالي، فسوف يبدأ يوم جديد كما يحدث دائمًا .
" …… "
أطالت إيسو النظر إلى اللوحة التي كانت قد توقفت عن العمل عليها. وعلى عكس مشاعرها الحالية المضطربة، كانت اللوحة شبه المكتملة تنضح بالدفء والبهجة؛ فقد كان ذلك اليوم الذي أمسكت فيه بالفرشة بقلب ينبض متسارعاً بعد تلقيها مكالمة من جيهان.
كان عليها الاختيار بين التخلص منها أو الطلاء فوقها بلون آخر. وبعد أن ظلت تتأملها لبرهة طويلة، اختارت إيسو في النهاية تجاهلها وأبعدت اللوحة عن ناظريها. وبدت لها اللوحة تماماً مثل حالها الحالي؛ عاجزة عن التخلص منها، وغير قادرة على طلائها بلون آخر .
عادت إيسو إلى غرفتها واستلقت على السرير. وكانت ملصقات النجوم الفسفورية التي فقدت بريقها على السقف تبعث ضوءاً خافتاً.
في الآونة الأخيرة، كانت تشعر وكأن الأيام تضغط بثقلها فوق رأسها يومياً. وفي خضم ذلك، كان شعور البهجة الذي داهمها حلواً أكثر من اللازم، وامتصه جسدها بالكامل وبسرعة، تماماً كما تمتص الأرض القاحلة والجافة قطرات المطر.
وكلما فكرت في أنها ربما كشفت له عن ارتباكها وعجزها أمام لطفه واهتمامه البسيطين، كان يداهمها شعور بالخزي تمنت معه الموت .
ولحسن الحظ، لم يدم شعورها بالخزي والألم طويلاً. فحين أمسكت بالبريد الذي وصل في اليوم التالي، تمكنت إيسو من محو كل ذكريات الأمس من رأسها تماماً وبشكل نقي.
كان بين يديها مغلفان ورقيان يحتوي كل منهما على نتيجة فحص الحمض النووي (DNA) لإثبات النسب، وهما الفحصان اللذان كانت قد طلبتهما الأسبوع الماضي .
" …… "
أمسكت إيسو بالمغلفين وجلست على حافة الطاولة الخشبية الكبيرة في الفناء. ورغم أن ضوضاء الحياة الصاخبة كانت تأتي من الأزقة، إلا أنها لم تستطع اختراق مسامعها. وبما أنها تعلم أن أشياء كثيرة ستتغير بمجرد فتح المغلفين، فقد كانت بحاجة إلى تهيئة نفسها قبل قراءة النتائج .
ولم تكن قد فكرت بعد بشكل محدد في الأمور التي سيتعين عليها تحملها ومواجهتها إن ثبتت شكوكها على أرض الواقع. ومع ذلك، بمجرد فتح المجرى، ستتدفق الأمور وتنساب إلى أي اتجاه كان.
مزقت إيسو أولاً المغلف الذي يحتوي على نتيجة الفحص الخاص بهوا يونغ. ورغم أنها كانت تتوقع النتيجة وتثق بها تماماً، إلا أن رؤية الكلمات الحمراء المكتوبة بوضوح "احتمالية صلة القرابة 0.003%" جعلت قلبها يخفق بشدة وعنف .
وضعت الورقة على الطاولة الخشبية وأخذت نفساً عميقاً لتستجمع قواها، بينما شعرت بحرارة تسري في عينيها.
وبعد أن هدأت من روعها قليلاً، فتحت المغلف الثاني بيدين ترتجفان. ولأن يدها زلت عدة مرات، اضطرت إلى التوقف في المنتصف لتلتقط أنفاسها المضطربة.
كانت الدموع التي تجمعت في عينيها قد جعلت الرؤية ضبابية ومشوشة تماماً. وطرفت بعينيها عدة مرات لأن الكلمات الحمراء بدت مشوهة، ثم مسحت ما تبقى من دموعها بيدها بسرعة.
ولكن عند رؤية العبارة المكتوبة في الأسفل، والتي تفيد بأن "صلة القرابة بين مقدم الطلب والطرف المعني قائمة بنسبة 99.9%"، تلاشت الرؤية وأصبحت ضبابية مجدداً بفعل الدموع .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
ذهبت في الصباح الباكر إلى مرسم المعرض. وتجاوزت اليوم المقهى الذي اعتادت المرور عليه دائماً في طريقها .
كان باب المرسم في الطابق الخامس مفتوحاً، ولم يكن موعد وصول موظفي المعرض قد حان بعد.
"لقد وصلتِ؟"
التفت تايونغ -الذي كان يخط بفرشاته على لوحة قماشية ضخمة- نحوها مبتسماً.
"... مرحباً."
توقفت إيسو عند الباب لبرهة، وتذكرت للتو حقيقة أنها أصبحت تشارك هذا المرسم مع تايونغ.
"هل كان موعد الأمس جيداً؟"
سألها بنبرة تبدو عادية وهو يقترب بعينيه من اللوحة، لكن كلماته كانت تحمل معنى مبطناً. لم تكن إيسو قد أخبرت أحداً على الإطلاق بأنها ستلتقي بجيهان بالأمس، ولولا أنه كان يراقبها من مكان ما، لما كان لتايونغ أي سبيل لمعرفة هذه الحقيقة .
" لكنني لم أخبرك بشيء."
" لقد رأيتكِ بالأمس بالصدفة وأنتِ تغادرين مستقلة سيارة شخص ما."
أدركت إيسو حينها أن تايونغ كان ينظر إليها من مرسم الطابق الخامس بالأمس.
" ما هي طبيعة عمله ؟ بدت سيارته باهظة الثمن للغاية."
" إنه المدير التنفيذي لشركة هوغوك للإنشاءات، كوك جيهان، ذلك الشخص من عائلة يودانغ."
توقفت فرشاته التي كانت تتحرك بسلاسة فجأة فوق اللوحة. وظل هادئاً لبرهة، ثم التفت نحوها ببطء وقال: "... هل تواعدين ذلك الرجل ؟ "
" لا، إنها مجرد علاقة بين رئيس وعاملة."
وفي هذا اليوم، شعرت إيسو مجدداً بتوتر مزعج ينبعث منه. كانت الأجواء المحيطة بتايونغ تتغير في كل مرة يُفتح فيها موضوع يتعلق بعائلة يودانغ.
ورغم أن تايونغ و جيهان قالا إن أحدهما لا يعرف الآخر، إلا أن حدسها وتوقعاتها كانا يخبرانها بأنهما يتظاهران بالجهل فحسب .
" إذن، فالرئيس يأتي بنفسه بسيارته صباح يوم الأحد ليأخذ العاملة، هذا أمر يصعب تصديقه."
" رأي الآخرين لا يهمني."
" حتى وإن كنتِ لا تهتمين، فإن الرسامة لي كيونغ قادرة على لقاء رجل أفضل بكثير، لذا تخلي عن كوك جيهان، إن محاولة التحول إلى سندريلا قد تنتهي بكِ وسط الرماد."
كان يشك في طبيعة العلاقة بين إيسو وجيهان. ورغم أن الموقف كان يثير الشكوك فعلياً ويبعث على القلق لنظر أي شخص، إلا أن أسلوب تايونغ في توجيه هذا النقد بشكل مباشر كان مفاجئاً؛ فقد كان أسلوباً عدائياً وهجومياً إلى حد كبير .
" وكيف يمكنك أن تكون متأكداً من وقوع تلك المأساة ؟ "
" لقد نجحت سندريلا في النهاية في الزواج من الأمير بعد خوض الكثير من الصعاب، لكن تلك لم تكن نهاية الحياة، فالأمير سرعان ما سيشعر بالملل من سندريلا التي لا تتناسب مع مستواه، وسندريلا كانت ستذبل وتجف بفعل شعورها بالنقص واضطهاد عائلة زوجها لها … في الحقيقة، إنها نهاية مأساوية."
واصل تايونغ حديثه بنبرة هادئة وكأنه يروي قصة قديمة من الأساطير .
" لهذا السبب، تتوقف قصص الأطفال عند حفل الزفاف فحسب، لأن البؤس والنهاية المأساوية التي تلي ذلك ستكون يائسة وصادمة للغاية بحيث لا يمكن إظهارها للأطفال."
" …… "
" أنتِ تمتلكين الموهبة والقدرة أيتها الرسامة، لذا ابحثي عن طريق آخر، لا بد أن هناك طريقاً أفضل بكثير من كوك جيهان."
"هل هذا الكلام نابع من تجربتك الشخصية أيها الرسام...؟"
استنشق تايونغ الهواء بعمق إثر سؤال إيسو، ثم أخرجه ببطء مجيباً: " لحسن الحظ، لا تزال نهايتي بعيدة جداً."
ثم ارتسمت على ثغره ابتسامة باهتة.
****************************