الفصل ٥ : ما تُرِك خلفها بعد رحيلها

في اليوم التالي، تذرعت المرأتان بالخروج للذهاب إلى المخبز كحجة، لكن وجهتهما الحقيقية كانت المستشفى العام القريب.

وتحسباً لأي طارئ، أوقفتا العربة في ورشة للإصلاح وتابعتا طريقهما إلى المستشفى سيراً على الأقدام .

" علينا أن نتوخى الحذر لئلا تنتشر الشائعات، فلا أحد يعرف أين وكيف قد تتضخم الأمور."

كان لزاماً على زوجة شخصية بارزة مثل فرايجر أن تتحلى بهذا القدر من الحذر. أمسكت كارولين يد مارشا بإحكام وتوجهت نحو عيادة أمراض النساء والولادة .

إلا أن نتيجة الفحص كانت مغايرة تماماً لتوقعاتهما.

" لستِ حاملاً."

"...... حقاً؟"

أجابت كارولين وهي عاجزة عن إخفاء مرارة خيبتها، بينما وقفت مارشا بجانبها مطأطئة رأسها كالمذنبة.

" لكن … الدورة الشهرية انقطعت منذ أكثر من شهرين … "

بينما كانت كارولين تمتم بصوت منخفض، لاحظت شيئاً غريباً في صياغة الطبيب .

قال: 'لستِ حاملاً ؟'

نظرت كارولين إلى الطبيب بعينين قلقتين، فأدار الطبيب بصره عنها وبدأ يتحدث: " في الواقع، هذا هو مكمن المشكلة."

"...... نعم؟"

عند سماع نبرته الجافة، شعرت كارولين وكأن قلبها قد سقط بين قدميها. أما الطبيب، فظل محافظاً على وجهه الخالي من التعبير وهو يقلب في الملف الطبي .

" إذا أردتُ أن أصف حالتكِ بموضوعية، فجسدكِ حالياً أقرب إلى حالة يصعب فيها حدوث الحمل."

شحب وجه كارولين وهي تستمع إلى الطبيب في صمت. لقد التقى هذا الطبيب الخمسيني بكثير من السيدات النبيلات اللواتي خبن أملهن لعدم وجود حمل، لكن حالة كارولين كانت مختلفة عما رآه سابقاً.

"...... ماذا تقصد بذلك؟"

أمام سؤال كارولين، خلع الطبيب نظارته، ونظر إليها بعينين حازمتين قبل أن يفتح فمه: " هناك سبب واحد لتأخر الدورة الشهرية، جسدكِ أصبح ضعيفاً جداً."

" …… "

"لقد ذكرتِ أنكِ تعانين من سوء الهضم وغثيان متكرر، وتشعرين بضيق وثقل في منطقة الصدر، أليس كذلك؟"

أحكمت كارولين قبضتها بقوة تحت نظرات الطبيب التي بدت وكأنها تشرح كيانها بالكامل.

وخزة الإبرة الحادة في أوردتها، وبرودة السماعة الطبية على صدرها.. تلك الأحاسيس الغريبة تحولت إلى نوع غريب من القلق الذي بدأ يبتلع كارولين ببطء.

وضع الطبيب الورقة التي كُتبت عليها نتائج الفحص على المكتب، ثم قال: " … من الأفضل نقل ملفكِ الطبي إلى قسم الجراحة."

ترنح جسد كارولين عند سماع تلك الكلمات. استندت بجسدها الواهن على مارشا واتجهت نحو جناح جراحة القلب والصدر. كانت قد غادرت القصر فور انتهائها من وجبة الغداء، لكن وبسبب الفحوصات المتعددة، كانت الشمس قد بدأت تميل نحو المغيب .

اتجهت كارولين نحو غرفة الطبيب وهي تفكر في أن ضوء الشفق يبدو موحشاً وكئيباً للغاية؛ كانت هناك لتلقي نتائج الفحوصات النهائية.

تنهد الطبيب العجوز الجالس خلف المكتب الواسع تنهيدة خفيفة وهو يراقب دخولها.

ساد صمت قصير، وبعد إجراءات التحقق من الهوية، دخل الطبيب في صلب الموضوع: " من المؤكد أنه مرض قلبي خلقي، لكن لا يمكنني إعطاء تشخيص دقيق ونهائي."

شعرت كارولين بصدمة من هذه الكلمات كما لو أنها تلقت ضربة قوية على رأسها .

" ماذا ؟ ماذا تعني بذلك ؟ "

لم تكن كارولين هي من انفجرت غضباً أمام كلمات الطبيب الغامضة، بل كانت مارشا. انقبض وجهها واندفعت نحو الطبيب كأنها تستجوبه، فأمسكت كارولين يدها بإحكام لتهدئتها .

"هناك خلل في وظائف القلب منذ الولادة، توجد مشاكل في تدفق الدم أيضًا … وصمامات القلب ليس أفضل حالاً."

" …… "

" أنا آسف، لكن المعدات المتوفرة في مستشفانا حالياً لا تكفي لإجراء فحص شامل ودقيق."

كانت مملكة "غلانفورد" تعيش عصراً ذهبياً غير مسبوق بعد إلغاء العبودية وفرض التعليم الابتدائي الإلزامي، ومع ذلك، لم يواكب هذا التطور تقدماً مماثلاً في التكنولوجيا الطبية .

" يجب عليكِ الذهاب إلى مستشفى كبير بحجم مستشفى 'همفري' العام لإجراء فحوصات دقيقة."

" …… "

" رغم أنني لا أعلم إن كانت التقنيات الطبية الحالية قادرة على تسمية مرضكِ بدقة أم لا."

" …… "

" سأكتب لكِ تقريراً طبياً، خذيه معكِ وستتمكنين من الحصول على موعد في أقرب وقت ممكن، في مستشفى همفري فهو أفضل مستشفى عام في العاصمة."

تأسس مستشفى "همفري" العام قبل نحو 120 عاماً على يد سلالة "همفري" التي سيطرت على السلطة الفعلية في غلانفورد. وبما أنه بُني تحت إشراف العائلة المالكة، فقد كان يفخر بامتلاك أمهر الأطباء وأكثرهم براعة.

" … الأطباء يمتلكون موهبة حقاً في قول الأمور الكارثية وكأنها شيء بسيط."

قالت كارولين ذلك وصوتها يرتجف من أثر الصدمة التي لم تتبدد بعد.

كان وجهها شاحباً، وشفتاها جافتين تماماً. أما أظافرها، فقد بدا أنها قضمتها بشدة لدرجة أن أطرافها كانت متشققة ولم يبقى منها ظفر واحد سليم.

بدا الانزعاج على وجه الطبيب للحظة عند رؤية حالتها، لكنه استعاد تعبيره المعتاد بسرعة. لم تكن نبرته الجافة واللامبالية ناتجة عن قسوة، بل كانت بروداً اعتاده جسده بعد عقود من التعامل مع الحالات الحرجة ومرضى الصدر، لقد كان نوعاً من الزهد المهني.

" … اذهبي إلى هناك غداً بمجرد بزوغ الفجر، فكل ساعة تمر هي أمر طارئ بالنسبة لكِ."

خرجت كارولين من المستشفى وهي تقبض بيدها على التقرير الطبي .

كانت بحاجة إلى وقت لاستيعاب هذا الأمر المروع الذي حدث لها في يوم واحد.

بعد بضعة أيام، توجهت كارولين إلى مستشفى همفري العام بعيداً عن أعين الناس. ورغم أن المبدأ السائد هو سرية بيانات المرضى، إلا أن الحذر لم يكن ليضر أبداً، فمن يعلم ما قد يحدث.

خلال ساعات الفحص الطويلة، أدركت كارولين لأول مرة أن المستشفى مكان مرعب حقاً.

' أنا خائفة جداً … أريد العودة إلى المنزل بسرعة … '

فكرت كارولين في ذلك وهي تستمع إلى صرخات الناس القادمة من البعيد. كانت أصوات الصراخ التي تُسمع من كل مكان تجعل كتفيها الرقيقين ينكمشان رغماً عنها.

مرت أجهزة غريبة لم ترها من قبل فوق جسدها لفحصه. وكلما لامس المعدن البارد جلدها، كانت تشعر وكأن أطراف أصابع قدميها قد تجمدت من الصقيع، ثم جاءت نتيجة التشخيص لتجعل حتى الدماء التي تجري في عروقها تتجمد.

مرض قلبي خلقي، وصمامات قلب فقدت وظيفتها تماماً .

رغم أنها كانت أبطأ من غيرها في الكلام وفي الفهم منذ صغرها، إلا أنها لم تكن غبية لدرجة ألا تفهم ما يقوله الطبيب.

وبينما كانت تستمع إلى الكلمات التي جعلت عقلها يبيضّ تماماً، تذكرت والدها الذي غادر العالم قبل عامين إثر نوبة قلبية. حينها، ظنت أن وفاته كانت مجرد نتيجة طبيعية للتقدم في السن، لكن، إن كان مرضها وراثياً وخلقيًا …

وماذا إن كان والدها وهي قد عاشا طوال حياتهما دون أن يدركا هذه الحقيقة …؟

" أنا آسف، ولكن الوقت المتبقي للسيدة هو … سنة ونصف على الأكثر."

كانت هذه الكلمات هي آخر ما سمعته كارولين قبل أن تفقد وعيها .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كان زوجها رجلاً مشغولاً للغاية .

كانت عائلة الكونت "هانتيد" تعمل في قطاع الثقافة والفنون لأجيال، وكان فرايجر، الذي ورث أعمال العائلة، غارقاً في توسيع مشاريعه. لذا، كان من المعتاد أن تُترك كارولين وحيدة في القصر الواسع والجميل.

وسواء كان ذلك من حسن حظها أو سوئه، فقد أتاح لها برود زوجها وانشغاله الدائم فرصة لترتيب أفكارها بهدوء.

وبعد أن انغلقت على نفسها في غرفتها لعدة أيام دون خروج، استعادت رشدها بسرعة .

' قال إن المتبقي هو سنة ونصف تقريباً.'

لكن المدة التي توقعها الطبيب كانت أقل من عام ونصف. وقال إن هذه المدة قد تزيد أو تنقص حسب حالة جسدها.

كان هذا الجسد الواقف فوق الأرض سيتداعى ويتحطم بعد مرور بضعة فصول فقط. وبمجرد أن أدركت هذه الحقيقة، شعرت بأن حتى الوقت الذي تقضيه في اليأس هو خسارة لا تُعوض.

قضت وقتها وحيدة في الملحق الجانبي، تمارس تنسيق الزهور بهدوء، محاولةً استحضار الأشياء التي ترغب في فعلها، أو التي تستطيع فعلها. وفجأة، تولد داخلها طموح لم تعهده من قبل.

' لا يمكنني إهدار الوقت هكذا.'

طوال حياتها، ظنت أنها شخص يفتقر للطموح، لكن حين دنا أجلها، اكتشفت أن قائمة أمنياتها لا تنتهي.

بالتفكير في الأمر، لم يسبق لي أن سافرت مع والدتي أبداً، لقد وعدتها منذ زمن بعيد بأن نذهب لرؤية البحر معاً … ماذا لو عشتُ في قرية تقع على تلة تطل على البحر ؟

قد يكون من الممتع أيضاً العبور إلى القارة الغربية ومشاهدة المواقع الأثرية التي رأيتها في الصحف.

أرادت أيضاً أن ترتدي فستاناً براقاً وترقص طوال الليل في حديقة يغمرها ضوء القمر، وهي تشبك يدها بيد من تحب .

… ربما كانت هذه أصعب أمنية يمكن تحقيقها .

من بين أمنياتها الكثيرة، لم يكن هناك سوى القليل مما يمكن لمريضة في مراحلها الأخيرة تحقيقه. فبغض النظر عن ضعفها الجسدي، ستكون كارثة لو أصيبت بنوبة قلبية .

لذلك، كان خيارها هو "رحلة بغرض العلاج". فمملكة "غريتا" التي تشترك في الحدود الشمالية مع مملكة "غلانفورد"، كانت تفتخر بامتلاكها أرقى مستوى من العلوم الطبية في العالم قولاً وفعلاً .

ورغم أن عبور الحدود إلى "غريتا" قد يكون صعباً، إلا أن الوصول إلى المنطقة الشمالية بدا ممكناً دون عناء كبير. ففي مدينة "نورتيوم" الكبرى بالشمال، كان يوجد أفضل مستشفى عام في المملكة، والذي تأسس باتفاقية بين الدولتين.

كان مستشفى "نورتيوم" العام، هو أول من نجح في إجراء جراحات فتح البطن وتوصيل الأعضاء .

' إذا ذهبتُ إلى هناك، ربما أحصل على رعاية طبية بمستوى أعلى مما في العاصمة.'

إذا جعلت نورتيوم وجهتها النهائية واتخذت طريقاً غير مباشر عبر المملكة، مع التوقف في المنشآت الطبية على الطريق لإدارة حالتها الصحية، فسيكون من الممكن القيام برحلة قصيرة .

بالطبع، لن تملك ترف الاستمتاع بالرحلة بمهل، لكنه كان خياراً يستحق. بعد ترتيب أفكارها، قامت كارولين بطرد مارشا بعد إقناع طويل، وكان قراراً مدروساً لكي تلحق بها مارشا لاحقاً في طريقها إلى نورتيوم.

ومع اقتراب موعد الرحيل، شعرت مارشا بالقلق على كارولين التي ستُترك وحيدة، فأرسلت ابنة عمها ستيفاني لترافقها. وبفضل الأموال التي كانت كارولين ترسلها بانتظام، نجحت مارشا في بناء قاعدة لاستقرارهم في الشمال .

الأمر الذي ظنته عسيراً حُلَّ أسهل مما توقعت. كان فرايجر دائماً مشغولاً، ولم يكن الخدم يلقون لها بالاً، وهو ما جعل الخطة ممكنة .

' ليس أمراً جديداً على أي حال.'

ابتسمت كارولين بمرارة وهي تنظر إلى الأشخاص في قصر الكونت الذين لم يظهروا لها ولو ذرة من الاهتمام. كان أمراً متوقعاً، لكن لسبب ما، شعرت بمرارة في حلقها.

وهكذا، وبعد أن كان الثلاثة يتبادلون الأخبار عبر الرسائل فقط، التقت وجوههم أخيراً حين وصلوا إلى المنطقة الشمالية الشرقية من المملكة .

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان