الفصل ٦ : ما تُرِك خلفها بعد رحيلها

" لم أرى في حياتي شلالاً بهذا الحجم من قبل."

" هذا لأن شلال 'تيمبيستو' هو الأكبر في غلانفورد بأكملها."

"ومع ذلك، رؤيته على أرض الواقع تختلف تماماً عما قرأته في الكتب، أليس كذلك ؟ كان صوت انهمار المياه عالياً جداً لدرجة أنني لم أستطع سماع صوت ستيفي وهي تتحدث بجانبي ! "

كانت مارشا تراقب كارولين بنظرات ملؤها الرضا وهي تسترسل في سرد تفاصيل رحلتها. بدءاً من السوق الليلي في الشرق، مراراً بالسفن الشراعية التي تشبه الحيتان، وصولاً إلى حدائق الورد في تلة "روز هيل". كانت وجنتا كارولين محمرتين من فرط الحماس وهي تثرثر دون توقف.

"وأين إريك؟"

" آه، يبدو أن أحد زملائه في الجامعة يعمل في مستشفى قريب من هنا، طلبتُ منه الذهاب لرؤيته وشراء بعض الأغراض."

" فهمتُ الأمر."

رفعت مارشا فنجان الشاي وهي تستحضر وجه إريك الوسيم. لو لم يكن إريك هو من عثر على السيدة مغشياً عليها في ذلك اليوم بالملحق الجانبي، لحدثت كارثة بلا شك .

بمجرد تذكر تلك اللحظة، شعرت مارشا بجفاف في حلقها، فسارعت بابتلاع جرعة من الشاي .

"سيدتي، حان وقت تناول الدواء."

في تلك اللحظة، دخلت ستيفاني بعد أن فتحت باب الشرفة. كانت تحمل صينية عليها كوب ماء كبير وعدة أقراص من الدواء .

"هل مرّ الوقت بهذه السرعة ؟ لقد نسيتُ نفسي تماماً وأنا أتبادل أطراف الحديث."

" ومع ذلك، يسعدني جداً أن أراكِ مستمتعة هكذا."

ابتسمت ستيفاني برقة وهي تقدم الدواء لكارولين. أخذت كارولين قرصاً دوائياً بحجم ظفر الإبهام و وضعته في فمها ثم رفعت كوب الماء. كان الكوب كبيراً جداً لدرجة أنه غطى وجهها الصغير بالكامل.

كررت عملية تناول الأقراص خمس مرات، حتى فرغ الكوب الذي كان ممتلئاً بالماء تمامًا .

"هل أحضر لكِ المزيد من الماء؟"

" أجل، أشعر وكأن الدواء لم ينزلق جيداً."

قالت كارولين وهي تضغط بيدها على منطقة الرقبة، فسارعت ستيفاني بإحضار إبريق الماء. لم تشعر كارولين بالراحة إلا بعد أن شربت بضع رشفات إضافية. أما مارشا، التي كانت تراقب هذا المشهد، فقد وجدت صعوبة بالغة في كبح مشاعر الحزن التي اجتاحت صدرها.

حتى الوحوش الضارية قد تعجز عن ابتلاع أقراص دواء بهذا الحجم، فكيف بكارولين الرقيقة ؟

"سيدتي، هذه الأقراص ضخمة جداً، ألا يمكن سحقها قبل تناولها؟"

"كلا، أخبروني أنه لا يجب سحقها أو مضغها، بل يجب ابتلاعها دفعة واحدة."

"... وماذا عن الأدوية الأخرى؟"

"الأمر سيان بالنسبة لها أيضاً."

رفعت كارولين زوايا فمها بابتسامة باهتة ومرتبكة، ثم لوحت بيدها في الهواء وكأنها تحاول تغيير مجرى الحديث .

"صحيح، كيف تجري الاستعدادات؟"

" جيدة، لقد حجزنا موعداً مسبقاً في مستشفى 'نورتيوم'، سيتمكنون من فحصكِ فور وصولنا دون انتظار."

" هذا يريحني."

"لقد استأجرنا أيضاً منزلاً صغيراً بالقرب من المستشفى، رغم أنه أصغر بكثير من قصر الكونت، إلا أنه لن يكون هناك مشكلة في الإقامة فيه."

" ذلك القصر هو الذي كان كبيراً بشكل مفرط فحسب."

"هذا صحيح تماماً."

"... ستيفي؟"

نظرت مارشا بذهول إلى ستيفاني التي قحمت نفسها فجأة في الحوار. لم تعلم متى جلست، لكن ستيفاني كانت قد سحبت كرسياً بجانب مارشا وجلست تهز رأسها بحماس تأييداً لكلام كارولين .

في الحقيقة، كان قصر الكونت هانتيد واسعاً لدرجة مبالغ فيها، وبالطبع كان الراتب مجزياً بقدر تلك المساحة.

"ذلك المكان مبالغ فيه حقاً، كان عليهم التخلص من المبنى الرئيسي والكتفاء بالملحق الجانبي فقط."

حين وجدت كارولين من يشاطرها الرأي، استعاد صوتها قوته، ورفعت نبرتها على غير العادة : " بل كان يجب تقسيم الملحق الجانبي إلى نصفين أيضاً ! حتى غرفة الطعام كانت واسعة بشكل مزعج."

بدأت كارولين تتحدث وهي تسترجع ذكريات الساعات التي قضتها وحيدة في ذلك القصر الموحش .

" لو أدرك ذلك الرجل كم كنت وحيدة هناك، فربما هو أيضاً … "

حاولت كارولين إكمال جملتها، لكنها تخلت عن الأمر مرتسمةً على وجهها تعبيرات الحيرة والأسى وسخرت من نفسها.

"أي 'ربما' هذه؟"

" …… "

" ذلك الرجل لن يفهم أبداً، حتى لو بُعث من الموت، لن يدرك بأي مشاعر كنت أنتظره طوال عامين في ذلك القصر."

ساد الصمت الشرفة فور توقفها عن الكلام. ظلت ستيفاني ومارشا تعبثان بمقابض فناجين الشاي في صمت مطبق .

" هل يعلم يا ترى ؟ هل يعلم أنني اختفيت ؟ "

" سيدتي … "

"في الواقع … سواء علم أو لم يعلم، فكلاهما مشكلة."

ضحكت كارولين بضعف وهي ترتشف الشاي.

' ربما يشعر بالراحة الآن، كمن تخلص من حِملٍ ثقيل.'

كان طعم الشاي الذي لامس طرف لسانها مرّاً بشكل استثنائي.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كان إريك قد خرج لتوّه من المستشفى.

البناء المكون من ثلاثة طوابق، والذي يحمل لافتة "منزل إيانس"، كان المستشفى الذي يعمل فيه زميله الجامعي فيليب كأخصائي طب أطفال.

كان فيليب أحد الأصدقاء القلائل الذين صادقهم إريك خلال سنوات دراسته الجامعية. وكحال معظم طلاب كلية الطب، كان فيليب سليل عائلة ثرية؛ فبمجرد تخرجه من الجامعة، عاد إلى مسقط رأسه وحصل بنجاح على وظيفة في المستشفى الذي يديره والده.

" لا زال كما هو، في الماضي والآن أيضاً......"

ابتلع إريك بقية جملته في حلقه وهو يبتعد سريعاً عن المبنى، دون الالتفات خلفه.

… كم أغبطه على ذلك الثراء .

كان إريك يمتلك ذكاءً فذاً يتفوق به على فيليب، وشغفاً دراسياً متقداً، لكنه لم يملك المال الذي يدعم ذلك. وحتى مع حرصه على عدم خسارة المنحة الدراسية، لم تكن لديه الرفاهية المادية لمواصلة الدراسة في كلية الطب، التي تتطلب سنوات دراسة أطول بكثير من التخصصات الأخرى.

بعد سنوات من الضياع تلت انسحابه من الدراسة، استقر به الحال في قصر الكونت هانتيد، وعندما استفاق لنفسه لاحقاً، وجد أنه قد نال منصب "مسؤول الملحق".

في طفولته الطائشة، كان يشعر بأسى عميق لكونه فقيراً. وعندما قُبل في كلية الطب، شعر بسعادة وكأنه ملك العالم بأسره. وحين قدم استقالته من الدراسة بيده، تذوق مرارة السقوط في هاوية عميقة.

أما الآن، فهو يهرب مع سيدة القصر، من خلف ظهر زوجها الكونت الشهير هانتيد.

" يا لها من حياة ساخرة."

تذكر إريك وجه كارولين في تلك اللحظة التي فتحت فيها فمها بصوت يرتجف، ورغم وهن صوتها، كانت عيناها الأرجوانيتان تلمعان بوضوح وثبات .

" اتبعني، وسأعطيك 30% من ميراثي."

بالنسبة لشخص نشأ فقيراً طوال حياته، لم يكن هناك عرض أكثر جاذبية من المال. ورغم أنها قالت "فقط 30% من الميراث"، إلا أنها كانت سيدة عائلة هانتيد، لذا فإن حصتها من الثروة ستكون ضخمة بشكل لا يمكن مقارنته بأملاك أي نبيل عادي.

على أي حال، لم يكن لديه طموح ليصبح رئيساً للخدم، ولا ولاءً يدعوه لإفناء عمره في خدمة عائلة هانتيد. إذاً، كان التحرك خلف المال هو القرار الصحيح .

" صحيفة ! اشتروا الصحيفة ! "

عند وصوله إلى وسط الساحة، رأى صبياً يبيع الصحف وهو يضغط قبعته على رأسه. بدا أن ملابسه قد رُقعت مرات لا تُحصى، حيث خُيطت قطع قماش بألوان مختلفة تماماً عند حواف بنطاله، وبرز من تحتها كاحلاه النحيلان.

خطا إريك بخطواته الطويلة نحو الصبي.

" اعطني نسخة "

"حسنا ! ثمنها 3 بايم!"

أخرج إريك عملة من فئة 5 بايم من محفظته وقدمها للصبي .

"احتفظ بالباقي لنفسك."

"واو، شكراً جزيلاً!"

" على الرحب والسعة."

ربت إريك بخفة على كتف الصبي ثم وقف مستقيماً، وألقى نظرة عابرة بعينيه على الصفحة الأولى للصحيفة.

"هاه ......"

اتسع بؤبؤا عيني إريك فجأة وهو يقرأ الكلمات المكتوبة بخط عريض. غيّر وجهته التي كانت نحو السكن، وجلس على مقعد تحت برج الساعة، ثم فتح الصحيفة بيدين عجولتين.

{ ملكة الأوبرا أنجيلا غولد، تؤكد إقامة عروض في 5 مناطق بغلانفورد ! }

كان هذا خبراً طُبع في الصفحة الأولى، خبراً لو سمعت به كارولين... لصعقت من شدة الفزع.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

عاد إريك إلى الفندق مسرعاً، فلم يكن الوقت الآن مناسباً للجلوس على المقاعد وقراءة الصحف ببرود. وبسبب شعوره بالعجلة، فتح الباب بقوة ليرى كارولين جالسة في الشرفة تتبادل أطراف الحديث مع الخادمتين .

لقد زاد عدد الأشخاص واحداً خلال الفترة القصيرة التي قضاها في الخارج. حينها فقط تذكر إريك أنه خرج لترتيب الأمور لاستقبال مارشا.

"يا إلهي، إريك؟"

كانت مارشا أول من لاحظ وجوده، فنهضت من مكانها واقتربت من إريك الذي كان يقف مذهولاً عند الباب.

"إريك، مضى وقت طويل حقاً!"

" آه، أجل، مضى وقت طويل بالفعل."

"ما هذا الرد البارد ؟ إنه مخيب للآمال بعض الشيء."

قالت مارشا ذلك وهي تمد شفتيها بتذمر مصطنع ودعابة. لو كان إريك في حالته المعتادة، لجارى مزاحها بلباقة، لكن الوقت لم يكن يسمح بذلك الآن.

تجاوز إريك مارشا الواقفة أمامه واتجه مباشرة نحو الشرفة حيث توجد كارولين، ومدّ نحوها الصحيفة التي اشتراها للتو .

"سيدتي، انظري إلى هذا من فضلكِ."

" همم ؟ ما هذا......"

بمجرد أن تسلمت كارولين الصحيفة من إريك، شحب وجهها فجأة حتى صار أبيض. بدأت ترمش بعينيها عدة مرات وكأن ما تراه ليس سوى أوهام .

"سيدتي، ما الخطب؟"

اقتربت ستيفاني لتلقي نظرة على الصحيفة، ولم تستطع هي الأخرى إخفاء علامات المفاجأة.

"جولة أوبرا وطنية؟"

"نعم."

"... وفي هذا الوقت تحديدًا ؟ "

نهضت كارولين من مكانها فجأة وهي تحكم قبضتها، مما أدى إلى اصطدام الكرسي بالأرض وسقوطه للخلف، محدثاً ضجيجاً صاخباً.

"هاه.. هاه..."

بسبب الانفعال الشديد، تصاعدت أنفاس كارولين وأصبحت مضطربة. قبضت بيدها النحيلة على منطقة صدرها .

"سيدتي، تنفسي بعمق، خذي نفساً عميقاً!"

أمسكت ستيفاني بكتفيها بذعر. مارشا أيضاً، التي شعرت بشيء غريب، هرعت عائدة إلى الشرفة .

"استنشقي الهواء ببطء، ثم اخرجيه.. نعم، أنتِ تبلين بلاءً حسناً."

بدأت ستيفاني توجه تنفس كارولين. ومع الإيقاع الذي كانت تعده، بدأ صدر كارولين يرتفع وينخفض بقوة. وبعد تكرار ذلك لعدة مرات، تمكنت كارولين أخيراً من استعادة أنفاسها الطبيعية بصعوبة .

"سيدتي، هل تودين الذهاب إلى غرفة النوم؟"

" لا، أنا بخير."

وضعت كارولين يدها على جبهتها وحدقت في المقال المطبوع على الصفحة الأولى. وتحت عنوان "ملكة الأوبرا"، كانت هناك صورة كبيرة لأنجيلا غولد بمكياجها الفاخر .

كانت امرأة يليق بها لقب "ذهبية" أكثر من أي شخص آخر في هذا العالم. شعرها الأشقر الذي يفوق الشمس بريقاً، وعيناها اللتان بدتا كذهب مصهور، كانا يشعان ضياءً حتى في الصورة البيضاء والسوداء، وكأن الألوان صُبت فيها صباً. لقد كانت بتلك الروعة والجمال .

"لقد أدرك الأمر، أليس كذلك؟"

"...... حتى لو أدرك، لم أتوقع أن يكون رد فعله بهذا الشكل."

قالت كارولين ذلك وهي تطلق تنهيدة منخفضة.

" عذراً، سيدتي،"

"نعم؟"

" سننتظر نحن في الخارج، إذا شعرتِ بأي انزعاج، نادِنا فوراً."

"...... حسناً. شكراً لكم."

انسحبت مارشا النبيهة برفقة ستيفاني وإريك من الشرفة. ورغم قلقها من ترك كارولين الضعيفة وحيدة، إلا أنه لم يكن هناك مفر، فقد بدا أن كارولين بحاجة ماسة لوقت تنفرد فيه بنفسها.

"لم أتخيل أبدًا أن الأمر سيتطور إلى هذا الحد ......"

بمجرد أن تأكدت كارولين من خروج الثلاثة، أرخت جسدها فوق الكرسي وهي تشعر بصداع يفتك برأسها.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان