الفصل ٤ : ما تُرِك خلفها بعد رحيلها

" سيدتي، استيقظي من فضلكِ، ضوء الشمس رائع اليوم."

" هممم … "

فتحت كارولين جفونها الثقيلة على صوت ستيفاني التي كانت تثرثر مثل عصفور صغير. ورغم أنها نامت باكراً بالأمس، إلا أن جسدها كان ثقيلاً كقطعة قطن مبللة بالماء .

" ستيفي، ألا يمكنني النوم قليلاً بعد … ؟ "

" كلا، لا يمكن ! "

أجابت ستيفاني بابتسامة مشرقة وهي تفتح الستائر بقوة. انهمر ضوء الشمس الساطع لدرجة كادت تخترق شبكية العين .

" أتعلمين كم هو مفيد ضوء الشمس للجسد ؟ "

" رغم ذلك … "

" ليس لديكِ وقت، عليكِ تناول الإفطار، ثم الدواء، وبعدها الخروج للمشي من أجل الهضم."

قامت ستيفاني بسحب كارولين التي كانت تتلكأ فوق السرير وأنهضتها دفعة واحدة. وعلى الرغم من أن ستيفاني كانت نحيلة، إلا أنها كانت تمتلك قوة جسدية غير متوقعة على خلاف مظهرها .

" هل أحضر لكِ بعض الماء لتغسلي وجهكِ ؟ "

" لا، سأذهب بنفسي."

كانت كارولين تعلم أن كل هذا الضجيج الذي تحدثه ستيفاني كل صباح هو من أجل مصلحتها فقط؛ لذا قرصت وجنة ستيفاني الناعمة بمحبة.

" هيهي."

ضحكت ستيفاني بخجل. كانت تبتسم دائماً بتلك الطريقة الرقيقة كلما تلاقت عيناها بعيني كارولين. لقد مضى وقت طويل منذ أن حظيت كارولين بشخص يبتسم لها بهذه الصراحة والمودة الخالصة.

انتعشت كارولين بارتداء خفّها الناعم واتجهت نحو الحمام. كانت خطواتها بطيئة كسلحفاة، وحركاتها تشي بأنها لم تستيقظ تماماً بعد .

" سيدتي "

" نعم … ؟ "

" هل نسيتِ ؟ "

ماذا ؟ مالت كارولين برأسها وهي ترمش بعينيها.

ضحكت ستيفاني ضحكة خفيفة وكأنها كانت تتوقع هذا النسيان.

" اليوم هو اليوم الذي ستأتي فيه الأخت مارشا."

" آآه ! "

صفقت كارولين بكفيها معاً محدثة صوتاً مسموعاً، وحينها فقط بدأت حركتها تصبح نشيطة ومتسارعة .

" إذا تحركتِ بهذا البطء، فستغرب الشمس قبل أن تنتهي."

" أجل، هذا صحيح، سأغسل وجهي بسرعة وأعود ! "

هزت كارولين رأسها بقوة، ثم ركضت مسرعة نحو الحمام. انفجرت ستيفاني ضاحكة وهي تراقب ظهر كارولين وهي تبتعد .

' في لحظات كهذه، تبدو السيدة تماماً وكأنها أختي الصغرى.'

كانت هذه فكرةً غير لائقة بحق السيدة، لكنها فكرة لا يمكن للمرء أن يشعر به إلا لأن السيدة هي كارولين تحديداً.

بعد أن أنهت ستيفاني أفكارها "غير اللائقة"، جلست بجانب المنضدة وبدأت بطي الغسيل الذي أحضرته صباحاً بعناية.

كانت تنوي وضع آخر قطعة ملابس داخلية قامت بطيها في الحمام بمجرد خروج كارولين. ومع ذلك، حتى بعد أن انتهت من طي آخر قطعة، لم تخرج كارولين من الحمام.

بدأت يد ستيفاني تتحرك بسرعة وهي تضع الغسيل المطوي فوق المنضدة .

" مستحيل."

هرعت ستيفاني نحو الحمام بخطوات سريعة. ورغم أن المدينة كانت صغيرة، إلا أن استئجار أكبر فندق في المنطقة الحيوية جعل المسافة إلى الحمام بعيدة بعض الشيء .

وكما توقعت، سمعت من خلف الباب المغلق بإحكام أصوات تقيؤ ممزوجة بالسعال .

طرقت ستيفاني الباب بذعر: " سيدتي، سيدتي ! هل أنتِ بخير ؟ "

حينها بدأ صوت السعال في الداخل يهدأ تدريجياً، وكأنها كانت تحاول كبته قسراً.

" سيدتي، افتحي الباب من فضلكِ ! "

" أوه … (تنحنح) … أنا بخير، لقد استنشقت بعض الماء بالخطأ وأنا أنظف أسناني."

" إن كنتِ بخير، ألا يمكنكِ فتح الباب والحديث معي ؟ "

" آه … أنا … أنا عارية الآن."

كان صوتها الضعيف وهي تمثل ببراعة يفتقر إلى القوة. شعرت ستيفاني بوخزة ألم في أنفها وكأنها على وشك البكاء، فقد رأت جسد كارولين العاري أكثر من عشر مرات أثناء مساعدتها في الاستحمام .

" … حسناً، سأنتظر بعيداً عن الباب بعشر خطوات."

" أجل، سأغتسل وأخرج فوراً."

ومع ذلك، اختارت ستيفاني التراجع؛ لأنها لم تكن تجهل طبيعة سيدتها التي تتعمد التصرف هكذا لكي لا تقلقها.

وكان الأمر نفسه بالنسبة لكارولين؛ فقد كانت ممتنة جداً لمراعاة ستيفاني التي تتظاهر بتصديقها رغم معرفتها بالحقيقة.

تمسكت كارولين بجدار الحمام لتتمكن أخيراً من الوقوف. يبدو أن جسدها قد أصيب بإرهاق شديد بسبب تغيير مكان إقامتها مرة كل ثلاثة أيام، لدرجة أنها شعرت بالغثيان رغم أنها لم تأكل شيئاً .

" معدتي في حالة مزرية."

مشت بخطوات متثاقلة نحو المغسلة وتفحصت وجهها في المرآة. كان شاحباً ومنهكاً، لكنه لا يزال قابلاً للنظر. حدقت بصمت في عينيها الأرجوانيتين اللتين تشبهان لون شقائق النعمان. وتذكرت تلك الزهور التي وضعتها في مزهرية المكتب قبل يوم واحد من مغادرتها العاصمة .

' هذه المرة، ستكون زهور شقائق النعمان الأخيرة لهذا العام.'

' حقاً ؟ '

' نعم، لن نتمكن من رؤيتها بعد مرور هذا الأسبوع، لذا تأملها جيداً، فلن تستطيع رؤيتها مجدداً حتى لو رغبت في ذلك.'

' لا أرى ضرورة لكل هذا.'

' … أنت حقاً … تفتقر للرومانسية.'

تذكرت وجه فرايجر وهو يبتسم ابتسامة خفيفة على تذمرها .

ماذا حدث لشقائق النعمان التي تركتها ؟ هل رماها ؟ أم أنها لا تزال ذابلة في مكانها كالعادة ؟ أم أنها …

" … دعينا لا نفكر في الأمر."

فهو ليس الرجل الذي يعير اهتماماً لزهرة ستذبل بمرور الموسم. وحتى لو ذبلت، سيكفي بالنسبة له أن يراها في العام المقبل.

حاولت كارولين التفكير بهذه الطريقة قسراً، وقامت بشدّ وجنتيها بقوة؛ لكن لم يكن هناك ما تمسكه في خديها الهزيلين سوى الجلد.

" عليّ أن أغسل وجهي."

ملأت كارولين المغسلة بالماء بتعبير ملؤه الإصرار. وشعرت هذا الصباح برغبة غريبة في غسل وجهها بالماء البارد تحديداً.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

" مارشا ! "

"سيدتي!"

هرعت مارشا نحو كارولين بمجرد أن رأتها من الجانب المقابل. لقد كان هذا لقاؤهما الأول بعد ثلاثة أشهر كاملة.

وضعت مارشا الأمتعة التي كانت تحملها على الأرض، وبدأت تتفحص كارولين بدقة وكأنها تتعامل مع قطعة فنية ثمينة .

"مارشا؟"

وقفت كارولين ساكنة لا تحرك سوى عينيها اللتين كانتا تدوران بحيرة أمام تلك اللمسات المتفحصة .

"أنتِ تتناولين دوائكِ بانتظام، أليس كذلك؟"

"نعم."

"وتذهبين إلى الطبيب في المواعيد المحددة؟"

"نعم."

"لكن يبدو أنكِ لا تأكلين جيداً."

" نعم … ولكن يا مارشا، أهذا أول ما تقولينه بعد فراق ثلاثة أشهر ؟ "

عوضت كارولين عن الكلام بنظرات عينيها اللامعتين اللتين عاتبتاها: أتبدئين بالتذمر بمجرد رؤيتي ؟

ضحكت مارشا ضحكة خفيفة، وأخرجت من جيبها منديلاً. كان منديلاً باللون السماوي الفاتح، مطرزاً بدقة على شكل "قوقعة بحرية".

"لقد طرزته وأنا أفكر بكِ، لأنكِ تحبين البحر."

" واو … "

بسطت كارولين المنديل لتتأمله؛ وبدا المنديل تحت أشعة شمس الصيف وكأنه قطعة من البحر، أو ربما قطعة من السماء .

" شكراً جزيلاً لكِ يا مارشا، إنه جميل جداً."

" أنا سعيدة لأنه نال إعجابكِ."

احتضنت كارولين مارشا بقوة، ثم فركت جبهتها بكتفها بمودة. لم يكن هناك أثر للكلفة أو القيود التي تفرضها علاقة "السيد والخادم" بينهما .

"يا إلهي، هل تحولت سيدتنا إلى طفلة صغيرة؟"

"مارشا، لقد … لقد اشتقت إليكِ حقاً … حقاً."

ربتت مارشا برفق على ظهر كارولين التي كانت تبدو في رقتها كصغير حيوان أليف .

كانت عائلة كارولين في الأصل عائلة من صانعي الأحذية.

منذ حوالي مئة عام، وبعد إلغاء نظام العبودية وحصول الجميع على ألقاب، اختار أسلافها لقب "شوماخر"، وهو ما يعني حرفياً "صانع الأحذية".

توضيح : لقب "شوماخر" هو لقب ألماني الأصل، ومعناه الحرفي : "صانع الأحذية" أو "الإسكافي" فقد كان يُطلق هذا اللقب قديمًا على الأشخاص الذين يعملون في صناعة الأحذية، ثم أصبح اسم عائلة يُورّث عبر الأجيال .

لم تحصل عائلة "شوماخر" على لقب "بارون ويزل" من العائلة المالكة تقديراً لخدماتها إلا منذ سبع سنوات فقط .

عاشت كارولين خمسة عشر عاماً كابنة صانع أحذية عادي، ولم يفلح هذا الارتفاع المفاجئ في المكانة الاجتماعية بجعلها سيدة أرستقراطية أنيقة فجأة.

كانت أكثر اعتيادًا على الرقص الشعبي من الباليه، وصفير القش أقرب لقلبها من الفلوت، وكان اللعب بسكين صانع الأحذية (وهي سكين نصف دائرية يستخدمها صانعو الأحذية) أحب إليها من اللعب بالدمى.

وحتى مع تلقيها دروساً متأخرة في آداب النبلاء، لم يكن بوسعها اللحاق بمن وُلدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب.

علاوة على ذلك، كان مسقط رأسها "لو فالي" قرية ريفية نائية تفتقر حتى إلى مستشفى لائق؛ لذا كان العثور على معلم منزلي هناك أصعب من نيل النجوم من السماء.

حين تزوجت كارولين من فرايجر، شعرت بمرارة بتلك الفجوة الهائلة بين عالميهما. عالم هؤلاء الذين كانوا نبلاء منذ الولادة، بل وحتى قبل أن يُحمل بهم في أرحام أمهاتهم، جعل كارولين تشعر بمزيد من الانكماش والضآلة .

وفي خضم تلك الحياة الخانقة بالعاصمة، كانت مارشا هي ملاذها الوحيد؛ فمارشا، رغم أنها كانت تخدمها، أظهرت لها دائماً مودة ثابتة وصادقة .

"مارشا، ألم يكن الطريق شاقاً عليكِ؟"

" أنا بخير، الطريق من مسقط رأسي إلى هنا يستغرق يوماً واحداً فقط، أنا من أشعر بالقلق عليكِ يا سيدتي."

أجابت مارشا وهي تقطب حاجبيها قلقاً. كانت كارولين تعيش منذ ما يقرب من شهرين حياة لا تختلف عن حياة الرحالين، فقد كان عليها فعل ذلك لتضليل أي ملاحقة محتملة من قِبل فرايجر.

" أنا بخير، لقد خططت لهذا الأمر منذ عدة أشهر."

قالت كارولين ذلك وهي تهز كتفيها بخفة.

لقد خططت لهذا الأمر بدقة منذ تشخيصها بمرض عضال .

كانت لحظات الحزن والبكاء قصيرة، فقد أرادت كارولين قضاء ما تبقى من حياتها بسعادة وبشكل أكثر قيمة. ولتحقيق ذلك، كان عليها أولاً الابتعاد عن ذلك الرجل البارد والمخيف .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

تذكرت كارولين الموسم الذي بدأت فيه براعم الهندباء بالظهور في أحواض الزهور. كان الهواء مائلاً للبرودة، لكن أشعة الشمس كانت دافئة ولطيفة .

" هاه … هاه … "

كانت كارولين تلهث وهي تصعد الدرج المؤدي إلى الطابق الثالث. كان الأمر محتملاً في الشتاء، لكن مع اشتداد الحرارة، بدأت حرارة جسدها ترتفع بسرعة.

"سيدتي، هل أنتِ متعبة جداً؟"

" أوه ؟ لا، أنا فقط أشعر بضيق قليل في التنفس."

ابتسمت كارولين وهي تلوّح بيدها لتبريد نفسها.

لم تخبر أحداً، لكنها كانت تشعر بداخلها أن صحتها تدهورت بشكل خطير مؤخراً. فأصبح ضيق التنفس يداهمها بعد مشي قصير، واصبحت تعاني من صداع مؤلم في رأسها بشكل متكرر. وقبل أيام قليلة، تقيأت طعاماً لم تأكل منه إلا القليل.

' يجب أن أمارس بعض الرياضة … أم أن ذلك سيرهقني ؟ '

صعدت على الدرج وهي تشعر بحاجة ماسة لاستعادة نشاطها.

" سيدتي، هل من الممكن … "

"نعم؟"

"هل من الممكن أن يكون هناك 'صغير' في الطريق؟"

سألت مارشا وعيناها تلمعان، وهي تلوح على كارولين بمروحة يدوية.

" يا إلهي، مستحيل."

قالت كارولين ذلك، لكنها لم تستطع منع قلبها من الخفقان بأمل مفاجئ.

"يقولون إن الجسد يصبح حساساً في بداية الحمل، وربما يكون ذلك الغثيان الذي تشعرين به مؤخراً هو 'غثيان الصباح'."

" حقًا ؟ "

بدأت كارولين تحسب في رأسها تاريخ آخر دورة شهرية لها. لم تلاحظ ذلك بسبب انشغالها وإرهاقها، لكن لقد مر شهرين بالفعل.

" … هل أستدعي الطبيب ؟ "

كان وجه مارشا مشرقاً وهي تراقب تعبيرات كارولين.

" لا، سأذهب إلى المستشفى بنفسي، سأشعر بالإحراج الشديد إن تبين أن الأمر ليس كذلك."

" حسنًا، كما تريدين."

" وتحسباً لأي شيء، لا تخبري أحداً، لنخرج بهدوء ونعد نحن الاثنين فقط."

"أمركِ يا سيدتي."

أومأت مارشا برأسها وهي تبتسم بابتسامة عريضة.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان