كانت عائلة الكونت هانتيد تمتلك "دار هانتيد للأوبرا"، وهو المسرح الأهم والأول في غلانفورد. ومنذ أن تولى فرايجر زمام أعمال العائلة، بدأت الدار -التي كانت تُعرف بكونها صرحاً للثقافة والفنون- تزدهر بشكل غير مسبوق .
ويعود الفضل في ذلك إلى ضمه للمغنية أنجيلا غولد، الملقبة بـ "ملاك الفجر"، كفنانة حصرية للدار .
أطلق عليها الناس هذا اللقب لأن من يستمع إلى غنائها يسكر بصوتها ويظل ساهراً حتى الصباح، ولا يغلبه النوم إلا بعد رؤية خيوط الفجر الأولى، هكذا كانت عظمتها وشعبيتها.
وعندما اجتمعت موهبتها مع دهاء فرايجر التجاري الفذ وإصراره، تضاعفت شهرة دار هانتيد، مراراً.
لم يكتفي فرايجر بالأوبرا التقليدية فحسب، بل دمجها مع الباليه والديكورات المسرحية الفاخرة، ليبتكر شكلاً جديداً من العروض لم يسبق له مثيل. وسرعان ما استقر "باليه الأوبرا" الذي ابتكره كنوع فني قائم بذاته. كما بذل فرايجر جهوداً مضنية في اكتشاف عباقرة الموسيقى المغمورين، وبفضل دعمه السخي، أبصر العديد من الموسيقيين النور ونالوا شهرة واسعة.
ونتيجة لذلك، لم تعد "دار هانتيد" مجرد مسرح للأوبرا، بل نمت لتصبح أرقى فرقة مسرحية ومركزاً فنياً على مستوى القارة.
كانت غلانفورد تمر بعصر من السلام والتطور لم يسبق له مثيل، مما أدى إلى ظهور طبقة واسعة من "النبلاء الجدد" الذين كدسوا الثروات. وفي ظل تمكن الجميع من الاستمتاع بالثقافة والفنون، لم يكن من المبالغة القول إن تجارته قد بلغت عصرها الذهبي، فلو جعل الأوبرا متاحة للعامة، لتمكن من حصد ثروات تفوق ما لديه الآن بمراحل، لكن فرايجر كان رجلاً أرستقراطياً حتى النخاع.
لم يكن يرغب في مشاركة الأوبرا -التي اعتبرها فناً نبيلاً وحكراً على الطبقة العليا- مع الذين كانوا مجرد عامة الناس الأثرياء .
علاوة على ذلك، كان يرى أن القيام بجولات غنائية تتنقل بخفة من مكان لآخر هو أمر لا يليق بمكانة النبلاء وقدرهم .
" من أراد مشاهدة العرض، فعليه أن يأتي بنفسه."
كانت هذه عقيدته.
لقد كان رجلاً لا يكلف نفسه عناء التحرك إلا إذا تلقى دعوة من عائلة ملكية في دولة أخرى. والآن، وبشكل مفاجئ، بدأ في تحريك فرقته المسرحية في جولة وطنية تشمل أنحاء البلاد كافة .
" لا يعقل أن يكون كل هذا من أجلي......"
شعرت كارولين بقشعريرة باردة تسري في أوصالها أمام ضخامة هذا المخطط، وفي الوقت نفسه انطلقت منها ضحكة ساخرة مريرة .
"ظننتُ أنه لن يبحث عني أبداً."
في الأصل، كانت كارولين بالنسبة لفرايجر وجوداً ثانوياً، كان الأمر واحدًا إن حضرت أو غابت، لكن تلك المرأة التي لم تكن تزيد عن كونها "عبئاً غير مفيد" تجرأت على إثارة غيظه، ومن المؤكد أن كبرياءه النبيل قد تصدع بسبب فعلتها.
لم يكن كبرياؤه ليسمح له أبداً بالبحث عن زوجته الهاربة بشكل علني.
' لذا، هو يتحرك تحت هذا المسمى ليحفظ ماء وجهه.'
كان تمسكه بالظهور بمظهر النبيل المتعالي حتى النهاية أمراً يشبهه تماماً.
بدأت كارولين تقرأ بتمهل الكلمات الصغيرة المكتوبة بجانب وجه أنجيلا غولد .
{ … صرّح الكونت فرايجر هانتيد، مدير دار هانتيد للأوبرا، عن نيته المشاركة شخصيًا في جميع العروض الإقليمية الخمسة.}
" يبدو أنه غاضب حقًا."
مررت سبابتها ببطء فوق تلك الجملة. تلطخت يدها البيضاء بآثار الحبر الخفيفة المنطبعة من سطح الصحيفة .
"ومع ذلك، لن أعود."
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
في هذه الأثناء، كان لوجان غارقاً في محاولات تهدئة موظفي "دار هانتيد".
فقد قرر المدير المستبد تأكيد الجولات الإقليمية وفقاً لهواه الشخصي. لم يكن الأمر مفاجئاً تماماً إذ نُوقش سابقاً، لكن إعلان المواعيد بهذا الشكل المفاجئ جعل العازفين والراقصين في حالة من الذهول وفقدان التركيز .
"الجولات الإقليمية جيدة بالنسبة لنا، لكن تلقي إشعار مفاجئ كهذا أمر... مربك حقاً."
قال كاليجو، المخرج الموسيقي، بنبرة يشوبها الارتياب. ومن حسن الحظ أن كاليجو رجل طيب القلب، فلو كان شخصاً حاد الطباع لثار غضباً بلا شك.
" نائب المدير، لقد جئت في وقتك تمامًا، أريد التحدث معك ! "
... تمامًا مثل الراقصة الرئيسية روزالين.
لحق لوجان بروزالين وهو يترنح بجسده كأنه ورقة سبانخ ذابلة .
" يا نائب المدير، ألا تعتقد أن هذا التصرف غير لائق مهما فكرنا فيه؟"
"آه، آنسة رو … روزالين … "
" الجولات الإقليمية ؟ أنا أؤيدها، حقاً أؤيدها، لكن سؤالي هو: لماذا يتم إخبارنا الآن ؟ قبل أقل من شهر على بدء العروض ! "
تصبب لوجان عرقاً أمام اندفاع روزالين. لم يجد ما يرد به؛ ففي قرارة نفسه، لم يكن يلوم أحداً سوى فرايجر.
"أتعلم مدى أهمية مراقبة الوزن بالنسبة للراقصين؟"
"أعلم، أعلم جيداً."
"صحيح أن مراقبة الوزن جزء من روتيننا اليومي، لكن... ألم نتوقف عن تقديم عروض الباليه لأكثر من شهر؟"
"هذا صحيح."
" جميع الأعضاء كانوا في فترة راحة، باستثناء أولئك الذين سافروا إلى 'رامفيلد'."
أومأ لوجان برأسه بسرعة تأييدًا لكلامها.
"إذاً، كيف يتوقع منا التصرف بعد أن حدد موعد العروض بهذا الشكل التعسفي؟"
" …… "
"خسارة الوزن بسرعة تؤدي إلى فقدان العضلات أيضاً، إذا فشلنا في أداء الدورات بشكل صحيح حينها، فهل سيتحمل السيد المدير المسؤولية؟"
أنهت روزالين كلامها وهي تزفر بحدة من شدة الانفعال .
لم تكن المشكلة في الوزن فحسب، بل إن العروض التي أعلنها فرايجر للعلن كانت تتضمن حركات صعبة ومعقدة للغاية. وشعرت روزالين بدوار ذهني بمجرد تفكيرها في أداء "القفزة الكبرى" بجسد زاد وزنه عما كان عليه في ذروة الموسم .
علاوة على ذلك، لم يرق لها المقال المنشور في الصحيفة، فرغم أن الفرقة بأكملها هي من ستقف على خشبة المسرح، إلا أن العنوان لم يحمل سوى اسم أنجيلا غولد.
"هل تدرك مدى صدمتي حين قرأت المقال ؟ لدي قائمة طويلة من الأمور التي أود محاسبة المدير عليها الآن!"
"...... بصفتي نائب المدير، ليس لدي ما أقوله حقاً."
"آه، ها هو قادم أخيراً، أيها المدير!"
التفت لوجان بسرعة حين رأى روزالين تنظر خلف كتفه. كان فرايجر يسير من بعيد برفقة هيوغو.
تنفس لوجان الصعداء وهو يراقب روزالين وهي تندفع بخطوات واسعة نحو فرايجر، لقد كان توقيت وصوله مثالياً لإنقاذه من الموقف .
"أيها المدير، أريد التحدث معك."
وقفت روزالين أمام فرايجر وهي ترفع ذقنها بتحدٍ، وسرعان ما تجمع بقية أعضاء الفرقة حولهما .
"عن ماذا نتحدث؟"
أجاب فرايجر بنبرة فاترة ولامبالية.
ارتسمت علامات الذهول على وجه روزالين بسبب صوته الهادئ المستفز. كيف يمكنه أن يكون بهذا البرود والوقاحة بعد كل الفوضى التي تسبب بها !
كظمت روزالين رغبتها الجامحة في توجيه لكمة له، فهي تعلم أن ضرب "الرجل الأول" في هذا المجال يعني انقطاع مصدر رزقها للأبد .
"همم، لا أظنك تجهل الأمر ؟ أنا أتحدث عن عروض المدن الخمس."
" آه، يبدو أن الخبر قد وصلكم للتو."
" تقول 'للتو' ؟ "
تشنج وجه روزالين أمام هذا الرد غير المسؤول بشكل واضح. وبدا أن بقية الأعضاء يشعرون بنفس الغليان في صدورهم.
" مهما كان هذا الأمر جيداً، كيف تخبرنا به الآن ؟ وعن طريق الصحف فوق ذلك ! "
لم يكن فرايجر هو من نقل هذا الخبر الصادم إليهم شخصياً. فلولا الصحف التي تصل كل صباح إلى دار الأوبرا، لما علم أحد بأن هناك جولة وطنية مقررة .
كانت هذه الحقيقة هي أكثر ما أثار حنق روزالين.
" أليس شهراً واحداً كافياً ؟ على أي حال، هي عروض قدمناها مراراً، ولا أعتقد أن هناك أي عوائق."
"ليس هذا ما أقصده!"
صرخت روزالين بحدة أمام فرايجر الذي كان يتحدث بذكاء يتجنب فيه جوهر المشكلة.
حينها، تدخل أحد أعضاء الأوركسترا الذي كان يراقب المشادة: " أيها المدير، أنت تعلم أن وقت التدريب لن يكفي إذا وضعنا وقت التنقل في الحسبان، الوصول إلى الجنوب وحده يستغرق أربعة أيام، أضف إلى ذلك آلات 'الكونتراباس' و'الهارب'.. هل تتخيل عناء حمل كل تلك الآلات الثقيلة طوال الطريق......"
هز العازف رأسه يمنة ويسرة وكأن مجرد التفكير في الأمر يصيبه بالرعب.
" سنستخدم الآلات الموسيقية المتوفرة في قاعات العروض بكل منطقة، لذا لا داعي للقلق بشأن هذه المسألة، لقد انتهينا بالفعل من التنسيق مع إدارات تلك القاعات لتأمين أي آلات ناقصة مسبقاً."
" …… "
كان رداً يثير الحنق بشكل غريب، لكنه جعل أي رغبة في المجادلة تتلاشى تماماً. أغلق أعضاء الأوركسترا أفواههم بذكاء وهم يتبادلون النظرات .
عند هذه النقطة، بدأ الجميع يشعرون بالجو العام. فرغم أن فرايجر لم يكن يمر بأيام "جيدة المزاج" عادةً، إلا أنه بدا الآن في حالة سيئة للغاية؛ والوقوع في جانبه السيء في وقت كهذا سيكون كارثة محققة .
ومع ذلك، لم تستسلم روزالين و واصلت التعبير عن رأيها: " إذن.. ماذا عن الراقصين ؟ حتى لو تغاضينا عن الأوركسترا، فماذا ستفعل بشأن الراقصين ؟ إدارة الوزن والقوة العضلية والحالة البدنية هي شريان الحياة بالنسبة للراقص."
"وماذا في ذلك؟"
"...... ماذا ؟ "
قاطع فرايجر كلام روزالين بحدة. ضيّق عينيه وارتسمت على وجهه تعابير الملل بشكل صريح.
"ما هو جوهر كلامكِ؟"
أدخل فرايجر يديه في جيوبه وهو ينظر إلى روزالين من الأعلى. وبسبب طول قامته وبنيته الجسدية القوية، كان ينبعث منه ثقل وهيبة تكاد تسحق من يقف أمامه .
" أنا.. أعني ......"
تعثرت كلمات روزالين وهي تشعر بالارتباك تحت وطأة هالة فرايجر الطاغية. ارتفعت زاوية فم فرايجر في ابتسامة مائلة وساخرة.
ألقى نظرة على ساعة معصمه ثم تابع كلامه: " حسناً، لم تكن هناك عروض باليه لفترة من الوقت، هل يعني هذا أن مهنتكِ لم تعد راقصة ؟ "
" …… "
"يبدو أنكِ نسيتِ، أنتِ راقصة 'حصرية' لدار هانتيد، والراقص 'الحصري' لدينا يعني بالضرورة الشخص المستعد لتقديم عرض في أي وقت وأي مكان."
" …… "
" ولهذا السبب تتقاضون ضعف الرواتب المعتادة."
ابتلعت روزالين ريقها رغماً عنها.
" لا يعقل أن تكون كبيرة الراقصين قد تكاسلت عن التدريب لمجرد عدم وجود عروض ؟ لدرجة العجز عن تقديم عرض بعد عدة أسابيع ؟ "
" هذا ليس … ! "
اشتعلت روزالين غضباً من كلماته التي جرحت كبرياءها، لكن فرايجر لم يمنحها فرصة للرد.
" أي عضو لا يخلص في أداء دوره فلا حاجة لنا به، بإمكانكِ الرحيل إن أردتِ، فهناك الكثير من الراقصين الموهوبين الذين يتضورون جوعاً لعدم حصولهم على فرصة."
" …… "
" للمعلومة، مخرج الموظفين من ذلك الاتجاه."
قال فرايجر ذلك وهو يشير بإبهامه إلى خلفه. كانت ملامحه وهو يتفحص أعضاء الفرقة جافة وخالية من أي مشاعر .
" إذا انتهت هذه الجولة بنجاح، فستنتظركم مكافآت أداء مجزية، لذا ليعمل الجميع بجد."
أنهى فرايجر كلامه وتجاوز روزالين مغادراً. أما لوجان، الذي كان يراقب المشهد من زاوية غرفة التدريب وهو يمسك بالستارة، فقد تملكته الدهشة والذهول من وقاحة مديره .
"يا لـ … يا له من مغرور بغيض … ! "
****************************