في صباح اليوم، أرسلت إيسو عينتين مع طلب فحص إلى مؤسسة لإجراء تحاليل الحمض النووي، وهما عبارة عن فرشاة الأسنان التي تسلمتها من ممرضة هوا يونغ، وفرشاة أسنان كيو تشول .
لقد سرقت فرشاة أسنان كيو تشول بالأمس من حمام مشغله، ولا يزال قلبها يخفق بشدة لمجرد فكرة السرقة لأول مرة في حياتها .
ولم تحسم أمرها بعد في حال اكتشف فرشاته المفقودة وبدأ يبحث عنها؛ هل تتظاهر بالجهل وتنفي الأمر تمامًا لو وصل الاستجواب إليها، أم تبوح له بالحقيقة كما هي ؟ فلم تكن في حالة تسمح لها بالقلق بشأن المستقبل مسبقًا .
أما التفاصيل الدقيقة المحيطة بالأمر؛ كمعرفة ما إذا كانت السيدة آن هي الوحيدة التي زورت هويتها وجعلتها ابنة عائلة الموظفين، أم أن السيدة بارك -التي يُفترض أنها والدتها البيولوجية- قد شاركت في تلك المكيدة أيضًا، أم أن كيو تشول يعلم بالحقيقة ويتظاهر بالجهل فحسب، فكل ذلك كان مسألة مؤجلة تلي ظهور النتيجة.
وحتى خطوة مواجهة الوالدين اللذين ربياها والتحقق منهما، قررت ألا تفكر فيها إلا بعد استلام نتائج الفحص .
— { أنا ميونغ جومين، كيف هو وقتكِ مساء اليوم ؟ }
وردتها هذه الرسالة النصية من جومين، الذي هرب من ذلك الموعد. وبما أنه بات يملك رقم هاتفها دون أن تطلعه عليه، فلا بد أنه حصل عليه من السيدة آن حتمًا. وها هو يسألها عن رأيها بكل أدب ولباقة وكأن شيئًا لم يكن، بعد أن كان يرتعد نفورًا وضيقًا لدرجة تمنعه حتى من الرغبة في مقابلتها صدفة في الطريق .
— { ظننتُ أن اللقاء الذي جمعنا في ذلك اليوم كان النهاية بيننا }
— { وأنا ظننتُ ذلك أيضًا، غير أن جدتي معجبة بكِ بشدة يا آنسة إيسو }
وأمام كلماته الممتزجة بالتهكم والسخرية، استيقظ الغضب الكامن في أعماق صدرها من غفوته مجددًا. وشعرت بالذهول والقشعريرة لأنها استطاعت تخمين سبب إصرار السيدة آن على جعلها زوجة حفيدها .
— { وهل رأي السيدة آن يملك كل هذه الأهمية لديك ؟ }
— { يبدو أنه بات لديّ سبب يدعوني للقائكِ يا آنسة إيسو }
إن هذا السلوك، وظنه بأنها ستقبله وتسرع إليه بمجرد أن يمد يده نحوها، لم يكن سوى غطرسة نابعة من الخلفية والنفوذ الذي تمنحه إياه عائلة سويوندانغ .
— { أنا لا أملك سببًا يدعوني للقاء المدير ميونغ، ولذا أرجو ألا تتواصل معي مجددًا }
وما إن أرسلت إيسو رسالتها تلك، حتى وردتها مكالمة هاتفية فورًا. ورغم أن الرقم لم يكن مسجلاً في هاتفها، إلا أنها علمت أن المتصل هو ميونغ جومين. فاستقبلت المكالمة بملامح متصلبة وجامدة:
" مرحبًا "
— لقد زرتِ منزلنا بالأمس، فهل أنتِ حقًا امرأة لا تملك أدنى اهتمام بي كما تقولين ؟
توقفت إيسو عن الحركة لبرهة. فقد كان جومين على علم بزيارتها بالأمس رفقة سوك هون إلى مشغل كيو تشول، ويبدو أن والده هو من أطلعه على الأمر .
" لقد ذهبتُ إلى هناك بموجب العمل ولأسباب لا صلة لها بالمدير ميونغ، ويبدو أنك أسأت الفهم "
─ والشخص الذي يذهب لأجل العمل، لماذا يثير مع والدي مسألة لقاء تدبير الزواج الذي جمعنا ؟
سألها جومين بنبرة يكسوها التهكم، ثم أردف قائلاً: ─ لقد استدعاني والدي ليلة أمس، وسألني عن السبب الذي جعل الآنسة إيسو لا تنال إعجابي. ولقد تسبب لي ذلك في حرج وضيق كبيرين بفضلكِ .
" …… "
وتملك العجب إيسو عند سماعها أن كيو تشول قد استدعى ابنه وتحدث معه بشأنها. أولم يثره الفضول أو يتملكه الشك بشأن فرشاة أسنانه التي اختفت من المشغل ؟
ولكن بما أن المكان كان يحوي العديد من فرش الأسنان الإضافية، فربما تجاوز الأمر واعتبره حدثًا عابرًا لا يستحق الالتفات. وتمنت في قرارة نفسها أن يكون الأمر كذلك فعلاً في ظل عدم تأكد الحقائق حتى الآن .
─ بعد الجدة جاء دور الوالد، وأظن أن الدور القادم سيكون لوالدتي حتمًا … ولذا، يفضل أن نلتقي ونتحدث قليلاً قبل أن يصل الدور إلى والدتي .
"وهل هناك مزيد من الأحاديث بيننا؟"
─ أعني أنني قد أضع مسألة الزواج منكِ عين الاعتبار وبشكل إيجابي .
وكانت كلماته تعني أنه مستعد لإعادة التفكير في الأمر نزولاً عند رغبة عائلته وتوصياتهم وإن كان غير راغب في ذلك داخليًا. ولم يكن رأي إيسو -وهي الطرف المعني بالمسألة- يملك أي قيمة أو أهمية في قراره؛ إذ بدا جومين كمن يعيش وهمًا بأنه يتفضل عليها ويمنحها معروفًا.
" أرجو ألا تضع الأمر عين الاعتبار وبشكل إيجابي، فلن يأتي اليوم الذي يجمعني بالمدير ميونغ جومين في زواج أبدًا "
─ هل كلماتكِ هذه صادقة وجدية ؟
" نعم، صادقة و جدية تمامًا، وإن كنت تخشى نظرات كبار عائلة سويوندانغ وضغوطهم، فبإمكانك إخبارهم بأنني أنا من رفضتك "
وانطلقت ضحكة استهزاء خافتة من جومين عبر الهاتف وكأنه ذهل من شدة رفضها القاطع. وشعرت أنها سمعت همهمة تشبه اللعنة الخفيفة الصادرة منه، غير أنها فضلت إقناع نفسها بأن مسامعها قد خانتها فحسب.
وإذا نظر المرء إلى الأمر من زاوية معينة، فيعتبر ميونغ جومين ضحية في هذه القصة مثلها تمامًا، غير أن نشأته كحفيد بكر وسليل لعائلة سويوندانغ كانت أفضل بآلاف المرات من نشأته تحت رعاية خالتها التي عاشت كأم عزباء بعد ولادته.
طلبت منه إيسو في نهاية حديثها أن يقوم بمسح رقم هاتفها من جهازه، ثم أنهت المكالمة الهاتفية فورًا. ولم تكن بحاجة لسماع التفاصيل لتعلم السبب الذي أجبره على تغيير رأيه وموقفه، فالسيدة آن من صنف البشر الذين لا يهدأ لهم بال أو يرتاح لهم خاطر إلا بعد فرض إرادتهم وتحقيق غاياتهم التي عزموا عليها.
ولا بد أن امرأة بمثل تلك الطبيعة قد نجحت في الضغط على حفيدها جومين وإقناعه بطريقتها الخاصة. غير أن موقف إيسو كان راسخًا ولا يتزعزع؛ فقد تخلو عنها وتخلصوا منها وفق رغبتهم في الماضي، غير أن استعادتها مجددًا لن يكون خاضعًا لرغباتهم هذه المرة.
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
— { إيسو، هل أنتِ مشغولة اليوم ؟ أود مقابلتك لأن هناك حديثًا أريد قوله لك }
في وقت متأخر من بعد الظهر، وبينما كانت تستعد للخروج من أجل عملها، وردتها هذه الرسالة من والدتها سون إيم. وبما أن الأخيرة لا تبادر بمراسلتها إلا في حال وجود أمر ذي أهمية بالغة، فإن هذه الرسالة كانت تعني طلب حضورها إلى المنزل حتمًا.
بادرت إيسو بالاتصال بسون إيم، لتيقنها أن إرسال الرسالة يعني توفر بعض الوقت لدى والدتها للحديث عبر الهاتف حاليًا.
"أنا ذاهبة لإعطاء درس خصوصي بعد ظهر اليوم، وسأنهي عملي في وقت المساء، فهل هناك خطب ما؟"
─ لقد سمعتُ شيئًا غريبًا … ليس صحيحًا أنكِ رفضتِ المدير ميونغ، أليس كذلك ؟ لا بد أنني سمعتُ خطأً، صحيح ؟
لقد كان ميونغ جومين سريع الحركة والتدبير؛ فلم تمضي سوى ساعات قليلة على إخبارها له بأن يتخذ من رفضها حجة يتذرع بها أمام عائلته، حتى تلقت هذا العتاب من والدتها .
" بل الأمر صحيح ".
─ هل جُننتِ تمامًا ؟ أين يمكن لامرأة مثلكِ أن تلتقي برجل بمثل تلك المكانة والمواصفات لتتجرأي على رفضه هكذا !
صرخت سون إيم بأعلى صوتها من شدة الصدمة والذهول، دون أن تكلف نفسها عناء الاستفسار عن السبب الذي دفع إيسو لاتخاذ قرار الرفض .
"هو الآخر يحمل مشاعر النفور والرفض تجاهي".
─ مستحيل أن يعصي المدير ميونغ أوامر وتوصيات السيدة الكبيرة. ولذا، كفي عن التفكير بأمور أخرى، و ……
" أنا أشعر بالنفور تجاهه، ولا أرغب في مقابلته مجددًا "
─ إيسو !
أغلقت إيسو الهاتف، قائلةً إن عليها الذهاب إلى العمل، وغادرت المنزل. ولم تكن ترغب في أن يزداد معدل مشاعر الضغينة والكره في صدرها تجاه والدتها، غير أن قلبها لم يكن ينصاع لأوامر عقلها .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
كان موعد درس سي ها ابنة جيهان، في تمام الساعة الرابعة عصرًا، وهو الوقت الذي يلي فراغها من بقية ارتباطاتها وجدولها اليومي .
ورغم أنه وقت متأخر نسبيًا لتلقي طفلة لم تلتحق بالمدرسة بعد لدرس فني، إلا أن انشغال الأطفال في هذه الأيام جعل من هذا التوقيت أمرًا مألوفًا ولا يدعو للعجب .
غير أن الأمر الحقيقي الذي تسبب في ارتباك إيسو و دهشتها عند وصولها إلى قصر رئيس مجلس الإدارة كوك كان مغايرًا تمامًا لتوقعاتها.
"هل تعنين أنها نائمة في هذه الأثناء؟"
" نعم أيتها المعلمة، لقد تملكها النعاس قبل قليل ودخلت إلى غرفتها لتنام "
" …… "
جلست إيسو على أريكة غرفة المعيشة بانتظار أن تتولى الموظفة المسؤولة عن رعاية سي ها إرشادها نحو غرفتها. غير أن الموظفة عادت إليها بعد فترة وجيزة، وأخذت تحني رأسها مرارًا وتكرارًا وهي تقدم اعتذارها بملامح يكسوها الأسف والحرج:
" إذا نامت في هذا الوقت، فلا يمكننا التكهن بالساعة التي ستستيقظ فيها … فما العمل إذن ؟ يبدو أن إقامة درس اليوم سيكون أمرًا صعبًا للغاية…."
تحدثت الموظفة بتردد وهي تراقب ملامحها وحذرها. كانت سي ها على علم بمجيء إيسو في هذا الوقت، بل إنها بجرأتها المعهودة أرسلت إليها رسالة نصية تسألها إن كانت ستأتي إلى بيتها حقًا .
ولهذا، كان من الصعب على إيسو تصديق أن الطفلة غلبها النعاس فجأة ودخلت غرفتها لتنام؛ فقد كانت سي ها طفلة ذكية للغاية وتجيد مراوغة الكبار من حولها .
" لا بأس، سأنتظرها حتى تستيقظ "
" هل أنتِ متأكدة يا معلمة ؟ الآنسة سي ها من النوع الذي إذا نام، استغرق في نوم عميق جداً…."
ولم تكن سي ها لِتتصرف بهذا الشكل الفظ والمليء بالدلال والتمرد إلا لأن جدتها، السيدة هان، قد غادرت المنزل؛ إذ علمت إيسو أن الجدة سافرت إلى الخارج بالأمس لإتمام أعمال خاصة، في رحلة عمل تستغرق أسبوعين كاملين .
" رغم ذلك، لا بد لها أن تتناول وجبة العشاء، لذا ستستيقظ قبل ذلك الوقت حتمًا، فأنتم لن تتركوها جائعة على أية حال "
أمام كلمات إيسو الهادئة والجافة، لم تستطع الموظفة إخفاء ملامح ارتباكها الشديد. وتظاهرت إيسو بعدم الانتباه لحرجها، وسحبت كتاباً من حقيبتها وفتحته لتشرع في القراءة.
وقفت الموظفة مكانها بتردد لبرهة، ثم تحركت بخطوات سريعة متوجهة نحو مكان ما. وصعودها العاجل إلى الطابق الثاني بيّن أنها تسرع لإبلاغ شخص ما بالأمر، والمؤكد أن ذلك الشخص لم يكن سوى الطفلة كوك سي ها.
كان الكتاب الذي تتصفحه بين يديها هو السيرة الذاتية للسيدة آن ميونغ جا، زوجة الحفيد البكر للجيل الثاني عشر لعائلة سويوندانغ. ولقد طلبت إيسو هذا الكتاب قبل أيام، و وصل إليها فوضعته في حقيبتها عند خروجها اليوم لتضيع وقتها وتقرأه داخل الحافلة أثناء الذهاب والإياب.
سردت السيدة آن في كتابها تفاصيل حياتها بكل هدوء وتجرد، بصفتها زوجة الفنان الراحل ميونغ، و زوجة الحفيد البكر لعائلة عريقة ومحترمة مثل سويوندانغ. وعبرت أيضًا عن فلسفتها التعليمية والتربوية بصفتها رئيسة مجلس إدارة مؤسسة تعليمية وتاريخية، ولم تغفل إظهار مشاعر عطفها وحنانها تجاه ابنها وابنتها وحفيدها الغالي الذي رزقت به بعد طول انتظار .
[ حين كان ابني مستلقيًا في المستشفى فاقدًا للوعي، كم كانت نبضات قلبي ترتجف شوقاً وخوفاً على ذلك الجنين الذي يحمله بطن زوجته ! ولقد ظللتُ أصلي وأدعو أن يولد هذا الحفيد معافى وسليم، سواء كان ذكراً أم أنثى ]
وكان بوحها بمشاعرها تحديداً عند وقوع الحادث الكبير لولدها، الفنان ميونغ كيو تشول، يفيض بحزن وأسى عميقين . ولم تنسى كذلك ذكر شكرها وامتنانها لزوجة ابنها التي وضعت طفلها وحيدة في غياب زوجها الذي كان أقرب إلى الموت منه إلى الحياة في ذلك الوقت.
غير أن الخيط الناظم والمحور الأساسي الذي يربط صفحات هذا الكتاب بالكامل كان يكمن في فخرها واعتزازها بتلك العائلة العريقة الممتدة عبر الأجيال.
"…أيتها المعلمة، يبدو أن نومها سيطول لبعض الوقت، فما رأيكِ لو تتفضلين بالعودة وتأتين في المرة القادمة؟"
"لا بأس، أنا بخير، بإمكانكِ الذهاب لمتابعة عملكِ".
وبما أن إيسو رفضت المغادرة وظلت جالسة على الأريكة بكل ثبات، فإن القلق والاضطراب استبدا بالموظفة المسؤولة عن رعاية سي ها. وحامت حول إيسو بضع مرات بتردد، قبل أن تستسلم في نهاية المطاف وتدير ظهرها، لتتوجه خطوتها مجددًا نحو السلالم المؤدية إلى الطابق الثاني .
" إيسو "
قطع هذا الصوت الصمت الساكن الذي خيم على غرفة المعيشة، وكانت المتحدثة هي إِيُون. ونظرت حولها بحذر لبرهة، ثم نادت إيسو بصوت خافت وتقدمت نحوها بخطوات سريعة.
"…ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟"
" قيل لي إنك متواجدة هنا، فشعرتُ بالقلق وجئتُ إلى المبنى الرئيسي لمقابلتكِ "
وبما أن إِيُون تعمل في مبنى الملحق الخارجي للقصر، فقد تملكها القلق بمجرد سماع خبر وجود إيسو هنا، فجاءت للاطمئنان عليها.
" أنا أنتظر استيقاظ سي ها لنبدأ الدرس "
"سي ها ليست نائمة؛ بل إنها تنتظر مغادرتكِ وعودتكِ إلى بيتكِ فحسب".
" أعلم ذلك "
"تعلمين بالأمر ورغم ذلك تصرين على البقاء والانتظار؟"
" يتوجب عليّ التواجد والانتظار بموجب الساعات التي تقاضيتُ أجرها "
لقد دفعت لها السيدة هان أجرًا سخيًا مقابل هذه الدروس، لدرجة جعلت إيسو تظن أن سوك هون هو من تدخل في تحديد القيمة لصالحها. وبما أن عائلة الطفلة قد اشترت وقتها كمعلمة فنون بكل سخاء، فإن واجبها يحتم عليها احترام ذلك الوقت والالتزام به.
"أنا على وشك إنهاء عملي والمغادرة، ألن تخرجي معي؟"
" لا تشغلي بالكِ بي واذهبي إلى منزلك، سأغادر أنا الأخرى بمجرد إنهاء عملي وحصتي "
" لقد اتصلت بي والدتنا وطلبت مني أن أحضركِ معي إلى المنزل هذا المساء حتمًا "
وتذكرت إيسو تفاصيل المكالمة الهاتفية الصاخبة التي وردتها من والدتها قبل ساعات، والتي كانت تصرخ فيها بذعر وكأن كارثة ستحل على رأسها إن لم توافق ابنتها على لقاء ميونغ جومين والزواج منه.
" لن أذهب "
" لن تأتي ؟ "
" نعم، لن أذهب، ولذا، أبلغي والدتنا بقراري هذا كما هو "
تحدثت إيسو بنبرة هادئة و رزينة، ثم أغلقت كتابها ونهضت من مكانها. وبما أن تصميم هذا القصر بأكمله لم يكن يختلف عن تصميم معرض فني فاخر، فقد قررت قضاء وقت الانتظار في تأمل اللوحات المعروضة .
****************************
الفصل : ١٦
كانت إيسو تقف أمام إحدى لوحات الفنان ميونغ كيو تشول منذ فترة ليست بالقصيرة .
ولقد مضى على انتظارها لسي ها أكثر من ساعة كاملة، وفي هذه الأثناء، أنهت إِيُون عملها. مدة حصة سي ها ساعتان، ولا يزال هناك وقت قبل انتهاء الموعد المحدد .
" يبدو أنكِ معجبة بأعمال الفنان ميونغ غيو تشول "
تناهى صوت جيهان إلى مسامعها من الخلف، فالتفتت إيسو لترى ملامحه. وكان جيهان، الذي يرتدي بدلة رسمية أنيقة، قد دخل إلى داخل المنزل للتو.
سلم حقيبة مستنداته للمساعد الذي كان يتبعه، ثم تقدم بخطوات واثقة نحو مكان وقوفها. وما إن اكتشفت مربية سي ها وجود جيهان، حتى تملكها الذعر وأسرعت بالركض نحوهما فورًا .
" … مرحبًا "
" كيف حالكِ يا آنسة شين إيسو ؟ "
" لستُ بخير "
" وما هو السبب الذي يمنعكِ من أن تكوني بخير ؟ "
" لأننا في وقت الحصة المقررة، ولكن سي ها لم تستيقظ من نومها بعد "
وأمام إجابة إيسو القاطعة، تملك الحرج الموظفة التي كانت تحاول التغطية على الطفلة واصطبغ وجهها باللون الأحمر من شدة الارتباك.
" سي ها نائمة ؟ "
وجه جيهان تساؤله نحو الموظفة بنبرة تستفسر عن حقيقة ما يحدث، وكانت نظراته تطالبها بتقديم توضيح وتفسير صادق للموقف .
أجابت الموظفة بصوت خافت وخجول وهي تشعر بالخزي والفشل، وتفرك أصابع يديها المضمومتين بارتباك: " … في الواقع … لقد شعرت الآنسة سي ها بالتعب وغلبها النوم لبرهة خاطفة، وبما أن موعد تناول وجبة العشاء قد اقترب، فقد كنتُ على وشك الذهاب لإيقاظها الآن "
" إذن لا داعي لإيقاظها، دعيها مستمرة في نومها لتنال قسطًا وافرًا من الراحة."
" ولكنها بحاجة لتناول وجبة العشاء، ولذا سأتولى أنا…"
"وهل يعقل لشخص مستغرق في نومه أن يشعر بالجوع أو يلتفت إليه؟"
وأمام كلمات جيهان الصارمة، ظهرت علامات الارتباك الشديد على وجه الموظفة وشخصت بنظراتها الحائرة نحو سلالم الطابق الثاني دون أن تدري ما العمل .
" إذا لم يكن لديكِ ارتباط خاص أيتها المعلمة، فما رأيكِ في تناول وجبة العشاء معنا قبل المغادرة ؟ "
" لا بأس، شكرًا لك، سأغادر بمجرد انتهاء الوقت المتفق عليه للحصة "
" وما المانع من قضاء ذلك الوقت في تناول وجبة العشاء معنا إذن ؟ "
" أنا أظن أن سي ها ليست نائمة في هذه الأثناء بالتأكيد "
أطلق جيهان ضحكة خافتة أمام كلمات إيسو وقاطعها: " أنا على علم بذلك، فلم يسبق لي أن رأيتُ تلك الطفلة تنام قبل الساعة العاشرة مساءً قط "
" وإذا كنت تعلم، فلماذا…."
" اعتبري الأمر بمثابة عقوبة وتأديب لها جراء إخلاف الوعد والكذب "
تبين أن جيهان والد صارم وحازم على غير المتوقع. وكان من المفاجئ لإيسو وجود شخص بالغ في هذا المنزل يملك القدرة على تقويم سلوك سي ها وتربيتها بحزم .
" يفضل أن تتناول وجبة العشاء برفقة سي ها إذن "
" هل تطلبين مني العفو عنها ومسامحتها ؟ "
" الطفل في مرحلة النمو بحاجة لتناول طعامه جيدًا ليكبر بشكل سليم، أليس كذلك ؟ "
" ألا تجدين تصرف سي ها وسلوكها مثيرًا للاستياء والامتعاض ؟ "
" بما أن الكبار من حولها لم يتولوا تعليمها وتوجيهها بأن مثل هذا السلوك غير مقبول، فإن الخطأ يقع على عاتق الكبار أولاً وأخيرًا "
"إذن، أنتِ ترين أن التربية المنزلية والأسرية في بيتنا تعاني من خلل وفوضى؟"
" أنا لم أقل الكلمات بمثل هذا الوصف الحاد "
قطبت إيسو حاجبيها بضيق خفيف؛ ففي كل مرة تتبادل فيها أطراف الحديث مع جيهان، يتملكها شعور غريب وكأنها تخضع لمقابلة شخصية صارمة ومليئة بالضغط والتدقيق.
" لماذا اخترتِ هذا المكان لدرس اليوم ؟ "
" هذا المكان يحوي أعمالاً فنية لا تقل روعة وقيمة عن المعروضات في المتاحف الكبرى، وهو المكان الأمثل لتطوير ذوق سي ها الفني وتدريبها على اكتشاف القيمة الجمالية للوحات "
"هل تعنين أنكِ تسعين لتطوير وتدريب حس طفلة صغيرة في هذا السن المبكر؟"
" أعتقد أنك لم توظفني هنا لمجرد ملء دفاتر التلوين بالخطوط والألوان برفقة سي ها فحسب "
أمال جيهان رأسه جانباً متأملاً كلماتها. وكما أشارت إيسو، فلو كان الأمر مقتصرًا على ممارسة ألعاب التلوين البسيطة على كراسات الرسم، لما كلف نفسه عناء الطلب من مدير معرض فني البحث له عن معلمة محترفة. ولم يكن عدم إطلاع والدته لإيسو على تفاصيل طبيعة العمل مسبقًا إلا بمثابة اختبار وتحدٍ لقدراتها.
" سنتناول وجبة العشاء نحن الثلاثة معًا إذن، برفقة سي ها أيضًا "
ورغم أن ملامح الحرج والتردد كست وجه إيسو أمام قرار جيهان، إلا أنها لم تبادر بالرفض مجددًا. وأومأت الموظفة الواقفة بجانبهما برأسها علامة على الفهم والموافقة، وأسرعت بالصعود إلى الطابق الثاني لإيقاظ سي ها فورًا.
" آنسة شين إيسو."
" نعم "
" هل تواعدين المدير يون، رئيس معرض دوتوم الفني ؟ "
" … لا "
اتسعت عينا إيسو بدهشة أمام سؤال جيهان المباغت. ولم تنطق بنفي الأمر إلا بعد برهة من التفكير والتردد، لعدم قدرتها على استيعاب الغاية الكامنة وراء سؤاله هذا.
" هذا غير متوقع "
" لماذا تعتقد ذلك ؟ "
" إن لم تخني الذاكرة، فربما كان لدى يون سوك هون ذوقٌ مشابهٌ لذوقي في النساء "
نطق كوك جيهان بتلك الكلمات الجريئة والمحرجة دون أن تهتز ملامح وجهه الصارمة أو تتغير، في حين تملك الارتباك الشديد قلب إيسو . و تسارع نبض قلبها من كلماته التي بدت ذات مغزى .
حاولت السيطرة على مشاعرها وضبط اضطرابها، مقنعة نفسها بأنها تبالغ في تفسير كلماته وتمنحها أبعاداً تفوق مقصده الحقيقي، نظراً لملامحه المسترسلة والباردة التي لم تتبدل .
سألت بنبرة حذرة: " هل تتحدث عن والدة سي ها البيولوجية ؟ "
" الأمر لا يتعلق بوالدة سي ها البيولوجية؛ إنها قصة قديمة، أعتقد أنها تعود إلى حوالي عشر سنوات."
لطالما تملك الفضول إيسو لمعرفة السبب الكامن وراء مشاعر الضغينة والنفور التي يحملها سوك هون تجاه جيهان، وها هو اللغز ينحل أمامها الآن بكل بساطة ويسر.
يبدو أن الرجلين اللذين التقيا بضع مرات في تجمعات الماضي، كانت قد تشابكت مشاعرهما وتنافسا حول امرأة واحدة. وكون أذواقهما تماثلت، فهذا يعني أنهما أُعجبا بالمرأة نفسها .
ولا تعلم إيسو سببًا لتلك المشاعر الغريبة وخيبة الأمل الخفيفة التي تسللت إلى صدرها فجأة عند تفكيرها في الأمر .
" إذن … من منكما فاز بقلب تلك الآنسة وأصبح حبيبها ؟ "
أمال جيهان رأسه قليلاً، وشبك نظراته بنظراتها بعمق أكبر. ولمحت إيسو في بريق عينيه شيئاً يشبه المزاح.
" من تظنينه فاز بها ؟ "
" … أظنه سوك هون، ولكن … يبدو أن تلك الآنسة كانت معجبة بك، أيها المدير."
" وكيف أدركتِ ذلك ؟ "
تسارعت دقات قلبها عندما ارتسمت على طرف عينيه ابتسامة خفيفة. وارتسمت في مخيلتها تلقائيًا صورة تلك المرأة التي لا بد أنها أحبت جيهان، وصورة سوك هون الذي لا بد أنه أحبها أيضًا .
لقد سبق لإيسو أن نظرت لوجه جيهان في تلك الفترة تقريبًا، إذ تذكرت هيئته قبل عشر سنوات في قصر سويوندانغ وشعرت أن عدم الوقوع في حبه في ذلك الوقت كان أمرًا صعبًا على أي امرأة.
لقد كان شابًا في أوائل العشرينات من عمره، يتسم بالرزانة والصلابة. ورغم أنه في ذلك الوقت كان أقرب إلى طالب يافع مقارنة بمظهره القيادي والحازم الآن، إلا أن جاذبيته الرجولية كانت تفيض منه وتتجاوز سنه بكثير .
" لأن ملامح وجهك الآن تبدو وكأن الأمر لا يعنيك."
لم ترغب بذكر هذا لزميلها الأكبر، إلا أن جيهان بدا وكأن وجود سوك هون لا يشكل له أي وزن أو أهمية؛ فمهما حاول سوك هون شحذ نبرته وتوجيه حدته نحو جيهان، فإن الأخير لا يبدي أدنى اهتمام بالأمر.
ورغم جهلها بالتفاصيل الدقيقة لتلك القصة، إلا أن برود جيهان وانزعاج سوك هون كانا كافيين ليوضحا لها طبيعة ما جرى في الماضي. غير أنها لم تملك الجرأة لمعرفة تفاصيل أوسع حول مشاعر جيهان تجاه تلك المرأة في ذلك الوقت، والسبب الذي منعه من الارتباط بها رغم اهتمامه .
" الأمر لا يعنيني لأنه بات حديثًا من الماضي وتجاوزه الزمن، وإن كان يبدو أن هناك من لم يتجاوزه بعد "
" بما أنه أمر ولى عليه الزمن كما قلت، فأنا موقنة أنه قد تجاوزه هو الآخر ولم يعد يعنيه "
فهل يعقل أن تكون مشاعر الغيرة لا تزال متقدة في صدر سوك هون بسبب قصة حبيبته السابقة مع جيهان ؟ ورغم منطقية هذا الاستنتاج، إلا أن إيسو شعرت بوجود حلقة مفقودة وتفاصيل أخرى غائبة في هذه المسألة .
" لقد تناهى إلى سمعي أن المدير يون قد واعد تلك الآنسة لفترة طويلة نسبيًا "
" وكيف علمتَ بأمر كهذا ؟ "
فالمؤكد أن سوك هون لا يدرك أن جيهان على علم بهذه التفاصيل .
" تلك الآنسة كانت متواجدة في قصر يودانغ خلال التجمع الأخير "
"… آه، هكذا إذن "
وتذكرت إيسو ذلك اليوم الذي زارت فيه قصر يودانغ لأجل العمل، والذي بدا في عينيها حينها وكأن المجلس قد أُعد خصيصاً لتدبير زواج جيهان. ويبدو أن حبيبة سوك هون السابقة كانت من بين أولئك النساء اللواتي أبدين اهتماماً عاطفياً واضحاً بجيهان في ذلك اليوم.
" ولكن، من هو الشخص في مستشفى غابيونغ ؟ "
شعرت إيسو بالارتياح لأن جيهان قد عمد إلى تغيير مجرى الحديث نحو وجهة أخرى، بعد أن ظنت أنها وقعت في حرج بسبب هذا الموضوع الشائك.
" إنها خالتي، وهي نزيلة هناك لتلقي العلاج والاستشفاء "
" آه، هل هي قريبة منكِ بشدة ؟ "
" لا، ليست كذلك "
وابتسم جيهان بخفة أمام نفيها القاطع والمباشر. وشعرت إيسو بالدهشة لأن ابتسامته تلك لم تكن تحمل أي تعبير من ملامح السخرية أو التهكم .
" أبي ! "
وفي تلك اللحظة، اقتحم صوت سي ها عزلة المكان الذي جمع بينهما. وكانت نبرتها واضحة ومستيقظة تماماً، ولا تشبه نبرة طفلة غادرت فراش النوم للتو.
التفتت إيسو بنظرها نحو سي ها، فلم تلمح أي تجعد صغير في ملابسها الأنيقة والمنسقة بعناية. وتملكها شعور قوي بأن الطفلة لم تغير ملابسها لأجل تناول العشاء، بل إنها ظلت ترتدي هذه الثياب طوال فترة غيابها. وكما توقعت مسبقاً، تبين أن سي ها كانت تتهرب من حصتها الفنية مع معلمتها عن عمد .
"هل استيقظتِ؟"
" نعم، كنتُ نائمة، لكنهم أيقظوني لأجل تناول وجبة العشاء"
ولم تبادر سي ها بإلقاء التحية على معلمتها، بل إنها لم تلتفت نحوها بطرف عينها، وتصرفت وكأنها في خلوة مع والدها جيهان بمفردهما.
"حسنًا، يتوجب عليكِ تناول العشاء أولاً، فلا يمكننا البدء بالحصة الفنية إلا بعد تناول الطعام، أليس كذلك ؟ "
"ولماذا نقيم درسًا في وقت متأخر من الليل؟"
"أليس اليوم هو الموعد المحدد لدرسكِ الفني؟"
عندها فقط، تحولت نظرات الطفلة نحو إيسو، وكانت عيناها تحملان عتاباً واستنكاراً وكأنها تسألها عن سبب بقائها وعدم مغادرتها حتى الآن. وبرزت شفتها السفلية الممتلئة قليلاً إلى الأمام وانتفخت وجنتاها تعبيراً عن شدة الضيق والاعتراض .
" لا، في الواقع أنا…."
" تفضلي بتناول وجبة العشاء معنا أولاً، ثم ابدئي حصتكِ الفنية بعد ذلك، وبإمكانكِ إدراج الوقت الضائع ضمن مستحقات الحصة وتكلفة الأجر عند رفع الفاتورة "
ولم تجد كلمات إيسو التي كانت تنوي بها الاستئذان والمغادرة طريقاً للخروج من بين شفتيها في نهاية المطاف.
وبعد فترة وجيزة، وجدت نفسها جالسة برفقة الاثنين أمام طاولة طعام طويلة مصنوعة من الرخام الفاخر. و وُضعت أمام كل فرد منهم أطباق وصحون تحوي أصنافاً متنوعة ومنسقة من الطعام. وبدت الأصناف المتراصة أمام ناظريها تتجاوز عشرة أنواع من المقبلات والأطباق الجانبية.
" نحن نتناول وجبة عشاء بسيطة وخفيفة عادة "
تحدث جيهان الجالس في المقابل فجأة، وكأنه حدس بما يدور في خلد إيسو وهي تتأمل بصرها بين أصناف الطعام المتنوعة. ورفعت إيسو رأسها وهي تقبض بيمينها على عيدان تناول الطعام، لتلتقي بنظرات جيهان.
" لقد كنتُ أفكر في أن أصناف الأطباق الجانبية كثيرة ومتنوعة بالفعل "
"وهل ترين في هذا الأمر اختلافاً ثقافياً بيننا؟"
" بل يمكنني وصفه بالفارق الطبقي والفجوة بين الغنى والفقر، أكثر من كونه اختلافاً ثقافياً ".
"وهل تعيشين في فقر شديد إذن؟"
" لسنا من طبقة الأثرياء على أية حال "
وكان مذاق الطعام طيباً ومناسباً لذوقها؛ إذ لم يكن يختلف كثيراً عن طبيعة الأطباق التي تتناولها في منزل عائلتها.
" لقد قالت المعلمة إن كثرة المال هو الأمر الأفضل في هذه الحياة "
واقتحمت سي ها حديثهما بنبرتها الممتلئة بالدلال والغطرسة. وبدت كلماتها -بعد أن بترت سياقها الأصلي- يحمل أوجه كثيرة من سوء الفهم والريب .
"هل قالت المعلمة ذلك حقاً؟"
" نعم، وقالت إنها سعيدة لأن جدتي تمنحها الكثير من المال، ولأجل هذا السبب هي تأتي إلى بيتنا "
وكانت الطفلة تستخدم عيدان تناول الطعام بمهارة فائقة لا تتناسب مع سنوات عمرها الصغيرة وهي تلتقط الأصناف. وتنقلها بين الأطباق أوضح أنها تحظى بسلوك غذائي قويم ولا تعاني من طبع الانتقائية في الطعام، غير أن أدب التعامل مع الكبار واليافعين بدا حلقة مفقودة في تربيتها .
" أحقاً الأمر كذلك ؟ "
" نعم "
أومأت إيسو برأسها، ثم مدت عيدان طعامها نحو طبق الخضار المتبل. وبما أن سي ها لم تفتعل كلاماً من العدم أو تكذب في حديثها، فلم تجد إيسو ضرورة أو حاجة لتصحيح كلمات الطفلة أو التعقيب عليها بتعديل .
" ألا تمارسين رسم اللوحات الفنية أيتها المعلمة ؟ "
" بلى، أنا مستمرة في نشاطي الفني و رسمي للوحات "
" لكن الجدة أخبرتني أن المعلمة ليست فنانة حقيقية "
وتحدثت سي ها بعد أن ابتلعت الطعام الذي في فمها بالكامل. ورغم أن الطفلة قد لا تقصد الإساءة بشكل متعمد، إلا أن كلماتها حملت استخفافاً وتقليلاً واضحاً من شأن معلمتها.
وبفضل تلك العبارة، أدركت إيسو النظرة الحقيقية والمكانة التي تضعها فيها السيدة هان في قرارة نفسها.
" بل أنا فنانة ورسامة حقيقية يا سي ها "
وعمدت إيسو إلى تصحيح المعلومة الخاطئة التي استقرت في ذهن الطفلة بكل هدوء وثبات.
"وهل يمكنني رؤية أعمالكِ و لوحاتكِ الفنية؟"
"…في وقت لاحق، إن كنتَ ترغب في ذلك حقاً "
تحدثت إيسو بصوت خافت بعد برهة وجيزة من التردد والتحفظ؛ فلم تكن تتوقع أن يبدي جيهان رغبة في الاطلاع على أعمالها الفنية و رسوماتها، غير أن بريق عينيه أوضح لها أن رغبته صادقة ولا تحمل زيفاً.
"ومتي ستعرضينها علينا؟"
وبدت ملامح الفضول والاهتمام واضحة على وجه الطفلة سي ها هي الأخرى.
"في اليوم الذي تنتهي فيه حصص سي ها الفنية معي".
"ومتى سيكون ذلك اليوم؟"
" هذا الأمر يعتمد عليكِ أنتِ بمفردكِ؛ فكلما التزمتِ بمواعيد الحصص ولم تتهربي منها، كلما اقترب ذلك اليوم بسرعة "
" …… "
أطلقت إيسو ضحكة صامتة في قرارة نفسها وهي تراقب عيني سي ها اللتين أخذتا تدوران بحيرة وقلق وهي تفكر في كلمات معلمتها.
****************************