الفصل ٥ و ٦ : جِلْسَا

" يا إلهي ! أليست هذه الآنسة سوجين ؟ "

وفي اللحظة التي كانت فيها إيسو تتردد بوجه مضطرب، صفقت إِيُون بيديها وتقدمت نحو سوجين بوجه سعيد. فانتقلت نظرات سوجين تلقائيًا نحو إِيُون. وبعد أن تأكدت من هويتها، قطبت سوجين ما بين عينيها قليلاً .

" صحيح، كيف تعرفينني ؟ "

" لقد ذهبتُ إلى سويوندانغ بضع مرات في الماضي برفقة والدتي التي تعمل هناك "

" والدتك ؟ آه، أأنتِ ابنة السيدة التي تكون زوجة السيد شين "

" نعم، هذا صحيح ! وهذه هي شقيقتي الصغرى، لقد جاءت اليوم لمساعدتي في العمل لفترة وجيزة "

" آه، إذن هذه هي شقيقتكِ ؟ أنا أحب السيد شين، لقد كان ينظف حذائي كل يوم في الماضي حتى يجعله نظيفًا جدًا "

ابتسمت سوجين برقة وهي تضيق عينيها توددًا. تراجعت إيسو بجسدها قليلاً إلى الخلف وتابعت عملها. وبدا لها أن المرأة تكن لها العداء، لكنها لم تستطع تخمين السبب وراء ذلك .

وفي مواقف كهذه، يكون الخيار الأمثل هو تجنب الحديث مع الطرف الآخر والابتعاد عنه .

" إذن، ما هو عمل شقيقتك الصغرى في العادة ؟ لقد ذكرتِ أنها جاءت اليوم للعمل بشكل مؤقت "

ومع ذلك، لم تكن أسئلة سوجين قد انتهت بعد. ويبدو أنها اختارتها لتكون وسيلة تدفع بها الملل عن نفسها .

" شقيقتي هي معلمة في معهد للفنون ".

" معهد للفنون …؟ "

" نعم، لقد تخرجت من قسم الفنون بجامعة H، وهي جامعة مشهورة جدًا في مجال الفنون "

وفور إجابتها، شدّت إِيُون قامتها بفخر . وكانت نبرة صوتها المرتفعة تفيض بالاعتزاز بشقيقتها. وعلى العكس منها، حيث انقطعت عن الدراسة الثانوية، كانت شقيقتها التي تخرجت من كلية فنون شهيرة هي مبعث فخرها. ومع ذلك، أخفت حقيقة أن إيسو ليست معلمة رسمية في المعهد .

" آه، كلية الفنون بجامعة H، لا بد أنكِ فخورة بها حقًا ".

وما إن أنهت إِيُون كلامها حتى انطلقت من سوجين ضحكة مكتومة. ويبدو أن فخر إِيُون بشقيقتها كان مدعاة للسخرية بالنسبة لها، ثم وجهت نظراتها بشكل حثيث نحو إيسو . وعندما شعرت إيسو بوطأة تلك النظرات الحارقة، اضطرت في نهاية المطاف إلى النظر إليها أيضًا.

" بما أنكِ تخصصتِ في الفنون، فلا بد أنكِ تعرفين الفنان ميونغ غيوتشول جيدًا، أليس كذلك ؟ إنه خالي "

" نعم، أعرفه جيدًا "

فليس من الممكن لمن ترسم ألّا تعرف الفنان ميونغ غيو تشول. وهو ابن الفنان الراحل الشهير ميونغ غيجونغ، الذي عُرف بعبقريته .

" يمكنني أن أجعلكِ تلتقين بخالي "

" لا بأس، شكرًا لكِ "

ولم يعجب سوجين رد فعل إيسو، فقفز حاجبها قليلاً بغضب .

"ألن تندمي لاحقًا؟"

" نعم ".

أومأت إيسو برأسها دون تردد. لأنها كانت تعلم أن كلمات سوجين لم تكن نابعة من صدق. فكل ما كانت تريده سوجين هو رؤيتها وهي تكاد تطير فرحًا من شدة الامتنان لالتفاتة صغيرة منها. ورغم أن شدة الملاحظة وسرعة الفهم تكون محزنة أحيانًا، إلا أنها بدت مفيدة في مواقف كهذه .

" فلتفعلي ما تشائين إذن "

تحدثت سوجين بملامح متعالية، ثم قطفت حبة عنب من طبق الفاكهة و وضعتها في فمها، وبدأت تتجاذب أطراف الحديث مع المحيطين بها.

" …… "

تنفست إيسو الصعداء في سرها، ثم انتبهت فجأة وتفقدت تعابير وجه إِيُون. وظنت أن إِيُون ستوبخها حتمًا على تفويت مثل هذه الفرصة الثمينة، ولكن على غير المتوقع، لم تقل إِيُون شيئًا لإيسو. بل استمرت في أداء عملها بصمت و وجه كئيب .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

عندما بدأ الضيوف في تناول طعامهم، تراجع العاملون إلى مسافة تمكنهم من المجيء مسرعين فور استدعائهم. و وقفت إيسو هي الأخرى تنتظر في مكان يبعد مسافة مناسبة عن الطاولة.

ورغم أنهم كانوا أمام عينيها مباشرة، إلا أن المسافة التي تفصلها عن الطاولة التي يجلس عليها الضيوف بدت بعيدة كبعد مجرة درب التبانة. ولم يكن لدى إيسو أي شعور بالواقعية، لدرجة أنها توهمت أن مظهرهم وهم يتجاذبون أطراف الحديث يشبه مشاهدة دراما تلفزيونية .

وفي تلك اللحظة، ظهر شخص ما على بعد مسافة واجتاز الحديقة سيرًا. كانت امرأة في منتصف العمر برفقة طفلة تبدو في سن رياض الأطفال. وبناءً على الأجواء المحيطة بهما، بدا أنهما في طريقهما للعودة بعد قضاء نزهة في الخارج.

استقطبت الطفلة أنظار الضيوف بالكامل، وعندما تلاقت عيناها مع عيني جيهان، توقفت في مكانها. وظلت واقفة تحدق بذهول، فوضع جيهان الكأس الذي كان يحمله في يده، ثم أشار بيده نحو الطفلة .

" تعالي إلى هنا "

نظرت الطفلة إلى المرأة في منتصف العمر لبرهة، ثم سارت بخطوات ثقيلة نحو الطاولة و وجهها يكسوه البرود. كانت الطفلة ترتدي حذاءً أسود لامعًا وجوارب بيضاء تصل إلى الركبة، ومعطف باللون البيج، وتضع في شعرها دبوس مزينًا بشريط .

" إنها كوك سي ها، ابنتي "

جذب جيهان الطفلة لتقترب منه، ثم قدمها للضيوف المدعوين وكأن الأمر طبيعي تمامًا، و ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة. وحينها، تبادل الضيوف الجالسون أمام الطاولة نظرات سريعة فيما بينهم.

إنها نقطة الضعف الوحيدة لكوك جيهان، الطفلة التي قيل إن جيهان احضرها نتيجة خطأ في أيام شبابه. ورغم أنه سرت شائعات في وقت ما تزعم أن الطفلة ابنة غير شرعية لرئيس مجلس الإدارة كوك، إلا أن الطفلة كانت مسجلة رسميًا كابنة في سجل جيهان المدني .

" مرحبًا يا سي ها، أنتِ جميلة حقًا، وتشبهين والدكِ كثيرًا "

بادرت سوجين بالحديث أولاً متوددة إلى سي ها بابتسامة دافئة. ومع ذلك، اكتفت سي ها بالتحديق فيها بجمود دون أن تنطق ببنت شفة.

" أريد أن أقدم لسي ها هدية، وسأكون سعيدة إن أخبرتِني بما تحبينه "

" ولماذا ستقدمين لي هدية ؟ "

ارتسم الارتباك على وجه سوجين بسبب إجابة سي ها التي اتسمت بالجفاء: " هذا لأن سي ها جميلة بالطبع "

" ولكن أبي لن يتزوجكِ على أي حال "

"لماذا تظنين ذلك؟"

" …… "

سألتها سوجين، لكن سي ها أطبقت شفتيها بإحكام مجددًا كالمحار. وظلت نظرات الحذر تجاه سوجين كما هي دون تغيير.

" الطفلة لا تخشى الغرباء، لكنها تختار الأشخاص الذين تتعامل معهم "

انطلقت من جيهان ضحكة مكتومة ثم أومأ برأسه نحو أحد العاملين، فتقدمت المرأة في منتصف العمر بخطوات سريعة، وأمسكت بيد سي ها وتوجهت بها نحو المبنى الداخلي.

وبعد أن قطعت بضع خطوات، التفتت الطفلة إلى الوراء و رمقت النساء الجالسات حول الطاولة بنظرات حادة واحدة تلو الأخرى، ثم أدارت رأسها فجأة وابتعدت بخطوات سريعة.

" كم عمرها ؟ "

" سبع سنوات "

كوك سي ها، الطفلة التي قيل أنها ولدت نتيجة خطأ قبل أن يتخرج من الجامعة. ولم يكن هناك أي معلومات معروفة عن والدة الطفلة. ورغم كثرة الشائعات التي زعمت أن أمها البيولوجية كانت عاملة في حانة أو فنانة طموحة، إلا أنه لم يتم تأكيد أي منها .

"سمعتُ أنها ستذهب إلى المدرسة الدولية في جزيرة جيجو في العام المقبل، أليس كذلك؟"

" من الذي سيذهب إلى أين ؟ "

" سي ها، لقد بلغت السن التي تؤهلها للذهاب إلى المدرسة "

انطلقت من جيهان ضحكة ساخرة. لقد وضعت والدته خططًا متنوعة للغاية لتزويجه. وبالنظر إلى أنها ذكرت أمر إرسال سي ها إلى جزيرة جيجو البعيدة، فإنها كانت جادة تمامًا بشأن مسألة زواجه.

ورغم كونه أبًا غير متزوج، إلا أن النساء اللواتي تهافتن عليه كالفراشات نحو النار كنّ كثيرات. وكانت النساء اللواتي يرغبن في الوقوف بجانبه وتحمل اسم زوجته لا يُحصين بأصابع اليد الواحدة، فهو الابن الوحيد الذي سيرث شركة هوغوك للإنشاءات، والحفيد الأكبر لعائلة عريقة ومرموقة. ولم تكن هناك امرأة ترى في الطفلة التي أنجبتها سرًا امرأة لم تعترف بها العائلة ثم تخلت عنها، تهديدًا لها . بل على العكس، زاد عدد النساء اللواتي يأملن في أن يصبح كوك جيهان من نصيبهن بسبب تلك العقبة تحديدًا .

" ماذا تحب سي ها ؟ "

" لا أعلم "

مرر جيهان إبهامه ببطء فوق الكأس الذي يحمله في يده. ولم يكن اتجاه نظراته يتوافق مع مسار أفكاره. وكان تركيزه يتشتت بين الفينة والأخرى، ولم يكن ذلك بمعزل عن تلك المرأة التي لا تحمل بطاقة اسم .

" أنا أفعل هذا لرغبتي في بناء علاقة جيدة مع سي ها، فلتمنحني بعض التلميحات إذن، حسنًا ؟ "

" هل تحتاج سي ها لأن تعرف حتى الأشخاص تحت الأفرع الجانبية لعائلة سويوندانغ ؟ "

" لماذا تتحدث بهذه الطريقة ؟ "

" بالفعل، لا أصدق أنني وصلت إلى هذا الحد."

لقد تعرف على شين إيسو من النظرة الأولى . فالمرأة التي جذبت انتباهه بمظهرها فحسب، كانت شخصيتها أيضًا توافق ذوقه دون أي داعٍ لذلك .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

بعد أن انتهى ذلك اللقاء الذي أُقيم تحت غطاء اجتماع للمعارف وغادر الضيوف، شرب جيهان الشاي مع سوك هي .

وكانت الأريكة المصممة على شكل حرف ( U ) موضوعة بمسافة مناسبة تتيح للاثنين الجلوس في مواجهة بعضهما بعضًا .

"لقد غيّرتِ اللوحة؟"

كانت نظرات جيهان مثبتة منذ فترة على لوحة تحتل جزءًا من أحد جدران غرفة المعيشة. وعلى الجدار الذي يظهر أمامه مباشرة، عُلقت لوحة جديدة بعد أن أزاحت اللوحة الأخرى التي شغلت هذا المكان لفترة طويلة جدًا.

إنها لوحة من المقاس الثلاثين، كانت قد سُلّمت إلى المنزل سرًا بالأمس قبيل لقاء اليوم .

" أليست رائعة ؟ إنها من أعمال الفنان ميونغ غيو تشول، لقد أهدتني إياها السيدة آن، سيدة عائلة سويوندانغ "

وانثنت عيناها إلى الأسفل وهي تعبر عن رضاها التام. لوحة للفنان ميونغ غيو تشول، ومن أعمال فترة ذروته الفنية أيضًا. وبحسب علمه، فإن أعماله تتداول بأسعار مرتفعة للغاية، لكن السيدة آن أهدتها لوالدته بسخاء كبير. ولذلك، لم يكن هذا التعامل أمرًا عاديًا؛ بل هو رغبة في تقديم شيء ثمين للحصول في المقابل على شيء أكبر .

" آه صحيح، كيف وجدتَ الأمر بعد لقائهن اليوم ؟ بالنسبة لي، أرى سوجين فتاة لطيفة أيضًا، إنها الحفيدة الوحيدة للسيدة آن، أليس كذلك ؟ "

سألته سوك هي وهي تضع كأسها. واللقب الذي كانت تطلقه عليها في العادة بأنها حفيدة عائلة سويوندانغ من جهة الابنة، تحول فجأة ليصبح اسمها سوجين. ولا بد أن هذا كان أثر اللوحة التي أرسلها الفنان ميونغ بطلب من السيدة آن .

" يبدو أن لوحة الفنان ميونغ قد أدت دورها على أكمل وجه "

تحدث جيهان وهو يرفع كأسه بلا مبالاة، فضيقت سوك هي عينيها قليلاً. لكنها سرعان ما بددت تلك المشاعر التي طفت على السطح، وأعادت فتح فمها بوجه مبتسم .

" لقد أخبرتُها بأنك ستستقل بالعيش في منزل منفصل، وأنني سأتولى أنا تربية سي ها، لذا تفهمت وضعنا سريعًا "

" لكنني سمعتُ أنكِ أخبرتِها بأنكِ سترسلين سي ها إلى جزيرة جيجو "

"وهل يعد توفير تعليم جيد للطفلة خطأً؟"

"إنها لا تزال في السابعة من عمرها فحسب".

" هذا مدهش، فأنت تعلم على الأقل أن سي ها في السابعة من عمرها "

انطلقت من سوك هي ضحكة ساخرة خفيفة. فقد تأذت مشاعرها من ابنها الذي كان يتصيد أخطاء كلماتها في كل مسألة.

" ولماذا غيّرتِ اسم سي ها ؟ "

" لقد غيّرنا الاسم مؤخرًا، وبسبب مرض والدك وأمور أخرى، قيل لنا إنه من الأفضل تغيير اسم سي ها كفأل حسن لجميع تلك الظروف "

" لم أكن أعلم أنكِ تؤمنين بالشامانية والدجل "

" منذ أن أحضرتَ سي ها إلى هنا، بتُّ أؤمن بكل شيء، كل هذا بفضلك "

أطلق جيهان ضحكة مكتومة وهو يحدق في جوف كأس الشاي. فقبل سبع سنوات، ارتكب لأول مرة في حياته عقوقًا لوالديه. ولم تكن الصدمة التي تلقاها والداه صغيرة عندما دخل عليهما فجأة ذات يوم وهو يحمل طفلة بين يديه .

" أنت ابننا الوحيد يا جيهان."

" ستحزن شقيقتي إن سمعت هذا الكلام "

" وأي شقيقة تتحدث عنها ؟ "

" أمي "

ارتسمت على شفتي سوك هي على الفور ابتسامة باردة. وأحاطت بها أجواء من الجفاء الشديد .

فقبل ثماني سنوات، غادرت سونغ يون، الابنة الكبرى التي كانت محل ثقة في عائلة كوك، المنزل وتخلت عن كل ما تملكه لتتبع حبًا فقيرًا. ورغم أنها عادت في نهاية المطاف بعد تقلبات وصعاب كثيرة، إلا أن كل شيء لم يعد كما كان في السابق. ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، غدت سونغ يون وجودًا ممسوحًا تمامًا من العائلة .

< أتظنين أن سمكة عاشت في مياه من الدرجة الأولى يمكنها العيش في مياه من الدرجة الرابعة ؟ إنها ستدفع ثمن خيارها الأحمق >

مَن ذا الذي قال إن علاقة الآباء بالأبناء هي رابطة مقدسة لا تنفصل ؟ فالوالدان اللذان تيقنا مسبقًا من شقاء سونغ يون، قطعا خط العودة على ابنتهما، فدُفعت هي إلى طريق مسدود .

< … أنا آسفة يا جيهان >

وضع جيهان كأس الشاي محدثًا صوتًا طفيفًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة.

لم يكن قد ندم أبدًا على القرار الذي اتخذه آنذاك. وحتى لو عاد به الزمن إلى ذلك اليوم من الماضي مجددًا، فإنه سيتخذ الخيار نفسه دون تردد .

****************************

الفصل : ٦

في ساعة متأخرة من الصباح، نزلت إيسو من الحافلة، وتوجهت إلى المقهى لتشتري قهوة، ثم سارت بضعة أمتار أخرى ودخلت إلى مبنى مكون من خمسة طوابق .

وكان هناك لافتة صغيرة معينة الشكل مكتوب عليها «دوتوم» معلقة على الجدار الخارجي للمبنى، وهو المكان الذي يضم معرض الفنون حيث تعمل إيسو.

إنه مكان عمل إيسو غير الرسمي، والتي لم تكن مبعث فخر كامل لشقيقتها إِيُون. وهو أيضًا المقر الذي تعتقد عائلتها، بناءً عليه، أنها تعمل فيه كمعلمة بدوام جزئي في معهد للفنون .

وباستثناء الطابق الأول الذي يستخدم بابًا منفصلاً للدخول، فإن الطابق الثاني يُدار كمكاتب، والطابقين الثالث والرابع كمعرض للفنون، أما الطابق الخامس فهو مرسم شخصي. وكانت إيسو تقيم في الغالب داخل مرسم الطابق الخامس ما لم يكن هناك أمر طارئ.

استقلت إيسو المصعد وصعدت مباشرة إلى الطابق الخامس. وتميز الطابق الخامس الذي صُمم بسقف مرتفع ببيئة مريحة ومهيأة للعمل على أكمل وجه. وهو المرسم الذي حصلت عليه من رئيس المعرض، زميلها الدراسي السابق سوك هون .

يون سوك هون. زميل إيسو الأكبر في الجامعة، هو رئيس معرض «دوتوم» للفنون، وهو أيضًا ابن مديرة متحف فنون شهير . وعندما فتحت إيسو باب مرسم الطابق الخامس ودخلت، كان سوك هون واقفًا بجانب النافذة يشرب القهوة. والتفت إلى الوراء فور شعوره بحركة ما، ورفع يده اليمنى مرحبًا بها عندما رآها .

"ألم تعد إلى المنزل بالأمس أيضًا؟"

"لقد جئت إلى العمل مبكرًا فحسب، هناك تلك المقولة المأثورة الجيدة التي تتحدث عن الطائر الذي يستيقظ باكرًا في الصباح "

" إنها الحادية عشرة صباحًا الآن "

" بما أن الوقت قد تأخر على أي حال، فقد انتظرتكِ لنأكل معًا قبل أن أعود للمنزل "

هزت إيسو رأسها و رتبت حقيبتها ومعطفها، ثم وقفت بجانبه ممسكة بقهوتها. ورغم أن الطابق الخامس معروف بأنه المرسم الشخصي لسوك هون، إلا أن إيسو هي من تستخدمه في الواقع.

وكل ما يفعله سوك هون في هذا المكان هو مراقبة إيسو وهي تعمل من بعيد، أو الجلوس على حافة الطاولة لارتشاف القهوة. وكان يملك عادة غريبة تقضي بصعوده إلى الطابق الخامس حاملاً القهوة التي أعدها في مكتب الطابق الثاني ليشربها هناك دون غيره .

"ماذا فعلتِ بالأمس؟"

" لقد نقص عدد العمال فجأة في المنزل الذي تعمل فيه شقيقتي، فذهبت لمساعدتها ".

تحدثت إيسو على ذلك النحو ثم رشفت من قهوتها. وبمجرد دخولها إلى هذا المكان المريح، شعرت بأن تلك المشاعر المستاءة التي تملكتها بالأمس في يودانغ قد بدأت تتبدد. وإذا سألها أحد عما إذا كان قد حدث أمر خاص، فلن تجد ما تقوله، غير أن مجرد تذكر الأمس كان يجعل قلبها يثقل بالاستياء.

" إذا كنتِ ستستخدمين يديكِ بهذه الطريقة المتهورة، فمن الأفضل أن تمنحيني إياهما فحسب "

" لم يكن الأمر شاقًا إلى ذلك الحد، ولقد حظيت برؤية أشياء جيدة بفضل ذلك، أتَعرف رئيس مجلس إدارة شركة هوغوك للإنشاءات، السيد كوك يونغ دون ؟ شقيقتي تعمل في منزل تلك العائلة "

" وهل يقتصر الأمر على معرفته فحسب ؟ السيدة هان، سيدة منزل يودانغ، هي من كبار الشخصيات في معرضنا، إن يودانغ مكان رائع، ويستحق قضاء يوم كامل لزيارته "

أومأت إيسو برأسها تأييدًا لكلمات سوك هون. فقد كان لمنزل عائلة يودانغ العريق بطبقاته التاريخية، يتمتع بمنظر طبيعي خلاب وجميل. لدرجة أنه بقي في نفسها حسرة و رغبة في الحصول على فرصة للتجول فيه مجددًا ببطء .

" صحيح، أنا أيضًا أرى أنني أحسنتُ الصنع بالذهاب إلى هناك بالنظر إلى الأمر ككل "

" لماذا ؟ هل حدث لكِ أي خطب هناك ؟ "

لزمت إيسو الصمت لبرهة أمام سؤال سوك هون. فقد كان هناك بالأمس عالمان مختلفان تمامًا داخل المساحة نفسها. ورغم أنها وقفت بالقرب من الضيوف واستمعت إلى الأحاديث التي دارت بينهم، إلا أن إيسو لم تكن معهم بالأمس. ولعلهم كانوا يعتقدون الأمر نفسه وإن لم تفصح عنه الظواهر، بأنهم والعاملين يعيشون في عالمين منفصلين .

" لقد شعرتُ بالفضول تجاه أولئك الذين يعيشون في عالم يختلف عن عالمي فحسب، وربما شعرت بقليل من الغبطة تجاههم أيضًا".

أدركت إيسو وهي تراقبهم أنها تعيش في مجتمع تنقسم فيه الطبقات بشكل واضح لدرجة تجعل المرء لا يصدق أنهم في القرن الحادي والعشرين. فالنظام الطبقي لم يختفي، بل بات موجودًا في العصر الحديث بشكل يختلف عما كان عليه في الماضي .

" أنتِ لا تقصدين ذلك حقًا، أليس كذلك ؟ "

" أنا أيضًا إنسانة عادية، ومن الطبيعي أن أغبط أولئك الناس"

"أن يتلفظ لسانكِ بكلمة 'عادية'، فأنتِ حقًا فتاة بلا ضمير، أليس كذلك؟"

" وأنا أيضًا لا أريد سماع مثل هذا الكلام من شخص ثري "

مع أن سوك هون لم يكن من عائلة مرموقة، إلا أنه بالتأكيد لم ينشأ في عائلة عادية. فوالده أستاذ جامعي، و والدته مديرة متحف فنون شهير .

كما أن معرض «دوتوم» للفنون الذي يتولى رئاسته كان معرضًا مرموقًا يعرض و يبيع أعمال رسامين مشهورين بشكل حصري .

" وأنا كذلك لا أريد سماع مثل هذا الكلام منكِ "

تلاقت أعينهما في الفراغ، فأطلقا ضحكة مكتومة، ثم أعادا نظراتهما إلى الأمام و رشفا من القهوة.

" صحيح، لقد تقرر إقامة معرض خاص للفنان ميونغ غيو تشول في معرضنا، هذا الأمر لا يزال سرًا وغير معلن بعد "

"ألم يكن الفنان ميونغ قد توقف عن ممارسة نشاطه الفني؟"

التفتت إيسو نحو سوك هون بوجه تعلوه الدهشة. فقد كان الرسام ميونغ غيو تشول قد توقف عن العمل الفني بعد بضع سنوات من وفاة والده عن عمر يناهز التسعين عامًا.

ومع طول فترة ركوده الفني، بدأت تتردد آراء قوية تزعم أنه في طريقه للاعتزال من عالم الفن. ولم يكن من الغريب أن تشعر بالدهشة لسماع أنه أنهى عزلته الطويلة وعاد لممارسة نشاطه الفني مجددًا .

" لم يعترف بذلك بنفسه أبدًا، ولا أعلم ما هو سبب هذا التغير في مشاعره، لكنه أمر يرحب به عالم الفن حتمًا، ولقد تبين أنه رسم الكثير من اللوحات خلال تلك الفترة "

" …… "

الفنان ميونغ غيو تشول. هو الحفيد الأكبر لعائلة سويوندانغ وهو شخصية استعادت وعيها بمعجزة بعد أن ظل مستلقيًا في المستشفى لبضع سنوات إثر تعرضه لحادث جسيم وقع له منذ زمن بعيد .

سمعتُ أن من حوله كانوا قد فقدوا الأمل في نجاته آنذاك. لكنّ القلق من انقطاع سلالة العائلة لم يدم طويلاً، فلحسن الحظ، أنجبت زوجته، التي كانت حاملاً وقت الحادث، ابنهما ميونغ جومين، مما أراح العشيرة.

وكانت قصة عودته إلى المنزل، بعد أن ظل مستلقيًا دون أن يعلم حتى بوجود طفله، وبكاؤه الشديد عند رؤية ابنه البالغ من العمر أربع سنوات، قصة مؤثرة ومشهورة للغاية .

" لو عُرضت آخر أعمال الرسام ميونغ غيجونغ إلى العالم بعد وفاته، لكان ذلك أمرًا مذهلاً حقًا "

الفنان ميونغ غيو تشول، ابن الفنان العبقري ميونغ غيجونغ. ولا أحد يعلم السبب وراء اضطراره لخوض ركود فني طويل دام عشر سنوات بعد انقضاء سنوات الحداد الثلاث على والده، وهو الذي قدم أعمالاً فنية عظيمة بعد عودته من عتبة الموت .

وسرت شائعات بين الناس تزعم أن السبب في ذلك يعود إلى سرقة آخر أعمال الفنان ميونغ غيجونغ. ورغم أن السرقة تعد خطبًا جسيمًا بحد ذاتها، إلا أن توقيتها كان سيئًا للغاية، إذ حدث ذلك الأمر تحديدًا في يوم المراسم السنوية لتقديم التحية للأجداد .

"هل ذهبتَ أنت أيضًا إلى منزل رئيس مجلس إدارة شركة هوغوك للإنشاءات؟"

"ذهبتُ إلى هناك بضع مرات من أجل بعض الأعمال الفنية، ولكن، لماذا تسألين عن هذا فجأة؟"

" كان هناك طفلة صغيرة في ذلك المنزل، وقد شعرتُ بقليل من المفاجأة لأن والدها كان شابًا للغاية "

" هل رأيتِ كوك جيهان هناك ؟ "

سألت إيسو وهي تميل برأسها قليلاً: " وكيف تعرفه أنت ؟ "

" إن كوك جيهان، سليل عائلة يودانغ، شخصية مشهورة، إذن هل التقيتِ بذلك الرجل هناك بالأمس ؟ "

" رأيته للحظة بمحض الصدفة أثناء العمل، فقد دعا بعض الضيوف إلى تجمع الغداء، وكان عدد الضيفات من النساء كثيرًا على وجه الخصوص "

" وجود طفلة لديه لا يقلل من قيمته حتمًا، فهناك دائمًا الكثير من النساء اللواتي يرغبن في أن يصبحن أمهات لتلك الطفلة "

تحدث سوك هون وهو يلوي حافة شفتيه متهكمًا .

" أنت تكره ذلك الرجل إذن "

" ولماذا أكره شخصًا قد يصبح عميلاً كبيرًا لدينا في المستقبل ؟ أما أنتِ، فما قصتكِ معه ؟ "

ألقى سوك هون نظرة خاطفة نحوها وهو يسأل، فقلبت إيسو عينيها جانباً.

" لقد دخلتُ بالخطأ إلى الفناء الخلفي المحظور الدخول إليه، وكدتُ أُصاب بسهم أطلقه ذلك الرجل، ويبدو أن الرماية بالقوس هي هوايته، فقد كان هناك ميدان كبير جدًا لرماية السهام في الفناء الخلفي "

" ألا يجب لذلك الرجل أن يلعب الغولف في منزله الواسع كالقصر بدلاً من رماية السهام ؟ كل ذلك مجرد تظاهر واستعراض فحسب، لا أعلم ما الذي يعجب النساء في شخص مثله "

" يبدو لي بوضوح أنك تكرهه، أليس كذلك ؟ "

" الأمر ليس كرهًا، بل إنه مزعج بعض الشيء فقط، ماذا تريدين أن تأكلي على الغداء ؟ فلنذهب إلى مكان بعيد لنتناول طعامًا شهيًا "

تلاقت عيناها مع عيني سوك هون، فارتسمت على وجه إيسو ابتسامة مرتبكة: " لدي موعد بعد الظهر ويجب عليّ المغادرة سريعًا، لذلك لا يمكنني الذهاب إلى مكان بعيد "

" أي موعد هذا في يوم السبت ؟ وأنتِ لا تملكين حبيبًا حتى "

" إنه موعد مع كبيرة العائلة "

تحدثت إيسو على ذلك النحو، وارتسمت في سرها ابتسامة مريرة. فقد كان اليوم هو اليوم المحدد للقاء السيدة آن ميونغ جا، والدة الفنان ميونغ غيو تشول و رئيسة المؤسسة .

وبمجرد التفكير في لقائها، بدأ قلبها يخفق بشدة وشعرت بصداع يهاجم رأسها .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

رفعت إيسو بكلتا يديها كأسًا أبيض يحتوي على شاي نُقعت أوراقه جيدًا. كانت تجلس الآن في مقهى هادئ أمام السيدة آن، كبيرة عائلة سويوندانغ.

" حسبما سمعتُ، فإنكِ تعملين كمعلمة في معهد ما هذه الأيام "

" أنا أساعد في معهد يملكه زميل دراسي سابق، أعمل هناك بدوام جزئي بين الحين والآخر "

" يقال إنكِ كنتِ تنالين الجوائز في المسابقات الكبرى عندما كنتِ صغيرة، فكيف انتهى بكِ المطاف بمجرد عمل جزئي في معهد بالحي "

" …… "

أطلقت زفرة متهكمة، ثم رشفت رشفة من الشاي و وضعت الكأس بأناقة فوق طبق القاعدية.

"عمركِ ثمانية وعشرون عامًا الآن، أليس كذلك يا إيسو؟"

"…نعم، يا كبيرة العائلة "

شعرت إيسو في سرها بقليل من المفاجأة لأن المرأة تعلم عمرها بدقة. فحتى أفراد عائلتها المقربون يضطرون أحيانًا للتفكير مليًا لتذكر الأمر، لذا تملكها شعور غريب لأن شخصًا غريبًا لا صلة له بها يعلم عمرها بالتحديد .

" عليكِ أن تفكري في الزواج قريبًا "

" لم أفكر في الزواج ولو لمرة واحدة بعد".

" لا تتحدثي هكذا، سأعرّفك على شخص ما، لذا اذهبِ و قابليه، سيكون مناسبًا لك تمامًا "

لم يكن أمام إيسو مفر من الارتباك أمام كلمات السيدة آن. فلم تكن تتوقع مطلقًا أن الغرض من طلبها اللقاء شخصيًا هو تدبير زواج.

وفي الواقع، كان من الصعب فهم السبب الذي يجعل امرأة تشغل منصب رئيسة مؤسسة تعليمية وكبيرة عائلة عريقة تلتقي بشكل منفصل بابنة موظف بسيط يعمل لديهم .

" إن كان هناك شخص مناسب، فأرجو أن تعرفيه على شقيقتي الكبرى أولاً بدلاً مني "

" ومن ذا الذي سأعرفه على فتاة لم تتخرج حتى من المدرسة الثانوية ؟ فتاة لا تملك شيئًا واحدًا تتباهى به، لا عائلة ولا تعليم ولا وظيفة "

ارتسمت على شفتي ميونغ جا ابتسامة ساخرة باردة وكأن الأمر غير معقول تمامًا. وبدت الغطرسة واضحة في حركاتها المسترخية وهي تخفض عينيها وتداعب سطح الكأس ببطء بأطراف أصابعها.

" أنا أيضًا ابنة ذلك المنزل، وأنا كذلك لا أملك شيئًا خاصًا أتباهى به "

"لقد نشأتِ بشكل جيد رغم تلك البيئة، ولذلك تملكين الحق في أن تعيشي حياة أفضل "

" …… "

راقبت إيسو بوجه يعلوه الحيرة ملامح ميونغ جا التي كستها علامات الرضا. ولم تستطع فهم السبب الذي جعل المرأة راضية عنها إلى هذا الحد.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان