الفصل ١٢٤ و ١٢٥ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم السادس عشر _ 1/11 (12)

" سيريا، يبدو أن لهذه المرأة صلة بالمدير."

" آه، تذكرت الآن … قالت السيدة سيريا إنها أضاعت مفتاح بطاقة الدخول."

فيفيان لوبيز … كانت هذه المرأة مفيدة حقاً، أكثر بكثير مما كان يتخيل.

بشعرها المربوط بإحكام ونظاراتها السوداء، كانت فيفيان تبدو كأنها "ريبيكا" الحقيقية تماماً.

"متى أضاعت المفتاح؟"

"منذ أسبوع تقريباً."

" …… "

"...... هل أبحث عن مزيد من المعلومات؟"

أومأ سيزار برأسه صمتاً رداً على سؤالها، فتهلل وجه فيفيان على الفور، وكأنها سعيدة لكونها قدمت مساعدة ما.

كان من الغريب رؤية امرأة تبتسم بمثل هذا الصفاء لأمر لا يخصها شخصياً.

تطاير شعرها مع نسمات الهواء وهي تسير أمامه. ومع كل دقة لخطواتها، كان قلب سيزار يضطرب. كأن موجة ناعمة من "تسونامي" تجتاح صدره. ورغم أنه شعر بضيق في التنفس، إلا أنه وجد أن هذا الشعور ليس سيئاً. بل شعر بالامتنان لأنها كانت هي من جاء إلى شخص محطم مثله.

لأنكِ أنتِ من اقتحمتِ جحيمي بمحض إرادتكِ، ولأنني استطعتُ أن أسير خلفكِ.

تبع سيزار المرأة بهدوء. وعلى الأغصان التي كانت جرداء، بدأت أوراق خضراء في التفتح.

رغم أنني قد لا أستطيع جعل زهوركِ تتفتح، إلا أنني شعرتُ برغبة في أن أختنق وسط ذلك "التسونامي" بكل سرور، فقط لأراكِ وأنتِ في كامل نضارتكِ .

ورغم إدراكه لمدى حماقة وغطرسة هذا التفكير، إلا أن سيزار بدأ يحلم بالمستقبل.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

" هل تجيدين استخدام المسدس ؟ "

" هاه ؟ لا."

أخرج سيزار مسدساً من جيبه ومده نحو فيفيان.

" آمل ألا تضطري لاستخدامه، لكن للاحتياط فقط."

ارتجفت عينا فيفيان. كانت رقيقة جداً، كأنها ستتحطم بمجرد إحكام القبضة عليها. أمسك سيزار بيديها وأجبرها على القبض على المسدس. وكما توقع، كانت يداها صغيرتين للغاية. بالكاد تصل لنصف حجم يده.

في تلك اللحظة، ولأول مرة، شعر سيزار بالندم لقبوله طلبها .

" صوّبي نحو المناطق الحيوية."

حدقت فيفيان في المسدس الذي استقر بين يديها.

" فأنا لا أريدكِ أن تُصابي بأذى."

" لن يحدث ذلك."

" يجب ألا يحدث."

اتسعت عينا فيفيان عند سماع كلماته. أفلتت منه ضحكة خافتة دون وعي ومد يده نحوها، مما جعلها تنتفض بوضوح.

لم يكن رد فعلها سيئاً في نظره .

" عيناكِ جميلتان ......"

رغم أنه لم يعجبه أن لون عينيها الأزرق الصقيعي قد حُجب بظلال يده. نزلت يد سيزار ببطء لتستقر على عنقها الأبيض الناصع .

"..... وعنقكِ سيبدو فاتناً أيضاً."

اهتز بؤبؤ عين فيفيان وكأنها لا تدري ماذا تفعل. وسرعان ما تحول لون جلدها، الذي يتأثر بأقل لمسة، إلى اللون الأحمر .

" سـ … سأعتني بالأمر بنفسي."

" ماذا ؟ "

" لأن هناك مناطق حيوية أخرى أكثر دقة سأستهدفها."

أدارت فيفيان رأسها بسرعة. كانت وجنتاها تتوهجان باللون الأحمر وهي تحدق في الفراغ.

ضحك سيزار بسخرية خفيفة: " أحب سرعة تعلمكِ."

" هذا طبيعي، فأنا مساعدتك."

ابتعدت فيفيان عنه على عجل، ثم حشرت المسدس في جيبها بطريقة عشوائية وبدأت تسير مبتعدة.

تبعها سيزار بهدوء وهي تسير أمامه.

" لا … لا تتبعني ! "

" يا إلهي، هل تعرفين حتى كيف تستخدمين مسدسًا ؟ "

" أنا سريعة التعلم، لذا يمكنني إتقان استخدامه بمفردي وبسرعة."

"من يراكِ يظن أنكِ أنتِ مالكة هذا المسدس."

"ألم تعطه لي؟"

"آنسة ريبيكا، فلنكن دقيقين في كلامنا؛ أنا أعرتكِ هذا المسدس ولم أعطكِ إياه."

" يا إلهي، كم أنت بخيل ! "

أسرعت فيفيان في خطواتها، لكن لقصر قامتها وصغر خطواتها، لم يستغرق سيزار وقتاً ليلحق بها .

ومع ذلك، شعر سيزار أنها قد تفر هاربة إن مشى بجانبها تماماً، لذا تعمد المشي ببطء خلفها. ظنت فيفيان أنه يفعل ذلك للسخرية منها، فظلت تلتفت للخلف لترمقه بنظرات حادة.

" قلتُ لك لا تتبعني ! "

" ولكني أريد اتباعكِ، فماذا أفعل ؟ "

" ماذا قلت ؟ "

فجأة، وجد سيزار نفسه بجانبها تماماً، فألقى ظله على وجهها. ضيقت فيفيان عينيها بانزعاج وكأنها لا تحب هذا القرب .

" إن كنتِ تكرهين ذلك، كان عليكِ المشي بسرعة أكبر."

" لا تتحدث بهراء لا يعقل."

" لا أفهم لماذا تعتبرين كلامي هراءً."

كان سيزار يدرك تماماً أن كلامه ليس سوى محاولات للتلاعب بالكلمات واختلاق الأعذار، لكنه استمتع بسماع صوتها وهي ترد عليه بعناد .

أعجبته نظراتها وهي ترفع رأسها لتحدق فيه. ورغم أن أسبابه لم تكن منطقية حتى بالنسبة له، إلا أنه شعر بأنها كانت الأجوبة الأكثر صواباً في تلك اللحظة. بالنسبة له، كان كل هذا مُبررًا تمامًا.

" سيزار ؟ "

انزاحت نظرة فيفيان التي كانت تحدق به نحو شخص خلفه. حينها فقط أبعد سيزار نظره عنها والتفت .

" إنه سيزار حقاً ! "

لقد كانوا زملاءه القدامى من الأكاديمية العسكرية. من بينهم، تقدم جيمس نحوه بسرعة وهو لا يستطيع إخفاء فرحته بلقائه.

" أيها الوغد …! لم نسمع عنك خبراً منذ التخرج، فإذا بنا نلتقي هنا ! "

ضحك جيمس بحفاوة وهو يحيي سيزار، ثم نقل نظره بفضول نحو فيفيان .

" ولكن … مَن تكون هذه الآنسة ؟ "

بقيت فيفيان تراقبهما بحذر، وبدت عليها ملامح الارتباك للحظة، قبل أن تقدم نفسها بهدوء: " أنا فيفيان لوبيز … أنا … ممم، يمكن القول إنني مساعدة السيد سيزار."

" مساعدة ؟ "

اتسعت عينا جيمس دهشة، وبدأ عقله يحلل الموقف، ثم سرعان ما علت وجهه ابتسامة عريضة وهتف: " بما أن لقاءنا هذا كان من تدبير القدر، فلنتناول العشاء معاً، لقد كنا في طريقنا إلى مطعم رائع للتو."

ربت جيمس على ذراع سيزار وكأنه يحثه على الذهاب. نظرت فيفيان إلى سيزار بترقب، وسرعان ما تبعت جيمس قبل أن يتمكن سيزار من إيقافها .

شعر سيزار ببعض الذهول من تصرفها، لكنه لم يملك إلا أن يطلق تنهيدة مستسلمة .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

بدأ جيمس، الذي غلبه الثمالة، في سرد قصص الأيام الخوالي في الأكاديمية دون أن يطلب منه أحد ذلك.

" هذا الوغد كان مشهوراً جداً في الأكاديمية العسكرية، أتذكر مرة أن البروفيسور هيراس استدعى الطلاب وجمع منهم أموالاً … "

أضاف ليام، الذي كان يستمع لحديث جيمس، موضحاً لفيفيان: " هل كانت ابنته تريد حديقة أشجار ؟ أعتقد أنه لهذا السبب جمع المال من الطلاب."

" آه، صحيح ! على أي حال، حدث ذلك فعلاً، لكن سيزار هذا قام بجمع كل أشجار الأكاديمية و وضعها داخل مكتب البروفيسور."

مرر سيزار يده على وجهه وهو يراقب رد فعل فيفيان الجالسة بجانبه. ولحسن الحظ، بدت فيفيان مهتمة جداً بقصص جيمس.

… أو ربما كان عليّ أن أقول لسوء الحظ ؟

" وماذا أيضاً ؟ آه، كان هناك ذلك الطالب الأكبر سناً الذي كان يضايق سيزار باستمرار، أهداه سيزار قنبلة صنعها بنفسه خلال إحدى الحصص … "

" ألم تنفجر تلك القنبلة ؟ بسببه اندلع حريق في القاعة ذلك اليوم، وأُلغيت المحاضرة وخرجنا جميعاً لنلهو معاً."

ضحك ليام طويلاً قبل أن يتوقف أخيراً ويلقي نظرة على سيزار.

".... كيف كانت حياتك بعد التخرج ؟ هل تعلم كم شعرنا بالاستياء رغم أننا لم نقل ذلك ؟ "

"بالضبط، كيف يمكنك قطع كل سبل الاتصال بنا بمجرد التخرج ؟ يا رجل، بصراحة ظننتُ أنك مت."

كانت أيام الأكاديمية العسكرية ذكرى جميلة لسيزار أيضًا، لكنه لم يشعر بالحاجة للبقاء على تواصل مع زملائه.

كان يراها علاقة عابرة انتهت بوقتها. فالاتجاه الذي سلكه زملاؤه كرجال شرطة أو جنود كان يختلف تماماً عن الطريق الذي أراده سيزار لنفسه.

" ابقى على تواصل، لقد قضينا معاً ست سنوات تقريباً......"

تحدث جيمس الثمل بلسان ثقيل مراراً وتكراراً. تنهد سيزار بخفة وأوقف سيارة أجرة ليدفع بجيمس داخلها عنوة.

أنزل ليام، الذي صعد خلف جيمس، نافذة السيارة وكأنه يريد قول شيء ما.

" يبدو أن جيمس كان مستاءً حقاً رغم أنه لم يظهر ذلك."

ابتسم ليام بمرارة ثم نقل نظره نحو فيفيان.

" أعتذر لأننا أظهرنا لكِ هذا الجانب المحرج."

" لا بأس، أنا بخير."

" آه، واعتني جيداً بسيزار، فهذا الفتى أرقّ مما يبدو عليه."

" كفى هراءً، واذهب من هنا فحسب."

تنهد سيزار مجدداً، فضحك ليام وقال: " حسناً."

كان يبدو أن لدى ليام المزيد ليقوله، لكن صوت تقيؤ جيمس بجانبه جعله يصمت.

راقب سيزار سيارة الأجرة وهي تبتعد، ثم التفت لتمشي فيفيان خلفه بهدوء، لكن بعد قليل، سعلت فيفيان بخفة وقالت: " أصدقاؤك مرحون جداً، لقد فوجئتُ لأن أجواءهم تختلف تماماً عن أجوائك."

"...... أعتذر إن شعرتِ بعدم الارتياح."

" لماذا تعتذر ؟ لقد استمتعتُ بوقتي حقاً."

بدت وجنتا المرأة محمرتين تحت ضوء القمر الخافت، ربما بسبب أثر الخمر . ركب سيزار السيارة المركونة على جانب الطريق وأركب فيفيان معه.

كان الشارع هادئاً في منتصف الليل. صعد سيزار إلى مقعد السائق ومعه زجاجة ماء بارد. في تلك الأثناء، كانت ألحان الجاز تنبعث من الراديو.

مدّ الماء نحو فيفيان، فتجرعته وكأنها كانت تنتظره. بدأ سيزار ينقر بأصابعه على مقود السيارة غارقاً في أفكاره.

"...... في ماذا تفكر؟"

سمع صوت فيفيان فجأة.

" لا شيء، فقط … كنتُ أفكر في كيفية تقديمكِ للآخرين مستقبلاً."

" ألم تكن الإجابة محددة بالفعل ؟ "

رسمت فيفيان ابتسامة باهتة وقالت بهدوء: " أنا مساعدتك التي تفتخر بها، أليس كذلك ؟ "

ضحكت بخفة. كانت فيفيان الثملة تبدو جديدة في عينيه، ولم يكره سيزار هذا الجانب منها.

أن يكتشف جوانب جديدة في فيفيان … كان أمراً ممتعاً.

أمال سيزار جسده نحو مقود السيارة وسألها بصوت خفيض: "هل هذا يكفي حقاً؟"

مالت فيفيان برأسها في تساؤل. ومدّ سيزار يده نحوها دون وعي، ليزيح خصلات شعرها المتساقطة خلف أذنها. ملأت حرارة غامرة كف يده .

"هل يمكنني منذ الآن … أن أقدمكِ على أنكِ حبيبتي؟"

اتسعت عينا فيفيان دهشة، وبدت وكأنها تشك فيما سمعت.

"...... هل أنت ثمل؟"

"هل أبدو كذلك؟"

"...... نعم."

" يؤسفني إذن أنكِ ترينني هكذا."

أفلتت منه ضحكة خفيفة. ربما كان ثملاً بالفعل، فكلامه لا يقال في وعي تام … لكنه كان في قمة صحوه، فهو لم يلمس الخمر أبداً، وهذا أمر بديهي .

كل شيء كان يفتقر للمنطق، ومع ذلك، شعر سيزار أن ما يفعله هو الأمر الأكثر صواباً في العالم.

"...... هل تستمع إليّ حقاً؟"

" آسف، لم أسمع كلمة واحدة."

ضاقت عينا فيفيان بسبب رده المستفز، لكن حتى هذا المنظر لم يكن سيئاً في عينيه.

لمس سيزار وجنتها بلطف وقال بهدوء: " كنتُ أُجهد ذهني لأجد طريقة لتقبيلك دون أن تلاحظي."

خرجت شهقة صغيرة من بين شفتي المرأة الحمراوين: " لكني لاحظتُ بالفعل."

" يا للأسف، كنتُ أتمنى أن تكون جريمة كاملة، لكنني فشلت."

"...... حسناً، لا بأس، سأتغاضى عن الأمر هذه المرة فقط."

أغمضت فيفيان عينيها، ولم يملك سيزار إلا أن يبتسم.

كان الجو دافئاً. بدا وكأنه قد اعتاد على تلك الحرارة التي كانت تحرقه ذات يوم. و أحب سيزار كل التغييرات التي طرأت عليه .

****************************

الفصل : ١٢٥

اليوم السادس عشر _ 1/11 (13)

[ إلى سيزار،
لقد أخبرتُ الزملاء عن لقائنا، وقد سُعد الجميع بسماع أخبارك. الكل يتوق لرؤيتك مجدداً.
إذا سمح وقتك، أودّ دعوتك مع الآنسة فيفيان إلى منزلي.
رغم أنني أشعر أننا سنلتقي في وقت ليس ببعيد على أي حال.
أنتظر ردك.
المرسل: جيمس. ]

تأمل سيزار الرسالة في صمت.

"هل هناك خطب ما؟"

سألت فيفيان التي استيقظت للتو من نومها. حدق سيزار فيها بهدوء، ثم أخرج الكلمات التي ظل يخبئها في قلبه طوال الفترة الماضية: " أعتقد أن الوقت قد حان لتنسحبي من هذه القضية."

بدت فيفيان وكأنها لم تستوعب كلماته للحظة، ثم ما لبثت أن قطبت جبينها.

" لماذا ؟ "

" لأن ما تبقى من هذه المهمة هو مسؤوليتي وحدي."

ومع ذلك، لم تبدُ فيفيان مقتنعة بكلامه أبداً.

"هل أصبحتُ عبئاً عليك؟"

" ليس الأمر كذلك."

بل على العكس، كان وجود فيفيان عوناً كبيراً له؛ فقد كانت ريبيكا مساعدة بارعة في نظره.

" كل ما في الأمر أنني لا أريدكِ أن تُصابي بأذى."

نطق سيزار بصدق وهدوء. وحينها، بدأت عينا فيفيان اللتان تنظران إليه تهتزان ببطء.

كان يظن أنها ستحاول الاعتراض، لكنها انشغلت بالعض على شفتها السفلية بقوة.

مد سيزار يده نحو شفتيها، وحينها فقط أدركت هي أنها كانت تعضهما دون وعي، فاتسعت عيناها دهشة.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

[ إليجاه بيفون، عضو في الأمن العام.]

حدق سيزار في صورة رجل؛ كان يبدو بوجه ذي ملامح حادة وقاسية وهو يحدق في عدسة الكاميرا بشفتين مطبقتين.

ابتسم سيزار بمرارة ونقل نظره إلى صورة أخرى موضوعة على المكتب. كانت لرجل آخر شاب ذو شعر مجعد ونظرة ماكرة.

اسم واحد، و وجهان مختلفان .

ظل سيزار يحدق في الصور لفترة طويلة قبل أن يتفقد الوقت.

السادسة مساءً .

لقد اقتربت ساعة الحسم. التقط سيزار سترته المعلقة على الأريكة وغادر المكتب .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

لطالما تخيل سيزار كيف يكون معهد فينيل للبحوث. في ذاكرته، كانت تفوح من براندون رائحة بارود نفاذة. لم يكن يدرك حقيقة تلك الرائحة قديماً، لكنه الآن يعرف تماماً مصدرها.

كما أدرك حقيقة أن المكان الذي كان يعمل فيه لم يكن محطة للطاقة، بل مركزاً لتطوير الأسلحة.

" أهلاً بك ! "

استقبل المدير لويس بيكوك سيزار بصوت يملؤه الترحاب. وعلى عكس السابق، كان يرتدي خاتماً ضخماً مرصعاً بحجر كريم أحمر.

كانت تفوح في الأرجاء رائحة عطور قوية؛ رائحة زيت عطري لامرأة خرجت للتو من الاستحمام، أما الأرضية، فقد كانت غارقة بالمياه التي بللت نعل حذاء سيزار .

تحرك سيزار بهدوء وجلس على الأريكة التي أشار إليها المدير .

صبّ المدير لويس الشمبانيا في الكأس الموضوعة أمامه حتى تصاعد صوت السائل، ثم بدأ يضحك بابتهاج قائلاً: " كما ذكرتَ أيها المحقق، لقد تم تفكيك القنبلة التي كانت في المختبر رقم ٣، وعلاوة على ذلك، لا يزال المختبر رقم ٢ الذي قيل إنه سيشهد انفجاراً هادئاً تماماً … فهل هناك أخبار أفضل من هذه ؟ فلنرفع نخب هذا النصر."

أومأ لويس برأسه نحو الكأس حثاً لسيزار على الشرب، لكن سيزار لوى شفتيه وأجاب بهدوء: " لستُ من هواة شرب الخمر."

"ولكن، ألا بأس بكأس واحدة على الأقل؟"

بدا أن لويس قد أفرط في الشرب بالفعل، فملامحه كانت لا تزال ضاحكة، وعيناه الذابلتان قد فقدتا بريقهما منذ زمن طويل.

أرجع سيزار ظهره ببطء نحو مسند الأريكة. وعندما أدرك لويس أن المحقق لا ينوي الشرب، ارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة.

" لا عجب أنك حفيده، فقد ورثت عنه ذلك الجمود والتمسك بالقواعد."

كان صوته مشحوناً بنبرة لاذعة. اكتفى سيزار بإمالة رأسه رداً عليه، فرفع لويس كأسه وبدأ يتحدث وهو يحدق في اللوحة المعلقة على الحائط: " لقد كان براندون بارعاً جداً في عمله......"

ارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة. حدق سيزار في لويس بإمعان ونطق بهدوء: " جدي كان رجلاً عظيماً."

في تلك اللحظة، أطلق لويس ضحكة مدوية وكأنه سمع طرفة مضحكة.

" عظيمًا ......؟ "

ظل لويس يكرر كلمة سيزار وهو يضحك دون توقف، ثم قال: " إذن، هل يعلم محققنا العظيم ما هو البحث الذي كان يعمل عليه جده 'العظيم' ؟ "

اصطدمت خواتمه الذهبية بالكأس محدثة رنيناً مزعجاً.

"بصفتك حفيده، أليس من المفترض أن تكون على دراية بما كان يفعله؟"

" …… "

" سألتك لأنني ظننتُ أنك لن تجرؤ على قول ذلك لو كنت تعلم الحقيقة … ولكن يبدو أن سؤالي كان في غير محله."

وضع لويس الكأس التي كانت بيده على الطاولة بقوة، فانسكبت الشمبانيا لتغرق سطح الطاولة.

نفض لويس قطرات الخمر العالقة بيده وقال ببرود: " يمكننا القول إن براندون كان خائناً."

" …… "

" كل ما يتم تطويره في هذا المعهد ليس ملكية خاصة، لكن يبدو أن جدك لم يكن يدرك هذه الحقيقة."

رسم لويس ابتسامة باهتة وأضاف: " لا أعلم إن كنت تعلم، لكن معهد فينيل هو منشأة بحثية تابعة للحكومة."

أطلق سيزار ضحكة خافتة: " لستُ جاهلاً بهذه المعلومة، إنها حقيقة بديهية تماماً."

" كان عليك إخبار براندون بذلك إذن، لو فعلت، لما لقى تلك الميتة الشنيعة والعبثية ككلب......"

ارتجف جفن لويس. كان وجهه يبدو وقوراً ومهيباً وكأنه يتمنى الرحمة للمتوفى .

" لقد كان موهبة ضائعة."

خطا لويس خطوات هادئة نحو سيزار وقال: " يوم قُتل براندون، اختفى معه سجل الأبحاث رقم 2091-1."

رفع سيزار طرف شفتيه بسخرية عند سماع ذلك.

" وأعتقد أن محققنا يعرف تماماً أين يختبئ ذلك السجل."

" يؤسفني حقاً أنكم لم تعثروا على شيء فُقد منذ اثني عشر عاماً حتى الآن."

نهض سيزار من مقعده ببطء، فارتفعت نظرات لويس تدريجياً لتستقر عليه.

" أعتقد أنني بدأت أفهم قليلاً لماذا أوكلتَ إليّ هذه المهمة."

" …… "

" لكن ألا تملك ذرة من ضمير ؟ أليس من القسوة إقحام الأمن العام في هذا الأمر ؟ "

رسم لويس ابتسامة غامضة وقال: " لا أقصد أن أكون عدواً لك أيها المحقق، بل على العكس، أظن أن بإمكاننا أن نكون في صف واحد."

" فهمت."

أجاب سيزار بنبرة مسطحة خالية من التعبير؛ فلم يكن الأمر يثير اهتمامه كثيراً. كل ما كان يريده هو العثور على الشخص الذي قتل براندون.

خلافاً لجده الذي كان يتسم بالجمود والتمسك بالمبادئ، لم يكن سيزار شخصاً يتحرك من أجل "المصلحة العامة". ومهما كان سجل الأبحاث الذي يبحثون عنه بلهفة، فإنه لم يكن يمثل أهمية بالنسبة لسيزار.

وفي تلك اللحظة ……

" سيدي المدير، سأدخل للحظة."

تناهى إلى مسمعه صوت فيفيان. رغم أنه كان صوتاً لا ينبغي أن يُسمع في هذا المكان أبداً.

تلا ذلك فتح الباب وصدى خطوات المرأة وهي تقترب. رأت فيفيان سيزار واقفاً داخل مكتب المدير، وكان من المتوقع أن تبدو عليها علامات المفاجأة، لكنها لم تظهر أي اضطراب.

" …… "

أطلق سيزار تنهيدة مكتومة. كان مظهر فيفيان التي دخلت للتو غريباً عليه تماماً.

لقد كانت "ريبيكا ماليدن" بامتياز. كانت ريبيكا تبدو كخيال؛ وجنتاها الناعمتان كانتا في غاية الجمال والكمال، بينما كانت ترتجفان بين الحين والآخر بشحوب يخلو من أي قطرة دم. وحدها حركاتها الصغيرة كانت تثبت أنها ليست وهماً.

كان سيزار يشعر بالقلق أحياناً؛ هل ستختفي هذه المرأة في عالم الأوهام مثل ريبيكا بمجرد انتهاء كل هذا ؟

ورغم علمه أن لديه قضية أخرى سيستلمها منها، مما يعني أنها لن تختفي، إلا أن ذلك الشعور بالقلق كان يراوده مراراً.

لم تمنح فيفيان، التي تتقمص دور ريبيكا، سيزار ولو نظرة واحدة.

خاطبها سيزار بهدوء قائلاً: " لقد أخبرتكِ بوضوح أنني لستُ بحاجة لمساعدة ريبيكا."

" آه، أنا من استدعيتها."

نظر سيزار بجمود نحو لويس، فهز الأخير كتفيه بخفة وقال: " ألسنا بحاجة لشخص يراقب سيريا ؟ بما أن محققنا سيكون مشغولاً، كان من الطبيعي أن أطلب المساعدة من مساعدتك."

ضحك لويس بحفاوة، فصوب سيزار نظره نحو فيفيان وقال بصرامة: " عودي أدراجك، سألحق بكِ قريباً."

لكن فيفيان اكتفت بهز رأسها رفضاً: " فلنذهب معاً."

أفلتت من سيزار ضحكة ساخرة عند سماع كلماتها، لكن فيفيان واجهته بنظرة ثاقبة وقالت: " أريد أن أتأكد بعينيّ ما إذا كانت القضية التي أوكلتُها إليك قد حُلّت أم لا."

شعر سيزار بالاختناق مجدداً. في كل مرة يلتقي فيها بعينيها الزرقاوين، كانت تلك المشاعر الجارفة تخرسه تماماً.

لم يستطع الانتصار على عنادها، لكن هذه المرة، لم يكن بوسعه هو الآخر أن يتنازل عن إصراره.

" عودي فوراً."

كان ينبغي أن تكون قد فهمت القصد الآن. التفت سيزار وغادر مكتب المدير، ثم أخرج علبة سجائره.

لقد كان هو من قبل هذه المهمة بكامل إرادته رغم علمه أنها فخ.

سجل الأبحاث 2091-1 الذي اختفى مع براندون؛ كان يحتوي على كل الأبحاث التي أفنى براندون حياته في تطويرها. والمجرم الذي قتل براندون اقتحم المعهد للحصول على ذلك السجل. ويبدو أن لويس يظن أن السجل بحوزة سيزار.

ابتسم سيزار بمرارة، و ألقى عقب سيجارته على الأرض، ثم أخرج مسدسه من جيبه.

كان يعرف تماماً مَن هو ضابط الأمن العام الذي جاء لمراقبته. انعطف سيزار عند الزاوية مباشرة و وضع فوهة مسدسه على جبهة الرجل الذي كان يتتبعه.

— تك !

تراقصت الأضواء الخافتة في الممر.

أزاح سيزار بفوهة المسدس خصلات الشعر المجعد التي كانت تغطي جبهة الرجل، وحياه قائلاً: " أهلاً، جيمس."

" …… "

" أو ربما يجدر بي مناداتك بـ 'إليجاه' ؟ "

… لهذا السبب لم أكن أرغب في التواصل مع زملائي القدامى.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان