الفصل ١٩ و ٢٠ : جِلْسَا

كان تايونغ يبلغ من العمر أربعة وثلاثين عامًا، ورغم أنه كان معروفًا بشكل جيّد في الخارج، إلا أن افتقاره إلى الأنشطة المحلية جعل وعي الجمهور الكوري به ضعيفًا نسبيًا.

ولقد أقنعه سوك هون بالعودة، وبعد أن اتخذ تايونغ قراره بإقامة معرض خاص في كوريا، عاد مؤقتًا ومعه عشرات الأعمال الفنية. وكان من المقرر أن يتكفل معرض "دوتوم" بتوفير مسكن واستوديو فني له طوال فترة إقامته في البلاد .

قال سوك هون إنه يعتزم تركيب جدار فاصل في منتصف الاستوديو لتقسيمه إلى مساحتين مستقلتين. وبما أن المكان واسع للغاية، فلن يشكل انقسامه إلى نصفين أي عائق يذكر أمام سير عملهما .

غير أن تايونغ عارض اقتراح سوك هون الذي ينبض بالمراعاة، واستشار إيسو في الأمر قائلاً: " هل سيكون من الصعب علينا استخدامه كما هو ؟ يؤسفني حقًا أن تُحجب النافذة الممتدة بالكامل "

كان تايونغ قلقًا بشأن حقيقة أنه قد لا يتمكن من رؤية المشهد الخارجي كاملاً، أكثر من قلقه على خصوصيته الشخصية. وغالبًا ما يتسم الفنانون بطباع حساسة ومرهفة، بيد أنه كان يبدو من النوع الهادئ والمتحمل.

"ما رأيكِ يا إيسو؟ هل نتركه كما هو دون جدار؟"

وسألها سوك هون عن رأيها على غير العادة.

" أنا موافقة، لا بأس لدي "

"حقا؟ هل أنتِ راضية تمامًا عن مشاركة الاستوديو نفسه؟"

وبدت ملامح المفاجأة واضحة على وجه سوك هون، وكأنه توقع منها الرفض. وكانت إيسو تدرك تمامًا سبب دهشته تلك؛ فالعمل في مساحة مشتركة واحدة سيؤدي إلى رؤية أعمال بعضهما البعض. وبما أن إيسو تملك أسلوبًا و رؤية مميزة في الرسم، فإن اكتشاف تايونغ لهويتها الحقيقية كان مسألة وقت لا غير .

" طالما أننا لن نسبب الإزعاج لبعضنا البعض "

" يا إلهي، إنها جادة في قولها تمامًا "

رمش سوك هون بعينيه بذهول. إن حرصها على إخفاء هويتها الفنية وبياناتها الشخصية بشكل صارم طوال الفترة الماضية لم يكن إلا جزءًا من الاستراتيجية التسويقية للمعرض الفني. ولقد فرض سوك هون سياجًا من السرية التامة حول الأمر لدرجة أن والدته -التي تشغل منصب مديرة متحف فني كبير- لا تعلم شيئًا واضحًا عن الرسامة "لي كيونغ". ولن يكون تايونغ استثناءً من هذه القاعدة .

ورغم أن الفكرة بدأت باقتراح من سوك هون في البداية، إلا أن إيسو هي من رغبت في استمرار هذا التعتيم لاحقًا، وظل الأمر بمثابة اتفاق ضمني بينهما حتى الآن. ولأجل هذا، تملك الدهشة سوك هون عندما وجدها لا تمانع في كشف حقيقتها وهويتها أمام تايونغ .

"هل يمكنني معرفة طبيعة الحديث الذي تديرانه بينكما؟"

" آه، في الواقع… لا، لن أخبرك ! اكتشف الأمر بنفسك، فأنت على وشك معرفته في القريب العاجل على أية حال "

وبعد أن بدا سوك هون وكأنه سيبوح بالسر، تراجع وغير رأيه فجأة وهو يرمقه بنظرة تملؤها المزاح .

"ولماذا تتوقف عن الكلام بعد البدء فيه؟"

" لأن هذا الحديث لا يخصني ولا يحق لي قوله، وعلى أية حال، أنا أتطلع بشغف كبير لليوم الذي تكتشف فيه السيدة زوجة الرئيس كوك هذه الحقيقة، أليس كذلك ؟ "

وأمام ضحكات سوك هون الخافتة، ارتسمت على شفتي إيسو ابتسامة خفيفة، في حين تيبست ملامح وجه تايونغ. وظلت عضلات وجهه المتصلبة ساكنة دون أدنى حركة لفترة.

وبعد صمت قصير، تحدث بنبرة منخفضة وخافتة: " … السيدة زوجة الرئيس كوك … ؟ "

" آه، أنا أتحدث عن زوجة رئيس مجلس إدارة شركة هوغوك للإنشاءات، فإيسو تتولى تعليم حفيدتها أصول الرسم والفنون "

"… وهل لتلك السيدة حفيدة في ذلك المنزل ؟ "

" كوك جيهان، ذلك الرجل يملك طفلة تبلغ من العمر سبع سنوات، وهي الحفيدة الوحيدة لرئيس المجلس "

قدم سوك هون تفسيره بأسلوب عفوي وبسيط، غير أن التصلب الذي أصاب عضلات وجه تايونغ لم يزل أو يتبدد بسهولة.

"…لا بد أنه لا يزال شابًا في مقتدر العمر، ولقد تزوج في سن مبكرة إذن "

" هو لم يتزوج قط، بل يملك طفلة فحسب "

حول تايونغ نظراته نحو الجانب، وظل صامتًا دون نطق كلمة بعدها. وتأملته إيسو بنظراتها وملأت عينيها من تفاصيله بصمت؛ فقد كانت ملامح وجهه توحي لها بنوع من الألفة الغريبة، مما جعل بصرها يتعلق به مرارًا وتكرارًا .

ويبدو أن تايونغ شعر بنظراتها الموجهة نحوه، فرفع عينيه ليلتقي بنظرات إيسو مباشرة. وتحولت نظراته الكامنة وراء عينيه اللتين كانت تنحنيان بلطف وقبول قبل قليل، لتصبح باردة وقاطعة كالثلج .

"آنسة إيسو، هل تودين قول شيء ما لي؟"

"… لا، أبدًا "

هزت إيسو رأسها ببطء نفيًا للأمر. وبدا لها صوت تايونغ حادًا بشكل غريب، وكأنه يقف في حالة من الحذر الشديد كقنفذ يشحذ أشواكه لحماية نفسه والدفاع عنها بشكل مبالغ فيه.

" ألا تجدين مشقة في تعليم طفلة ذلك المنزل ؟ فبما أنها عائلة من كبار الأثرياء، فلا بد أن طباعهم تتسم بالكثير من التدقيق والمتطلبات الصعبة "

ويبدو أن تايونغ أدرك أن الأجواء قد أصبحت مشحونة ومعقدة بسببه، فسرعان ما تلطفت ملامح وجهه ولانت نبرته مجددًا.

" لقد ذهبتُ إلى هناك بناءً على ترشيح وتوصية من المدير سوك هون، ولذا أضع في حسباني ألا أسبب له أي حرج أو إزعاج معهم "

" أظن أن مسايرة أهواء عائلات كبار الأثرياء ونيل رضاهم ليس بالأمر الهين أو البسيط على الإطلاق "

"إنك تتحدث وكأنك خضت تجربة مماثلة وتذوقت مرارتها مسبقًا، هل حظيت في ماضيك بتجربة تشبه ظروفي الحالية ؟ "

" مثل هذه الأمور لا تحتاج لخوض التجربة بشكل مباشر لإدراك حقيقتها؛ فالأشخاص البسيطون والعاديون مثلنا يمثلون بالنسبة لأولئك الأثرياء ما يشبه الأطعمة السريعة والملوثة، فهم يدركون أنها ضارة بالصحة وغير مفيدة، ورغم ذلك تتملكهم رغبة عارمة في تذوقها وتناولها، وعندما يقدمون على فعل ذلك سرًا و بعيداً عن أعين والديهم، ينتهي بهم المطاف بالإصابة بالمرض والعلل جراء تلك الكائنات الضارة "

ولسبب لا تدركه، شعرت إيسو بنوع من الغرابة والتناقض يكتنف حديثها مع تايونغ؛ إذ تملّكها إحساس بوجود شيء خطير يتأرجح تحت السطح، دون أن تتمكن من وضع يدها على السبب الحقيقي الكامن وراءه .

"يبدو أن تايونغ يعاني من الحساسية المفرطة وضيق الصدر اليوم، أنت لا تملك مثل هذه الشخصية الحادة عادةً، فهل تحاول إظهار الهيبة والرزانة أمام إيسو ؟ لا تضايق إيسو وتثقل عليها، من فضلك "

" ومن قال إنني أضايقها ؟ أنا أرى أنني سأحتاج لدعمها ومساعدتها لي في أمور كثيرة مستقبلاً "

وابتسم تايونغ بنبرة يكسوها اللطف، في حين شبك سوك هون ذراعيه أمام صدره وأطلق ضحكة خافتة من أعماقه. وكان من المدهش حقًا رؤية عمق الصداقة والروابط التي تجمع بين سوك هون وتايونغ رغم التباين التام والتناقض الشديد في طباعهما وشخصيتيهما.

ورغم جهلها بالتفاصيل، إلا أن إيسو كانت تحزر في قرارتها أن تايونغ لا ينتمي للبيئة والخلفية الاجتماعية الثرية نفسها التي نشأ فيها سوك هون. و وفقًا لحديثهما، فقد التقى الرجلان لأول مرة بسبب الأعمال الفنية، غير أن طبيعة العلاقة بينهما حاليًا كانت تبدو كعلاقة شقيقين مقربين وجارين في حي واحد، أكثر من كونها علاقة تجمع بين مدير معرض و رسام .

" لن أتواجد في الاستوديو خلال عطلة نهاية الأسبوع الحالية، ولذا بإمكانك استخدامه بكل حرية "

"وهل تتوقفين عن العمل ورسم اللوحات خلال عطلة نهاية الأسبوع؟"

" لأنني أملك ارتباطًا بالحصة الخاصة والدرس الذي أشرتُ إليه قبل قليل "

"…آه، هكذا إذن "

تصلبت ملامح وجهه لبرهة خاطفة، قبل أن يعود ليرتدي ملامح البهجة والارتياح مجددًا. وشعرت إيسو بالضيق والتحفظ تجاه تلك التحولات الفجائية وغير الطبيعية التي بدت على تايونغ.

وبما أن سوك هون كان يملك ارتباطات وجدول أعمال آخر، فقد توجهت إيسو برفقة تايونغ لتناول وجبة الغداء في إحدى المطاعم المجاورة .

— تشاك، تشاك .

ولم تتمكن تلك الجلبة الخافتة وصوت التقاط الصور المنبعث من الجانب المقابل للمطعم من اختراق الجدران والوصول إلى مسامعهما في الداخل .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

مرّت أيام الأسبوع سريعًا وحلّت عطلة نهاية الأسبوع.

كان يتوجب على إيسو في الصباح أن تمر بقصر رئيس مجلس الإدارة كوك لإقامة الحصة الفنية، ثم تتوجه في فترة بعد الظهر لزيارة قصر سويوندانغ.

كانت السيدة آن قد تواصلت مع إيسو عبر أحد موظفيها، ورغم أن نية إيسو في البداية كانت تتجه نحو اختلاق عذر للرفض والاعتذار، إلا أن معرفتها بأن اللقاء سيعقد داخل قصر سويوندانغ نفسه وليس في مكان خارجي جعلتها تغير رأيها وتوافق على الحضور.

وصلت إيسو إلى الوجهة قبل الموعد المحدد بنحو عشرين دقيقة، و وقفت أمام البوابة الرئيسية لقصر رئيس مجلس الإدارة كوك -التي كانت تبهر الناظرين بمهابتها وعظمتها في كل مرة تراها فيها- تنتظر أن تفتح لها الأبواب .

بادرها الموظف الذي استقبلها عند البوابة بتحية ممتلئة بالاحترام، ثم قاد خطوتها نحو وجهة أخرى بعيدة عن المبنى الرئيسي للقصر.

وكان المكان الذي اصطحبها إليه عبارة عن برجولة خشبية تطل على بركة ممتدة و واسعة. وهناك، وجدت جيهان و سي ها يتواجدان بالفعل قبل وصولها .

توضيح : البرجولة، هي هياكل خارجية توفر الظل والحماية من الشمس .

" … مرحبًا، لم أكن أعلم أنكم متواجدون معاً هنا "

" لقد حضرتِ مبكراً اليوم أيتها المعلمة، هل تسمحين لي بحضور الحصة ومراقبتها ؟ "

وعند سماع كلمات جيهان، برزت الشفة السفلية لسي ها إلى الأمام تعبيراً عن الضيق. وبدت الطفلة ساخطة وغير راضية عن هذا الوضع، غير أن وجود والدها جعلها عاجزة عن التصرف وفق هواها أو إظهار التمرد.

"وهل سنقيم الدرس الفني في هذا المكان؟"

"وهل ترين في ذلك مشكلة أو عائقاً؟"

"… لا، أبدًا، لا يوجد أي مانع "

وأدارت إيسو بصرها تستطلع الأرجاء؛ فمن فوق تلك البرجولة العتيقة، كان ينبسط أمام ناظريها مشهد البيوت التراثية لعائلة يودانغ والمباني المحيطة بها، إلى جانب المساحات الشاسعة للمكان. وتوسط المكان طاولة خشبية مستطيلة وطويلة تتسع مساحتها ليتمدد عليها رجل بالغ وتفيض، و وُضع فوقها إبريق شاي مصنوع من الخزف الفاخر برفقة الأكواب فوق ركيزة من خشب الأبنوس الداكن.

وحسب الأجواء المحيطة، كان المرء يشعر وكأنه يجلس في الشرفة الخارجية لإحدى المقاهي المطلة على منظر طبيعي خلاب .

" كوك سي ها، ألن تبادري بإلقاء التحية على معلمتكِ ؟ "

" … مرحبًا "

وأحنت سي ها رأسها على مضض إثر حث جيهان لها. وكانت عيناها المتسعتان تنظران لإيسو بطرف خفي، لتبدو في هيئتها تلك كقطة غاضبة بالكامل.

ورغم ذلك، فإن ملامح سي ها الملائكية الفاتنة كانت تصنع نوعاً من الخداع البصري الذي يجعل حتى ملامح غضبها وضيقها تبدو في غاية الجمال واللطف .

" تفضلي بالجلوس، أيتها المعلمة شين إيسو "

جلست إيسو في المقابل تُواجه الاثنين.

" الأجواء هنا تبلغ ذروة جمالها وتألقها في فصل الصيف، ولقد كان هذا المكان هو المفضل لجدّي الراحل وكان يتردد عليه مراراً، وهو يُعد، إلى جانب ضريح العائلة، من أقدم المعالم التاريخية وأعرقها في هذا القصر، وتلك إحدى المزايا والامتيازات التي يحظى بها وريث العائلة العريقة (الحفيد البكر) "

بعد انقضاء فصل الشتاء القاسي، انطلقت الحياة والبهجة لتعم أرجاء الحديقة الممتدة التي تفتحت زهورها مفعمة بالحيوية الخضراء.

وبمجرد أن تتخيل كيف ستزداد هذه الأشجار كثافة وتورق خضرة مع اقتراب الصيف، كان صدرها ينشرح وتتملكها راحة عميقة وكأنها تستنشق هواءً نقياً منعشاً. وبدا لها أن مجرد الجلوس صامتة في هذا المكان دون أي تفكير أو هموم هو أمر يبعث على السعادة .

"…ألا تشعر بأن أعباء ومسؤوليات الحفيد البكر لعائلة عريقة باتت ثقيلة على كاهلك؟"

" بما أنني ولدتُ لأكون الحفيد البكر لهذه العائلة، فإن هذا الأمر يعد قدراً ومصيراً حتمياً لا يمكنني الهروب منه أو الاعتراض عليه "

وعادة ما تؤول وراثة العائلات العريقة إلى الابن الأكبر للحفيد البكر، وفي حال عدم إنجاب طفل ذكر، يتم تبني طفل من بين الأقارب و إدراجه في السجل العائلي ليرث اسم العائلة.

غير أن الوضع في قصر سويوندانغ كان مغايراً ومختلفاً تماماً؛ ولا أحد يدرك السبب الحقيقي وراء هذا الاختلاف سوى السيدة آن، الكنة الكبرى لقصر سويوندانغ.

" يتوجب عليكِ رشف بعض الشاي أولاً "

نطق جيهان بعبارته تلك ثم التفت برأسه ليوجه إشارة بيده نحو الموظفين المنتظرين أسفل البرجولة الخشبية لاستدعائهم. وتقدم أحد الموظفين نحوه، فهمس جيهان في أذنه ببضع كلمات قصيرة، فأومأ الموظف برأسه علامة على الفهم ثم تراجع منسحباً.

وبعد برهة وجيزة، اتسعت عينا إيسو من شدة الدهشة وهي تراقب هوية الشخص الذي قدم حاملاً الشاي، فقد دخلت نحو البرجولة شقيقتها إِيُون، وأخذت تضع أكواب الشاي و أدواته أمام إيسو وهي تغمز لها بإحدى عينيها خفية. وبدت ملامح وجهها وكأنها نسيت بالكامل ذلك اللقاء المضطرب والوداع الجاف الذي جمع بينهما قبل بضعة أيام.

" تصرّفا بأريحية ودون كلفة "

تحدث جيهان ببرود وعفوية وهو يرفع كوب الشاي بيده. وبما أنه كان على علم مسبق بالروابط الأسرية التي تجمع بين إِيُون و إيسو كشقيقتين، فقد أراد إفهامهما بأنه لا داعي للتصنع أو التعامل كغرباء أمامه.

" لا، أبدًا ! تفضلا بمتابعة حديثكما، من فضلكما "

ولوحت إِيُون بيديها يمنة ويسرة وهي تتراجع للانسحاب، غير أنها توقفت في مكانها فجأة كمن تذكر شيئاً. واستدارت على عجل تنظر نحو جيهان و إيسو بالتناوب، وضاق ما بين حاجبيها بقليل من الحيرة، ثم وقفت تتردد في مكانها لبرهة، قبل أن تعود بخطوات بطيئة نحو الطاولة مجدداً .

" عذراً، أيها المدير "

غير أن حديثها وتوجهها لم يكن نحو شقيقتها إيسو، بل كان موجهاً لجيهان مباشرة. ورفع جيهان حاجبيه مستفسراً عن الأمر، فتحركت إِيُون المرتبكة وتحدثت بنبرة يكسوها الكثير من الحذر:

" لقد قيل لي إن خضروات الربيع المتبلة طازجة وشهية اليوم، ولذا يتوجب على إيسو تناول وجبة الغداء هنا قبل مغادرتها … "

ولم يفهم جيهان مقصد كلمات إِيُون المفاجئة، فأمال رأسه نحو الجانب بقليل من الحيرة .

" أعني … طُلب مني إبلاغك بأن تترك إيسو تتناول طعامها هنا … "

" ومن قال ذلك و وجه هذا الأمر ؟ "

" الأجداد الراحلون …… ؟ "

وعند سماع إجابتها، ضاق ما بين حاجبي جيهان بوضوح، في حين اشتعل وجه إيسو حمرة وخجلاً من شدة الحرج .

****************************

الفصل : ٢٠

لم يساور جيهان أي شكٍّ حيال ملاحظة إِيُون المفاجئة. ولم ينظر إليها بنظرة غريبة كما فعل الآخرون. بل اكتفى بتوجيه أمر مباشر لها بأن تطلب من المطبخ إعداد وجبة إضافية لضيف آخر .

ورغم أن إيسو المرتبكة حاولت استيضاح السبب من شقيقتها بنظرات عينيها، إلا أن إِيُون اكتفت بهز كتفيها بلامبالاة، وأفادت بأنها ستعود لمتابعة أعمالها، ثم أسرعت بمغادرة البرجولة الخشبية بخطوات رشيقة سريعة .

وخيّم سكون هادئ لبرهة وجيزة على أرجاء المكان. وبدأت إيسو بالدرس الفني، في حين سحب جيهان كتاباً كان موضوعًا فوق الطاولة وفتحه يبحر بين صفحاته .

" ما هو لونك المفضل يا سي ها ؟ "

" اللون الأسود "

"وهل يمكنكِ إطلاعي على السبب وراء هذا الاختيار؟"

" لأن اللون الأسود هو الأكثر قوة بين جميع الألوان "

بين الحين والأخر، كان يقطع الصمت صوت جرس هوائي معلق أسفل إحدى الشرفات وهو يتأرجح مع النسيم ليصدر رنيناً عذباً. ومع تحول نظراتها نحو مصدر ذلك الصوت العذب، كان بصرها يتعلق تلقائيًا بجسد جيهان وهيئته المتكاملة التي تملأ نظرها .

" أود الذهاب إلى دورة المياه الآن "

أومأت إيسو برأسها موافقة على طلب الطفلة. وظلت تتابع بنظراتها جسد الطفلة وهي تهبط درجات البرجولة الخشبية مسرعة بخطوات متلاحقة، ثم حوّلت وجهها نحو الاتجاه المقابل .

وأخذت تسترق النظر بخفة نحو جيهان الجالس في الجانب المقابل لها واضعاً قدماً فوق أخرى وهو يقلب صفحات كتابه بتمهل . وبدا جسر أنفه الممتد بوضوح أسفل خصلات شعره الأمامية التي تداعبها النسمات الخفيفة، وشفتيه المطبقتين بثبات، متناسقاً وبديعاً للغاية كلوحة رُسمت بمسطرة هندسية غاية في الدقة .

" هل هناك شيء تريدين سؤالي عنه ؟ "

وعند انطلاق صوته ونطق شفتيه بتلك العبارة، شعرت إيسو بالفزع والصدمة، وسارعت بخفض نظراتها نحو الأسفل وعينيها تتملكهما الحيرة؛ فرغم أنها لم تكن تتعمد التحديق به بفضول، إلا أن ضبطها متلبسة باستراق النظر إليه جعلها تشعر بحرج شديد وضيق لا يوصف .

" … بشأن الحديث الذي دار بيننا في المرة السابقة "

" أي حديث تعنين بالضبط ؟ "

أغلق جيهان كتابه الذي كان يبحر فيه، وحول وجهه بالكامل نحو إيسو مستمعاً.

" عندما التقينا في قصر سويوندانغ سابقاً، ذكرتَ لي بأن ذلك اللقاء يعد اللقاء الثالث الذي يجمع بيننا، ولم أتمكن من فهم مقصد كلماتك تلك "

" بما أنني الشخص الوحيد الذي يحتفظ بتلك الذكرى و أذكرها، فلم أكن أرغب في إخباركِ حقًا، ولكن …… "

" نعم ؟ "

تأمل جيهان ملامح وجه إيسو التي اعتدلت في جلستها وأخذت تظهر علامات الترقب والشغف لمعرفة السر، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة .

" كما توقعت، لا أريد إخبارك "

" …… "

أطبقت إيسو شفتيها اللتين انفتحتا بتلقائية قبل قليل، وظلت تنتظر لعله يغير رأيه ويبوح بالسر، غير أنه التزم الصمت التام، مما ضاعف من حدة الفضول والحيرة في صدرها بشكل أوسع.

" حاولي استرجاع الذكرى والوصول إليها بمفردكِ، فالمرء لا يبلغ نضج البالغين إلا عندما يصبح قادرًا على تدبر شؤونه وحل ألغازه دون اتكال على غيره "

وكانت تلك النصائح التي تحمل في طياتها نبرة من السخرية الخفيفة بمثابة مكافأة إضافية لحيرتها.

" هل … هل تعني بحديثك هذا ذلك اللقاء الذي جمع بيننا قبل إحدى عشرة سنة مضت ؟ "

" … قبل إحدى عشرة سنة ؟ وهل سبق لنا وأن التقينا في مكان ما قبل إحدى عشرة سنة ؟ "

وعندما رأته يعيد توجيه السؤال وعيناه تتسعان بقليل من المفاجأة والحيرة، أدركت إيسو على الفور أن حدسها وتخمينها كانا في غير محلهما تماماً، فهو لا يتذكر رؤيتها في قصر سويوندانغ في ذلك الزمن البعيد قط. وكان ذلك أمراً طبيعياً ومتوقعاً على أية حال .

" بما أنني أنا الأخرى الشخص الوحيد الذي يحتفظ بتلك الذكرى و أذكرها، فلم تعد لدي رغبة في إخبارك بها "

" آه … إذن هكذا ستردين ؟ "

" يتوجب عليك التفكير في الأمر جيدًا بمفردك أيها المدير، فقد قلتَ بأن المرء لا يبلغ نضج البالغين إلا عندما يصبح قادراً على فعل كل شيء بمفرده "

أمال جيهان رأسه نحو الجانب قليلاً من الالتواء، وأخذ ينقر بأطراف أصابع يده اليمنى فوق الطاولة بنقرات متلاحقة كمن يعزف على البيانو. ورغم حركته تلك، إلا أن نظرات عينيه ظلت مصوبة نحو إيسو بثبات وثقل .

وبعد صمت امتد لبضع ثوانٍ، تحدث فجأة: " لقد رأيتكِ في مطعم أوندوون، كنتِ هناك تتناولين العشاء برفقة الآنسة شين إِيُون "

" في مطعم أوندوون … ؟ "

" لقد توجهتُ إلى هناك لارتباطي بموعد محدد، وصادف أن رأيتكِ هناك بالصدفة "

" …… "

ضيقت إيسو ما بين حاجبيها وهي تبذل جهوداً مضنية لاستدعاء تفاصيل ذلك اليوم والوصول إليه في ذاكرتها .

مطعم "أوندوون"، هو ذلك المكان الفاخر الذي زارته برفقة شقيقتها مستعينة بقسيمة وجبة طعام مجانية حصلت عليها إِيُون. ولا تزال تفاصيل ذلك اليوم حية ونابضة في ذاكرتها، حيث بهرتها التصاميم الفاخرة والأنيقة للمكان، ومذاق الأطباق الشهية والمنسقة، إلى جانب الأحاديث الممتعة والضحكات التي تبادلتها مع شقيقتها هناك .

ورغم استعادتها لتلك التفاصيل الدقيقة، إلا أن ذاكرتها كانت عاجزة تماماً عن إيجاد أي تلميح أو صورة تخص وجود جيهان هناك في ذلك اليوم.

" لقد كانت سي ها متواجدة برفقتي في ذلك المكان أيضاً "

" … وسي ها كانت هناك أيضًا ؟ "

رأت في الأمر شيئاً غريباً؛ فجيهان ناهيك عن سي ها، يملكان ملامح فريدة وآسرة يصعب على من يراها مرة واحدة أن ينساها. ولو كان الاثنان يتناولان طعامهما في المطعم ذلك اليوم، لظلَّت صورتهما محفورة في ذاكرتها حتماً.

وفي تلك اللحظة، عادت سي ها التي غادرت إلى دورة المياه لتستقر في مقعدها مجدداً.

" كوك سي ها، هل تذكرين ذلك اليوم الذي تناولنا فيه العشاء معاً أنا وأنتِ في مطعم العمة الكبرى ؟ "

وجه جيهان سؤاله إلى سي ها وكأنما يسعى لتأكيد الحقيقة وإثباتها أمام إيسو.

" أذكر ذلك بالطبع، لقد كان اليوم الذي التقيتَ فيه بالمرأة المرشحة لتكون أمّاً لي، أليس كذلك ؟ تلك التي كانت ترفع طرف عينيها إلى الأعلى هكذا "

ورفعت سي ها سبابتين من يديها لتدفع بطرف عينيها نحو الأعلى، محاكيةً هيئة تلك المرأة.

" … لم يكن هناك داعٍ لتذكر تفصيل كهذا، ظننتُ أنكِ نسيتِ الأمر، غير أنكِ لا تزالين تذكرينه ؟ "

" أنا أذكر كل شيء، تلك الأخت كانت ترتدي ملابس خفيفة للغاية لا تناسب الجو البارد، وأجزم أنها أصيبت بالزكام بعد ذلك "

" أجل، يبدو أن أفراد عائلة كوك يتسمون عموماً بقوة الذاكرة وحفظ التفاصيل "

أومأ جيهان برأسه وعلامات الرضا والارتياح ترتسم على وجهه. وإثر ثنائه ومديحه ذاك، تملك الزهو سي ها فاشتدت قامتها واعتدلت في جلستها بفخر .

وعلى أية حال، لم تكن إيسو تدرك أن جيهان كان في موعد مدبر لأجل الزواج على مقربة من الطاولة التي كانت تتناول عليها طعامها، بل إنه اصطحب سي ها معه في ذلك اللقاء أيضاً.

تنهدت إيسو، وشعرت بالحرج لأنها كانت منغمسة في حديث جاد معه .

" لقد كشفتُ لكِ عن بطاقتي، وبات الدور عليكِ الآن لتقدمي بطاقتكِ أيتها المعلمة "

" بما أن سي ها قد عادت، فسنتابع ما تبقى من الحصة والدرس الفني "

" هل تخططين للأكل و الهرب الآن بعد أن استمعتِ لجوابي وحصلتِ على ما تريدينه ؟ "

تفاجأت في نفسها من استخدامه لتعبير عامي مثل "الأكل و الهرب"، وعلاوة على ذلك، فإن ادعاءه بلقائها ثلاث مرات لم تكن حقيقة صادقة، فمجرد تواجد المرء مع شخص آخر في المساحة لا يمنحه الحق في وصف الأمر بأنه "لقاء"، وهذا كان مبالغة كبيرة .

للتوضيح فقط : عبارة، 'الأكل و الهرب'، هي عبارة عامية يتداولها الشباب في الإنترنت والشوارع، و تستخدم هذه العبارة لوصف الشخص الذي يأخذ مصلحته ثم يختفي .

" أبي، ما معنى الأكل و الهرب ؟ "

" يعني أن تأخذ شيئًا جيدًا لنفسك وتهرب "

" إذن هذا الشخص يعد إنسانًا سيئًا "

" لقد رأيتكَ قبل إحدى عشرة سنة مضت في قصر سويوندانغ، كان ذلك في اليوم الذي أُقيمت فيه مراسم الاحتفال "

وفي نهاية المطاف، أعلنت إيسو استسلامها و رفعت راية الإجابة، فقد رأت أن المبادرة بالرد وحسم الأمر أفضل من الاستمرار في هذه المماطلة اللفظية الفارغة. ومع انطلاق إجابة إيسو، اختفت روح الدعابة من وجه جيهان تماماً، وأخذ يحدق في ملامح وجهها بنظرات ثابتة وعميقة .

" أنا موقنة أنك لن تتذكر هذا الأمر، فمجرد تواجدنا في المساحة نفسها لا يعني بالضرورة أننا التقينا وتعرفنا على بعضنا البعض "

ورغم أن الأمر لم يتجاوز لمحة خاطفة وعابرة في ذلك الزمن، إلا أنها واجهت وجهه وتبادلت معه حديثاً قصيراً للغاية. وفي حقيقة الأمر، كان الموقف أقرب إلى تأمله ومراقبته عن بعد من كونها محادثة فعلية.

غير أنه، وكما تنبه جيهان لوجودها في مطعم أوندوون، فإنها هي الأخرى قد تنبهت لوجوده وحفظت مظهره في قصر سويوندانغ، ولذا فإنه على الرغم من إختلاف تفاصيل الذكرى الأولى بينهما، إلا أن ثقلها وأهميتها تظل متساوية .

"… قصر سويوندانغ، ومراسم الاحتفال "

شبك جيهان ذراعيه أمام صدره وأخذ يستدعي تفاصيل الماضي ويبحث في ذاكرته، في حين استغلت إيسو تلك الفرصة لتستأنف حصتها مع سي ها.

وتملكها تخوف من أن يقاطع الدرس و يشتت انتباه الطفلة بحديث آخر، غير أن مخاوفها تلك لم تتحقق، ويبدو أنه فقد شغفه بالمسألة، فأعاد فتح كتابه الذي أمامه والتزم الصمت التام حتى انتهاء وقت الحصة .

ورغم وجود نوع من التوتر الخفي والمشاعر المبهمة التي يصعب تفسيرها بالكلمات تطفو بينهما في ذلك الفراغ، إلا أن إيسو بذلت جهوداً مضنية لتجاهلها وعدم الالتفات إليها.

وبعد مرور ساعة أخرى، انتقلت إيسو برفقة الاثنين نحو غرفة الطعام المتواجدة في المبنى الرئيسي للقصر. وكانت هذه هي المرة الثانية التي تشاركهم فيها تناول وجبة الطعام بعد عشاء المرة السابقة. وكالعادة، ضمت الطاولة الأفراد الثلاثة بمفردهم .

وُضعت فوق الطاولة أطباق تحوي خضروات الربيع المتبلة طازجة، و وُزعت في صحون أمام كل فرد. وبمجرد رؤيتها لتلك الأصناف، تذكرت إيسو الكلمات الغريبة التي نطقت بها شقيقتها قبل قليل. وتساءلت في نفسها عن هوية الشخص الذي وجه إليها هذا الأمر، ورغم جهلها بالسبب، إلا أنها كانت موقنة بأن من أخبرها بذلك لم يكن شخصاً ينبض بالحياة من عالم الأحياء .

" لقد رأيتُ أن هذه الخضروات المتبلة جيدة للغاية، ولذا قمت بإعداد بضع أصناف منها، فأنت تفضل هذه الأصناف أيها المدير، أليس كذلك ؟ "

وتحدثت إحدى الموظفات القائمات على الخدمة وهي تقف بجوار جيهان لتقدم هذا التوضيح. وكانت امرأة تبدو أكبر سناً من والدة جيهان، السيدة هان.

وكانت على دراية تامة بذوق جيهان وما يفضله من طعام؛ و وضحت الابتسامة الهادئة والمستقرة التي ترتسم على وجهها أنها امرأة قد قضت سنوات طويلة وممتدة في خدمة هذه العائلة حتى باتت خبيرة بشؤونها وصاحبة تجربة عريقة فيها.

" أنا أيضًا أحب الخضراوات ! "

انتهزت سي ها الفرصة وكأنها تتباهى، فالتقطت ورقة خضراء بعيدان طعامها و وضعتها في فمها مباشرة وأخذت تمضغها بنشاط. وأغلقت عينيها بقوة وهي تبتلعها كمن يتجرع دواءً مراً، وبدت في هيئتها تلك في غاية اللطف .

ومن جانب آخر، تملك إيسو شعور بالأسى والشفقة تجاه الطفلة؛ إذ بدت وكأنها تحاول الحصول على محبة والدها وعطفه، وتصرفاتها الجافة لم تكن في حقيقتها إلا لأنها تكافح بشدة لنيل المزيد من الحب.

" كنتُ أظن أن الأطفال في سن السابعة يظهرون نفوراً تجاه تناول الخضروات عادة، غير أنني أرى سي ها تتناولها بكل شهية "

" لأنني أشبه والدي في طباعه و ذوقه تماماً "

عند سماع مديح إيسو، رفعت سي ها ذقنها نحو الأعلى بملامح يكسوها الدلال والزهو .

"وبما أن الجدة تفضل اللوحات الفنية والرسومات، و والدكِ يملك الشغف نفسه تجاهها، فلا بد أن سي ها ستحمل الحب والميل نفسه نحو الفنون، أليس كذلك؟"

" هذا أمر مؤكد ! "

"ولأجل هذا السبب، ستجد سي ها متعة وسعادة خاصة في تلقي حصص الرسم والفنون معي "

" أجل… ربما "

أومأت سي ها برأسها على مضض وعلامات الحيرة والتردد ترتسم على وجهها الصغير. وبدت كمن تملكه شعور بالريب، فالتفتت برأسها نحو الأعلى تستطلع وجه جيهان. وعندما امتدت يد والدها الحانية لتمسح على شعر رأسها علامة على الرضا والتشجيع، انفرجت ملامحها وتلاشت حيرتها لتبتسم بابتسامة مشرقة وصافية .

وفي كل مرة تلمح فيها إيسو ملمحاً من ملامح النقص العاطفي أو الفراغ لدى هذه الطفلة التي تبدو وكأنها لا تفتقر لشيء، كانت ذاكرتها تستدعي تلقائياً تفاصيل طفولتها السابقة التي لا تحمل لها أي مشاعر حنين أو اشتياق .

" معلمتي، هل كان والدكِ وجدتكِ يحملان الحب والميل نفسه تجاه الفنون ورسم اللوحات أيضًا ؟ "

توقفت إيسو للحظة أمام سؤال سي ها المفاجئ. ورغم أن الطفلة وجهت سؤالها بعفوية وبراءة خالية من أي ضغينة أو نية سيئة، إلا أن إيسو كانت بحاجة للتفكير جيدًا قبل النطق بالإجابة.

وعند سماع كلمة "أب"، كان أول ما يرتسم في مخيلتها هو صورة ذلك الرجل الذي تولى رعايتها وتربيتها، وهو الوالد البيولوجي لشقيقتها إِيُون.

مع أنه لم يكن والدها البيولوجي، إلا أنه كان الوالد الوحيد الذي يجسد معنى "الأبوة" في واقعها الملموس بعيداً عن الخيالات والتصورات النظرية .

وفي الوقت ذاته، تذكرت حديثها مع كيو تشول في استوديو قصر سويوندانغ سابقاً، وهو الرجل الذي تشير الدلائل حالياً إلى أنه يمثل الاحتمالية الأعلى ليكون والدها البيولوجي الحقيقي. ورغم هذه الحقيقة، فإن مجرد كونه والدها البيولوجي لا يعني أنه يمكن أن يكون والدها .

نطقت إيسو بعبارتها بعد أن رتبت أفكارها واختصرتها بكل هدوء: " أظن أن والدي لم يكن من بين أولئك الذين يملكون ميلاً أو شغفاً تجاه الفنون والرسومات "

"إذن، من تشبهين يا معلمتي من بين والديكِ؟"

من عساها تشبه في حقيقة الأمر ؟ أو بالأحرى، من هو الشخص الذي تملك الحق في إعلان شبهها به ؟

إن التساؤلات العادية والبديهية التي يتبادلها عامة البشر وبساطتهم، كانت تمثل في واقع إيسو ما يشبه الإبر الحادة المصنوعة من الجليد والتي توخز صدرها بقسوة .

" أنا … لا أملك إجابة واضحة أو معرفة بهذا الأمر "

"وهل يعقل لشخص بالغ ألا يدرك من يشبه من بين والديه؟"

" أجل، هذا يحدث أحياناً "

وخلال أيام معدودة، ستظهر نتائج الفحص وتستلمها. وبناءً على تلك النتيجة، سيكون بمقدورها تحديد وجهتها المقبلة ورسم مسار حياتها القادم بوضوح وثبات .

" لا بأس في ذلك؛ فقد أبلغني والدي سابقاً بأن هناك أموراً وتفاصيل قد يجهلها الكبار والبالغون أيضاً ولا يملكون معرفة بها، ولأجل هذا، فإن والدي لم يعلم …."

" كوك سي ها "

قاطع جيهان حديث ابنته فجأة، ونطق باسمها حاسماً ثرثرتها واسترسالها في الكلام. ونظرت سي ها نحو والدها بذهول وأخذت ترمش بعينيها بحيرة، في حين ضيق جيهان عينيه قليلاً وهز رأسه بحركة خفيفة، كإشارة صامتة وآمرة لها بالتوقف عن الاستمرار في الحديث .

" ألا يمكنني اخبارها بحقيقة أنك لم تكن تدرك اسمي أو عمري في السابق يا أبي ؟ "

وخفضت سي ها نبرة صوتها تماماً وأخذت تهمس بكلماتها كمن يبوح بسر خطير، غير أن جلوس إيسو في الجانب المقابل جعل الكلمات تصل إلى مسامعها بكل وضوح وأريحية .

" … تابعي تناول طعامك "

تحدث جيهان بنبرة يكسوها الاستسلام واليأس، و وجه نظراته وإشارته نحو أطباق الطعام أمامها.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان