الفصل ١٢٠ و ١٢١ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم السادس عشر _ 1/11 (8)

— بوم، بوم !

" أنتِ ! افتحي الباب ! "

كان لوجان يطرق الباب بعنف وكأنه سيكسره. ارتجف الباب بشكل ينذر بالخطر، لكنني لم أفعل شيئاً سوى دفن وجهي فوق ركبتيَّ.

" أنتِ ! "

كان صوت لوجان يائساً. ومع ذلك، لم أستطع حتى أن أتحرك من مكاني.

" أرجوكِ، فقط …… "

وأخيراً، توقف صوت طرق الباب.

" فلنتحدث قليلاً، حسنًا ؟ "

تردد صدى صوته في الأرجاء، لكن على عكسه، لم يكن لديَّ ما أقوله. فقد قلتُ كل ما لديّ بالفعل، ولن يتغير شيء الآن .

كان عليَّ فقط أن أنتظر العقاب الذي سينزل بي … هذا هو الاستنتاج الذي توصلتُ إليه.

تناهى إلى مسامعي ضجيج أصوات من خارج الغرفة.

" الآنسة فيفي أولاً......"

"...... الأدلة من الطابق الثالث أولاً."

شعرتُ وكأن أصواتهم قادمة من مكان بعيد جدًا.

تدافعت أصوات عديدة، حتى اخترقت جملة واحدة مسامعي: " إذاً، الآنسة فيفي هي من قتلت الآنسة هانا أيضاً، أليس كذلك ؟ "

كان ذلك صوت ريموند. عند سماع كلماته، ساد الصمت خارج الغرفة فجأة.

لم يكن هناك سوى السكون، لكن ذلك الصمت لم يثبت سوى حقيقة واحدة: ليس ريموند وحده، بل حتى الآخرون بدأوا يتقبلون هذه الحقيقة .

رمشتُ بعينيَّ بشرود وسط الظلام الدامس.

...... هل سيؤول الأمر إلى ذلك حقاً ؟

ربما لو كان الأمر كذلك، هل سيكون شعوري أفضل مما أنا عليه الآن ؟

على أية حال، لم يعد الأمر يهم. سواء كان من قتلته شخصاً واحداً أو اثنين، فلن يتغير العقاب الذي سأناله.

بدأت الأصوات التي كانت عند باب غرفتي تبتعد شيئاً فشيئاً. يبدو أن الواقفين أمام بابي بدأوا يتفرقون واحداً تلو الآخر .

" …… "

تسلل ضوء القمر عبر النافذة وتناثر على الأرض.

حدقتُ في ذلك الضوء بشرود، ثم استعدتُ وعيي على صوت نوافذ "النظام" التي بدأت تتردد في أذني بكثافة، فأغمضتُ عينيَّ بقوة.

— رنين !

— رنين !

— رنين !

كان ذلك الصوت مروعاً. سددتُ أذنيَّ بيديَّ لأتجاهله، لكن الصوت القاسي ظل يتردد كما هو.

في تلك اللحظة، فتحتُ عينيّ بحذرٍ لأُغطّي نفسي بالبطانية.

[ انخفضت ثقة 'آرييل هوارد' بكِ بنسبة 15%.]

[ انخفضت ثقة 'لوجان بارنز' بكِ بنسبة 20%.]

[ انخفضت ثقة 'صوفيا كاري' بكِ بنسبة 3%.]

بدأت رسائل إشعار انخفاض الثقة تظهر أمام عينيَّ الواحدة تلو الأخرى .

— رنين !

— رنين !

[ ارتفعت ثقة 'ماكس مونسون' بكِ بنسبة 5%.]

[ انخفضت ثقة 'آرييل هوارد' بكِ بنسبة 4%.]

— رنين !

— رنين !

— رنين !

لم تظهر نافذة إشعارات الثقة أي بادرة للتوقف عن الرنين في أذني. ظل الصوت مستمراً. وكأن تلك النافذة كانت تصرّ على إطلاعي على أفكارهم، رغماً عني وأنا التي قررتُ ألا أستمع لأصوات الآخرين؛ لقد كانت نافذة الثقة في غاية الإلحاح.

حتى لو اغلقت عينيَّ وأذنيَّ، لم يكن بإمكاني تجاهل أصواتهم.

كانت هذه اللحظات تشبه الجحيم تماماً.

وفي الوقت الذي تمنيتُ فيه لو أستطيع محو هذا النظام الذي يطفو أمام عيني بأي وسيلة كانت ….

[ هل ترغب في فتح 'الصندوق العشوائي (الكمية: 1)' الذي قمت بشرائه من المتجر؟
… نعم / لا ]

ظهرت نافذة تنبيه حمراء أمام عيني. كان الطنين لا يزال يتردد في أذني، لكن نافذة التنبيه بدت وكأنها تدفع نوافذ الثقة بعيداً؛ إذ تحولت نوافذ الثقة العديدة إلى اللون الرمادي فجأة وانزاحت خلف نافذة التنبيه الجديدة.

رغم أن صوت التنبيهات كان لا يزال يضج في رأسي. حدقتُ في النافذة بشرود، ثم مددتُ يدي وكأن روحاً قد تلبستني.

وما إن فعلتُ ذلك، حتى بدأ الصندوق العشوائي يطفو في الهواء وهو يشع ضياءً. تضخم حجم الصندوق، ثم بدأ يهتز بعنف وكأنه يستعد للانفتاح.

— بوف !

انفتح الصندوق العشوائي محدثاً صوتاً يشبه انفجار مفرقعات نارية ضخمة، كان صوتاً قوياً لدرجة أصابت أذني بالطنين، لكن، ومقارنة بهذا الضجيج الهائل، لم يكن هناك شيء داخل الصندوق.

" …… "

وكأن النظام يحاول مواساتي وأنا أحدق بصمت في فراغ الصندوق، ظهرت نافذة أمام عيني:

[ لقد حصلت على '300 قطعة ذهبية' و 'الحقيبة السحرية' من الصندوق العشوائي.]

[ هل ترغب في شراء النسخة الرسمية من ' عزيزتي' باستخدام هذه العملات ؟
(الرصيد الحالي: 335 قطعة ذهبية / المبلغ المطلوب: 50 قطعة ذهبية)
… أريد الشراء ! / لا بأس.]

حدقتُ في نافذة النظام بعينين هادئتين، فبدأت النافذة تتوسع تدريجياً وكأنها تحثني على الاختيار بسرعة.

ملأ زر "أريد الشراء" كامل رؤيتي. كان المنظر يبعث على القشعريرة، لكنني استحسنته على الأقل لأن صوت "الرنين" الذي كان يطن في أذني قد توقف.

راقبتُ الحروف التي تكبر ببطء بشرود، ثم رفعتُ يدي بهدوء وضغطت على زر الشراء.

[ شكراً لشرائك النسخة الرسمية من 'عزيزتي' !
ستختفي الآن جميع الأخطاء التي كانت موجودة في النسخة التجريبية السابقة، ويمكنك الآن الاستمتاع بتجربة لعب واقعية تماماً.
نحن نتطلع إلى أدائك الرائع ! ]

وفي تلك اللحظة بالضبط …

— بوم، بوم .

تساقط شيء ما من الهواء بغزارة وكأنه مطر.

— كويييك ؟

بدأت رؤوس المانيكان النائمة تستيقظ ببطء، وأمالت رؤوسها بحيرة، لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ أصابها الذعر حين رأت الأشياء المتناثرة على الأرض .

بدأت تقفز محاولةً تجنب الدوس على تلك الأشياء وكأنها تعبر جسراً حجرياً، ثم اقتربت من الباب ومرت عبره بسهولة رغم كونه مغلقاً، وغادرت الغرفة .

راقبتُ رحيلها بجمود، ثم حولتُ نظري نحو الأشياء الملقاة على الأرض .

كانت مألوفة بالنسبة لي، فهي ذاتها الأشياء التي كانت موجودة في "حقيبة التخزين".

لم يعد هناك أي صوت تنبيه يتردد في أذني، كما اختفت نوافذ الثقة التي كانت تحجب رؤيتي .

حاولت فتح نافذة الخريطة بهدوء، لكن، لم يظهر أي شيء أمام عينيَّ بعد. وكأنني كنتُ أهذي بهراء، لم يكن ما يمتد أمام نظري سوى الواقع المظلم والكئيب .

حاولتُ تشغيل النظام لإعادة الأدلة المتناثرة على الأرض إلى "حقيبة التخزين"، لكن لا تزال واجهة النظام لا تظهر .

واجهتُ هذا الواقع الضبابي الذي خيّم عليَّ، وأفلتت مني ضحكة فاترة دون وعي.

سقطت ورقة كانت تسبح في الهواء أمامي فجأة. حدقتُ فيها بشرود وارتسمت على وجهي ابتسامة مريرة.

وهكذا، نهضتُ من السرير لأقوم بتنظيف الأرضية الفوضوية. حاولتُ التقاط الأدلة المتناثرة واحدة تلو الأخرى، لكنني لم أستطع فعل ذلك، فأطرقتُ رأسي يائسة.

" …… "

بدأت الورقة تحت يدي تتجعد تدريجياً. كان ضوء القمر الممتد يعكس ظلالاً غير منتظمة على الأرضية .

ربما كنتُ أنا أكبر عائق في وسط هذه الأرضية المبعثرة. كان ضوء القمر يبدو ملطخاً بالبقع. جلستُ القرفصاء على الأرض وراقبتُ النافذة التي يتسلل منها ضوء القمر؛ كان ذلك الضوء الساطع الذي يخطف الأبصار لا يزال كما هو، لم يتغير .

نهضتُ من مكاني بخطوات مترنحة .

كنت أشعر بالاختناق وكأن هناك حبل حول عنقي. لهثت أنفاسي بصعوبة وتوجهتُ نحو الحمام .

كان هذا المكان سجني، ومقبرتي في آن واحد. ولم يكن من الممكن لمن دُفن في مقبرة الموتى أن يتنفس بارتياح .

— ووش ...

فتحتُ صنبور الماء. انهمر تيار الماء المنعش داخل حوض الاستحمام، وبدأ الماء الشفاف يتأرجح وكأنه أمواج البحر .

انعكس وجهي فوق سطح الماء المضطرب. راقبتُ ملامحي بهدوء، ثم أغمضتُ عينيَّ بقوة.

<سيزار، هل غفرتَ للجاني؟>

<...... هذا أمر مستحيل.>

<إذن؟ ماذا سيحدث الآن؟>

لم تكن الحكايات الخيالية هي الواقع. في الحكايات، ينال الأشرار عقابهم، ويُكافأ الأخيار بالخير يوماً ما، لكن الواقع لم يكن كذلك أبداً . ففي الواقع، حتى الأشرار قد لا ينالون عقابهم .

يقولون إنهم سيذهبون إلى الجحيم بعد الموت، لكن ما الفائدة من كل ذلك ؟ بينما يظل الباقون غارقين في كل هذا العذاب.

<...... سنبقى هكذا فحسب، فحتى لو دُخل الجاني السجن، فإن ذلك لا يعني أن ما حدث قد مُحي من الوجود.>

<.......>

<أتمنى أن تحققي أنتِ على الأقل الانتقام الذي ترغبين فيه، أودُّ أن تتحلل تلك العقدة التي تخنق قلبكِ.>

تردد صدى صوت سيزار في أذني. راقبتُ تموجات سطح الماء وعضضتُ على شفتي السفلى بقوة .

...... الانتقام المنشود .

ربما كان سيزار على حق. لو أنني تركتُ أمر ديريك للقانون، لما انتهى بي المطاف في هذا القصر .

دخلتُ إلى حوض الاستحمام بهدوء .

منذ زمن بعيد، كنتُ أحب الوقوف تحت المطر. لم يكن هناك سبب خاص، فقط كنتُ أحب ذلك الشعور المنعش الذي يلف جسدي، وأحببته لهذا السبب فحسب .

لم يكن سيزار يفهم ذلك. كان يكره أيام المطر، لأنه كان يقلق بشدة من أن أُصاب بنزلة برد.

<هل تكره المطر إلى هذا الحد؟>

<ربما.>

أطلق إجابة مبهمة، ثم أتبعها بضحكة خفيفة خافتة.

<لكن فكرة أن أشارككِ المظلة نفسها ليست سيئة تماماً.>

إن كان هذا هو جحيمي، فلا يوجد سوى طريق واحد للهروب منه.

توسلتُ بصدق ألا يكون المكان الذي سأستيقظ فيه مجدداً هو الجحيم على الأقل .

أنا التي كنتُ أتقاذف هنا وهناك وسط أمواج تسونامي، بدأتُ أغرق ببطء داخل هذه الأمواج .

خطر لي فجأة أنني لو غرقتُ هكذا في أعماق البحار، فسأكون على الأقل أكثر حرية مما أنا عليه الآن .

****************************

الفصل : ١٢١

اليوم السادس عشر _ 1/11 (9)

" أيها المحقق ! "

رفع سيزار رأسه وهو ينفث دخان سيجارته ببطء .

كان وجه لوكاس يوحي بأنه على وشك الانفجار بالبكاء. نظر سيزار إلى عينيه المحمرتين والمحتقنتين بالدم، ثم أبعد السيجار عن فمه .

ارتجفت شفتا لوكاس بشكل مثير للشفقة، ثم لفظ أنفاسه بصعوبة ونطق بهدوء: " لن تتخلى عن الآنسة فيفيان … أليس كذلك ؟ "

كان سؤاله غريباً. فهو لم يتخلَّ عن تلك المرأة ولو لمرة واحدة، لطالما كان هو الشخص الذي يُترك خلفها دائمًا .

نهض سيزار من مقعده دون أن يرى في السؤال ما يستحق الرد .

" أيها المحقق ! "

لكن لوكاس اعترض طريقه بسرعة، جاثياً على ركبتيه أمامه .

تحدث لوكاس بصوت مضطرب وغير مترابط: " أنا لستُ ذكياً مثلك، ولا أعرف كيف أنقذ الآنسة فيفيان مهما فكرت، لذا، أرجوك … ساعدها."

لم تكن هناك طريقة لإنقاذ تلك المرأة. فالجميع يرغب في العيش، وهذا طموح غريزي وطبيعي لأي كائن حي .

في هذا القصر الذي يحكمه قانون "موت الجميع إن لم يُكشف القاتل"، مَن ذا الذي سيجرؤ على الوقوف في صف القاتلة ؟

خطا سيزار بخطواته مبتعداً .

" إذن، لقد انتهى كل شيء الآن."

" سنتمكن من مغادرة القصر قريباً."

كان البعض يرفع نخب النصر، فبما أنهم عثروا على القاتل الذي تحدث عنه ألبرتو، فقد شعر الجميع بالسعادة لانتهاء هذه اللعبة اللعينة .

وعلى عكس غرفة المعيشة الصاخبة، كان الرواق الغربي غارقاً في الظلام .

لطالما ظل سيزار يبحث عن تلك المرأة، المرأة التي تركته ورحلت رغم كل شيء .

لقد تمنى لها السعادة فحسب، معتقداً أنها تركته لتعيش حياة أفضل من تلك التي كانت معه.

لم يستطع فِهم خيارها تمامًا، لكنه احترمه .

في أحلامه، كان وجهها يفيض بالسعادة. وكان يأمل لو التقاها مجدداً أن تستقبله بذلك الوجه الذي رآه في المنام.

لو كان الأمر كذلك، لما شعر بكل هذا الغضب الآن .

لكنكِ لا تزالين تعيشين في شتاء دائم … فكم بقي من الوقت يا تُرى حتى يطرق الربيع بابكِ ؟

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كان لقاؤه الأول بتلك المرأة في يوم تساقطت فيه الثلوج بغزارة لتكسو الأرض ببياض ناصع .

"هل ذهبتَ إلى السيدة لين ؟ بما أن المفتش روبرت كان هو المسؤول عن قضية 'فينيل'، فلا بد أن جميع الوثائق بحوزتها."

"لقد ذهبتُ، لكن السيدة أخبرتني أنها تخلصت من جميع ملفات القضايا التي كان المفتش يحقق فيها."

كان ضوء الشمس باهراً، حيث انعكست أشعته القوية على بلورات الثلج البيضاء .

" وفي دائرة الشرطة......"

" من المستحيل أن يسلموا الملفات لي."

تنهد ديفيد بعمق رداً على كلمات سيزار. فكل قضية يجب أن تُختم بكلمة "نهاية"، سواء كانت قضية لم تُحل بعد، أو قضية أُغلق ملفها .

حتى وإن لم يكن مقتنعًا، كان سيزار يتقبل الأمور طالما حُلّت القضية ضمن الإطار الذي حدده القانون. لأن ذلك كان يعني "النهاية"، وبوجود النهاية، تكتمل القضية .

ولكن، حتى مع ذلك، لم يكن الماضي يختفي. بل إن آثار الماضي التي تنهش المرء بإصرار لا تتبخر، بل تزداد وضوحاً مع الوقت.

"...... هل ستعيد التحقيق في القضية؟"

انتشر زفير ديفيد كضباب كثيف بين شفتيه، وبدا الأمر وكأنه تنهيدة عميقة .

" لا أنصحك بهذا المسار، لا أعرف ما الذي حاولوا سرقته من مختبر فينيل حتى ارتكبوا فعلاً كهذا، لكن لا بد أن يكون للأمر صلة بالحكومة."

أجاب سيزار على كلماته بمجرد ابتسامة خفيفة .

"...... اذهب أنت أولاً، سأدخن سيجارة ثم ألحق بك."

قطب ديفيد جبينه وبحث في جيبه، فناوله سيزار الولاعة وعلبة السجائر، ثم بدأ يصعد غابة "أليس".

كانت الأشجار التي فقدت حيويتها هزيلة، و هبت رياح من بعيد، وبدأت الثلوج المتراكمة على الأرض تتطاير مع نسيم الريح صانعة عاصفة ثلجية مصغرة.

كان البرد قارساً لدرجة تصيب الأذنين بالألم. وفي تلك الأثناء، تناهى إلى مسامعه صوت شخص ما.

" لو كنتُ أعلم أن الأمر سيكون هكذا، لكنتُ متُّ قبلها."

كان صوت المرأة هادئاً. وبعد أن انقشعت العاصفة الثلجية التي حجبت الرؤية، ظهرت هيئة امرأة تجلس أمام قبر ما.

" لقد طلبت مني ألا أموت، فكيف ترحلين أنتِ أولاً وتتركيني ؟ "

كان صوتها لا يزال هادئًا، ولكن في تلك اللحظة، سقط رأس المرأة للأسفل. سُمع صوت نحيبها المكتوم بينما هبت ريح باردة .

كان شعر المرأة المتطاير مع الريح يبدو وكأنه متجمد. لم يكن سيزار رجلاً لطيفاً لدرجة تجعله يواسي حزن شخص لا يعرفه، لذا، قرر أن يكمل طريقه معتبراً إياها مجرد عابرة سبيل لن يلتقي بها مجدداً .

ولكن في تلك اللحظة، رفعت المرأة رأسها. عينان زرقاوان تفيضان بالدموع. كان لونهما يشبه لون مياه البحر الجميلة التي رآها يوماً ما.

وفي تلك اللحظة، شعر سيزار وكأن شيئاً ما قد قيد قدميه ومنعه من الرحيل. داخل تلك الحدقتين الغارقتين في الحزن، كان هناك نقاء غامض يسكنهما.

التصقت خصلات شعرها المتطايرة بفعل الريح الباردة بخدها. فتحت شفتيها الجافتين اللتين بدا وكأنهما لن تفتحا للأبد، وقالت: " إلى ماذا تنظر ؟ "

كانت كلماتها حادة وجريئة بشكل مفاجئ.

ربما شعر سيزار بالذهول من جرأتها: " … هل تسألين كل من يمر من هنا هكذا ؟ "

" أنت الأول."

مسحت المرأة وجهها بظهر يدها وكأنها لم تكن تبكي منذ لحظة، ثم وقفت بشجاعة نسبية. بدا أن العاصفة الثلجية التي غطت العالم لم تمس ذلك القبر، فقد كان سطحه نظيفاً.

راقب سيزار ذلك المشهد بصمت ثم حول نظره. بجانب القبر، كان هناك رجل ثلجي يرتدي وشاحاً، يقف حارساً للمكان.

"...... لماذا صنعتِ هذا؟"

الآن فقط لاحظ أن عنق المرأة كان عارياً. و رؤية عنقها الأبيض وقد تحول للون الأحمر، دلّ على أنها ليست فاقدة للإحساس بالبرد .

" لأنه الشتاء."

جاءت الإجابة غير متوافقة تماماً مع السؤال.

" لأنه فصلٌ موحشٌ وبارد."

كان صوتاً جافاً ومتهالكاً .

كل ما كان يُكونها هو "الشتاء".

ومع ذلك، فكر سيزار في تلك اللحظة: بأنها امرأة تشبه الربيع، ولا تناسب الشتاء أبداً .

كان ذلك هو انطباعه الأول عنها. ولم يلتقي بتلك المرأة مرة أخرى إلا بعد أن كادت تتلاشى صورتها تماماً من ذاكرته .

"سمعتُ أنك التقيت بمدير المعهد، هل هذا صحيح؟"

" لقد وصلت الأخبار أسرع مما توقعت."

أغمض ديفيد عينيه بقوة ومرر يده بخشونة عبر شعره.

"لم يكن أمراً جللاً، مجرد طلب قضية وُضع أمامي."

" كيف لا يكون أمراً جللاً ؟ يا إلهي، هذا يشبه وضع السمك تحت حراسة قط جائع ! "

لم يستطع ديفيد كبح غضبه بسهولة. ظل يذرع الغرفة جيئة وذهاباً، ثم وقف فجأة أمام سيزار بصمود.

" ارفض هذا العرض، لن تجني أي نفع من التورط معهم."

" لم يسبق أن جنيتُ نفعاً من أي قضية قبلتُها."

قلب سيزار أوراق طلب القضية بهدوء.

[ في الثاني عشر من فبراير الماضي، وصلت رسالة تهديد من معهد 'فينيل'، تفيد بنية تفجير قنبلة مزروعة في المختبر رقم ٢ التابع للمبنى الملحق ......]

" أنا لا أتحدث عن هذا الآن ! "

— طرق، طرق .

قاطع صوت طرقات خفيفة على الباب نبرة ديفيد الغاضبة. حدق ديفيد في الباب بغيظ، ثم تنهد بعمق، واقترب منه ليفتحه بحدة.

" هل أنتِ عميلة ؟ "

" نعم، جئتُ للبحث عن المحقق سيزار … "

" لقد جئتِ إلى المكان الصحيح، إنه ذلك الرجل الجالس في الداخل، اذهبي وتحدثي إليه."

أغلق سيزار الملف وهو يستمع لخطوات الأقدام التي تقترب منه.

" يؤسفني قول هذا، لكنني لا أستقبل أي قضايا في الوقت الحالي."

"..... جئتُ بتوصية من المحقق يولينغ."

ضاقت عينا سيزار وهو يرفع نظره .

… إنها تلك المرأة. المرأة التي كانت تبكي في غابة "أليس". لم يتغير فيها شيء عن تلك المرة .

" اسمي فيفيان لوبيز."

مدت يدها النحيلة نحوه فجأة. كانت يداً جافة تبدو وكأنها ستتحطم بمجرد لمسها. وعندما لم يمد سيزار يده، سحبت فيفيان يدها بابتسامة مرتبكة.

" … يبدو أن انطباعي الأول لم يكن جيداً كما توقعت."

لم يكن يعلم أنها تعرفه، لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك تماماً .

" أعلم أنك مشغول، لكنني أتيتُ لأن لديَّ قضية أودُّ أن أوكلك بها."

بدأت فيفيان تفتش في حقيبتها القديمة. وسرعان ما أخرجت منها رزمة كثيفة من الأوراق.

" لقد كنتُ أحقق في الأمر وحدي، لكنني وجدتُ أنه من المستحيل حله بمفردي."

كانت يدها الشاحبة والمزرقة تبدو وكأنها تجد صعوبة حتى في حمل تلك الأوراق.

تنهد سيزار تنهيدة خفيفة: " ألم تسمعي من المحققة يولينغ ؟ لا بد أنها تعلم أنني لا أقبل أي قضايا الآن."

اختفت تلك الجرأة التي كانت تملكها سابقاً دون أثر، ولم يتبقَّ منها سوى التردد والارتباك.

" سمعتُ ذلك، ولكن......"

" بما أنكِ تعرفين الحقيقة بالفعل، فلا داعي لإضاعة المزيد من الكلام."

كان من الواضح لأي شخص يراها أن لهذه المرأة ظروفاً قاهرة، لكن في هذا العالم، لا يوجد إنسان بلا ظروف .

تحدث ديفيد بهدوء، وكانت كلماته تحمل حثاً صريحاً: " ألا يجدر بك قبول قضيتها ؟ يبدو لي أنها أفضل بكثير من تلك القضية التي تتردد بشأنها الآن."

المجرم سينال عقابه يوماً ما، كان هذا هو قانون المجتمع السائد منذ القدم، لكن سيزار كان يؤمن بأن الضحية وحدها هي من تملك الحق في إصدار الحكم .

ولهذا السبب أصبح محققاً خاصاً، وليس فرداً في مكتب الأمن العام، لكن يبدو أن ديفيد لم يكن يدرك هذه الحقيقة .

أطلق سيزار ضحكة خفيفة: " لا يمكنني التراجع عن قولي بأنني لن أقبل أي قضية لفترة من الوقت، فالثقة هي أهم ركيزة في مهنة المحقق."

" …… "

" وبما أنني وضحتُ لكِ الأمر، فقد فهمتِ بالتأكيد......"

وجه سيزار نظره نحو المرأة التي كانت تقف بضعف وهشاشة .

" والآن، تفضلا بالخروج، كلاكما."

في تلك اللحظة، خيم اليأس على وجه المرأة. ظن سيزار أنها ستستسلم بعد هذا الكلام، لكنها كانت أكثر إصراراً وتشبثاً مما تخيل .

… فيفيان لوبيز.

لقد كان إصرار تلك المرأة، التي يفيض قلبه بالمشاعر بمجرد ذكر اسمها، يفوق كل تصوراته.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان