الفصل ١٠٨ و ١٠٩ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الخامس عشر _ 31/10 (6)

تمتم لوجان بصوتٍ بدا فيه مذهولاً: " علاقة عميقة … ؟ "

أطلقتُ تنهيدة إثر كلمات ريموند؛ فلم أعد أفهم ما الذي يرمي إليه حقاً.

… هل يريد زرع الانقسام بيننا ؟ أم أن هدفه هو تدمير ما تبقى من ثقة الآخرين بي ؟

لم أكن أنوي إخفاء الأمر عن عمد، لكن النتيجة كانت وكأنني تعمدتُ كتمانه فعلاً. تجمعت الكلمات في حلقي أمام تلك النظرات الكثيرة التي صُوبت نحوي، فنظرتُ نحو سيزار بضياع.

" ماذا ؟ يبدو أن الآنسة فيفي لا تخفي الأسرار عني وحدي، أليس كذلك ؟ "

" …… "

" ماذا ستفعلين إذا كنتِ تخفين الكثير حتى عن الأشخاص الذين يقفون في صفكِ ؟ "

تردد صدى صوته الذي كان يتظاهر بالقلق بوضوح.

صررتُ على أسناني إثر كلماته وقلتُ: " لم أكن أعلم أنك تهتم لأمري إلى هذه الدرجة."

أما آرييل، التي كانت تستمع لحديثنا، فبقيت جالسة بذهول وفمها مفتوح، قبل أن تنطق بتلعثم: " لا، انتظروا لحظة … إذن، كلمة علاقة عميقة تعني أنكِ أنتِ والمحقق …… "

لكن من أجاب على تساؤلها بدلاً مني كان سيزار، الذي نطق ببرود: " لقد كنا حبيبين سابقًا، والآن نحن مجرد معارف كما ذكرنا من قبل."

" …… "

" أنا آسف لأننا لم نخبركم بذلك مسبقاً."

ثبّت سيزار نظراته الجافة على ريموند. ارتجفت شفتاي وأنا أحاول قول شيء ما، لكنني في النهاية فضلتُ الصمت؛ فقد شعرتُ أن البقاء هادئة أفضل من التفوّه بكلمات قد تزيد الموقف سوءاً.

" …… "

لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلاً، إذ أدرتُ رأسي بلا وعي فتجمدتُ مكاني .

كانت نظرات إيان مُصوَّبة نحو ريموند. وفي عينيه الأرجوانيتين الفارغتين، كانت هناك مشاعر لم أستطع تمييزها تتماوج كالأمواج المتلاطمة.

ومع ذلك، كان هادئاً بشكلٍ غريب. كان يحافظ على سكونه وكأنه غارق في أعماق المحيط.

جفّ ريقي لسببٍ لا أعرفه، وفي النهاية أدرتُ بصري عنه. في هذه الأثناء، كان التوتر بين سيزار و ريموند قد وصل إلى ذروته.

نطق سيزار محذراً ريموند: "لو كنت ترغب في الصدق حقاً، ألم يكن الأجدر بك أن تجعلنا نحن من نبوح بالأمر بدلاً من أن تفتحه أنت كطرف غريب؟"

مال أحد طرفي فم سيزار بابتسامة متهكمة: " لأن محاولتك لإخفاء نواياك الحقيقية خلف ذريعة الصدق تبدو هزيلة ومبتدئة."

تردد صدى صوت سيزار الجاف في أرجاء المكان.

"هـ … هذا صحيح، في الأصل نحن لم نسأل عن الأمر بالتفصيل، و …… "

تمتم لوكاس بحذر محاولاً تلطيف الأجواء، لكن ريموند أطلق ضحكة باردة.

"يبدو أنك كنت تعلم بالأمر مثلي تماماً؟"

تجمد لوكاس مكانه إثر كلماته. ولم يفت ريموند ملاحظة ذلك، فأمال رأسه متسائلاً: " أوه، لقد سألتُ مجرد سؤال، لكن يبدو أن الأمر حقيقي، هل يعقل أنك كنت تعرف الآنسة فيفي حتى من قبل دخول القصر ؟ "

هذا الوغد حقاً ……

فتحتُ فمي وتحدثتُ بهدوء: " أنا من أخبرتُ لوكاس."

" لم تنبسي ببنت شفة لمن يبدون أقرب إليكِ من لوكاس، وفعلتِ ذلك معه هو تحديدًا … "

تمتم ريموند بكلماته ثم انفجر بضحكة قصيرة، وكانت نظراته مُوجهة نحو لوجان.

حاولتُ كبت غضبي وأجبته بحزم: " ظننتُ أنها قصة قد تسبب الحرج للجميع، لذا لم أجد داعياً لإخبار الآخرين، لم تكن قصة مبهجة على أي حال."

رد ريموند بنبرة مبالغ فيها: "لم تكن أي من الأحاديث التي تداولناها هنا مبهجة طوال الوقت."

ضربت صوفيا ريموند بمرفقها في ذراعه، كإشارة له ليتوقف عن الكلام.

ثبّتُّ نظراتي على ريموند ونطقتُ بكلماتٍ خرجت من بين ثنايا أسناني: " لو كنتَ قد سألتني قبل أن تفتح فمك بهذا الشكل، لكنتُ أجبتكَ بكل صدق، لكنني لم أتوقع أن تبدأ بالتهكم عليَّ هكذا فجأة."

في هذه الأثناء، كان ماكس، الذي تبع سيزار في النزول من الطابق الثاني، يراقب الأجواء بحذر قبل أن يتسلل مقترباً من غرفة المعيشة .

" عمي ! "

ما إن لمح كيڤن -الذي كان يحبس أنفاسه في غرفة المعيشة- ماكس، حتى ناداه بصوتٍ متهلل وكأنه وجد متنفساً له.

اقترب ماكس من كيڤن بابتسامة خجولة، ثم وجه حديثه إليّ وإلى ريموند بنبرة خفيفة: " لا تهتما بوجودي، و واصلا حديثكما."

إثر كلمات ماكس، تدخلت صوفيا لفض النزاع بيني وبين ريموند: " أعلم أن كلاكما يحمل مشاعر سيئة تجاه الآخر بسبب أحداث الأمس، لكن الماضي ليس مهماً الآن، أليس كذلك ؟ من الأفضل أن نركز على الحاضر."

بدا صوت صوفيا هادئاً ولطيفاً على غير العادة، وكأنها تحاول جاهدة تلطيف الأجواء المشحونة.

" أنا أيضاً أوافقكِ الرأي."

أيدت آرييل كلامها بحذر، وتابعت: " كما قال لوكاس، فنحن أيضاً لم نسأل عن التفاصيل بشكل أعمق، لذا …… "

بدا لوكاس وكأنه يعجز عن الكلام من شدة الضيق، لكنه استجمع قوته ونطق أخيراً: " بعيداً عن هذا، أود أن أسأل عمن يمتلك الذخيرة الحية."

بمجرد أن أنهى جملته، ساد الصمت أرجاء غرفة المعيشة التي كانت تضج بالضجيج منذ لحظات.

أطلق لوكاس ضحكة ساخرة وكأنه توقع رد الفعل هذا، ثم سأل بنبرة تهكمية لم نعهدها منه: " لا أعلم من يملكها، لكنك تنوي حشوها في السلاح بنفسك، أليس كذلك ؟ "

لم يأته أي رد. وفي اللحظة التي تملكني فيها الشك عما إذا كان هناك أحد يملك ذخيرة حية حقاً ……

فتحت صوفيا الجالسة بهدوء فمها وقالت: " الذخيرة الحية معي أنا."

...... ماذا ؟

ضاقت عينا سيزار وهو يحدق بها.

" سأقوم بحشوها في الوقت المناسب، لذا لا تشغلوا بالكم بهذا الأمر."

كانت نبرتها حادة وفجّة. أما ماكس، الذي ظننتُ أنه سينفجر غضباً إثر كلماتها، فقد ظل جالساً في مكانه يداعب يدي كيڤن بهدوء.

ضحكتُ بسخرية وأنا أراقب هذا المشهد. يبدو أن الأشخاص المعنيين بالأمر كانوا يعرفون هذه الحقيقة بالفعل.

كنتُ أتوقع أنهم قد تداولوا أمر الرصاص بينهم، لكن رؤية ذلك يتأكد أمام عينيَّ جعلت الأمر يبعث على الذهول أكثر .

علاوة على ذلك، وبما أن الأمور قد وصلت إلى هذا الحد، لم يعد بإمكاني تصديق كلمات صوفيا أيضاً.

كان من الغريب جداً أنها لم تكتم أمر الذخيرة الحية حتى النهاية، بل فتحت فمها وتحدثت عنها قبل يوم واحد فقط. فلو كانت تخفيها خوفاً من أن يعبث بها أحد، لكان من الطبيعي أكثر أن تظل صامتة على الأقل حتى يوم خسوف القمر.

في تلك الأثناء، قطع ماكس لعبه مع كيڤن وكأنه تذكر شيئاً ما، ثم سألني: " على أية حال يا آنسة، هل عالجتِ جرحكِ جيداً ؟ "

أومأ ماكس برأسه نحو يدي وتابع: " بما أنكِ أحدثتِ تلك الفوضى في غرفة الطعام، فلا بد أن يدكِ قد تضررت كثيراً."

ارتجف بيبِي المختبئ في جيبي إثر كلمات ماكس. وبدأ الإرتجاف الذي توقف بصعوبة يعود إليه وتزداد شدة تدريجياً .

بدات أربت على بيبِي داخل جيبي وأجبته بهدوء: " عندما ذهبتُ إلى هناك كانت غرفة الطعام في حالة فوضى بالفعل، أما إصابة يدي، فكانت بسبب شيء كان عليَّ التأكد منه."

"وما هو هذا الشيء الذي أردتِ التأكد منه؟"

بما أنه لم يكن بإمكاني الحديث عن فيل، قررتُ اختلاق عذر آخر: " المتجر."

ضاقت عينا ماكس وهو يرمقني بنظراته.

" المتجر ؟ "

سألت صوفيا بنبرة محتارة، فأومأتُ لها بهدوء وتابعت: " في اليوم الذي مات فيه العم جاك، قال ألبرتو بوضوح إن 'المتجر' سيُفتح بعد ذلك."

" …… "

" والمتجر الذي عناه كان هو المرآة الموجودة في غرفة الطعام."

واصلتُ حديثي بنبرة جافة: " ذهبتُ إلى غرفة الطعام لأرى إن كانت هناك بضائع جديدة، لكن أحدهم كان قد حطم المتجر بالفعل."

بما أن لوجان كان يجلس بجانبي، لم أجرؤ على الادعاء بوقاحة بأنني أذهب للمتجر للمرة الأولى.

لكن ماكس، الذي كان يستمع بهدوء، اعترض قائلاً: "ممم، أليس من الطبيعي أكثر أن نفترض أنكِ حطمتهِ أثناء تواجدكِ هناك؟"

" لا أظن ذلك، فأنا لم أكن أعرف حتى أين توجد المطرقة."

ثبّتُّ نظراتي على ماكس وقلت: " من كان آخر شخص بحوزته المطرقة التي أحضرتَها أنت، سيد ماكس ؟ "

" أنا … أنا من كانت معه … " تمتم كيڤن بصوت خافت رداً على سؤالي.

...... أكانت مع كيڤن ؟ وليس مع سيزار أو إيان … ؟

أخذ ماكس يحك مؤخرة عنقه بيده وسألني: " قولكِ إنكِ ذهبتِ لتفقُّد البضائع الإضافية يعني أنكِ كنتِ تعرفين بالفعل بشأن سلع المتجر."

" هذا صحيح."

"إذاً، هل هناك شيء اشتريتهِ من المتجر يا آنسة؟"

لمعت عينا ماكس ببريق حاد. ترددتُ للحظة إن كان عليَّ إخباره بالحقيقة أم لا، لكن ترددي لم يدم طويلاً.

" نعم، اشتريت."

" أتساءل حقاً ما الذي قد تشتريه الآنسة … "

أمال ماكس رأسه جانباً. وكلما تردد صدى صوته في أرجاء المكان، كان ارتجاف بيبِي يزداد عنفاً.

ولم يكن تحرك بيبِي هذا يشير إلا إلى حقيقة واحدة فقط: أن الشخص الذي حطم المرآة في غرفة الطعام هو ماكس بعينه.

رغم أنني لا أزال أجهل السبب الذي دفعه لتحطيمها.

****************************

الفصل : ١٠٩

اليوم الخامس عشر _ 31/10 (7)

— تيك، تيك …

اصطدمت قطرات مطر خفيفة بزجاج النافذة، أما ضوء الشمس الذي كان ينير غرفة المعيشة، فقد اختفى تماماً منذ فترة وجيزة.

أخذ ماكس يداعب لحيته الخشنة وهو يوجه سؤاله إليَّ: "هذا يعني أن الآنسة تمتلك حقاً في تصويت إضافي."

لم أجب على كلماته، أما لوجان، الذي كان يجلس بجانبي، فقد ارتجفت شفتاه وكأنه يريد قول شيء ما، لكنه سرعان ما أغلق فمه وصمت.

" لا أعلم من غير الآنسة يمتلك أصواتاً إضافية، ولكن، حسناً … سنعرف ذلك بمجرد أن يبدأ التصويت."

ألقى ماكس نظرة خاطفة نحو التلفاز. لم نكن نعلم متى سيبدأ التصويت الثاني، لكن الشيء الوحيد المؤكد هو أنه لم يعد يفصلنا عنه سوى وقت قصير.

...... وأدركتُ بضبابية أن احتمالية نجاتي في هذا التصويت أصبحت ضئيلة.

في تلك اللحظة، كسر إيان صمته الطويل وتحدث بهدوء: " أولاً، لنتحدث عما قام كل واحد منا بجمعه من معلومات وتحقيقات حتى الآن."

أدار بصره ببطء في أرجاء غرفة المعيشة وتابع حديثه: " أفترض أنه لا يوجد أحد هنا يرغب في الموت، لذا سأثق بأن الجميع سيقول الحقيقة هذه المرة."

فتحت صوفيا فمها وقالت بنبرة خافتة: " إذاً، سيكون من الأفضل أن يبدأ الشخص الذي أخذ الأدلة من الطابق الرابع بالحديث أولاً … "

" …… "

" لا أعلم من فتح الباب، ولكن إن كنت قد استعدت أي غرض من هناك، أليس من الأفضل مشاركته معنا ؟ "

إثر كلماتها، اتجهت عينا كيڤن الواسعتان نحوي.

حاولتُ جاهدة تجاهل نظراته، لكنه سألني بحذر: " نونا، ألم تجدي أي شيء ؟ "

" لو وجدتُ شيئاً لكنتُ قد قلته."

" لا أظنكِ ستفعلين......"

تمتم كيڤن بصوت خافت. وبدا أن الكلمات قد أفلتت منه دون وعي، إذ سرعان ما ارتسم الارتباك على وجهه وكأنه ندم على ما قاله .

لم أعلم بماذا أجيب كيڤن، فكتفيتُ بالاستناد بظهري إلى أريكة غرفة المعيشة.

… هل سيفتح سيزار فمه ويتحدث ؟

بالنظر إلى تلك الورقة الغامضة التي كان يمسكها في "غرفة البرسيم"، رجحتُ أن يكون سيزار هو من فتح باب الطابق الرابع. وبما أنني لا أعلم إلى متى سيبقى صامتاً، فقد استبدَّ بي القلق.

بدا أن الصمت المخيم على غرفة المعيشة لا يعجب ماكس، فعبس ونطق بضيق: " لا أعلم إن كنتم تفتقرون إلى التفكير، أم أنكم فقدتم عقولكم لدرجة الرغبة في الموت."

" …… "

" أليس لديكم أي نية للخروج من هنا أحياء ؟ "

بدا ماكس غاضباً من هذا الوضع. وبينما كان يرمق الجالسين الذين التزموا الصمت المطبق، أطلق ضحكة ساخرة: "حسناً، تصرفكم بهذا الشكل يعني أنه يمكنني أنا أيضاً أن أفعل ما يحلو لي، أليس كذلك؟"

بدأ المطر يزداد كثافة شيئاً فشيئاً.

وعندما بدأ الرذاذ يتسلل عبر النافذة المفتوحة، نهضت آرييل وأغلقتها، ثم نادتني بصوت خافت: " فيفي."

"...... نعم؟"

"هل تذهبين معي إلى العيادة قليلاً ؟ وجهكِ شاحبٌ للغاية."

" …… "

"...... هل يمكننا الذهاب؟"

سألت آرييل وهي تسترق النظر بحذر نحو البقية، فأجابها سيزار: " اذهبا."

" شكراً لك."

أومأت لي آرييل بعينيها كي أتبعها ثم تحركت. ابتلعتُ ريقي ونهضتُ من مكاني لألحق بها.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

" اجلسي هنا."

قالت آرييل ذلك وشرعت في تفقد خزانة الأدوية ببطء، ثم أحضرت ضمادات ومرهماً بمهارة واضحة.

"...... هل يمكنني رؤية يدكِ؟"

يبدو أن كلمات ماكس السابقة قد ظلت عالقة في ذهنها. ولأنني لم أخرج يدي من جيبي، قامت آرييل -وكأنها توقعت ردي- بسحب ذراعي بلطف لتخرج يدي، ثم بدأت في فحص الجرح.

" …… "

أخذت آرييل تطهر الجرح بحذر، بينما كنتُ أراقب تصرفاتها بصمت. وفجأة، توقفت يدها عن الحركة وحدقت بي للحظة، ثم رسمت ابتسامة محرجة ونطقت بهدوء: " تعلمين … أشعر أنكِ تشبهين لوكاس في كثير من الأمور."

عادت يد آرييل للحركة مجدداً وتابعت: " لوكاس أيضاً لا يفتح فمه أبداً ليخبرني بما يمر به."

" …… "

" وفي كل مرة يحدث ذلك، لا يسعني سوى التخمين … أن أمراً ما قد أصاب لوكاس."

كان صوت آرييل خفيضاً للغاية وهي تتابع: " حينها، كنتُ أفكر دائماً في الأمر ذاته؛ أن عليَّ الانتظار بصمت حتى يفتح هو فمه ليتحدث، وأنه في اليوم الذي ينهار فيه من شدة التحمل، سأكون أنا السند القوي الذي يتكئ عليه."

" …… "

" لكن، منذ وقتٍ ما، بدأ عزمي هذا ينهار، أدركتُ أن الانتظار حتى لحظة الانهيار لن يؤدي إلا لمزيدٍ من الألم للوكاس وحده."

ربطت آرييل الضمادة حول يدي: " ثم أدركتُ حقيقة واحدة؛ وهي أن الطريقة الوحيدة لجعل لوكاس يفتح قلبه، هي أن أكون أنا أيضاً صادقة معه وأبوح له بما في أعماق قلبي."

ارتسمت ابتسامة باهتة على وجه آرييل: " إن ما يحتاجه لوكاس ليس مجرد صديق، بل شخص يشاركه المصير ذاته، هكذا أصبحتُ مقربة من لوكاس، بالطبع، هو لا يزال يخفي عني الكثير، ولكن......"

ثبّتت آرييل نظراتها عليَّ وتابعت حديثها: "...... لديَّ الكثير من الأسئلة لأطرحها عليكِ، والكثير مما أود معرفته عنكِ."

" …… "

"...... لكنني أعلم أنكِ لن تجيبيني بصدق، لأنكِ تشبهين لوكاس تماماً."

كان صوت آرييل مشوباً بنبرة من الوحدة: "لذا، قررتُ أن أتقرب منكِ بنفس الطريقة التي اتبعتُها مع لوكاس."

"...... وكيف ذلك؟"

خرج صوتي متهدجاً بشكلٍ غريب. إثر كلماتي، أخرجت آرييل شيئاً ما من جيبها ومدّت يدها نحوي.

وضعَتْ فوق يدي المغطاة بالضمادات البيضاء قلادة.

"هذه القلادة عثرتُ عليها في غرفة العم جاك، لا أعلم إن كانت ستفيدكِ، لكنني أريد في مقابلها إجابة واحدة منكِ."

" …… "

".... بعبارة أخرى، أريد شراء حقيقتكِ بهذه القلادة."

نظرتُ إلى آرييل بجمود. كنتُ أعرف تماماً نوع الإجابة التي تريد سماعها مني.

ومع ذلك، سألتُها بهدوء: "...... ما الذي تريدين معرفته عني؟"

" ما قاله ريموند بالأمس بخصوص رسائل التهديد."

ارتجفت نبرة آرييل في نهاية جملتها. وعلى الرغم من هدوء ملامحها، إلا أنها لم تستطع إخفاء ارتعاش صوتها.

لم يكن سؤالاً خارجاً عن توقعاتي، لكنني شعرتُ بغصة غريبة في حلقي.

".... لستُ أنا من أرسل لكِ رسائل التهديد."

أجبتُها بكل صدق، لكن وجه آرييل عكس عدم تصديقها لكلماتي.

".... لو كنتُ أنا من يبتزكِ حقاً، لما استطعتُ على الأقل التصرف بكل هذه الجرأة أمامكِ."

بدأت عينا آرييل اللتان تحدقان بي بالاهتزاز تدريجياً. تركت خيط القلادة الذي كانت تمسك به بحذر لتهبط فوق يدي.

[ انخفضت نسبة ثقة "آرييل هوارد" بك بنسبة 5%.]

سقطت القلادة فوق يدي مُحدثةً صوتاً معدنياً خفيفاً، ولكن، وبصرف النظر عن فعلها هذا، كان وجه آرييل الذي يراقبني غارقاً في الذهول والارتباك.

هممتُ بفتح فمي لأتحدث، لكنني عدتُ وأغلقته. لم أكن أعلم أن رؤية نافذة "نسبة الثقة" وهي تنخفض في الوقت الفعلي سيكون تعذيباً بهذا الشكل.

ولأنني لم أعد أقوى على مواجهة عيني آرييل، نقلتُ نظري نحو القلادة وتابعتُ حديثي بصوتٍ خافت: " لا أعلم من هو الشخص الذي سرّب هذا الكلام لذلك الرجل، ولكن......"

"...... إنه العم ماكس."

رفعتُ رأسي فجأة عند سماع صوت آرييل. كانت ملامحها لا تزال تعكس حيرتها فيمن يجب أن تصدق.

" لماذا ؟ "

انطلق صوتي دون وعي مني. وبدت آرييل مرتبكة وهي تجيبني بهدوء: " لا أعرف لماذا قال العم ذلك، وبخصوص هذا الأمر… ألا تدركين أنتِ السبب أكثر من أي شخص آخر يا فيفي ؟ "

لكنني، على عكس ما ظنته آرييل، لم أكن أعرف شيئاً. ومع ذلك، كان هناك أمر واحد مؤكد.

" إنها امرأة أعرفها جيداً."

هذا ما قاله ماكس لكيڤن في الذكرى التي أراني إياها بيبِي. حتى أنني شعرتُ وكأن صوت "فيل" يتردد في أذني وهو يحاول تقليد كلمات ماكس بأسلوبه الغريب.

رأت آرييل وجهي الذي أصبح مظلماً، ولا أعلم كيف فسرت تعبيري، لكنها قبضت فجأة على خيط القلادة الذي كانت قد تركته للتو، وسألتني بنبرة يملؤها الاضطراب: " من الذي يجب أن أصدقه بحق خالق الجحيم ؟ "

" …… "

" أأصدقكِ أنتِ ؟ أم العم ماكس ؟ "

" …… "

" أنا... لم أعد أعرف من أصدق بعد الآن."

اتجهت نظرات آرييل الفارغة نحوي. بدا وكأن المشاعر التي كبتتْها طوال هذه الفترة أوشكت على الانفجار، لكن لسبب ما، كان صوتها وتعبير وجهها أكثر فراغًا من أي وقت مضى.

" لقد تمنيتُ لو صرختِ على الأقل لتظهري أنك مظلومة، لو غضبتِ قائلةً إن هذا هراء، أو لو انفجرتِ بالبكاء، لربما كنتُ قد صدقتُ كلماتكِ كما هي."

" …… "

" لكن أن تحافظي على وجهٍ هادئ إلى هذا الحد، فماذا عساي أن …… "

تشوهت ملامح آرييل من الألم.

[ انخفضت نسبة ثقة "آرييل هوارد" بك بنسبة 7%.]

رمقتُ نافذة الثقة التي بدأت تتلاشى ببطء أمام عيني بذهول، ثم نطقتُ بهدوء: " … أنا أكثر من يعلم أنني لستُ المبتزة، لكن، ليس لدي دليل واحد يدعم كلامي."

" …… "

" وفي وضعٍ كهذا، لا أعلم كيف ستبدو لكِ كلماتي المجردة من الدليل."

تحركت شفتا آرييل الحمراوان وكأنها تريد النطق لكنها صمتت، وظلت ملامحها تائهة لا تعلم أي طريق تسلك.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان