الفصل ١١٠ و ١١١ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الخامس عشر _ 31/10 (8)

واصلتُ حديثي وأنا أواجه نظرات آرييل: " لن أطلب منكِ أن تصدقيني، فهذا أمرٌ يعود إليكِ وحدكِ لتقديره."

اهتزت القلادة في يد آرييل اهتزازاً خفيفاً. أما أنا، فقد أسقطتُ يدي عاجزةً عن الإمساك بها.

كانت حقيقة أنني لم أرسل رسائل تهديد لآرييل صادقة تماماً، ومع ذلك، لم يكن موقفي يسمح لي بأن أكون فخورة تماماً أمامها. فآرييل ستنتهي حتماً إلى كراهيتي، ولم أرغب في التفوه بكلمات فارغة لمجرد تأجيل تلك النهاية المحتومة … كان هذا هو ما تبقى من ضميري.

نهضتُ من مقعدي بحذر، فبادرت آرييل على عجل بوضع القلادة في يدي.

" …… "

لم أفهم لماذا تعطيني آرييل القلادة وهي تنظر إليَّ بنظرات يملؤها عدم الثقة. بالطبع، كانت قد قالت إنها ستعطيني إياها مقابل إجابتي، لكن لم يكن هناك سبب يدفعها للتمسك بوعدها وهي تشك بي إلى هذا الحد.

ترددتُ لبرهة، ثم قبلتُ تلك القلادة الثقيلة التي وضعتها في كفي.

" … شكراً لكِ."

" …… "

أخذتُ ألمس القلادة في يدي، ثم فتحتُها بحذر. كان ما بداخلها هو صورة لشخص ما. في اللحظة التي رأيتُ فيها تلك الصورة بالأبيض والأسود لامرأة تبتسم ابتسامة عريضة، كتمتُ أنفاسي.

كانت تملك عينين طيبتين تماماً كعيني جاك، حتى ضحكتها كانت تشبه ضحكته إلى حدٍ كبير. ربما … كانت هذه المرأة في الصورة هي ابنة جاك التي تحدث عنها .

' إيفي جرين'، التي رأيتُ اسمها أيضاً في ملفه الشخصي. تلك التي قيل إنها فقدت حياتها في حادث سير، تماماً مثل هيلين … أغلقتُ القلادة بسرعة. لم أكن أعرف السبب، لكن لسببٍ ما، شعرتُ بصعوبة في النظر إلى صورة ابنته.

" هل ذهبتِ إلى غرفة العم ؟ "

سألتني آرييل بحذر وهي تراقبني. هززتُ رأسي نفياً بهدوء.

فتابعت آرييل حديثها بنبرة جافة: " لقد اختفت جثة العم التي كانت ممدة فوق السرير."

"...... ماذا؟"

"...... أظن أن هذا من فعل ألبرتو."

كان وجه آرييل مظلماً. ولم أعلم ماذا أقول لها، فاكتفيتُ بتحريك شفتي بصمت.

بدت آرييل وكأنها تفكر بعمق للحظة، ثم تابعت حديثها بهدوء: " لكن … الأمر الغريب هو أنه كان هناك مفتاح موضوع فوق مكتب العم."

"...... مفتاح؟"

أومأت آرييل برأسها بحذر وتابعت: " كان مماثلاً للمفاتيح التي بحوزتنا، لكن لونه كان مختلفاً فقط."

اتسعت عيناي إثر كلماتها.

" يقول لوكاس إنه من المحتمل وجود شخص آخر في مكان لا نعرفه."

" … ألم يكن هناك ملف تعريف ؟ "

" كلا."

أجابت آرييل بوجه يعلوه الضيق. إذا كان كلامها صحيحاً، فقد يظهر شخص جديد من مكان ما. ففي لعبة 'عزيزتي' التي أذكرها، كان هناك شخص آخر موجود بدلاً من ماكس.

وضعتُ القلادة التي كنتُ أمسكها في جيبي وسألتُها بحذر: "لماذا ذهبتِ إلى غرفة العم جاك؟"

" لأنه لا يمكننا ببساطة دفن حقيقة القاتل الذي أنهى حياة العم هكذا."

واصلت آرييل حديثها بنبرة جافة: "علينا أن نكتشف من هو المجرم الذي قتله، أليس كذلك؟"

"...... هذا صحيح، إذن، هل لديكِ أي شكوك حول هوية القاتل؟"

" لا أعلم حقاً، حتى بعد الاطلاع على ملفات الجميع، لا يبدو أن هناك أحداً بيننا يملك سبباً لقتله."

" …… "

" لو كانت جريمة مخططة، فلا بد من وجود دافع، لكن لا أحد يبدو عليه امتلاك دافع كهذا، ولا أظن أن هناك من قد يقتله لمجرد المتعة أيضاً...... "

أطلقتُ أنيناً مكتوماً وأنا أستمع إليها. تماماً كما قالت آرييل، لم يكن هناك من يبدو قادراً على قتل جاك بيننا، لكن، كان من المؤكد أن القاتل كان يعلم بحقيقة إصابة جاك بالحساسية.

رغم أنني لا أعرف متى علم بذلك. فقد كانت هناك سلطة في الثلاجة بالفعل، ومن المرجح جداً أن الشخص الذي عبث بمضادات الهيستامين هو القاتل.

أو ربما … هل تسلم القاتل ملف تعريف جاك ؟

بما أن حقيقة حساسيته كانت مكتوبة في ملفه، فاحتمال حدوث ذلك قائم بلا شك، لكن قتل شخص ما ليس بالأمر الهين؛ فالقول بأن أحدهم قتل جاك بمجرد رؤيته لأول مرة في القصر يفتقر للدافع القوي.

هذا يعني … أن القاتل كان يعرفه حتى من قبل دخول القصر.

...... هل كان بيننا شخص كهذا حقاً ؟

في تلك اللحظة، وبينما كنتُ غارقة في أفكاري، سألتني آرييل بصوتٍ هادئ: " وأنتِ ؟ "

"...... نعم؟"

"مَن تعتقدين أنه قتل العم جاك؟"

ترددتُ قليلاً إثر سؤالها، ثم هززتُ رأسي نفياً بهدوء. كانت نظرات آرييل ثقيلة كالقلادة التي أحملها؛ وعلى الرغم من أنها لم تختلف عن نظراتها المعتادة، إلا أنني لم أستطع التخلص من شعور غريب بأنني خاضعة للاستجواب.

كنتُ متيقنة تماماً من أنني لم أقتل جاك، ومع ذلك، شعرتُ وكأن أحداً يعتصر قلبي بقوة. كان الأمر خانقاً؛ لم أتخيل قط أن العيادة -المكان المخصص لإنقاذ البشر- ستمتلئ يوماً بهذا الهواء الثقيل والمرهق.

فتحتُ شفتاي المطبقين بصعوبة وقلت: "..... بشأن التصويت الثاني، مَن الشخص الذي ستختارينه؟"

بدت آرييل متفاجئة قليلاً، وكأنها لم تتوقع مني سؤالاً عن التصويت.

لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ أطلقت ضحكة محرجة وأجابت بهدوء: ".... أظن أنني سأقرر حين يحين الوقت، وإن لم أجد أحداً لأصوت ضده حتى ذلك الحين، فربما أختار نفسي."

لم تكن لدي وسيلة لمعرفة ما تعنيه ضحكتها تلك. بيد أن هناك أمراً واحداً كنتُ واثقة منه …

" لو لم تكن تلك الفتاة موجودة فجر اليوم، لربما كنتُ قد مِتُّ من الملل."

لقد قال "فيل" إن آرييل هي من أعادت إليه جسده؛ مما يعني أن احتمال شراء آرييل لأصوات إضافية كان كبيراً جداً.

حين كنتُ ألعب اللعبة، كانت آرييل (الشخصية التي يتحكم بها اللاعب) تشير دائماً إلى نقاط لم تخطر بذهني قط؛ لذا فهي بالتأكيد أذكى مما أتخيل. وشخصية مثلها لا يمكن أن تفوت اكتشاف "المتجر" الذي عثرتُ عليه أنا.

المشكلة الحقيقية تكمن في أنني لا أعرف عدد الأصوات الإضافية التي اشترتها آرييل. فإذا كانت قد اشترت أصواتاً متعددة، وكانت تشك بي، فقد يتم اختياري كـ "المجرمة" بناءً على تصويتها وحدها.

علاوة على ذلك، لم يعد بإمكاني الآن معرفة ما يدور في ذهن آرييل على الإطلاق. وحتى لو كانت درجة ثقتها بي مرتفعة، فلم أعد قادرة على الوثوق بنافذة النظام بعد الآن.

في تلك اللحظة، سألتني آرييل التي كانت تراقبني بتمعن: "فيفي، ماذا عنكِ؟"

كانت الإجابة محتومة؛ فأنا لستُ مثل آرييل، لا يمكنني التصويت ضد نفسي، لذا لم يكن أمامي خيار سوى اختيار شخص آخر، لكن بما أنني لم أستطع البوح لها بالحقيقة، اكتفيتُ برسم تعبير يعلوه الارتباك كبديل عن الإجابة.

بدت آرييل وكأنها تريد سؤالي مجدداً، لكنها سرعان ما أغلقت فمها. وضعتُ القلادة في جيبي وغادرتُ العيادة.

وحين خرجتُ من الباب الشرقي، حدث ذلك.

" …… "

اتجهت أنظار الجميع نحوي فور سماعهم وقع خطاي. كانت نظراتهم تحمل ثقلاً وضغطاً غير مفهومين.

" هاه، لم أعد أفهم شيئاً......"

تنهدت صوفيا بعمق وكأنها تشعر بضيق شديد، ثم نهضت من الأريكة. رمقتني بنظرة خاطفة وأنا واقفة بذهول، ثم تابعت سيرها. وتبعهَا لوجان الذي نهض بدوره من مكانه .

كان وجه لوجان وهو يتحرك متجمداً تماماً، أما لوكاس، فقد حاول جاهداً إرخاء ملامحه المتصلبة وسألني بصوت ناعم وكأنه يحاول التخفيف من توتري: " آنسة فيفيان، هل سار العلاج بشكل جيد ؟ "

"...... أجل."

أومأتُ برأسي وأنا أحرك أصابعي داخل جيبي بتوتر. رسم لوكاس ابتسامة باهتة وكأنه يشعر بالارتياح، لكنه لم يستطع إخفاء الارتباك الذي كان يطغى على وجهه.

تحركتُ بهدوء، فأشار لوكاس بيده على المقعد بجانبه داعياً إياي للجلوس، أما آرييل، التي خرجت لتوها من الممر الشرقي، فقد شعرت هي الأخرى بالأجواء غير العادية في غرفة المعيشة؛ فتنقلت نظراتها بين الحضور قبل أن تتبع صوفيا التي اتجهت نحو المطبخ.

"لقد انتهى الحديث، أليس كذلك؟"

نهض ماكس هو الآخر وتعبير وجهه يوحي بأنه لم يعد يرغب بالجلوس في غرفة المعيشة، ثم التفت نحوي وكأن لديه ما يقوله وناداني: " آه، تذكرت، يا آنسة."

"...... نعم؟"

"عليكِ أن تقرري من الآن من ستختارين في التصويت الثاني؛ لأننا قد قررنا بالفعل."

أنهى ماكس كلماته تلك وصعد نحو الطابق الثاني.

سارع لوكاس بالحديث إليَّ وأنا في حالة من الذهول إثر كلمات ماكس: " بـ … بشكل عشوائي … لا يعني أننا اخترنا شخصاً واحداً بعينه، و …… "

" لقد اخترنا."

في تلك اللحظة، قاطع ريموند كلام لوكاس بحدة.

انقبض وجه لوكاس من الضيق، لكن ريموند لم يعره أي اهتمام، بل أرخى طرف فمه بابتسامة ساخرة وقال: " أظن أن الآنسة فيفي تدرك جيداً من هو الشخص الذي اختاره الجميع."

قبضتُ يدي بقوة داخل جيبي، فحرك بيبِي جسده نحو كفي وكأنه يخبرني ألا أقلق.

****************************

الفصل : ١١١

اليوم الخامس عشر _ 31/10 (9)

رددتُ على كلمات ريموند بنبرة هادئة: " وكيف لي أن أعرف من الذي اختاره الجميع ؟ "

نطق ريموند بصوتٍ هادئ على غير عادته: " أنتِ تعلمين جيداً يا آنسة فيفي، أن عدد الأشخاص الذين يعرفون ذلك المدعو 'ديريك جينكينز' بيننا أكثر مما تتخيلين."

" …… "

" ولكن المضحك في الأمر، أنكِ الوحيدة التي تخفي هذه الحقيقة."

أطلقتُ ضحكة يائسة: " لم أكن أخفيها، بل لم أجد داعياً للتحدث عنها تماماً كما حدث في علاقتي مع سيزار، لم يسألني أحد عن ذلك من قبل."

" حقاً ؟ إذاً سأسألكِ الآن."

رسم ريموند ابتسامة باهتة وتابع: " كيف تعرفتِ على ديريك ؟ "

"بالحديث عن ذلك، الآنسة لوبيز كانت قد أرسلت رسالة أيضًا للضحية، أليس كذلك؟"

جاء هذا الصوت من إيان.

نظرتُ إليه دون وعي، فأضاف إيان مؤكداً كلامه وكأنه يغرس مسماراً في النعش: " هذا ما قاله كيڤن."

صفق ريموند بيديه عند سماع ذلك، وصرخ بنبرة مبالغ فيها: " صحيح ! إذا وصلت الأمور إلى حد إرسال الرسائل، فلا بد أن العلاقة بينكما ليست مجرد معرفة عابرة."

أغمضتُ عينيَّ ثم فتحتهما ببطء: "… إذا أردتم الدقة، فقد كانت علاقة 'راعٍ و فنانة'، لقد شاهد تمثيلي في مسرح صغير، وكان يرشحني لفرص جيدة كلما سنحت له."

حاولتُ جاهدة أن يخرج صوتي هادئاً، لكنني شعرتُ برعشة طفيفة في نهايته رغم أنفي.

" هذا كل ما في الأمر."

"إذاً لماذا أرسلتِ الرسالة؟"

أمال ريموند رأسه وسألني: " لقد كنتُ أفكر في الأمر؛ فهناك وسيلة تواصل ممتازة تُدعى الهاتف، لماذا تكلفتِ عناء كتابة رسالة ورقية ؟ "

" لا أفهم أين المشكلة في ذلك."

" لأن زميلي الأكبر الذي أعرفه لم يكن من النوع الذي يحب الرسائل أبداً."

…… زميل ؟

يبدو أن العلاقة بين ديريك و ريموند كانت أقرب مما تخيلت.

هذا صحيح، فلو لم يكن الأمر كذلك، لما كلف نفسه عناء البحث عني ليجد ديريك.

" علاوة على ذلك، الرسائل تترك أثراً، والدليل أن رسالتكِ تلك بقيت كدليل في هذا القصر."

"...... وماذا بعد؟"

"كنتُ أتساءل؛ لِمَ قد ترسل الآنسة فيفي رسالة رغم كل عيوب تلك الطريقة ؟ ولم أجد سوى إجابة واحدة: أنتِ لا تملكين رقم هاتف ديريك، أليس كذلك؟"

إثر كلمات ريموند، صرّ لوكاس على أسنانه ورد داحضًا: " هذه الرسالة ليست سوى كلام على لسان كيڤن، لم يَرها أحد غيره."

" كلا، لقد قال إن هناك شخصاً آخر رآها أيضاً، أليس كذلك ؟ ولكن يا للغرابة، الشخص الوحيد الذي قرأ رسالة الآنسة فيفي قد فارق الحياة."

قهقه ريموند، وكان صوت ضحكته يبعث على القشعريرة وكأن حشرات تزحف فوق جلدي.

"وجود تلك الرسالة في قصر إرنست له علاقة بالتأكيد بموته … آه، آنسة فيفي، ألم تستدرجيه إلى هنا بتلك الرسالة؟"

كان صوته مليئاً بالخبث، ففتحتُ فمي ونطقتُ بهدوء: " لا أفهم ما تقول، لم أعد أدرك عما تتحدث عنه من الأساس."

حينها، نطقت هانا بكلمات خرجت من بين ثنايا أسنانها: " من الصعب اعتبار كل هذا مجرد صدفة يا فيفيان، وأعتقد أنكِ تدركين ذلك أيضاً."

كانت نظرات هانا الغارقة في الشك مصوبة نحوي. في تلك الأثناء، نهض ريموند من مكانه ببطء. وعندما رآه سيزار، قطب وجهه و وقف في طريقه ليمنعه .

سخر ريموند منه قائلاً: " هل تظن أنني سأطلق النار على تلك المرأة مجدداً ؟ "

ربت ريموند على كتف سيزار بخفة وكأنه يطلب منه الاسترخاء، ثم رسم ابتسامة عريضة: " لا تقلق، لم تعد لديَّ أي رصاصات متبقية."

"إذن، هل تحاول القول بأنني استدرجتُ ذلك الرجل برسالة ثم قتلته؟"

إثر سؤالي، نقل ريموند نظره من سيزار إليَّ. فنظرتُ إليه و رسمتُ ابتسامة صغيرة: "هل تملك دليلاً؟"

ضاقت عينا ريموند وهو يراقبني. نهضتُ أنا أيضاً من مكاني واقتربتُ منه.

"هل تملك دليلاً على الدافع الذي قد يدفعني لقتله، أو على الطريقة التي قتلتُه بها؟"

ألقيتُ نظرة على أرجاء غرفة المعيشة ثم هززتُ كتفي بخفة وتابعت: " تلك الرسالة التي تتحدث عنها، أليست مجرد كلام قاله كيڤن لا أكثر ؟ "

أطلقتُ ضحكة ساخرة واكملت: " ومع ذلك، لا استطيع أن أفهم لماذا تصر على الشك بي."

" أنا … أنا لم أكذب ! "

صرخ كيڤن مذعوراً، وتابع بصوت ملأه الاستعجال خوفاً من أن يُوصم بالكذب: "جهاز كشف الكذب! يمكنكم التأكد من صدق كلامي باستخدامه!"

" كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذا القدر من الوقاحة......!"

في تلك اللحظة، صرخت هانا بصوت يقطر غضباً، وكان كتفاها يعلوان ويهبطان بعنف.

وجهتُ حديثي إليها بهدوء: " هل لي أن أسأل في أي جانب ترينني وقحة ؟ أظن أن الآخرين لو كانوا في مكاني لتصرفوا بشكل مشابه."

بل ربما فعلوا أكثر من ذلك، ولن يكتفوا بما فعلت.

لقد شعرتُ باشمئزاز شديد من هذا الوضع. لم أعد أفهم ما الذي أخطأت فيه فيفيان حقاً، ولا ما هي الخطيئة التي ارتكبتُها أنا لأواجه هذا المصير .

لذا، لا بأس إن كنتُ وقحة بهذا القدر، أليس كذلك ؟ ما هي المشكلة بالضبط ؟

فتح ريموند، الذي كان يراقبني بتمعن، شفتيه ليقول: " تسألين عن دافع القتل الذي تملكينه ؟ "

" توقف."

قاطع سيزار كلمات ريموند بحزم، وتابع: " غداً سوف يسقط تمثال الأسد في الطابق الرابع، وسيكشف القاتل عن نفسه بشكل طبيعي، ما تفعله الآن ليس سوى هدر للمشاعر."

تمتم ريموند بنبرة متهكمة رداً على كلامه: "...... أتساءل لِمَ تملك الآنسة فيفي كل هؤلاء المساعدين ؟ "

" …… "

" كيف استطاعت إغواء الناس والتلاعب بهم بهذا الشكل ؟ "

أخذ ريموند يضغط بلسانه على باطن خده مراراً، كإشارة إلى عدم رضاه عن الموقف.

" آه، هل أغويتِ ديريك بهذه الطريقة أيضاً ؟ وحصلتِ في المقابل على فرص جيدة ؟ "

...... يجب أن أتحمل، يجب أن أتحمل .

" ليس لأنك عشتَ حياتك بهذه الطريقة، يعني أنك تستطيع الجزم بأن حياة الآخرين كانت مماثلة."

برزت عروق الرقبة لدى سيزار من شدة الغضب .

" أوه، هل بدا كلامي سيئاً ؟ لم أكن أقصد ذلك أبداً."

" …… "

" لكن، أليس صحيحاً أن الآنسة فيفي و ديريك كانت بينهما علاقة سرية ؟ "

رمقني ريموند بنظرة خاطفة وتابع: " ديريك من النوع الذي يصنف الناس بدقة؛ هناك من يتواصل معهم علنًا، وهناك من يفضل بقاءهم في الظل."

" …… "

" وبما أن المكالمات الهاتفية تترك سجلاً رسميًا في شركة الاتصالات، فإن الآنسة فيفي التي استخدمت الرسائل الورقية تنتمي بالتأكيد إلى الفئة الثانية."

كان كلامه صحيحًا؛ ففيفيان و ديريك كانا أمام الناس غريبين لا يعرف أحدهما الآخر.

"وحتى لا تحاولي الإنكار، سأخبركِ من باب الاحتياط أن شركة الاتصالات قد فُحصت بالفعل بمجرد اختفاء ديريك، ولم يكن هناك أي سجل يتطابق مع عنوان الآنسة فيفي."

حينها، نطق لوكاس بهدوء: "ألم نقل إن وجود الرسالة داخل القصر ليس أمرًا مؤكدًا بعد؟"

" آنسة فيفي، كيف كنتِ تتواصلين عادةً مع ديريك بما أنكما في علاقة راعٍ وفنانة ؟ بالرسائل ؟ أم بالهاتف ؟ "

لقد باغتني بسؤاله.

" بما أنه لا توجد سجلات، يبدو أن التواصل بالرسائل هو الاحتمال الأرجح."

" …… "

" أو ربما … هل كان ديريك يشتري باقة زهور ويذهب لزيارتكِ أمام منزلكِ دون سابق إنذار ؟ "

كتمتُ غيظي بصعوبة حتى لا تظهر ملامح الانزعاج على وجهي، وأجبته: " كانت علاقة راعٍ عادية، فلماذا ذهب تفكيرك إلى هذا الحد ؟."

"صحيح، وبالإضافة إلى ذلك، لو كانت مجرد علاقة راعٍ بسيطة، لما حاولتِ إخفاءها بهذا الإصرار، لماذا تخفينها من الأساس؟"

" …… "

" لنفترض أن آنستنا فيفي حصلت على توصيات لفرص عمل جيدة من ديريك … فما الذي حصل عليه منكِ في المقابل ؟ "

" ريموند ميلر."

نطق سيزار باسمه بنبرة خالية من التعبير وهو يتقدم نحوه. أمسكتُ بسيزار على عجل لأمنعه.

" …… "

خفض سيزار بصره نحو يدي التي تمسك به. كانت عيناه خاليتين من المشاعر، لكنه كان يوجه لي رسالة واضحة، ومع ذلك، لم أفلت معصمه .

" لدى الآنسة فيفي دافع كافٍ للقتل، علاقة غير لائقة … أو ما شابه ؟ الأسباب كثيرة، وهذه قصص شائعة، لذا لا يمكنكِ التظاهر بالجهل هذه المرة."

لم أترك معصم سيزار بعد. واجهتُ عينيه الهادئتين للحظة، ثم أدرتُ رأسي نحو ريموند وقلت: " أحضر دليلاً، كل ما تقوله الآن ليس سوى ادعاءات تفتقر للمصداقية."

وضع ريموند ابتسامة مائلة: " حقًا ؟ أتساءل إن كان إحضار الدليل سيمزق ذلك القناع الوقح عن وجهكِ." 

" ريموند ! "

في تلك اللحظة، نادته صوفيا التي خرجت من المطبخ بصوت مذعور .

اندفعت ودفعته بعيدًا عني، فرفع ريموند يديه بضحكة خفيفة وقال: " لم أفعل شيئًا بعد."

" …… "

انقبض وجه صوفيا وهي تنظر إليه، لكنها سرعان ما تنهدت بعمق وقالت: " ألا تدركون أن شجارنا هذا لن يحل شيئًا الآن ؟ لذا أرجوكم ! كفوا عن هذه التصرفات والزموا الهدوء."

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان