الفصل ١٠٦ و ١٠٧ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الخامس عشر _ 31/10 (4)

سارعتُ باحتضان بيبِي بين ذراعيّ. كان يبدو بعينيه المحتقنتين بالدماء وكأنه على وشك الانفجار بالبكاء في أي لحظة.

عجزتُ عن النطق؛ فاكتفيتُ أولاً بالتربيت على بيبِي المرتجف بينما بدات أتفحص المكان من حولي.

كانت شظايا فيل و ريف، اللذين كانا يحتلان وجهين متقابلين، تملأ الأرضية تماماً. قطع مرآة تلمع بحدة، وألواح خشبية مدببة محطمة … أردتُ أن أسأل بيبِي عما حدث هنا، لكن حالته لم تكن تسمح له بالإجابة بسهولة.

بدا بيبِي يتشبث بي أكثر غارساً نفسه في حضني، بينما كانت رجفته تزداد شدة.

" … لا بأس."

تمتمتُ بصعوبة وأنا أمسح عليه محاولةً طمأنته. كانت المرآة ملقاة في الزاوية و وجهها للأرض وكأنها نُبذت هناك. اقتربتُ منها بحذر.

كان ظهر المرآة الخشن يحتوي على ثقب ضخم، وكأن شيئاً ما قد هشمها بضربة عنيفة.

" … ريف ؟ "

ناديتُ اسمه بصوت خافت وحذر، لكن لم يأتِ أي رد. مددتُ يدي نحو المرآة بهدوء. وبصعوبة بالغة قلبتُها، لتتساقط بقايا الزجاج المحطم فوق الأرضية محدثة ضجيجاً.

" فيل … "

نطقتُ باسم فيل دون وعي مني، لكن أثره لم يكن موجوداً في أي مكان. وعندما حاولتُ مد يدي نحو المرآة مرة أخرى، رفع بيبِي المتشبث بي رأسه فجأة وبدا يرمش بعينيه بسرعة .

كانت حركة حازمة وكأنها تحذير .

" …… "

حينها فقط أدركتُ وجود شظايا زجاجية حادة لا تزال عالقة في الإطار الخشبي، فسحبتُ يدي على عجلة. تراجعتُ إلى الخلف ليرتطم جسدي بالطاولة الموجودة ورائي.

فزعتُ لأنني لم أدرك وجود الطاولة خلفي، فالتفتُّ نحوها بسرعة. وقع بصري حينها على مطرقة موضوعة بإهمال فوق الطاولة. تجمدتُ لبرهة، ثم ضيقتُ عينيّ بتفكير.

هل يعقل … أنه تم تهشيم المرآة باستخدام هذه المطرقة ؟

نقلتُ نظراتي نحو المرآة الملقاة على الأرض. في آخر مرة رأيتُ فيها المرآة، كانت موضوعة بحيث يظهر وجه فيل للعيان .

إذا كان أحدهم قد قلب المرآة، ثم ضرب ظهرها -الذي لا يؤدي أي دور كمرآة- بالمطرقة، فهذا يعني … أنه لم يعد هناك مجال للشك في أنه اكتشف وجود المتجر خلف تلك المرآة.

مطرقة … لقد كانت بلا شك ذات المطرقة التي استخدمها ماكس عندما نزل من الطابق الثاني، ولكن، هل قمنا بمصادرة المطرقة من ماكس في ذلك الوقت ؟

قطبتُ حاجبيّ بضيق. لم أستطع التذكر. لو كانت قد صودرت منه، فلا بد أن سيزار أو إيان هو من فعل ذلك، فقد كانا هما من اقترحا جمع أي أسلحة تعتبر عناصر خطر، لكن اليوم الذي نزل فيه ماكس من الطابق الثاني كان اليوم السابع، أي اليوم الذي مات فيه جاك .

في ذلك اليوم فقدتُ وعيي، لذا لا أعرف ما الذي حدث حتى فتحتُ عينيّ مجدداً. علاوة على ذلك، فإن الأحداث التي وقعت حتى موت لوجان كانت مختلفة بين ما أتذكره أنا وما يتذكره الآخرون .

" …… "

يبدو أن بيبِي قد هدأ قليلاً، إذ خفتت حدة ارتجافه بين ذراعيّ، فبدات أربتُ عليه. مستحيل أن يكون فيل و ريف قد اختفيا هكذا ببساطة، فهو حتماً ……

" أنا مختلف، أنا كائن من المرتبة المتوسطة ! "

… هذا ما قاله ذات مرة. لذا، لا يمكن أن يتلاشى بهذا الشكل. أردتُ سؤال بيبِي عن التفاصيل، لكن عينيه اللتين تحدقان بي كانتا لا تزالان مسكونتين بالخوف.

واصلتُ تهدئة بيبِي لفترة أطول قليلاً، ثم وضعته في جيبي وغادرتُ غرفة الطعام. لا بد أن فيل، بصفته مسؤول الطابق الثاني، موجود في مكان ما هنا.

توجهتُ نحو المكتبة وطرقتُ الباب بقوة.

— بوم، بوم !

" أنت بالداخل، أليس كذلك ؟ "

سألتُ فيل دون وعي مني، لكن لم يأتِ أي رد.

طرقتُ الباب بعنف كاد يحطمه، إلا أن الصوت الوحيد الذي تردد كان صوتاً متزعزعاً ومنذراً بالخطر. التفتُّ فوراً نحو غرفة الدراسة. كنتُ موقنة بأنها ستكون مقفلة هي الأخرى، لكنني بدات أطرق الباب كالمجنونة .

— بوم، بوم !

على الرغم من أنني كنتُ أعلم أكثر من أي شخص آخر أن الأبواب الموصدة لن تفتح، إلا أنني لم أستطع التوقف عن طرق الباب بيدي.

" أرجوك … "

لو اختفى فيل أيضاً في وضعٍ كهذا، فإن ……

في تلك اللحظة، تناهى إلى مسامعي صوت سيزار وهو يناديني من بعيد بنبرة ملحة: " فيفيان ! "

ركض سيزار نحوي وانتشلني بقوة بعيداً عن باب غرفة الدراسة .

" اتركني … ! "

مددتُ يدي نحو الباب رغم ذلك، فقبض سيزار على معصمي بخشونة. حاولتُ نفض يده بكل ما أوتيتُ من قوة، لكن الموقف لم يتغير؛ بل على العكس، زاد سيزار من إطباق يده على معصمي .

" ألم تسمع ما قلته ؟ "

لويتُ معصمي المحبوس في قبضة يده، لكنه ظل ثابتاً لا يتزحزح .

" قلتُ لكَ اتركني ! "

كان عليَّ أن أفتح غرفة الدراسة … لا، بل كان عليَّ التأكد مما إذا كان فيل لا يزال في الطابق الثاني، وما إذا كان موجوداً في القصر من الأساس … أو ربما كان عليَّ التأكد مما إذا كان قد رحل وتركني خلفه فحسب.

" …… "

ثبّت سيزار نظراته عليَّ وأنا ألهث من شدة الانفعال. وبعد برهة، حين بدا له أنني هدأتُ قليلاً، أفلت يدي بحذر .

" … من الأفضل أن نعالج جروحكِ أولاً."

اتجهت نظراته نحو يدي. كانت يدي ملطخة بدماءٍ قرمزية داكنة، دون أن أعلم متى أصبتُ. حتى أبواب المكتبة وغرفة الدراسة كانت تحمل آثاراً واضحة لدمائي.

… لكن، هل يهم هذا الآن ؟

قبضتُ يدي على شكل قبضة واجتزتُ سيزار متخطيةً إياه، لكن في تلك اللحظة، أمسك بي على عجل .

" …… "

نفضتُ يده التي أمسكتني بشكلٍ لا إرادي، فرمقني بنظراتٍ مذهولة. لكنني كنتُ مذهولة بقدر ذهوله تماماً. لم يكن تصرفي مقصوداً؛ لقد كان رد فعلٍ عنيف صدر مني دون وعي .

فكرتُ للحظة إن كان يجدر بي اختلاق عذرٍ لهذا الموقف، لكن لسوء الحظ، لم تخرج من فمي أي كلمة.

" …… "

ارتجفت شفتاي وأنا أحاول النطق، وفي النهاية أدرتُ رأسي بعيداً وسارعتُ بالابتعاد بخطواتٍ حثيثة. على الرغم من إدراكي لمدى الغرابة التي قد أبدو عليها في نظره.

" فيفيان."

لكن سيزار تبعني بإلحاح، وحين رأى أنني لا أنوي التوقف، قطع طريقي و وقف أمامي. عندها فقط توقفتُ بعد أن سُدَّت في وجهي الطرق.

سألتُه دون تفكير: " … هل لديكَ ما تقوله ؟ "

" هل لدي ما أقوله ؟ "

وضع سيزار تعبير الذهول على وجهه إثر سؤالي، ثم أطلق ضحكة يائسة.

" يدكِ أصبحت في هذه الحالة، وهل هذا كل ما لديكِ لتقوليه ؟ "

" إنه مجرد جرح، وسينتهي الأمر بمجرد علاجه."

أخفيتُ يدي خلف ظهري .

"سأعتني به بنفسي، لذا لا تقلق."

كنتُ أعلم يقيناً أنه لا يوجد سببٌ يدعوه للقلق عليَّ، لكن بما أنه لم يكن لديَّ ما أقوله، لم أجد بداً من التفوّه بكلماتٍ جوفاء .

لم يكن بوسعي بأي حال أن أشرح له لماذا كنتُ أطرق باب غرفة الدراسة كالمجنونة. وما إن سمع سيزار كلماتي حتى قطب وجهه فجأة .

" ما الذي تحاولين فعله الآن بحق …… "

" ماذا يحدث هنا ؟ "

في تلك اللحظة، تناهى إلينا صوت ماكس وهو ينزل من درجات الطابق الثالث.

" كنتُ أسمع صوت طرقٍ مستمر على الأبواب."

اتجهت نظرات ماكس نحو غرفة الدراسة، لكنه سرعان ما تجمد مكانه حين رأى بقع الدماء الملطخة على الباب.

ومع ذلك، استعاد هدوئه وسألنا وكأن شيئاً لم يكن: "هل فُتح باب غرفة الدراسة أيضاً؟"

" كلا."

أجبتُ وأنا أحاول لملمة مشاعري المبعثرة التي كانت تثور بداخلي بلا هوداة، لكنه، وكأنه لم يصدق كلماتي، توجه بنفسه نحو باب غرفة الدراسة.

— قعقعة.

بعد بضع محاولات أحدثت أصواتاً غير مريحة، رفع ماكس يده عن مقبض الباب، ثم تنهد بخفة ونقل نظره إليَّ.

" على أية حال، ما خطب يدكِ يا آنسة ؟ "

" …… "

رمقتُ يدي بنظرة خاطفة إثر سؤاله، ثم قلتُ بصوتٍ خافت: "هل ذهبتَ إلى غرفة الطعام؟"

"غرفة الطعام؟"

أعاد ماكس سؤالي وكأنه يسمع الأمر للمرة الأولى.

" لقد قام أحدهم بوضع دعابة سخيفة هناك."

" …… "

" اذهب وألقِ نظرة بنفسك."

أظلمت ملامح ماكس قليلاً، التفتُّ بعدها نحو سيزار وقلت: " وأنتَ أيضاً."

" ما الذي يوجد بالداخل لتقولي هذا … ؟ "

لم يستطع ماكس إخفاء حيرته وهو يتوجه بخطواته نحو غرفة الطعام، أما سيزار، فقد ظل واقفاً في مكانه دون حراك.

وبعد برهة، انطلق من بين شفتيه صوت أنين مكتوم قبل أن يخرج صوته: " أولاً، لنعالج جروحكِ."

توقفتُ للحظة عند سماع إصراره، ثم قلتُ بهدوء: " أنا بخير، سأهتم بجروحي بنفسي."

انقبض وجه سيزار غضباً عند سماع ردي.

" إلى متى تنوين الاستمرار في إلقاء الأكاذيب هكذا ؟ "

" …… "

" حتى النهاية … لا تزالين … "

بدا سيزار غاضباً حقاً، لكنني لم أستطع فهم سبب غضبه .

… هل يوجد شخص واحد هنا لا يكذب ؟ كلا، لا أحد يعيش في هذا المكان وهو ينطق بالحقيقة، وسيزار نفسه ليس استثناءً .

إذا كان سبب استيائه هو كذبي، فمن المؤكد أنني لن أفهمه أبداً .

لم يكن بوسعي أن أظهر له حقيقتي الصادقة، لذا، وكالعادة، لم أجد ما أنطق به سوى كلمات لا تناسب الموقف: " أنا آسفة."

تشوهت ملامح سيزار أكثر عند سماع اعتذاري: " آسفة على ماذا بالضبط ؟ "

" على كل شيء فحسب."

لكن، على الأقل، كان هذا الجزء هو الحقيقة الوحيدة.

لقد كنتُ أشعر بأسفٍ حقيقي تجاهه؛ على وضعه الذي آل إليه بدخوله هنا بسببي، وعلى تورطه معي أنا "القاتلة".

" تحدثي بوضوح، أخبريني على ماذا تعتذرين لي تحديداً."

يبدو أن كلماتي كانت إجابة خاطئة مرة أخرى . فقد تصلب وجه سيزار في لمح البصر إثر قولي، لكن في تلك اللحظة، ناداني ماكس الذي خرج لتوّه من غرفة الطعام: " آنسة ؟ "

ثم أردف متسائلاً: "بخصوص العبث الذي حدث في غرفة الطعام، هل أنتِ مَن فعل ذلك؟"

****************************

الفصل : ١٠٧

اليوم الخامس عشر _ 31/10 (5)

كان وجه ماكس يفيض بالارتباك والضيق. أردتُ أن أقول إنني لست الفاعلة، لكن الظروف المحيطة كانت تجعلني المتهمة الوحيدة.

أغمضتُ عينيَّ بقوة لبرهة، ثم سألتُه بحذر: " وماذا تعتقد أنت ؟ "

قطب ماكس حاجبيه وكأنه لم يصدق ما سمعه: " لم أتوقع أن تسأليني هذا السؤال … بالنسبة لي، ليس لدي رأي محدد، ولكن إن كنتِ أنتِ من فعل ذلك حقاً، فأنا فضولي فقط لمعرفة السبب."

وعندما لم يجد مني رداً، أضاف بهدوء: "..... حسناً، بالنظر إلى يدكِ المصابة، فمن المنطقي أن أظن بأنكِ الفاعلة."

" …… "

"...... هل هذا صحيح؟"  سأل ماكس بحذر.

ومضت الإضاءة الصفراء الباهتة المتدلية من السقف بشكل غير مستقر؛ تخبو تارة وتسطع تارة أخرى.

"...... كلا."

أجبتُه بهدوء. كانت هناك أدلة كثيرة تثبت أنني لم أحطم المرآة، لكن لم تكن هناك أي كلمات قادرة على إقناعهم.

بدا ماكس وكأنه ينتظر مني تكملة لحديثي، لكنني وضعتُ يدي المصابة في جيبي ونزلتُ الدرج مسرعة.

" …… "

بمجرد وصولي إلى غرفة المعيشة، تجمدتُ مكاني بسبب تلك البرودة المريبة التي خيمت على الأجواء.

صُوبت نحوي عدة أزواج من العيون تراقبني وأنا أنزل من الدرج. وكانت آرييل أول من ناداني: " … فيفي."

وبجانبها كان ريموند أيضاً. بدا وكأنه لا يتذكر شيئاً مما حدث بالأمس، حيث ألقى عليَّ التحية بوجهٍ لا يختلف عن المعتاد: " صباح الخير، آنسة فيفي."

" …… "

" إن لم يكن لديكِ ما تفعلينه، فهل تودين الجلوس هنا معنا ؟ "

كان الجميع يجلس في غرفة المعيشة، باستثناء أولئك الذين قابلتُهم في الطابق الثاني. وعلى الطاولة، كانت ألوان الشمع ودفاتر الرسم مبعثرة بإهمال.

يبدو أن كيڤن قد انتابته نوبة غضب أثناء الرسم؛ إذ كانت اللوحة التي لم تكتمل مغطاة بخربشات عشوائية من اللون الأسود .

أومأ ريموند برأسه نحوي وأنا واقفة بذهول، كإشارة منه لكي أقترب. لم يحدث قط أن كان هناك أي أمر جيد كلما ذهبتُ إلى غرفة المعيشة حيث يجلس الجميع. وبما أن الغد هو يوم "خسوف القمر" الذي ذكره ألبرتو، فقد كان شعوري بالشؤم يزداد سوءاً.

" …… "

تجاهلتُ كلماته ببرود وتابعتُ سيري نحو الرواق، لكنني سمعتُ وقع خطوات تتبعني من الخلف. وفي لمح البصر، تجاوزني ريموند وقطع طريقي تماماً.

رمقتُه بنظرة حادة وحاولتُ الالتفاف للمضي في اتجاه آخر، لكنه كان يعترض طريقي في كل اتجاه أسلكه.

أطلقتُ ضحكة ساخرة مريرة وانفجرتُ فيه قائلة: " ما الذي تحاول فعله الآن ؟ "

" أريد فقط أن نتحدث قليلاً."

" ليس لدي ما أتحدث فيه معك، لذا عد وتبادل أطراف الحديث مع الجالسين هناك، أرى أن عددهم كافٍ بالفعل."

"هل كل هذا بسبب ما حدث بالأمس؟"

شعرتُ بالذهول من وقاحة ريموند وهو يذكر أحداث الأمس بكل أريحية وكأن شيئاً لم يكن. حقيقة أنني تغاضيتُ عما فعله بالأمس لا تعني أبداً أن الأمر قد مُحي من الوجود.

لكن ريموند بدا وكأنه لا يدرك هذه الحقيقة؛ إذ استمر في ثرثرته دون أن يطرف له جفن: " أنا آسف لما حدث بالأمس."

" آه، حسناً."

كان هذا أكثر اعتذار وقح أسمعه في حياتي.

هل يفترض بي أن أكون ممتنة لمجرد أنه تفضل بالاعتذار ؟

لو أنه تظاهر على الأقل ببعض النفاق لكان شعوري أفضل حالاً من هذا، لكن بالنسبة لريموند، لم أكن كائناً يستحق حتى عناء إظهار النفاق أمامه. ولهذا السبب تحديداً، أطلق النار عليَّ بوجهٍ هادئ تمامًا .

لم يبدُ ريموند منزعجاً من ردي الفاتر، بل على العكس، بدا في حالة مزاجية أفضل. شعرتُ بضيقٍ في معدتي.

نطق ريموند بنبرة لطيفة وكأنه يحاول تهدئة طفل صغير: " لا تقلقي، رغبتي في الحديث معكِ كانت مجرد دعابة، والحقيقة هي أن الآنسة هانا قد استدعت الجميع لأن لديها ما تقوله."

...... هانا ؟

" ولماذا ؟ "

" من يدري."

أجاب ريموند بلهجة خفيفة، ثم رسم ابتسامة على وجهه وأضاف: "أليس من الأسرع أن تسأليها عن استفساراتكِ بنفسكِ؟"

ألقى ريموند نظرة خاطفة نحو غرفة المعيشة خلفي. وفي اللحظة التي تتبعتُ فيها نظراته دون وعي، التقت عيناي بعيني هانا.

كانت تبدو كعادتها، لم يتغير فيها شيء، ومع ذلك كان هناك أمر مختلف يقيناً. كلما وقع نظري على هانا، كنت أشعر بشيء يوخز قلبي بخشونة، كحبات رمل خشنة تتدحرج في داخلي.

" علاوة على ذلك، أظن أن تجنب موقف كهذا لن يؤدي إلا لجعل الأمور تسوء في غير صالحكِ يا آنسة فيفي."

قال ريموند ذلك وهو يربت على كتفي بخفة. كانت تربيتة تحمل في طياتها نوعاً من التحذير. أثارت تصرفات ريموند حنقي، لكن ما زاد من غضبي هو حقيقة أنه لا يوجد خطأ واحد في كلامه.

...... أجل، سأعترف بذلك. حتى لو هربتُ الآن، فلا يوجد مكان ألجأ إليه. سأبقى حبيسة غرفتي، أذرعها جيئة وذهاباً بقلق، وأنا أتخيل بنفاد صبر نوع الأحاديث التي يديرونها هناك.

إن كان الأمر كذلك، فمن الأفضل أن أواجههم ولو قليلاً.

تبعتُ ريموند نحو غرفة المعيشة. بدا لوجان متفاجئاً من عودتي، وارتسمت الدهشة على وجهه. ومع ذلك، بادر بفسح مساحة بجانبه داعياً إياي للجلوس.

بادلته إيماءة شكر صغيرة بعينيّ وجلست .

" يا لَهما من ثنائي متوافق."

نطق ريموند بكلماته تلك وهو يرمقنا بنظرة مليئة بالتهكم .

لم يتراجع لوجان بل رد عليه بحدة: "وهل هناك من يضاهي انسجامكما؟"

عند سماع كلمات لوجان، تقطب وجه صوفيا في لمح البصر وابتعدت بكرسيها عن ريموند لتزيد المسافة بينهما.

بدا لوجان يراقب رد فعلها وهو يطقطق بلسانه ساخراً، ثم قال: "يقولون إن الإنكار الشديد هو اعتراف صريح، أليس كذلك؟"

" أغلق فمك."

صرت صوفيا على أسنانها، فرد لوجان بتعبير مستفز: "ماذا؟ هل قلتُ شيئاً خاطئاً؟"

" أيها اللعين......!"

تدخل ريموند ليهدئ صوفيا، ثم وجه حديثه للوجان: "أعلم أنك تحاول استثارة أعصابنا، لكن ألا ترى أنه من الأفضل التوقف عند هذا الحد؟"

بدا الذهول على وجه لوجان إثر كلماته: "أنت مَن بدأت باستفزاز الأعصاب بوقاحتك أيها الوغد."

حتى لوكاس، الذي كان يستمع للحوار، أيد كلام لوجان قائلاً: "هذا صحيح، حتى قبل قليل أيضاً … دائماً ما كان السيد ريموند هو من يبدأ بافتعال المشاكل، أليس كذلك؟"

تنهدت صوفيا بعمق ثم نطقت: "إذاً، ما الذي تريدون فعله؟ هل ترغبون في العراك مثلاً؟"

"فلنتحدث بوضوح، أنتم مَن بدأتم بالسعي للعراك أولاً."

عقد لوجان ذراعيه ورفع قدميه ليضعهما فوق الطاولة باستهتار. شعرت صوفيا بالاشمئزاز من تصرفه ذلك.

تنهدتُ بداخلي، ثم نقلتُ نظري نحو هانا وقلت: "بعيداً عن هذا، سمعتُ أن الآنسة هانا لديها ما تود قوله."

بمجرد سماع كلماتي، بدت الحيرة على وجه هانا. حينها نطق ريموند بنبرة هادئة تماماً وهو يوجه حديثه إليّ: " آه، لقد كانت كذبة."

" …… "

" يا إلهي، لقد كنتِ ساذجة بما يكفي لتصدقي ذلك يا آنسة فيفي."

توقفت الكلمات في حلقي من الصدمة.

كيف يجرؤ على إلقاء كذبة سخيفة كهذه … وبينما كانت ملامحي تزداد تشوهاً من الغضب، كان وجه ريموند يفيض بسعادة غامرة.

استند بظهره إلى أريكة غرفة المعيشة بكل أريحية، ثم قال وهو يقهقه: " آه، ربما عليّ أن أجرب التمثيل حين أخرج من هنا."

في تلك اللحظة، انقطع خيط العقل الذي كنتُ أحاول التشبث به: " … ما الذي تحاول فعله منذ الأمس ؟ "

" رد فعلكِ ممتع، لهذا السبب لا يمكنني التوقف عن مضايقتكِ."

بدا كلامه هذا صادقاً على الأقل، فقد كان الاستمتاع واضحاً على وجهه.

أما هانا، فقد بدا عليها الضيق وكأنها فهمت ما حدث، ثم وجهت حديثها إليّ: " كلامه ليس خاطئاً تماماً، لذا أرجو ألا تشعري بالغضب الشديد."

" …… "

" فالحقيقة هي أن لدي ما أريد السؤال عنه بالفعل."

ألقت هانا نظرة سريعة نحو السلالم، ثم تابعت بصوت هادئ ورزين: " بما أن الجميع يعلم أن باب الطابق الرابع قد فُتح، فلن أطيل الحديث."

" …… "

" من الذي فتحه ؟ "

ضيق لوجان عينيه إثر سؤال هانا وقال: " كلامكِ هذا يبدو وكأنكِ تتهميننا نحن بفتحه."

ساد الصمت المكان. ورغم أنه لم يأتها رد، إلا أن كلام لوجان بدا وكأنه أصاب كبد الحقيقة.

أمال لوجان رأسه وهو يحرك قدمه باستهتار: " ظننتكِ ستتحدثين عن التعاون، لكن هذا يثير السخرية … هل جمعتنا هنا فقط لتسمعينا هذا الهراء؟"

رد ريموند على كلامه بصوت خافت: " لقد جمعناكم للتعاون فعلاً، ولكن من أجل ذلك، يجب أن نكون صادقين مع بعضنا البعض."

" … صادقين ؟ لا تضحكني، كن أنت صادقاً أولاً، ألا يجب أن تظهر لنا الثقة لكي نصدقك ؟ "

قابل ريموند سخرية لوجان بابتسامة، ثم التفت نحوي فجأة: " لوجان يرى ذلك، فما رأيكِ أنتِ يا آنسة فيفي ؟ "

قطبتُ حاجبيّ إثر سؤاله … في تلك اللحظة، سُمع وقع خطوات قادمة من درج الطابق الثاني. التفت ريموند نحو مصدر الصوت بمجرد سماعه .

…… إنه سيزار.

"إذا أردنا أن نكون صادقين، فمن الأفضل ألا يخفي أحدٌ شيئاً، أليس كذلك؟"

رسم ريموند ابتسامة ماكرة على وجهه وهو يحدق بي بجمود.

" وما الذي تخفيه هي ؟ "  استعجل لوجان ريموند لينهي حديثه بنفاد صبر .

" مثل حقيقة أن ذلك المحقق والآنسة فيفي يعرفان بعضهما البعض من قبل."

تمتمت آرييل بنبرة محتارة: " لكن هذا أمر نعرفه جميعاً بالفعل …… "

" لكنكم لا تعرفون كيف بدأت علاقتهما، أليس كذلك ؟ "

أطلق ريموند ضحكة خفيفة وتابع: " ربما كانت علاقة أعمق مما تتخيلون."

في تلك اللحظة، تجمد وجهي تماماً كالحجر.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان