الفصل ١٠٤ و ١٠٥ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الخامس عشر _ 31/10 (2)

" من يعلم … "

تلاشت كلمات صوفيا لبرهة، ثم سألتني: "لماذا؟ هل تخشين ألا يستخدم أحد الرصاص الحي حتى الغد؟"

"على الأرجح، بما أنه لم يتقدم أحد حتى الآن."

رسمت صوفيا ابتسامة باهتة على وجهها إثر كلماتي: " لا تقلقي، لا شك أن شخصاً ما سيظهر."

كان صوتها مليئاً بالثقة. بدا وجهها وكأنها تعلم يقيناً هوية الشخص الذي يمتلك الرصاص الحي.

" هذه هي المرة الأولى التي أنتظر فيها الغد بشوق."

ولكن، بالنظر إلى أنها لم تفتح فمها بالمزيد، بدا أنها لا تنوي إخباري بأي شيء حول هذا الأمر.

وكدليل على ذلك، نهضت صوفيا من مكانها وغيرت الموضوع: "لم تتناولي الفطور بعد، أليس كذلك ؟ فلنذهب إلى غرفة الطعام معاً."

" … فكرة جيدة."

تصنعتُ الابتسامة وتبعتها خارج الغرفة .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كان صوت شواء اللحم يتردد حتى خارج غرفة الطعام. بينما كانت صوفيا تبتلع ريقها وهي تستمع إلى ذلك الصوت، شعرتُ أنا بقشعريرة تسري في جسدي لسبب لا أفهمه .

"هل نأكل اللحم منذ الصباح الباكر؟"

سألت صوفيا إيان الذي كان يشوي اللحم بنبرة هادئة. التفت إيان نحوها حين سمع صوتها .

التقت نظراتي بنظرات إيان للحظة، فأجاب على سؤال صوفيا بوجه هادئ تماماً: " تفضلا بالجلوس، سأجهزه لكما في الحال."

كان الدخان يتصاعد فوق خصلات شعره. كنتُ أمقت سماع صوت احتراق اللحم الحي فوق النار، كما لم أرغب في شم الرائحة التي تملأ أرجاء غرفة الطعام .

لكن العزاء الوحيد هو أن إيان، بعد ما حدث بالأمس، لن يقوم بتحضير وجبة لي على الأرجح. فلم تكن معدتي قادرة على تقبل اللحم في صباح كهذا على أي حال .

توجهتُ مباشرة نحو الثلاجة. وعلى الرغم من أن الرغبة في مغادرة غرفة الطعام كانت تتصاعد داخلي كدخان المدخنة، إلا أنني لم أستطع المغادرة بما أنني أتيت مع صوفيا .

ظل إيان يراقبني بإمعان وأنا أخرج الماء من الثلاجة، لكنني تجاهلت نظراته وبذلت جهدي في إخراج كوب .

"هل يمكنكِ إخراج طبقين من فضلكِ؟"

سألني إيان بهدوء. لم أتوقع أن يوجه لي أي حديث، مما أصابني ببعض الارتباك .

على أية حال، لِمَ طلب طبقين ؟

سألتُه وأنا يراودني أدنى شك: " … سيد إيان، هل تناولتَ إفطارك ؟ "

أومأ إيان برأسه بهدوء.

" إذن، طبق واحد للآنسة صوفيا سيكون كافياً."

عند سماع كلماتي، توقفت يد إيان التي كانت تقبض على قطعة اللحم بالملقط. مددتُ له طبقاً واحداً، لكنه لم يلتفت إليَّ حتى، بل مد يده وأخذ طبقاً آخر من تلقاء نفسه، ثم سألني بنبرة هادئة: " هل تنوين تفويت وجبة الإفطار ؟ "

" ليست لدي رغبة في الأكل."

"ومع ذلك، ألن يكون من الأفضل أن تأكلي؟"

أشار إيان برأسه نحو اللحم الموضوع في المقلاة وتابع: "يجب أن تعرفي كيف تُقدّرين قيمة حياة الإنسان."

لم يبدُ أنه قال ذلك للسخرية مني، لكنني كنتُ في حالة من الحساسية المفرطة بسبب ما حدث مع ريموند بالأمس، لذا استقبلتُ كلماته بنفور: " لستُ بذلك الشخص الرحيم الذي تظنه."

سكبتُ الماء في الكوب واقتربتُ من صوفيا.

" شكراً لكِ."

ابتسمت لي صوفيا بخفة وهي تتناول الكوب، ثم قالت بنبرة ذات مغزى: " إذا كنتِ لن تتناولي الإفطار، يمكنكِ الذهاب."

يبدو أنها استمعت إلى كل الحوار الذي دار بيني وبين إيان.

" إذن، تناولي طعامكِ على مهل."

التقطتُ كلمات صوفيا على الفور للمغادرة، لكن في تلك اللحظة، وُضع طبقٌ أمامي. لقد وضعه إيان الذي اقترب دون أن أشعر .

" …… "

هذا الرجل، ما خطبه بحق خالق الجحيم … ؟

ابتسمتُ بمرارة ودفعتُ الطبق الموضوع أمامي نحو صوفيا، لكن إيان أعاد الطبق باتجاهي مرة أخرى.

" حصة الآنسة صوفيا موجودة هنا بالفعل."

قال ذلك وهو يضع الطبق الآخر الذي كان يحمله أمام صوفيا، ثم أردف بنبرة حازمة: "اجلسي."

كان أمراً لا يقبل النقاش .

" أشعر بتوعك."

"ربما لأنكِ جائعة."

كان من المستحيل إقناعه. أشار إيان بذقنه نحو الكرسي آمراً إياي بالجلوس .

وعندما طال الصمت والمواجهة بيني وبين إيان، تدخلت صوفيا بصوتٍ ملؤه العجلة: " إنه يبدو شهياً ! تذوقي قطعة واحدة فقط ! "

وبدأت تقطع لي حصتي من اللحم بنفسها، لتظهر أنسجة اللحم القرمزية بلونها الدموي أمام عيني بوضوح.

شعرتُ بغثيانٍ يكتسح جوفي، بينما كانت عصارة معدتي المُرّة ترتفع مراراً لتستقر في حلقي، لكنني كنتُ أدركُ أن هروبي من غرفة الطعام الآن لن ينهي هذا الموقف ولن يضع له حداً.

في النهاية، استسلمتُ وجلستُ، آملةً أن يغادر إيان غرفة الطعام فيهدأ هذا الاضطراب الذي يعصف بي. لكن على عكس توقعاتي، جلس إيان في مكانه ولم يتزحزح.

حركت صوفيا عينيها بارتياب وسألته بحذر: " هل ستجلس معنا أيضاً أيها ؟ "

" يجب أن أنظف المكان فور انتهائكما."

" سأفعل ذلك بدلاً منك، لقد أعددتَ لنا الإفطار بالفعل، ولا يمكنني تركك تتحمل عناء التنظيف أيضاً."

قالت صوفيا ذلك وهي تحاول الابتسام، لكن إيان لم يبدُ عليه أي نية للنهوض إطلاقاً. أما أنا، فلم أجرؤ حتى على التفكير في الإمساك بالشوكة، وظللتُ أحدق في دماء اللحم التي كانت تغرق الطبق وتلطخه.

" تفضلي بالأكل."

دوى صوت إيان الرتيب في مسامعي .

" تفويت وجبة الإفطار سيضر بصحتكِ."

" …… "

وعندما رأى أنني لا زلتُ أمتنع عن رفع الشوكة، رسم ابتسامة ناعمة على وجهه وسألني: " هل الأمر بسبب ما حدث بالأمس ؟ "

تجمدتُ مكاني إثر كلماته تلك، وحتى صوفيا التي كانت تمضغ اللحم توقفت عن الحركة فجأة.

"لقد ذكرتِ يا آنسة لوبيز بوضوح أنكِ ترغبين فقط في تجنب المواقف التي تجمعنا وحدنا، أليس كذلك؟"

" …… "

" لكن الآن، والآنسة صوفيا موجودة معنا، يصعب عليَّ فهم سبب تصرفكِ بهذا الشكل."

كان استحضار إيان لأحداث الأمس بنبرة باردة وغير مبالية أمام صوفيا أمراً يثير الذهول لشدة وقاحته .

" … إذن أنتَ تتذكر ما حدث بالأمس."

عندما نطقتُ بذلك، نظر إليّ إيان بنظرة عميقة وثاقبة.

"ظننتُ أنك تستهين بكلماتي ولا تعيرها اهتماماً."

" لا يمكن أن أفعل ذلك أبداً."

أجاب إيان وهو يبدأ في تقطيع حصتي من اللحم التي تركتها صوفيا غير مكتملة .

" إن لم يكن الأمر يتعلق بالأمس، فكُلي إذن."

" …… "

" جلوسكِ هكذا بصمت سيجبرني على إساءة الظن، ألا توافقينني الرأي ؟ "

بعد أن انتهى من تقطيع اللحم تماماً، دفع بالطبق نحوي آمراً إياي بالأكل .

… هل عاد اليوم بأكثر عداءً وإصراراً بسبب أحداث الأمس ؟

بدا وكأنه قد بحث عن الطريقة المثلى لتعذيبي أكثر فأكثر .

ظل إيان يراقب صمودي الصامت لفترة، ثم قام في النهاية بوضع الشوكة داخل يدي قسراً.

" كُلي."

كانت الشوكة في يدي ثقيلة كأنها من رصاص. وفي نهاية المطاف، لم أقوى على مقاومة نظراته المتشبثة والمحاصِرة، فرفعتُ الشوكة.

قلبتُ الطعام في طبقي، ثم التقطتُ بالشوكة بعض السلطة التي بدت الشيء الوحيد الذي يمكنني تقبله .

حينها فقط تمكنت صوفيا، التي كانت تراقبنا بوجهٍ يملؤه التوتر، من ابتلاع قطعة اللحم التي في فمها.

" أجل، إن كانت معدتكِ لا تتقبل اللحم، فكُلي الخضروات على الأقل، لن يصمد جسدكِ إن لم تأكلي شيئاً."

تصنعتُ الابتسامة رداً على كلامها. مسحت نظرات إيان الهادئة ملامح وجهي، ولأنني لم أقوى على مجاراة نظراته، أدرتُ رأسي بعيداً.

وفي تلك اللحظة ……

[ ارتفعت نسبة ثقة "إيان وايت" بك بمقدار 2%.]

تجمدتُ مكاني بسبب النافذة التي ظهرت أمام عيني.

بدا ذهولي وأنا أحدق في الفراغ غريباً بالنسبة لصوفيا، فسألتني: " ما الخطب ؟ "

" آه، لا … لا شيء."

أبعدتُ نظري بسرعة عن نافذة الثقة. خلف النافذة المتلاشية، ظهر وجه صوفيا الذي تعلوه علامات الحيرة. ومن شدة ارتباكي، وضعتُ قطعة لحمٍ من الطبق في فمي دون وعي .

" …… "

مضغتُ اللحم المليء بالعصارة الدموية. ومن فرط ضياعي، ابتلعتُها حتى قبل أن أمضغها جيداً .

انتشرت رائحة الدم الزفرة في فمي مع طعم جاف وكثيف. سارعتُ بشرب الماء، لكن الماء الذي لا طعم له لم يفعل شيئاً سوى جعل الرائحة الزفرة تلتصق أكثر بجوانب فمي .

أزاحت صوفيا قطعة سلطة كانت عالقة باللحم، وسألتنا بصوت خافت: "على أية حال، ماذا سنفعل بشأن الرصاصة التي سنشحن بها منصة الإطلاق اليوم؟"

" سنستخدم رصاصتي."

أخرج إيان رصاصة من جيبه. وبما أن الرصاصة خرجت من جيبه وليس من المخزن، بدا واضحاً أن إيان كان ينوي شحن رصاصته منذ البداية.

وضع إيان الرصاصة على المائدة؛ فاصبحت حروف اسمه المحفورة بالحبر الأسود اللامع تعكس إضاءة غرفة الطعام .

" … حسناً، إذن."

أومأت صوفيا برأسها بهدوء غارقة في أفكارها، ثم تابعت: "إذن، إذا استثنينا رصاصتك، فالرصاصات المتبقية هي ثمانية، أليس كذلك؟"

لقد بدأنا بشحن الرصاص في منصة الإطلاق منذ اليوم التالي لاكتشافها. في اليوم الأول شحنا رصاصة سيزار، وفي اليوم الثاني رصاصتي، وبالأمس استخدم ريموند رصاصته بشكل إضافي، لذا … أومأتُ برأسي ببطء تأكيداً لكلامها.

حينها، أمال إيان رأسه بحيرة وسأل: "أليست تسع رصاصات؟"

" بل ثمانية، ذلك الوغد ريموند استخدم رصاصة إضافية."

قطب إيان حاجبيه بشكل طفيف وكأنه يسمع هذا الخبر للمرة الأولى.

سألته صوفيا بنبرة متعجبة: "ماذا ؟ هل نمتَ باكراً بالأمس ؟ لقد أطلق ذلك الوغد النار على فيفيان."

في تلك اللحظة، تجمّدت تعابير وجه إيان تمامًا .

****************************

الفصل : ١٠٥

اليوم الخامس عشر _ 31/10 (3)

" … أطلق النار على الآنسة لوبيز ؟ "

ردد إيان كلمات صوفيا بصوتٍ أجش للغاية.

بدا على صوفيا الارتباك من رد فعل إيان البارد والقاسي، فتدخلتُ لأضيف توضيحاً بنبرة غير مبالية: " بشكل أدق، أطلق النار نحو السقف وليس عليَّ مباشرة، لم يكن أمراً يستحق الذكر."

إثر كلماتي، رمقتني صوفيا بنظرة خاطفة وهي تراقب تعابير إيان، ثم قالت لي: "لا بد أن ريموند نادم الآن على فعلته، ألن يعتذر منكِ قريباً؟"

اكتفيتُ بابتسامة باهتة كبديل عن الإجابة. فأنا لا أنتظر اعتذاراً من ريموند؛ فلو كان شخصاً ينوي الاعتذار لما أقدم على فعلته تلك من الأساس.

في هذه الأثناء، استعاد إيان هدوءه المصطنع ونطق قائلاً: "ما دام الأمر بسيطاً فلا بأس إذن، لا بد أنه كان يملك سبباً وجيهاً لفعل ذلك."

سبباً وجيهاً … أجل، لم يخلُ الأمر من سببٍ بالتأكيد.

وضعتُ الشوكة التي كنتُ أمسكها من يدي: " سأستأذن أولاً."

عندما قلتُ ذلك، استقرت نظرات إيان على طبقي. لم يبدُ راضياً تماماً عن الطبق الذي لم ينفد حتى نصفه، لكنه لم يحاول إيقافي أكثر من ذلك .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

بمجرد عودتي إلى غرفتي، تقيأتُ كل ما كان في أحشائي. ورغم أنني شعرتُ وكأنني أخرجتُ كل ما تجرعته بصمتٍ طوال الوقت، إلا أن نوبات الغثيان لم تتوقف.

" …… "

كان من المفترض أن يشعر قلبي بالراحة بعد إفراغ كل شيء، لكنني لم أستطع التخلص من ذلك الإحساس بالاختناق وكأن الطعام لا يزال عالقاً في صدري.

بيد أن العزاء الوحيد كان استعادة صفاء ذهني. نهضتُ من مكاني بخطى مترنحة. كان شكلي المنعكس في المرآة شاحباً للغاية.

".... لا أختلف عن الجثث في شيء."

أطلقتُ ضحكة خافتة رغماً عني. لم يعد هناك أثر لتلك الفيفيان التي رأيتُها في غرفة التجميل؛ فعلى الأقل، كانت تلك النسخة في المرآة هناك تنبض بالحياة، بخلاف حالي الآن.

كان رأسي يدور في حلقات مفرغة. ظننتُ أن ذهني أصبح صافياً، لكن يبدو أن ذلك لم يكن سوى وهمٍ عابر.

في المغسلة، كانت المياه تتدفق وهي تُبتلع داخل فتحة التصريف.

راقبتُ ذلك المشهد بشرود، قبل أن ألتفت نحو الباب إثر سماع صوت يطرق عليه.

— طرق، طرق.

أزحتُ خصلات شعري المنسدلة بإهمال، ثم توجهتُ بخطواتي نحو الباب.

" نونا ! "

ما إن فتحتُ الباب حتى استقبلني صوت كيڤن المفعم بالحيوية.

"...... كيڤن؟"

كان وجه كيڤن يفيض بالابتسام، وكأن خطباً ما قد أبهجه.

سألني وهو يطلق ضحكة طفولية رنانة: "ماذا تفعلين؟"

على الرغم من أن كيڤن كان دائماً طفلاً بشوشاً، إلا أن ملامحه اليوم كانت تحمل شيئاً غريباً ومختلفاً عن المعتاد. حاولتُ جاهدة أن أبتسم له، لكنني أدركتُ أن زوايا فمي تأبى الارتفاع، فغطيتُ فمي المتصلب بيدي.

" فقط … كنتُ مستلقية."

"هل يمكنني المجيء للعب في غرفتكِ؟"

قال ذلك وشرع يخطو نحو غرفتي دون تردد. وبشكل لا إرادي، وقفتُ في طريقه لأمنعه من الدخول.

" نونا......؟"  ناداني كيڤن بنبرة مرتبكة، وكأن تصرفي هذا بدا له غريباً للغاية.

" آسفة، أنا متعبة قليلاً اليوم."

" ألا يمكنكِ اللعب معي؟"

ألحّ كيڤن في طلبه. لو كان يوماً عادياً لكنتُ طاوعتُه فيما يريد، لكن اليوم، شعرتُ أنني لا أقوى على ذلك بتاتاً.

أمسكتُ بمقبض الباب بقوة، وقلتُ بنبرة حازمة لم يعهدها مني: " لا يمكن."

" كيڤن."

في تلك اللحظة، اخترق صوت هانا الفراغ ليفصل بيني وبين كيڤن.

قالت هانا لكيڤن بصوتٍ خفيض: "تعال إلى هنا يا صغيري."

"ولكن.... أريد اللعب مع نونا اليوم."

رمقتني هانا بنظرة سريعة ثم تنهدت بخفة.

"هل أنتِ متعبة إلى هذه الدرجة؟"

" نعم."  أجبتُ بصوتٍ جاف وخالٍ من المشاعر.

"حسناً، إذا كنتِ متعبة، فخذي قسطاً من الراحة."

أمسكت هانا بذراع كيڤن وسحبته نحوها. بدا أنها أصبحت مقربة منه خلال الفترة الماضية، إذ كانت تتصرف معه دون أي كلفة.

" أريد اللعب مع نونا ! "

صرخ كيڤن محتجاً، لكن هانا تظاهرت بأنها لم تسمع كلماته، و واصلت سحبه بعيداً .

واصل كيڤن التحرك والمقاومة محاولاً ألّا ينجرف معها، لكنه كان مجرد طفل، ولم تكن قوته كافية لمجابهة قوة هانا.

راقبتُهما بشرود، فالتقت نظراتي بنظرات هانا لبرهة خاطفة. كان يرتسم على وجهها تعبيرٌ واضح من الازدراء والكره .

— بوم !

أغلقتُ باب الغرفة هكذا، لكنني لم أستطع الابتعاد عنه لبعض الوقت؛ بقيتُ واقفةً خلفه مباشرة.

" …… "

كان مظهر هانا وهي تسحب كيڤن بخشونة يتناقض تماماً مع صورتها وهي تحتضنه بحنان في المرة السابقة. بالطبع، قد يكون تصرفها هذا نابعاً من رغبتها في مراعاة حالتي المتعبة، ولكن … ما رأته عيناي الآن، هو أن هانا بدت وكأنها تمقت بشدة أي تلامس بيني وبين كيڤن.

وكأنها حالة من … الكراهية والنفور .

ضحكتُ بخفة حين وصل تفكيري إلى هذا الحد. لم يكن الأمر يهم حقاً. ما الفائدة من كل هذا الآن ؟

أمسكتُ بمقبض الباب مجدداً، ثم فتحتُه على مصراعيه دون تفكيرٍ يُذكر .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

" نونا ؟ "

ما إن رآني كيڤن في الرواق حتى أشرق وجهه بابتسامة وركض نحوي. بدا وكأنه كان يرسم في غرفة المعيشة، إذ كانت آثار ألوان الشمع تلطخ وجهه ويديه. وقع نظري على وجهه لبرهة، ثم أدرتُ رأسي بعيداً .

"هل ستلعبين معي؟"

"...... لنلعب غداً."

نطقتُ بهذه الكلمات الجوفاء بينما كنتُ أتوجه نحو الطابق الثاني، لكن في تلك اللحظة، أمسك كيڤن بيدي على عجل.

تسبب هذا التلامس المفاجئ في انتفاضي بذعرٍ شديد. لحسن الحظ، لم أنفض يده بعيداً، لكن رد فعلي العنيف أصاب كيڤن بالذهول بقدر ما أصابني.

" أنا … أنا آسف."

سارع كيڤن بالاعتذار. ابتلعتُ ريقي الجاف وأغمضتُ عينيَّ بقوة.

… ما الذي أفعله بحق خالق الجحيم ؟

" لا بأس يا كيڤن، لا تعتذر، لقد جفلتُ قليلاً فحسب."

" ولكن …… "

يبدو أن هانا، التي كانت تجلس معه في غرفة المعيشة، قد سمعت الجلبة، فدنت منا.

رمقتني بنظرة سريعة وسألت: "ألم تقولي إنكِ ستأخذين قسطاً من الراحة في غرفتكِ؟"

" …… "

أنا نفسي لم أكن أعرف لماذا خرجتُ من الغرفة.

هل كان لي هدفٌ ما في الطابق الثاني ؟ … لستُ أعلم حقاً.

خُيل إليّ أنني فكرتُ في شيءٍ كهذا بضبابية، أو ربما خرجتُ دون تفكيرٍ على الإطلاق. وعندما عجزتُ عن الإجابة، قامت هانا بسحب كيڤن الواقف بجانبي بعيداً.

" إن كنتِ متعبة، فاستريحي في غرفتكِ فحسب، تبدين وكأنكِ تعجزين حتى عن الوقوف."

كان صوتها هادئاً كالمعتاد، لكن نبرتها كانت تحمل قوةً غريبة ومبطنة. لم يفتني ملاحظة ذلك، فأجبتُها بهدوء: " … شكراً لكِ على قلقكِ."

" … قلق ؟ "

رددت هانا كلماتي بنبرة تخللتها ضحكة مكتومة. وعندما أدرتُ بصري نحوها، كان أثر تلك الضحكة قد تلاشى بالفعل.

"لا يوجد ما يمكن فحصُه في الطابق العلوي، أليس من الأفضل أن ترتاحي براحة في هذا الوقت؟"

نطقت هانا بذلك وكأن شيئاً لم يكن، لكنني لم أجد ما أردُّ به على كلامها؛ فمهما قالت، كنتُ عازمةً على الصعود إلى الطابق الثاني.

بينما كنتُ أكتفي بالنظر إلى طرف حذائي بعبث، قال لي كيڤن: " لقد قال الأخ لوكاس إنه سيرسم لي كتاباً مصوراً اليوم، فلتأتي نونا معنا أيضاً ! "

رفعتُ رأسي ببطء عند سماع كلمات كيڤن. في تلك اللحظة، ربما أدركتُ حقيقةً ما بشكلٍ ضمني، وهي أن هؤلاء الناس لن يستمعوا لحديثي مهما كان جوابي.

كان وجه كيڤن، الذي لا يعلم ما يدور في خلدي، يفيض بالبراءة. وعندما واجهتُ وجهه ذاك، انطلقت مني ضحكة ساخرة مريرة … لم أعد أعرف حتى ما الذي أفكر فيه تجاه طفلٍ صغير .

كانت هناك لطخة من لون شمعي أسود على وجنتي كيڤن المحمرتين. وفي اللحظة التي مددتُ فيها يدي نحوه دون وعي …

— طاخ !

ضربت هانا يدي بعيداً. حدث الأمر في لمح البصر، لدرجة أنني لم أستوعب الموقف لبرهة. سرعان ما غزا يدي شعورٌ بالوخز والاحتراق . وبقيتُ أحدق في هانا دون أن أفكر حتى في سحب يدي المطرودة.

كان وجه هانا مليء بتعبير لم أستطع تمييز ماهيته. كانت محمرة تماماً. بينما كان كتفاها اللذان يرتفعان وينخفضان بعنف يكشفان بوضوح عن مشاعرها المتأججة .

" …… "

راقبتُها بنظراتٍ مندهشة لفترة، ثم صرفتُ بصري عنها. وبدون أن أنطق بكلمة أخرى، أدرتُ ظهري وتوجهتُ نحو الطابق الثاني .

"هيا بنا بسرعة."

تردد صدى صوت هانا وهي تستعجل كيڤن خلف ظهري لفترة طويلة.

كان رواق الطابق الثاني هادئاً. توجهتُ مباشرةً إلى غرفة التدبير المنزلي؛ فقد أردتُ التأكد من وجود رأس المانيكان الذي قالت صوفيا إنها وضعته هناك، لكن جسد المانيكان كان لا يزال كما هو، بلا رأس.

… هل هرب يا ترى ؟

حسناً، حتى لو هرب، فسيكون داخل القصر وسأعثر عليه قريباً. فكرتُ في ذلك وأغلقتُ باب الغرفة، ثم اقتربتُ من غرفة الطعام المقابلة.

ظننتُ أن فيل سيستقبلني كعادته، لكن غرفة الطعام كانت غارقة في السكون. وبينما كنتُ أخطو إلى الداخل محتارة هذا الهدوء، سحقتُ شيئاً ما بقدمي.

" …… "

ما إن أنزلتُ بصري حتى وقعت عيناي على شظايا مرآة مكسورة. ولأن الصدأ قد غطاها، كانت تلمع بلونٍ مائل للزرقة.

توقفتُ عن السير فجأة بشكل لا إرادي. كانت قطع المرآة المحطمة تملأ الأرضية. وفي تلك الأثناء، تدحرج بيبي نحوي وأنا واقفة بجمود … وكان يرتجف بشدة، على غير عادته.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان