الفصل ١٠٢ و ١٠٣ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الرابع عشر _ 30/10 (14)

بينما كنتُ في حالة ذهولٍ تام، تابع ريموند حديثه بهدوء: " آنسة فيفي، في الحقيقة لقد سمعتُ قصةً ممتعةً للغاية."

" …… "

" قصةً تتعلق بالشخص الذي أرسل رسالة التهديد إلى آرييل."

قطبتُ حاجبي إثر هذا الموضوع الذي طرأ فجأة. وعلى الرغم من أن التعبير الذي ارتسم على وجهي كان طفيفاً، إلا أن ريموند لاحظه، فازدادت ابتسامته عمقاً وخبثاً.

" يُقال إن ذلك الشخص هو أنتِ، يا آنسة فيفي."

كانت تلك هي اللحظة التي تصدع فيها وجهي الذي جاهدتُ طويلاً لإبقائه خالياً من التعبيرات.

للوهلة الأولى ظننتُ أنني لم أسمع جيداً، لكن صوته ظل يتردد بوضوحٍ تام في مسامعي.

سألتُه بوجهٍ ملؤه الاستياء: "عن أي هراء تتحدث الآن؟"

" أنتِ أعلم إن كان هذا هراءً أم لا."

"… لا أعلم من أين جئت بهذا الهراء، لكنه كلامٌ أسمعه لأول مرة."

"أنتِ بارعةٌ جداً في الكذب، أليس كذلك يا آنسة فيفي؟"

لم يكن الأمر مجرد سخرية، بل كان موقفاً يبعث على الذهول التام.

أنا من أرسلتُ رسالة التهديد لآرييل ؟

حقاً، هذا هراءٌ لا يُصدقه عقل .

جززتُ على أسناني بغضب وقلتُ: " وماذا بعد ؟ هل تعتقد الآن أنني أنا من دفعتُ هايلر إلى الموت ؟ "

" ولِمَ لا ؟ المرة الأولى هي الصعبة دائماً، أما الثانية فتصبح سهلة."

"...... المرة الثانية؟"

عضضتُ على شفتي السفلى بقوة. وبينما كان ريموند يراقبني بنظراتٍ ثاقبة، همس بصوتٍ خافت: " لا أعتقد أن كلامي غير مفهوم بالنسبة لكِ على الإطلاق."

" ما الذي تقصده بـ …… "

وبينما كنتُ مذهولةً من كلماته، انفجر ريموند في ضحكةٍ يملؤها النشوة والانتصار .

" لقد قتلتِه أنتِ."

" …… "

" آه، هل عليّ أن أذكر اسم الضحية أيضاً ؟ "

حبستُ أنفاسي رغماً عني. وفي تلك اللحظة التي تحركت فيها شفتاه ببطء لنطق الاسم …

— طاخ !

سُحب زناد المسدس الذي كان يقبض عليه ريموند. كان صوتاً قويًا لدرجةٍ جعلت أذنيَّ تشعران بالخدر .

تأرجحت إضاءة المخزن بشكل يبعث على القلق. أما ريموند، الذي أطلق النار نحو السقف، فقد كان يبتسم باستمرار وكأن هذا الموقف يغمره بالسعادة .

ملأ الدخان اللاذع أرجاء المخزن، وبدأت بقايا الرصاص تتساقط من السقف كالمطر . وسط ذلك الدخان الكثيف، نظرت إلى ريموند وهو يضحك.

مرر يده على شعري ببطء، بلمسة لطيفة، وكأنه يلمس شيئاً عزيزاً على قلبه، لكنه سرعان ما أفلت شعري، ونطق بصوت درامي مبالغ فيه وهو يوجه كلامه إليّ، أنا التي كنتُ متجمدة تماماً في مكاني:

" يا إلهي، هل خفتِ يا آنسة فيفي ؟ "

" …… "

" يبدو أن مزاحي كان ثقيلاً بعض الشيء، لا تقلقي، كيف لي أن أجرؤ على قتلكِ ؟ "

ربت على كتفي وكأنه يحثني على الاسترخاء، ثم تابع: " على أية حال، أنا آسف بشأن موت هيلين، وبما أنني فقدتُ هايلر أيضاً، فأنا أفهم مشاعركِ تماماً."

تناهى إلى مسامعي صوت وقع أقدام تهرع خارج المخزن، وسرعان ما بدأت قبضة الباب تهتز بعنف .

— طاخ ! طاخ !

" تباً لك ! ألن تفتح هذا الباب اللعين ؟! "

اخترق صوت لوجان الغاضب مسامعي. أمسك ريموند بمقبض الباب الذي بدا وكأنه على وشك التحطم، ثم مال نحو أذني وهمس بصوت خافت: " ومع ذلك، لا تشعري بالظلم الشديد."

" …… "

" فموت هيلين ليس سوى عقابكِ أنتِ وحدكِ."

— بوم !

انفتح الباب خلفنا بعنف.

" يا له من شخص غير صبور."

" أيها الحثالة … ! "

قبض لوجان على تلابيب ريموند بعنف، فرفع ريموند يديه مستسلماً وأسقط المسدس من يده.

" كنتُ أتأكد من الرصاص فحسب."

لم يتمكن لوجان من تمالك نفسه أمام كلمات ريموند، فوجه لكمة قوية إلى وجهه. ترنح ريموند واصطدم بخزانة المؤن، مما أدى إلى سقوط الأغراض الموضوعة فوقها وتحطمها على الأرض .

بصق ريموند دمًا كان قد تجمع في فمه على الأرض، ثم مسح بيده أثر الدماء العالقة على شفتيه وكأن شيئاً لم يحدث.

تحدث لوجان من بين أسنان مطبقة وهو يجزّ عليها غضباً: " حسناً، إذا كانت أمنيتك هي الموت، فسأحققها لك بكل سرور."

اقترب لوجان من ريموند وقبض على تلابيبه مرة أخرى بعنف.

" ما الذي يحدث هنا ؟! "

تناهى إلى المسامع ضجيج أصوات الأشخاص القادمين من خارج المخزن.

" آنسة فيفيان ! "

دخل لوكاس المخزن وهرع نحوي بلهفة متفقداً إياي: " هل أنتِ مصابة بجروح … ؟! "

"...... أنا بخير."

أجبتُ بصوتٍ جاف وخالٍ من المشاعر.

" يا إلهي ! ماذا تفعلان أنتما الاثنان ؟! "

عندما رأت صوفيا حال لوجان و ريموند، شحب وجهها تماماً وبدأت تحاول الفصل بينهما، لكن جسد صوفيا الضئيل لم يكن كافياً لإيقاف شجارهما.

" ما هذا الذي تفعلونه الآن ؟! "

وصلت هانا أخيراً إلى المخزن وأمسكت بذراع لوجان لتكبح جماحه. أطلق لوجان زفيراً حاداً وهو ينفض الدماء عن يده.

كان وجه ريموند المسند إلى خزانة المؤن في حالة مزرية، ومع ذلك، كانت ترتسم على ثغره ابتسامة واضحة ومخيفة .

شعرتُ بقشعريرة تسري في عمودي الفقري وأنا أراه يمسح الدماء التي تسيل من بين شفتيه ببرود تام وكأن شيئاً لم يكن.

" …… "

كانت عينا ريموند الحمراوتان الباهتتان تلمعان بوهجٍ حاد إثر انفجار بعض الشعيرات الدموية فيهما.

راقبتُه بعينين هادئتين، ثم فتحتُ فمي ونطقتُ بوضوح: " لستُ أنا من أرسل رسالة التهديد إلى آرييل."

"...... رسالة تهديد؟"

جاء صوت آرييل مذهولاً ومرتبكاً. لسببٍ ما، شعرتُ بوخزٍ يسري في أطراف أصابعي.

" كما أنني لا أعرف شيئاً عن الرقم السري للباب الحديدي."

انتقلت نظرات ريموند إليَّ على الفور، ثم انفجر ضاحكاً فجأة وكأنه سمع طرفة مثيرة للسخرية .

" بففتت-هاهاها ! "

عندما رأت صوفيا ريموند وهو يضحك بهستيرية كالمجنون، تحولت ملامحها إلى الذهول والذعر .

وصرخت بصوتٍ عالٍ: " هل جننت ؟ لقد انتهينا من الحديث عن الباب الحديدي قبل قليل ! "

" أنا فقط أمتلك جانباً متشبثاً وعنيدًا بعض الشيء."

تخطت نظرات ريموند صوفيا لتستقر عليَّ مباشرة . وعضضتُ على شفتي السفلى بقوة .

بقي لوكاس الذي كان يستمع إلى حوارنا مذهولاً لبرهة، ثم استعاد رباط جأشه وهرع نحو ريموند بلهفة .

"هل يعقل أنك ارتكبتَ هذا الفعل لمجرد أنني كنتُ مع الآنسة فيفيان في المخزن فجر اليوم؟"

كانت يد لوكاس ترتجف بشكل ملحوظ .

"من أجل سبب سخيف كهذا، أطلقتَ النار؟"

"...... سخيف؟"

سأل ريموند بنبرة ساخرة مكرراً الكلمة.

" ربما يكون أمراً صغيراً جداً بالنسبة لك، لكنه ليس كذلك بالنسبة لي."

تجاه كلماته، اتجهت نظرات لوكاس نحو الباب الحديدي.

" بما أنني عاملتُكما بلطف ولم تفهما كلامي، لم يتبقَّ أمامي سوى استخدام هذه الوسيلة."

" ريموند."

نادت هانا باسمه بنبرة حازمة، ثم تنهدت بعمق وقالت: " كفى الآن."

"يا لرِقّة قلب الآنسة ووكر."

في تلك اللحظة، شقت آرييل طريقها وسط الحشد ودخلت المخزن.

"لقد ذكرتم رسالة تهديد قبل قليل، أليس كذلك؟ ما الذي يعنيه ذلك؟"

أجابها ريموند ببرود: "اكتشفي ذلك بنفسكِ."

ثم أمال رأسه نحو لوكاس الواقف بجمود وقال: " أما أنت، فلتشرح لنا أمر الأتربة التي كانت عالقة بجسدكما بالأمس."

سخر لوكاس من كلماته، ثم نطق وكأنه يجز على أسنانه: " هذا لأننا ذهبنا إلى غرفة التجميل."

"آه، ذهبتما إلى غرفة التجميل؟"

استمر ريموند في إطلاق ضحكات ساخرة مكتومة.

"حسناً، هكذا يبدو الأمر منطقياً بعض الشيء."

نطق بكلماته تلك بوجهٍ يخلو تماماً من أي ذرة ثقة.

راقبتُ ريموند بهدوء وضيقتُ عينيَّ بتفكير … لماذا لم يذكر الرائحة الكريهة للممر الأرضي التي كانت تفوح منا ؟

في الحقيقة، كانت تلك الكلمة وحدها كفيلة بحسم الموقف؛ فرائحة العفن التي علقت بنا كانت أكثر الأشياء غرابة في هذا القصر … على الأقل، أكثر غرابة من مجرد أتربة عالقة من غرفة التجميل .

"...... ما الخطب؟"

في تلك اللحظة، دوى صوت سيزار.

توقف سيزار عن السير فور دخوله المخزن حين رأى الدخان الكثيف الذي يملأ المكان .

نهض ريموند من مكانه ونطق بصوت منخفض: " الأول من نوفمبر."

" …… "

" إنه اليوم الذي سيحدث فيه خسوف القمر الكلي، تماماً كما قال ألبرتو."

ركل ريموند المسدس الملقى على الأرض بخفة؛ فتدحرج المسدس الثقيل حتى لامس طرف حذائي وتوقف .

بعد ذلك، اقترب ريموند مني، فما كان من سيزار إلا أن وضع يده على صدره ليعيق تقدمه بحذر .

رمق ريموند سيزار بنظرة سريعة ثم أطلق ضحكة خافتة.

"ألا تشعر بأن الأمر سيكون ممتعاً؟"

" أيها المجنون اللعين … " تمتم لوجان بصوت خشن.

كانت وجنتي، التي لمستها فوهة مسدسه، لا تزال تشعر بالخدر .

حدقتُ في ريموند بنظرات حادة، ثم سارعتُ بمغادرة المخزن المليء بالدخان .

كانت حركة شفتي ريموند، التي غطاها صوت إطلاق النار سابقًا، لا تزال حية أمام عيني بوضوح صاعق: " أقصد، ديريك."

أغمضتُ عينيَّ بقوة دون أن أشعر .

****************************

الفصل : ١٠٣

اليوم الخامس عشر _ 31/10 (1)

دفنتُ وجهي في الوسادة. تمنيتُ لو استطعتُ النوم فحسب، لكن ذهني كان صافياً بشكل يثير الريبة.

" …… "

الشخص الذي أرسل رسالة التهديد إلى آرييل. من الواضح أن أحدهم قد سرّب هذه المعلومة إلى ريموند.

لا أعلم لِمَ قال إنني أنا المبتزّة، لكن من المؤكد أن الشخص الذي سرّب المعلومة لريموند يعرف شيئاً ما عن تلك الرسالة.

… هل يعلم ذلك الشخص أيضاً أن والد آرييل قد ارتكب جريمة قتل ؟ أم أن الأمر كله مجرد كذبة اختُلقت لإثارة الفوضى داخل القصر ؟

وسط سيل الأدلة المتدفق، لم أعد قادرة على التمييز بين الكذب والحقيقة .

ترددت أصوات إيان وآرييل في رأسي كطنين سرب من النحل .

<الضحية كان والدي، إنها قضية تعود لـ 15 عاماً مضت، وقد اعْتُبرت جريمة دفاع عن النفس.>

<لقد كانت الرسالة تتعلق بوالدي، وبشكل أدق، كانت تحتوي على بلاغ يتهمه بجريمة قتل ارتكبها قبل اختفائه.>

… الاختفاء الذي تحدثت عنه آرييل، والقتل الذي اعترف به إيان بهدوء. والقاسم المشترك بينهما هو والد كلاهما .

المبتزّ يعلم يقينًا ما حدث في عائلة "هوارد".

… هل المبتزّ موجود داخل القصر ؟

بالنظر إلى انتشار المعلومات المضللة، فإن احتمال وجوده هنا كبير جداً. رغم أنني لا أعرف ما الذي يبتغيه من وراء هذه الأفعال .

رفعتُ رأسي بصعوبة عن الوسادة. قبل أي شيء، كان عليَّ معرفة من يمتلك الرصاص الحي .

فالأول من نوفمبر هو يوم غد. و ريموند لم يذكر خسوف القمر الكلي عبثًا.

من المؤكد أنه قال ذلك ليوجه رسالة إلى الشخص الذي يمتلك الرصاص .

… صوفيا ؟ ماكس ؟ أم كيڤن ؟

هناك احتمال كبير بأن المعلومات المتعلقة بالرصاص الحي قد تم تداولها بين أولئك الذين كانوا في الطابق الثالث، فعلاقتهم كانت أمتن مما كنتُ أتخيل .

ومع ذلك، مهما أمعنتُ في التفكير، لم أستطع الجزم بهوية الشخص الذي يمتلك الرصاص الحي.

أمسكتُ باللحاف بقوة. وظللتُ هكذا، من سماء الليل المتلألئة بالنجوم وحتى بزوغ خيوط الفجر الأولى.

لم أتمكن من الوصول إلى إجابة شافية.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

ظهرت سماءٌ صافيةٌ لا تشوبها شائبة من بين قضبان النافذة.

كانت زرقاء ناصعة وكأنها رُسمت بألوان مائية. حينها فقط أدركتُ أن الصباح قد حلّ، فنهضتُ من مكاني. كانت النسمات التي تهب من النافذة محملة بعبير الخريف الفواح.

كان الجو قارساً؛ لذا أخرجتُ معطفاً من الخزانة وارتديته، ثم فتحتُ الباب.

دوّت أصوات وقع أقدام الأشخاص الذين بدأوا نشاطهم الصباحي الباكر لترتطم بالأرضية.

" أوه ! "

التقت نظراتي بنظرات صوفيا التي كانت تخرج من غرفتها في تلك اللحظة. اقتربت مني وهي تضع فرشاة الأسنان في فمها.

" …… "

بدات صوفيا تتفحصني من رأسي حتى قدمي وبدأت تقول شيئاً ما، لكن بما أنها كانت تمسك بالفرشاة في فمها، لم يكن من السهل فهم ما تقوله.

وزاد الأمر سوءاً أن رغوة المعجون بدأت تسيل من فمها. سارعت صوفيا بإسناد ذقنها بيديها، ثم أشارت برأسها نحو غرفتها.

"...... هل تقصدين أن أتبعكِ؟"

أومأت صوفيا برأسها رداً على سؤالي، ثم ركضت مسرعة إلى داخل غرفتها. شعرتُ ببعض الحيرة، لكنني تبعتها بصمت.

— صوت انهمار ماء.

تدفقت المياه بقوة في حمام صوفيا. وسرعان ما دوت أصوات بصق متكررة، ثم خرجت وهي تجفف فمها بالمنشفة، لكن ما إن رأتني، حتى اتسعت عيناها بذهول.

قلبتُ بصري يميناً ويساراً ثم سألتها: " … ما الخطب ؟ "

" آه."

يبدو أن صوفيا كانت قد نسيت للحظة حقيقة وجودي في غرفتها. وبملامح يعلوها الارتباك، وضعت المنشفة بإهمال فوق كتفها وقالت: " فقط … أردتُ أن أسألكِ عن شيء ما."

" …… "

" وأيضًا، أردتُ الحديث عما حدث بالأمس أيضاً."

بدا أن صوفيا لم تستطع التوقف عن التفكير فيما حدث مع ريموند في المخزن، وكان الأمر يؤرقها.

تنهدت صوفيا بعمق وجلست على طرف السرير، ثم بدأت تتفحصني وأنا جالسة على الكرسي، ونطقت: " … هل أنتِ بخير ؟ لا توجد إصابات ؟ "

" أنا سليمة تماماً."

" هذا يبعث على الارتياح."

مسحت صوفيا نظاراتها التي تناثرت عليها قطرات الماء بملابسها لتنظيفها.

" أكثر من ذلك، ما يشغل ذهني هو ما قاله ريموند بالأمس."

أردفت وهي ترتدي نظارتها مجدداً: " أنتِ تعلمين أن آرييل قد تلقت رسالة تهديد، أليس كذلك ؟ "

أومأتُ برأسي بهدوء.

"لكن ذلك الوغد قال بالأمس إن الشخص الذي أرسل تلك الرسالة هو أنتِ؟"

" …… "

" … هل هذا صحيح ؟ "

فكرتُ قليلاً قبل أن أجيبها بحذر: " كلا."

"...... حقاً؟"

"نعم."

استقرت نظرات صوفيا عليَّ لفترة، ثم قطبت وجهها وأدارت رأسها بعيداً.

" لا أعلم ما الذي سمعه ذلك الرجل، لكنني أقسم أنني لستُ الفاعلة أبداً."

بينما كانت تستمع لكلامي، بدأت صوفيا تقضم ظفر إبهامها بتوتر شديد .

سألتُها بهدوء: " … مَن هو الشخص الذي نشر إشاعة أنني أنا من أرسل التهديد ؟ "

حينها فقط أنزلت صوفيا يدها عن فمها: " أنا أيضاً لا أعرف، لقد كانت المرة الأولى التي أسمع فيها هذا الأمر من ذلك الوغد بالأمس."

بدأت ملامح صوفيا تزداد قتامة: " أنتِ، هل تعرفين محتوى رسالة التهديد التي تلقتها آرييل ؟ "

" بشكل عام، نعم، لقد أخبرتني آرييل بعد أن غادرتِ أنتِ المكان بالأمس."

" … لا عجب إذن أنكما كنتما تتحدثان بانسجام."

تمتمت صوفيا وهي ترمي المنشفة التي كانت على كتفها فوق السرير بإهمال: " على أي حال، تقولين إنكِ لستِ الفاعلة … "

" …… "

" يا إلهي، إذن من يكون الفاعل بحق خالق الجحيم ؟ ريموند ذلك اللعين يطبق فمه ولا ينطق بكلمة."

عادت صوفيا لقضم أظافرها مرة أخرى بوجهٍ يملؤه القلق، ففتحتُ فمي وسألتُها بهدوء: " ألا يوجد شخص يحمل ضغينة ضد عائلة ميلر أو هوارد ؟ "

" لو كان هناك من يحمل ضغينة، لكان أولئك الأغبياء من الشرطة قد كشفوا الأمر في تحقيقاتهم."

" …… "

" عدم وجود عدو واضح هو ما جعل الأمور تنتهي إلى هذا الوضع المزري."

قطبت صوفيا وجهها بضيق واضح وتابعت: " مهما فكرتُ في الأمر، لا يوجد سبب يدفعها للانتحار، فتاة قوية مثلها، مستحيل أن تنهي حياتها بيديها … "

تمتمت صوفيا وكأنها تعيد تذكير نفسها. وبعد فترة من التمتمة، بدأت تصل إلى قناعة راسخة فنطقت: " لقد كنتُ معلمتها، لذا أنا أعرفها أكثر من أي شخص آخر، وأعلم يوماً بعد يوم أنها ليست من النوع الذي يتخذ مثل هذا القرار الأحمق."

… قرار أحمق.

قبضتُ على قبضة يدي رغماً عني لبرهة، ثم سألتُها بهدوء: "آنسة صوفيا، هل كان لقاؤك الأول بهايلر في جامعة مونتينا؟"

"كلا، كنتُ أعرفها منذ زمن بعيد."

" …… "

" لقد كانت فتاة صغيرة تتبعني في كل مكان كواحدة من معجباتي."

ابتسمت صوفيا ابتسامة مريرة، وبدا وجهها وكأنها تستحضر ماضياً لن يعود أبداً.

"هل … تتذكرين وجوه جميع المعجبين؟"

سألتُها دون وعي مني، ففتحت صوفيا فمها بذهول من غرابة سؤالي: "أنا بشر في النهاية، ليس لدي الرفاهية للاهتمام بكل وجه على حدة."

" …… "

" لكن، حسناً، أتذكر البعض منهم."

قطبت صوفيا جبينها وتابعت: " كان هناك شخصًا يلح عليّ باستمرار طالباً أن يصبح مديراً لأعمالي، بخلاف مثل هذه الحالات الخاصة، لا أستطيع التذكر."

"...... أفهم ذلك."

"لكن، لماذا تسألين؟"

سألت صوفيا بحيرة من سؤالي الغريب، لذا أجبتُ بابتسامة مرتبكة محاولةً التملص: "لا شيء، مجرد فضول."

كان السبب هو خطر في ذهني فجأة: هل يمكن أن يكون الشخص الذي قتل هيلين واحدًا من معجبي صوفيا ؟

ضاقت عينا صوفيا وهي تراقبني، فتابعتُ كلامي بهدوء لأكسر حدة نظراتها: "على أية حال، بالنظر إلى أنكِ تتذكرين هايلر، فهل كانت هي أيضاً تنتمي لتلك 'الحالات الخاصة'؟"

"إنها ابنة عائلة ميلر، إن لم يكن هذا حالة خاصة، فماذا يكون إذن؟"

أطلقتُ تنهيدة عند سماع كلماتها.

"على أي حال، يجب الإمساك بذلك الوغد الذي أرسل التهديدات."

" …… "

" لا يمكنني القول إن آرييل بريئة تماماً، لكنني لا أريدها أن تصبح المشتبه بها الوحيدة في هذه الجريمة."

أومأتُ برأسي هدوءاً رداً على كلام صوفيا. كانت تراقبني بإمعان، ثم سألتني بنبرة ذات مغزى: "ألا يوجد أحد يحمل ضغينة ضدكِ؟"

توقفتُ عن الحركة للحظة إثر سؤال صوفيا.

" أعني شخصاً قد يحاول اتهامكِ بأنكِ أنتِ من أرسل التهديدات."

" …… "

" مهما فكرتُ في الأمر، يراودني الشك في وجود شخص ما يحاول إلباسكِ هذه التهمة."

ضاقت عينا صوفيا بحدة.

… شخص يحمل ضغينة ضدي.

لقد كان هذا السؤال ذاته الذي وجهه لي سيزار ذات مرة.

قطعت صوفيا حبل أفكاري ونطقت بهدوء: " بالطبع، كلامي هذا لا يعني أنني أثق بكِ."

" …… "

" لكن، إذا كنتِ قد تعرضتِ للافتراء حقاً، فأنا متأكدة أنكِ ستبحثين بنفسكِ عن الأدلة التي تبرئكِ وتجلبينها لي."

أمالت صوفيا رأسها متسائلةً إن كان قولها صحيحاً. أطلقتُ ضحكة ساخرة خفيفة عند سماع كلماتها.

"هذا صحيح تماماً."

"...... أليس كذلك؟"

حدقتُ في صوفيا لبرهة قبل أن أنطق: "لديّ سؤال واحد أنا أيضاً."

"ما هو؟"

"آنسة صوفيا، هل تعلمين من هو الشخص الذي يمتلك الرصاص الحي؟"

ما إن سمعت صوفيا سؤالي حتى انطلقت منها ضحكة خافتة.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان