ردَّ ريموند على كلماتي بسخرية متسائلاً: " ألم تكوني أنتِ من رأى الآنسة هانا وهي تحرق شيئاً ما في المدفأة ؟ "
" ربما أحرقت جزءاً فقط من الأدلة."
"…… ماذا؟"
" على سبيل المثال، ربما اختارت حرق الأدلة التي تدينكم أنتم فقط، وأبقت على البقية … "
ضاقت عينا ريموند وهو يراقبني .
" مهما فكرتُ في الأمر، لا يبدو منطقياً؛ فلا يمكن أن تكون كل الأدلة التي كانت في الطابق الثالث متعلقة بهايلر وحدها."
ما إن ذُكر اسم هايلر، حتى غارت نظرات ريموند في صمتٍ مظلم، وبدأ يقترب مني ببطء .
" وفقاً لكلامكَ، إذا كانت أدلة هايلر موجودة داخل القصر، فهناك احتمال كبير بأنها تورطت في هذه الحادثة."
" …… "
" إذا كان هناك أي خطأ في منطقي، فتفضل بالرد."
وعندما بدأ الجو يتجه نحو الصدام، تدخل ماكس ليفصل بيني وبين ريموند .
" مهلاً، مهلاً، لماذا لا تهدئان قليلاً ؟ "
تجاهلتُ محاولة ماكس لردعي واقتربتُ من ريموند أكثر: " وإلا، فهل تتكرم بإعطائي سبباً منطقياً يقنعني ؟ "
" يا أنتِ ! "
أمسك بي لوجان على عجل، ثم قال لريموند بنبرة بدت وكأنه لا يكترث للأمر: " يبدو أنها تناولت شيئًا خاطئًا على الإفطار، تجاوز الأمر فحسب."
" أ … أجل … ريموند، اهدأ أولاً، و …… "
ساندت صوفيا كلمات لوجان، وأسرعت بالوقوف أمام ريموند لتعيق تقدمه.
بعد صمتٍ طويل، فتح ريموند فمه ونطق بهدوء: " وكيف لي أن أتجاوز الأمر ببساطة ؟ "
"…… إذن، ماذا ستفعل؟"
سألت صوفيا بحذر، فرسم ريموند ابتسامة مشرقة على وجهه.
" كلام الآنسة فيفي صحيح، الأمر يبعث على الريبة فعلاً."
ضيقتُ عينيَّ إثر كلماته؛ بدا أن حتى لوجان الذي يمسك بي قد جفل، فربما لم يتوقع أحدٌ رد فعله هذا.
"بخصوص الغرف المفتوحة في الطابق الرابع، فأنا لا أعلم عنها شيئاً، لكن بخصوص الأدلة التي أحرقناها، فيمكنني إخباركِ عنها."
" ماذا ؟ "
جفلت صوفيا بشدة. ألقيتُ نظرة خاطفة عليها وهي في حالة ذعرها المبالغ فيه، ثم أعدتُ نظري إلى ريموند الذي كان يرمقني بنظرات حادة ومستمرة.
" لكن قبل ذلك، عليكِ أن تكوني صادقة معي يا آنسة فيفي."
" …… "
" لقد دخلتِ إلى المخزن عبر هذا الباب ليلة أمس، أليس كذلك ؟ "
أفلت لوجان يده التي كانت تمسك بي، وأجبتُ على سؤال ريموند بهدوء: " كلا."
"...... حقاً؟"
" نعم."
في الواقع، لم تكن الأدلة التي أحرقها هؤلاء في الطابق الثالث هي ما يهمني حقاً. فلو كانت تلك الأدلة تتعلق بي، لكانوا قد هاجموني وحاصروني فور نزولهم من هناك. لكنهم لم ينبسوا ببنت شفة تجاهي، مما يعني أن تلك الأدلة لا تمت لي بصلة .
إذن، ما يهمّني الآن هو الحفاظ على مستوى ثقة لوجان، وإبقاء وجود الكوخ سراً.
استقرت نظرات ريموند عليّ لبرهة، لكنه سرعان ما أنهى الحوار بابتسامة غامضة.
" … إذن، هل نتفق على مشاركة الرقم السري للباب في حال عرفه أحدنا ؟ "
حينها، اقترح ماكس ذلك بهدوء، فأومأتُ برأسي موافقةً وأضفتُ: " بما أن الآخرين قد يعلمون شيئاً عنه، فمن الأفضل سؤالهم عن هذا الباب أيضاً."
" إذن، هل انتهى الأمر عند هذا الحد ؟ " طلبت صوفيا تأكيداً منا وهي تراقب تعابير ريموند بحذر .
تمتم لوجان وهو يبعثر شعره من الخلف بخشونة: " يا له من حوار دموي … "
" كف عن الثرثرة واخرج من هنا."
أشارت صوفيا برأسها نحو خارج المخزن وهي تخاطب لوجان. وكزني لوجان في ذراعي طالباً مني الخروج معه. حينها فقط استعدتُ تركيزي وتبعْتُ الذين غادروا المخزن.
لكن في تلك اللحظة، ناداني ريموند بصوتٍ منخفض: " آنسة فيفي."
توقفت خطواتي فور سماع صوته، فقال بنبرة يملؤها المرح: " لديّ ما أقوله لكِ."
…… ما يقوله لي ؟
"ألم ينتهي الحديث بالفعل؟"
كان لوجان هو من اعترض على كلام ريموند، وأردف مقطباً جبينه: " ألا يفضل أن تخرج بسلام من المخزن بدلاً من القيام بحركات صبيانية ؟ "
أمال ريموند رأسه رداً على كلام لوجان، وكأنه يترك لي خيار القرار .
سألتُ ريموند بهدوء: " … ما الذي تود قوله لي ؟ "
" استشارة ؟ "
أجاب ريموند بنبرة خفيفة، وأردفها بابتسامة رقيقة أغلقت عينيه من شدة المرح.
"هذا أقل ما يمكنكِ فعله من أجلي، أليس كذلك؟"
" كُفَّ عن هذا الهراء اللعين."
أمسك لوجان بذراعي وسحبني نحو جانبه، ثم تابع: " إذا كنت ترغب بشدة في استشارة، فأنا سأقوم بذلك، ألن أكون أفضل منها في هذا الشأن ؟ "
" أنا أفضل التحدث مع البشر على الحديث مع الوحوش." ردَّ ريموند وهو يبتسم ابتسامة ملتوية.
" ماذا قلت ؟ "
"أنت لا تفهم كلماتي هذه حتى، فهل تظن أن حواراً طبيعياً يمكن أن يدور بيننا؟"
حوّل ريموند نظره نحوي متسائلاً إن كان قوله صحيحاً، فأجبته بهدوء: " أعتقد أنه من الأفضل أن تطلب استشارة صوفيا، فهي أقرب إليك مني."
" هذا أمر غير وارد."
عقد ريموند ذراعيه وتابع كلامه: " لأنني في الواقع، أفكر في أمرٍ يخصُّكِ أنتِ يا آنسة فيفي."
"عن أي هراء تتحدث؟"
قاطع لوجان كلماته على الفور، وكنتُ أنا أيضاً أتفق معه؛ فلم أكن أملك أدنى فكرة عما يرمي إليه ريموند.
" كما قلتِ يا آنسة فيفي، يمكنني استشارة صوفيا … لكنني أريد التحدث إليكِ أنتِ تقديراً للمودة القديمة بيننا."
أي مودة يتحدث عنها هذا الرجل ؟!
أنا متأكدة أنني لو ألقيتُ بريموند في النهر، فإن لسانه هو الوحيد الذي سيطفو على السطح لشدة ثرثرته .
انتقلت نظرات ريموند نحو يد لوجان التي تقبض على ذراعي. لا أعلم ما الذي يريد قوله لي تحديداً، لكنني شعرتُ بضرورة الاستماع إليه.
أطلقتُ أنيناً مكتوماً، ثم أفلتُّ يد لوجان عني بحذر: " انتظر للحظة."
قطب لوجان وجهه بانزعاج وهو يراني أفعل ذلك، لكنه لم يحاول منعي مجدداً.
" كان عليكِ فعل هذا منذ البداية."
أشار ريموند برأسه نحو داخل المخزن وكأنه يدعوني للدخول. لم أكن أرغب في الدخول إلى ذلك المكان المغلق، خصوصاً وأنه يضم الباب الحديدي الذي خرجتُ منه أنا ولوكاس.
" لنغير المكان."
" لماذا ؟ أنا يعجبني هذا المكان."
نظر ريموند حوله ببطء داخل المخزن، واستمر في الثرثرة بنبرة مازحة: " أليس ضيقًا و دافئ ؟ "
… بالنظر إلى استمراره في إلقاء النكات، يبدو أنه ليس لديه ما يقوله لي حقاً.
وعندما رأى ريموند أنني لا أنوي الدخول إلى المخزن، أطلق ضحكة ساخرة ومد يده نحوي.
" …… ! "
سحبني إلى داخل المخزن قبل أن يتمكن أحد من منعه .
— طاخ !
أُغلق باب المخزن بقوة مُصدراً دويّاً هائلاً.
حاولتُ تهدئة ملامح وجهي المنزعجة وسألتُ ريموند: "ما الذي تريد قوله؟"
" أشياء كثيرة جداً."
" تبدو مسترخياً بالنسبة لشخص لديه الكثير لقوله."
" لأن الوقت هو الشيء الوحيد الذي أملكه بوفرة."
أمال ريموند رأسه وهو يسند ظهره إلى جدار المخزن.
بدأ يتأمل غبار الغرفة الذي يطفو في الأرجاء بهدوء، ثم تمتم بصوت منخفض: " على أية حال، أتساءل إن كان من الجيد التحدث هنا، أشعر أن الأصوات قد تتسرب للخارج."
...... عن أي شيء يتحدث بحق خالق الجحيم ؟
" ربما لأنني تنصتُّ على حديثكما في الفجر، لا أشعر بالراحة التامة الآن."
كان صوته كئيباً بشكل لا يشبهه.
… هل كان ينوي التحدث عن أمر المخزن إذن ؟
قطبتُ حاجبي وقلت: " لو كان هذا امتداداً لما حدث قبل قليل، ليتك أخبرتني مسبقاً، لو فعلت، لما دخلتُ معك طواعيةً."
" فلنكن دقيقين يا آنسة فيفي، متى دخلتِ طواعيةً حتى تقولي ذلك ؟ "
" إذا كنت ستستمر في التلاعب بالكلمات والتعليق على كل شيء، فلا أرى سبباً لإكمال هذا الحوار."
انفجر ريموند ضاحكاً بصوت خافت عند سماع كلماتي.
" كانت تلك مجرد مزحة."
" …… "
" ما أريد قوله حقاً هو ذاك."
أشار ريموند برأسه نحو الباب الحديدي القابع على الأرض.
"بما أن لدينا الكثير من الوقت، ألن يكون من السهل تغيير مكاننا؟"
كان ريموند أكثر إصراراً وتشبثاً مما تخيلت، بل فاق كل توقعاتي.
" لقد أخبرتك بالفعل أنني لا أعرف شيئاً عن الرقم السري."
"هذه كذبة، أليس كذلك؟"
"سنعرف مع الوقت إن كان كلامي كذباً أم لا."
عند سماع ردي، اعتدل ريموند في وقفته واقترب مني. انحنى ببطء وهمس في أذني بصوت لا يسمعه غيري: " أنا أمنحكِ حق الاختيار يا آنسة فيفي."
" …… "
" أنا أساعدكِ حتى لا يسمع ذاك الذي في الخارج حديثنا."
سألتُه بهدوء: " وهل يفترض بي أن أشكرك على هذا الموقف ؟ "
" سيكون من الجيد لو فعلتِ ذلك كإضافة."
لم يكن عليّ دخول المخزن منذ البداية. فكل ما أراده ريموند هو وضعي تحت الاختبار مرة أخرى، لا أكثر ولا أقل.
بينما كنت أرمقه بنظرات جافة، نطق ريموند بنبرة درامية مبالغ فيها: " أنا أقول هذا لأنني قلق عليكِ حقاً، أخبرتكِ أنه لا يجب على أي شخص أن يسمع ما سأقوله."
ومع ذلك، عندما رأى أنني لا أنوي التحرك، اختفت الابتسامة من وجهه في لمحة بصر .
" افتحيه."
" أود حقاً اتباع أمرك، لكن هذا أمر مستحيل تماماً بالنسبة لي."
****************************
الفصل : ١٠١
اليوم الرابع عشر _ 30/10 (13)
الممر الأرضي المتصل بالكوخ. لم تكن هناك أدلة تركتُها خلفي في ذلك الكوخ، لكن كان هناك الدليل الأهم: لوكاس .
حين يواجه ذلك الفتى الكوخ مرة أخرى، هل سيتمكن من الحفاظ على هدوئه ؟
بالطبع، كنتُ أعترف بأن لوكاس بارع في التمثيل، فقد نجح في إخفاء حقيقته طوال تلك المدة.
لكنني لم أستطع الوثوق به تماماً، خصوصاً وأن لديه سابقة في زلة لسان أمام لوجان بخصوص هيلين.
علاوة على ذلك، لم يكن لوكاس هو المشكلة الوحيدة، بل أنا أيضاً. إذا دخلتُ ذلك الكوخ الذي رأيت فيه ماضي فيفيان، فإنني في تلك اللحظة لن أتمكن أبداً من الحفاظ على رباط جأشي.
على الأقل، قد لا أرتكب زلة لسان كما فعل لوكاس، لكن تعابير وجهي التي تعطلت ستكون في حالة من الفوضى العارمة. ولا يجب أن يلمح أي شخص ذلك الوجه؛ إذ لن يكون هناك دليل أقوى منه.
لهذا السبب، لم يكن بوسعي سوى الاستمرار في الحديث بهدوء: " لنبحث عن الرقم السري، هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنني قوله لك الآن."
كنتُ أعلم أن هذا الرقم سيُكشف يوماً ما، لكن، ليس الآن. كان الباب الحديدي في المخزن بمثابة "صندوق باندورا" الذي لا يجب فتحه أبداً.
التفتُّ وأمسكتُ بمقبض باب المخزن بقوة، ولكن في تلك اللحظة …… شيء مستدير يحمل برودة الموت لامس رأسي .
أطلق ريموند ضحكة خافتة ثم نطق: " يبدو أنكِ لم تدركي أبعاد الموقف بعد يا آنسة فيفي … "
" …… "
" أنا الآن أقوم بتهديدكِ."
كانت فوهة المسدس باردة تلامس رأسي. أرخى ريموند أحد جانبي فمه بابتسامة فاترة، بينما كان يعبث بالزناد.
"لذا، أليس من الأفضل أن تفتحيه وأنا أتحدث إليكِ بلطف؟"
" …… "
" هذا أفضل لكِ، و لي."
أفلتُّ مقبض الباب الذي كنتُ أمسكه دون أن أتمكن من تدويره، وسقطت يدي بجانبي. كنتُ أرغب بشدة في الخروج من المخزن، لكنني أدركتُ أنه لا يجب عليَّ استفزاز ريموند أكثر من ذلك.
" ما الذي يوجد في الأسفل لدرجة تجعلك تتمادى وتفعل شيئاً كهذا ؟ "
" أنا لا أعرف، أنتِ من نزلتِ إلى هناك، ومن المفترض أنكِ أعلم بالأمر مني."
" …… "
" يجب أن أعرف ما الذي كان موجوداً في الأسفل وجعلكِ تستميتين هكذا لإخفاء الحقيقة."
أدرتُ رأسي بهدوء، فانتقلت فوهة مسدس ريموند لتستقر مباشرة فوق جبهتي.
" كانت الأتربة تغطي أحذيتكما عندما رأيتكما في الفجر."
" …… "
" كيف تفسرين ذلك ؟ "
كان ريموند يعبث بالزناد وكأنه قد يضغط عليه في أي لحظة.
سألتُه بصوتٍ خافت: "هل كنت أنت الشخص الذي يمتلك الرصاص الحي إذن؟"
"على الأرجح."
"ألن يكون إسقاط تمثال الأسد في الطابق الرابع أفضل من قتلي؟"
"يؤسفني قول هذا، لكنني لا أمانع موتكِ هنا، وبالمثل، لا أهتم لأمر تمثال الأسد."
"...... لماذا؟"
كان سؤالي نابعاً من فضول حقيقي؛ فلطالما لم ألمح من قبل أي عداء تجاهي في عيني ريموند، لكن لا أعلم كيف فسر سؤالي هذا، إذ ضحك بإشراق .
"كيف تسألينني أنا عن ذلك؟"
" …… "
" أنا من يود سؤالكِ في الواقع."
كانت كلماته لا تزال مليئة بالألغاز غير المفهومة.
ألقيتُ نظرة خاطفة على المسدس المصوب نحوي وقلت: " اسأل إذن، يبدو أن هذه هي فرصتي الوحيدة لأكون صريحة معك."
" كلامكِ عن الصراحة لا يتماشى مع هدوئكِ المبالغ فيه، لماذا ؟ هل تظنين أن الرصاصة في هذا المسدس مجرد رصاصة صوت ؟ "
" كلا، أنا فقط فضولية."
اقتربتُ منه بهدوء واكملت: " في الحقيقة، كان يراودني الفضول منذ مدة، لماذا مدَّ شخص مثلك يده لي، رغم أنني مجرد غريبة لا تعرفها ؟ "
لامست الفوهة جبهتي مرة أخرى .
" لا تبدو أبداً من النوع الذي يقترب من الآخرين لمجرد أنكم تتشاركون ذات الألم، فما هو السبب الحقيقي وراء اقترابك مني ؟ "
" لم أتوقع أن أسمع هذا منكِ مباشرة."
رسم ريموند ابتسامة تظهر استمتاعه بهذا الموقف، ثم أخرج ساعة جيب من ملابسه وتفقد الوقت .
" … لقد مرت 14 دقيقة بالفعل."
تمتم بذلك وبدأ يدندن بلحن خفيف.
انبعث صوت عقرب الثواني من ساعة الجيب. وفي اللحظة التي أشار فيها عقرب الساعة إلى نقطة محددة بدقة ……
— طاخ !
دوى صوت إطلاق نار. كان صوتاً قادماً من الطابق الرابع .
بينما كنتُ واقفة في ذهولي، سألني ريموند بنبرة هادئة: " … هل تظنين أن الأشخاص في الطابق الأول قد ذهبوا الآن لتفقد منصة الإطلاق ؟ "
" …… "
" أم أنهم لا يزالون ينتظرون الآنسة فيفي خارج المخزن ؟ "
"هذا أمر لا يمكنني معرفته."
لم أكن أعلم ما إذا كان لوجان لا يزال واقفاً خلف الباب أم لا.
" لكنني متأكدة من أمر واحد، وهو أنه في اللحظة التي تضغط فيها على الزناد، سيهرع كل المتواجدين في القصر نحو هذا المخزن."
" لا أعلم حقًا من منا يمسك بزمام الأمور الآن."
أجاب ريموند وهو يبتسم ابتسامة ملتوية. كانت هناك احتمالية كبيرة بأن الرصاصة التي يمتلكها هي رصاصة صوت، فمن غير المعقول أن يهدر ريموند وسيلة قد تمنحه دليلاً قاطعاً على الجاني بهذه الطريقة العبثية .
وكأنه قرأ أفكاري، مال ريموند برأسه وقال بابتسامة: " آنسة فيفي، هل تعلمين ؟ حتى رصاصة الصوت، إذا أُطلقت من مسافة قريبة كهذه، ستترك ندبة قبيحة على وجهكِ الجميل."
" …… "
" لذا، كفّي عن تشغيل عقلكِ وافتحي باب القبو."
كان هذا الخيار أفضل من الموت على أي حال. حدقتُ في ريموند لبرهة، ثم اقتربتُ من الباب الحديدي بهدوء .
مددتُ يدي نحو قرص الأرقام، بينما ظلت فوهة المسدس تلاحق رأسي دون انقطاع.
— درررر .
لم يمضي وقت طويل حتى اكتملت الأرقام على القرص. وما إن رفعتُ يدي، حتى انحنى ريموند وضغط على زر التشغيل .
— كليك!
انتشر صوت ميكانيكي غريب، فجذب ريموند مقبض الباب الحديدي بقوة، لكن الباب لم يتزحزح قيد أنملة. حينها، أطلق ريموند ضحكة ساخرة وكأنه لا يصدق ما يحدث .
" هاه … "
بدأت تعابير وجهه تصطبغ بمشاعر مختلطة، وكان من الواضح أنها نذير شؤم لا يبشر بخير.
فرك ريموند فوهة المسدس بجبهته، وسألني بنبرة حادة: "ما الذي تحاولين فعله الآن؟"
"كما أخبرتكَ مراراً، أنا لا أعرف شيئاً عن الرقم السري."
" …… "
" هذا هو جوابي."
أشرتُ برأسي نحو الباب الحديدي بخفة. ففي الحقيقة، لم أكن متأكدة تماماً بعد مما إذا كانت الأرقام الموجودة على أرضية غرفة التجميل هي ذاتها الرقم السري لهذا الباب .
وفي ظل وضعٍ كهذا، كيف لي أن أفتح ذلك الباب ؟
اقتربت من ريموند وقلتُ له: " إذا كنت تود ضغط الزناد، فاضغط عليه، فقد ذكرتَ أنك لا تمانع موتي."
— تك.
لامست الفوهة جبهتي مرة أخرى. ضاقت عينا ريموند وهو يرمقني بنظرة ماكرة.
لا أعلم حقاً لِمَ يتمنى موتي بهذا الشكل، لكن، بالاستناد إلى أن السبب الجذري وراء بحث ريموند عني كان "ديريك جينكينز"، فمن المؤكد أن للأمر علاقة وثيقة به.
" على ماذا تراهن آنستنا فيفي لتكون بهذا القدر من الثقة …؟ "
بدأ ريموند يعبث بشعري بيده، لكنه سرعان ما قبض عليه بقوة وسحبه دفعة واحدة .
" …… ! "
ترنحتُ رغماً عني إثر الألم المفاجئ الذي اجتاحني، وتسربت من بين أسناني أنّة مؤلمة مكتومة.
داعب ريموند وجنتي بفوهة المسدس وهو يقهقه بخبث؛ فبدأت القشعريرة تسري في جسدي بفعل برودة المعدن.
" عليكِ أن تخافي يا آنسة فيفي حتى تظهر حقيقتكِ … عندها فقط يمكنني نيل ما أبتغيه، أليس كذلك ؟ "
شعرتُ برأسي يتوهج وكأنه لامس ألسنة اللهب. وعندما رأى ريموند ملامح وجهي تلك، ارتسمت على ثغره ابتسامة رضا أخيراً .
" أجل، هذه النظرة الآن."
" …… "
" هذه تعجبني نوعاً ما."
ربت ريموند بفوهة المسدس على وجنتي وكأنني أحسنتُ صنعاً، كانت ربتاتٍ مليئة بالثناء، تماماً كما يُكافأ كلبٌ أدى مهمته بنجاح .
كان ذلك كافيًا لإذلالي وتحقيري. جززتُ على أسناني وأدرتُ رأسي بعيداً، فما كان من ريموند إلا أن ضغط بالمسدس بقوة أكبر على وجنتي.
اصطدمت فوهة المسدس الصلبة بأسناني من الداخل عبر طبقة الجلد، ومع ذلك لم أحرك رأسي، فضحك ريموند بخفة ثم سحب شعري الذي كان يقبض عليه بقوة أكبر.
ارتفع رأسي قسراً نحو الأعلى، فالتقت نظراتنا في الهواء. وعلى الرغم من أن هذه النظرة كانت بالإكراه، إلا أن ريموند بدا في غاية السعادة .
تمتم ريموند بصوت منخفض وهو يواصل ثرثرته: " ألا يجب أن تشكريني لأن الفوهة ليست موجهة إلى داخل فمكِ ؟ "
ظل يقهقه باستمرار، كطفلٍ حصل للتو على لعبة جديدة .
****************************