الفصل ٧٦ و ٧٧ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الثاني عشر - 28/10 (14)، اليوم الثالث عشر - 29/10 (1)

" … تهديد ؟ "

سأل ماكس بنبرة ملؤها الحيرة. أومأت أرييل برأسها بصعوبة بالغة وتابعت: " في تمام الساعة الثانية، وهو موعد محدد كل يوم، كانت تصلني رسالة، في … في البداية تجاهلتها، لكن محتوى الرسائل بدأ يصبح أكثر عنفاً وعدوانية، حتى وصل الأمر إلى تلقي مكالمات هاتفية."

بينما كانت تواصل حديثها، بدأت أرييل تشعر بالاختناق، فأخذت تشدّ بياقة قميصها بيدها محاولةً التنفس .

" في … في ذلك اليوم، بعد مرور شهر، كتبتُ رداً للمبتز لأول مرة، ثم ذهبتُ وخبأتُ الرسالة في المكان الذي حدده لي وعدتُ أدراجي."

كان وجه أرييل قد أصبح شاحباً كبياض شعرها وهي تكمل: " جاءني الرد في اليوم التالي، أخبرني المبتز أنه إذا كنتُ أرغب في سماع المزيد عما ورد في الرسالة، فعليّ استدعاء 'هايلر' إلى زمان ومكان محددين."

" …… "

في تلك اللحظة، تجمّدت ملامح ريموند تماماً، أما أرييل، فقد استمرت في رواية قصتها بصوتٍ واهن، دون أن تجرؤ حتى على النظر ناحية ريموند: " لهذا السبب استدعيتُ هايلر في اليوم الذي توفيت فيه، متذرعةً بأن لدي شيئاً لأعطيها إياه، تماماً كما أدليتُ في أقوالي للشرطة."

بدأ وجه ريموند يتشوه تدريجياً من شدة الانفعال. سأل أرييل دون أن يحاول حتى إخفاء معالم الصدمة والغضب عن وجهه: " إذن، ما تقولينه الآن هو أن هناك شخصاً آخر متورط في موت شقيقتي ؟ وأنتِ كنتِ تخفين هذا السر طوال الوقت ؟ "

اندفع ريموند نحو أرييل وأمسك بكتفيها بقوة وعنف. جفلت أرييل بذعر، لكنها سرعان ما أشاحت بنظرها عنه.

" ماذا دار بينكما من حديث ؟ ماذا فعلتِ بها حقاً … ! "

" ريموند ! "

هرع كل من صوفيا و لوكاس لإبعاده عن أرييل. كان الألم واضحاً على وجه أرييل من قبضة يده العنيفة على كتفيها .

نطق ريموند بكلمات خرجت من بين أسنانه: " لو أنكِ أخبرتِ الشرطة بهذه الحقيقة، لكان قد كُشف أمر ذلك الوغد الذي هددكِ، ولعرفنا على الأقل سبب موت هايلر."

أطلق ريموند ضحكة حادة ومليئة بالمرارة: " لكنكِ أفسدتِ كل شيء، هل تدركين ذلك ؟ لستِ في موقف يسمح لكِ بالادعاء بأنكِ مظلومة تماماً فيما يخص انتحار هايلر."

سأل سيزار، الذي كان يستمع للقصة بهدوء، أرييل: " … لماذا لم تخبري الشرطة عن المبتز ؟ لو فعلتِ ذلك لكنتِ تخلصتِ من التهمة على الأقل."

ترددت أرييل ولم تجب.

" لا، قبل ذلك، لماذا قام المبتز بتهديدكِ من الأساس ؟ "

" … ذ … ذلك هو."

تسارعت أنفاس أرييل بشكل مضطرب. بدت وكأنها تريد قول شيء ما، لكن لم يخرج من بين شفتيها سوى أنفاس لاهثة ومحمومة .

… بدا من الصعب استخلاص المزيد من الحديث من أرييل في حالتها هذه .

حوّلتُ نظري نحو لوكاس وسألتُه: " … ألا تعرف أي شيء عن هذا المبتز ؟ "

هز لوكاس رأسه بهدوء رداً على سؤالي: " حاولتُ مع أرييل نصب كمين للإمساك به، لكن لم يظهر أحد."

" وماذا طلب المبتز ؟ هل كان مجرد استدعاء هايلر هو كل ما أراده ؟ "

" طلب منها أن تبقي هايلر في الساحة لمدة عشر دقائق فقط، كان هذا كل ما طلبه من أرييل."

في تلك اللحظة، انتفض ريموند واقفاً من مكانه: " … كفى، لن أتعاون معكم بعد الآن."

كان الاستياء يكسو وجهه بالكامل .

" لا أريد حتى أن أتنفس نفس الهواء مع قاتلة قد تكون هي من قتلت شقيقتي."

بينما كان الجميع يراقب ظهر ريموند وهو يغادر غرفة المعيشة، كانت صوفيا تقف بوجهٍ مرتبك لا تعلم ماذا تفعل، لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما نهضت صوفيا هي الأخرى وتبعت ريموند بصمت، أما هانا، فقد بدت وكأنها غارقة في أفكارها لبرهة قبل أن تفتح فمها وتقول بهدوء: " للأسف، أنا أشارك ريموند الرأي تماماً، يبدو أن أي حوار إضافي سيكون بلا جدوى."

نهضت هي الأخرى وتوجهت نحو الرواق الغربي. تناهى إلى المسامع صدى أصوات خافتة قادمة من جهة الرواق الغربي، لكن سرعان ما تلاشت تلك الأصوات مع ابتعاد خطوات هانا وصوت إغلاق باب إحدى الغرف .

" …… "

خيم صمت مطبق على غرفة المعيشة. ألقى ماكس نظرة خاطفة نحو الرواق الغربي، ثم نهض هو الآخر من مكانه ببطء .

" لقد انتهى الحوار، أليس كذلك ؟ "

اكتفى سيزار بتنهيدة خفيفة رداً على سؤال ماكس. عندها، نقل ماكس خطاه هو الآخر متوجهاً نحو الرواق الغربي، يبدو أنه كان ينوي الذهاب لرؤية أولئك الذين كانوا في الطابق الثالث .

أسندتُ ظهري ببطء إلى المقعد وأنا أعض باطن شفتي بقلق .

مبتز … ؟ بأي شيء هدد أرييل يا ترى ؟

مهما حاولتُ التفكير، لم أستطع فهم السبب الذي جعل أرييل تخفي محتوى رسائل التهديد لدرجة قبولها تهمة أنها "قاتلة"، لكن فجأة، توقف نَفَسي للحظة بسبب النافذة التي ظهرت أمام عيني:

[ انخفض مستوى ثقة 'هانا ووكر' بكِ بنسبة 10%. ]

" …… ؟ "

بقيتُ مذهولة لبرهة، قبل أن أستعيد رشدي بصعوبة عند سماع صوت لوكاس بجانبي: " … إذن، ماذا سيحدث لنا الآن ؟ "

" لن يتغير شيء، ليس أمامنا سوى القبض على القاتل قبل أن يبدأ التصويت الثاني."

أجاب سيزار بنبرة بدت طبيعية و واثقة للغاية. حينها، فتحت أرييل فمها وقالت بصوت خافت: " أنا آسفة، كل هذا بسببي."

رد عليها سيزار قائلاً: " … لا يمكن إلقاء اللوم على أحد بعينه، ولكن، إن كنتِ تشعرين بالأسف حقاً تجاهنا، فأرجو أن تخبرينا بما حدث معكِ بالضبط."

اهتزت نظرات أرييل، وتابع سيزار حديثه بصوت منخفض وهو يفكر في شيء ما: " فأنا أيضاً بدأت أشعر ببعض القلق."

ألقى لوجان نظرة خاطفة نحو الرواق الغربي وتمتم: " لا أعلم إن كان التصويت سينحرف نحو مسار غريب مرة أخرى أم لا."

" …… "

" أنتِ تدركين أنكِ في وضع خطير هذه المرة، أليس كذلك ؟ "

أمال لوجان رأسه نحو أرييل، فأجابت بصوت واهن: "...... أعلم ذلك."

" جيد إن كنتِ تعلمين، أظن أنكِ ستتصرفين بحكمة."

نهض لوجان هو الآخر من مكانه وتوجه نحو الدرج. سأله لوكاس بحذر: " أخي، هل ستصعد إلى الطابق الثالث ؟ "

" أجل، هذا ما سأفعله."

" … لكن الوقت قد تأخر."

استرق لوكاس النظر إلى ساعة الحائط في غرفة المعيشة، كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وكما قال لوكاس، كان الوقت متأخراً فعلاً .

" إن لم يكن لديك ما تفعله، يمكنك اللحاق بي."

فكر لوكاس لبرهة في عرض لوجان، ثم انتفض واقفاً وتبع خطاه نحو الأعلى .

بعد أن غادر لوكاس و لوجان بفترة وجيزة، كسر إيان الصمت الذي طال وتحدث بهدوء: " … ماذا لو حاولنا إقناع أولئك الذين نزلوا من الطابق الثالث مرة أخرى ؟ "

عند سماع قول إيان، أخذ سيزار يعبث بطرف فمه المطبق بشدة.

" في كل الأحوال، نحن بحاجة إلى المعلومات."

" … الإقناع ليس هو ما يحتاجونه."

أظهر إيان تعبيراً محرجاً عند رد سيزار، الذي تابع قائلاً: " لقد عبروا بوضوح عن رغبتهم في أن نتعاون معهم، وبما أنهم يسعون لفرض سيطرتهم واتخاذ موقف الاستعلاء، فلا يبدو أن هناك حلاً سوى أن نظهر نحن تعاوننا معهم."

عضضتُ شفتي السفلى بقوة. ماكس كان يعلم أن ديريك هو الضحية … وعلاوة على ذلك، كان ريموند شخصاً تجمعه صلة بديريك، بل كانت صلة وثيقة جداً. فحتى قبل دخولي إلى هذا القصر، جاء ريموند للبحث عني شخصياً وسألني عن مكان ديريك .

حقيقة أن فيفيان و ديريك يعرفان بعضهما البعض كانت أمراً لم يعرفه أحد سواي. ربما توجه ماكس نحو الرواق الغربي لمجرد الحفاظ على علاقة ودية معهم … لكن، ربما كان يقصد تبادل معلومات أكثر معهم، مفضلاً إياهم علينا نحن الذين نتصرف بلين زائد .

وشعرتُ أن الاحتمال الثاني هو الأرجح. حوّلتُ نظري عن الرواق الغربي لبرهة، ثم نهضتُ من مكاني، كنتُ أنوي الذهاب إلى الطابق الثالث أنا أيضاً .

" فيفيان."

في تلك اللحظة، ناداني سيزار . توقفتُ عن السير والتفتُّ إليه، فأخرج سيزار رصاصة من الصندوق الأحمر ومدّها نحوي .

" خذيها."

كانت رصاصة محفور عليها حرف "س". كان سيزار يقدّم لي رصاصته الخاصة. وعندما ترددتُ في أخذها، أجبرني على إمساكها بوضعها في كفي .

" الثقة لا تُبنى إلا إذا أظهرها الشخص أولاً."

قال سيزار ذلك، ثم أشار برأسه نحو الدرج كإشارة لي للصعود .

" … سأذهب."

" حسناً."

وضع سيزار ابتسامة خفيفة رداً على كلامي .

اليوم الثالث عشر - 29/10

كان الطابق الثالث مشرقاً بفضل إضاءة الطابق الرابع . كان مظهره يتناقض تماماً مع الطابقين الأول والثاني اللذين يسيطر عليهما الظلام والضيق .

ابلعتُ ريقي وصعدتُ مسرعة نحو الطابق الرابع. وعندما وصلتُ إلى منصة الإطلاق، قمتُ بتركيب رصاصة سيزار في الأسطوانة .

… لقد قيل إن الرصاص يُطلق كل يوم في تمام الساعة 7:15 مساءً .

عبثتُ بالأسطوانة لبرهة ثم أبعدتُ يدي، وفتحتُ الخريطة. بدا لي أن جمع الأدلة أولاً هو الخيار الأفضل. بينما كنتُ أراقب النقطة الزرقاء ببطء، حوّلتُ نظري نحو "غرفة الزينة" التي صدر منها ضجيج أصوات .

" يا إلهي ! كيف تكون جباناً إلى هذا الحد … ! "

" لا، لستُ جباناً، بل أخبرك أن تلك الغرفة غريبة ومريبة ! "

****************************

الفصل : ٧٧

اليوم الثالث عشر _ 10/29 (2)

ظهر لوكاس ولوجان وهما يخرجان من غرفة الزينة، وبينما كانا يتجادلان، وقع نظر لوجان عليَّ.

" أوه ؟ أنتِ ! "

" آنسة فيفيان ! "

آه، لم أتوقع أن ألتقي بهما بهذه السرعة. أغلقتُ الخريطة بهدوء وبرود .

" هل أنتما هنا للتحقيق ؟ "

لطالما كان لوكاس يرحب بي بحفاوة، لكنه الآن يركض نحوي وكأنه وجد طوق نجاة، مبالغاً في إظهار سعادته برؤيتي. اقتربتُ منهما وعلى وجهي علامات الحيرة .

" لقد جئتِ في وقتكِ تماماً، آنسة فيفيان ! "

" أوه … هل حدث شيء ما ؟ "

سألتُه وأنا أسترق النظر نحو غرفة الزينة القابعة خلف لوكاس. أجابني على الفور بابتسامة مرتبكة: " لا، مستحيل، لم يحدث شيء ! "

لكن تصديق كلمات لوكاس كان صعباً، فالعرق البارد كان يتصبب من وجهه بغزارة. طقطق لوجان بلسانه وهو يراقب ارتباك لوكاس الساذج .

" تشه، إن كنت ستكذب، فعلى الأقل افعل ذلك بإتقان."

" أنا … أنا ماذا فعلت ؟! "

" بمجرد أن دخلنا غرفة الزينة، بدأت بالصراخ بأعلى صوتك كالمجنون … "

ذعر لوكاس من كلمات لوجان وسارع بوضع يده على فمه ليصمته. اتسعت عينا لوجان بذهول ونفض يد لوكاس عنه بعنف .

" أين تضع يدك القذرة أيها الوغد ! "

" هاها، أنا آسف ! "

أطلق لوكاس ضحكة خجولة وحاول تغيير الموضوع فوراً.

" لـ … لنذهب إلى مكان آخر، في الحقيقة، كنت أود بشدة تفقّد غرفة الألماس ! "

" كف عن الهراء، واتبعني إلى الداخل فوراً."

تصلب لوكاس عند سماع أمر لوجان، لكنه تجاهله بذكاء وتوجه إليَّ بالسؤال: " لـ … لقد كنتِ واقفة بالقرب من منصة الإطلاق، هل فعلتِ شيئاً هناك ؟ "

" آه، لقد طلب مني سيزار أن أقوم بتلقيم الرصاصة."

" المحقق ؟ "

أومأتُ برأسي تأكيداً، فبدت علامات المفاجأة على وجه لوجان، لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ أمسك لوجان بلوكاس من مؤخرة عنقه .

" أنت، اتبعني بصمت."

" آآه ! فهمت، لذا أرجوك اتركني ! "

تخبط لوكاس وهو يصرخ، لكن لوجان واصل سيره وكأنه لا يسمع توسلاته. ورغم أنه كان يُجر خلف لوجان جرّاً، إلا أن لوكاس لم ينوي إغلاق فمه .

" في الحقيقة، أنت أيضاً خائف من الدخول وحدك، أليس كذلك يا أخي ؟ "

" ماذااا ؟ "

صرخ لوجان وكأنه سمع أغرب تهمة في حياته.

" أنا ؟ أخاف من تلك الغرفة ؟ "

" نعم ! وإلا لما كنت ستصر على …… "

" هاه ! أنت حقاً تثير ضحكي."

بصراحة، كنت أدرك تماماً السبب الذي يجعل لوكاس يرتعد خوفاً من غرفة الزينة .

كانت تلك الغرفة مكاناً أشعرُ بالنفور منه أنا أيضاً .

" مهلاً ! بالطبع سآخذك معي لأنني رأيت ورقة غريبة بالداخل ! مَن يدري، ربما تأتي لاحقاً وتقول، 'أخي هو من استولى على الأدلة!' وتتهمني بالخيانة ؟ "

…… ورقة غريبة ؟

صرخ لوكاس بصوت يملؤه الذهول: " أخي ! هل كنت حقاً تفكر بي بهذه الطريقة ؟ "

شعرت أنني لن أعيش طويلًا لو انتظرت دخولهما .

" … سأدخل أنا أولاً فحسب."

تركتُ لوكاس ولوجان يتجادلان خلفي، وخطوتُ نحو غرفة الزينة .

" فكر فيما فعلته سابقاً ! من الطبيعي أن أكون حذراً منك ! "

كانت غرفة الزينة معتمة، على عكس بقية أرجاء الطابق الثالث المشرقة . حاولتُ جاهدةً تجاهل انعكاس فيفيان في المرآة، وبدأت أتفحص الأرضية بسرعة، لكن الورود التي تغطي الأرض كانت تحجب الرؤية وتصعّب الأمر .

وبينما كنتُ أحني ظهري وأضيق عينيّ لأحدق في الأرض بتركيز: " …… "

شعرتُ بنظرات شخص ما تخترقني بحدة. في لحظة، سرت قشعريرة باردة في جسدي.

لا … لا تنظري .

لحسن الحظ، كان صدى شجار لوجان ولوكاس يتردد من خارج الغرفة، مما خفف من وطأة الرعب قليلاً … لكن هذا لم يعني أن الخوف قد تلاشى تماماً.

ابتلعتُ ريقي بصعوبة، واستجمعتُ شجاعتي لأرفع بصري نحو الأعلى. وعندها، التقت عيناي بعيني فيفيان التي كانت تحدق بي بنظرات مُرعبة .

" …… ! "

كانت عيناها الزرقاوان تلمعان بحدة تشبه شفرة سيف صقيل.

هل … هل كان وجهي يملك مثل هذا التعبير ؟

وبينما كان هذا التساؤل يراودني، رفعت فيفيان التي في المرآة ذراعها وأشارت نحو مكان ما.

" …… "

من دون وعي، حولتُ نظري إلى حيث كانت تشير، فرأيتُ قطعة من الورق مغطاة بالتراب. تحركتُ بحذر وأنا أراقب رد فعلها، بينما كانت عينا فيفيان تتبع خطواتي بصمت. تجاهلتُ نظراتها والتقطتُ الورقة .

لم تكن … مجرد ورقة .

لقد كانت صورة محترقة لم يتبقَّ منها سوى أجزاء. ضيقتُ عيني لبرهة، ثم سارعتُ بوضع الصورة في حقيبة الأدوات عندما سمعتُ صوت لوكاس يقترب .

" آنسة فيفيان ! لا يجب أن تدخلي وحدكِ ! "

" أنتِ، ألا تحاولين الاستحواذ على الأدلة وحدكِ ؟ "

تناهى إلى مسمعي وقع أقدام لوجان ولوكاس وهما يركضان نحو الغرفة بذعر .

" ليس الأمر كذلك … "

وفي اللحظة التي اقتربتُ فيها من الباب، توقفت خطوات لوكاس ولوجان فجأة وتصلبا في مكانهما.

" …… "

وبينما لم أستطع إخفاء حيرتي، بدأت وجوه لوكاس ولوجان تشحب تدريجياً حتى أصبحت بيضاء كالجثث.

" أنتِ … ما هذا الذي معكِ ؟ "

… عن ماذا يتحدثان ؟ هل فشلتُ في وضع الصورة في حقيبة الأدوات ؟

رفع لوكاس يديه ببطء وهو يتقدم نحوي وكأنه يحاول تهدئتي، بينما كانت علامات الذهول تكسو وجهه.

" لا … لا تنظري إلى الخلف."

… لا أنظر إلى الخلف ؟

سألتُ لوكاس بنبرة حذرة: " مـ … ماذا يوجد خلفي ؟ "

" تـ … تحركي للخارج ببطء، لا، بل اركضي ! لا تنظري خلفكِ أبداً، أياً كان السبب ! "

بدأ لوجان حديثه بهدوء نسبي، لكن نبرته سرعان ما امتلأت بالذعر والاستعجال في نهايتها .

ابتلعتُ ريقي وبدأتُ أمشي للخارج ببطء .

" ار … اركضي ! آنسة فيفيان، فوراً ! الآن ! "

وعندما زدتُّ من سرعة خطواتي استجابةً لصرخة لوكاس المذعورة :

— طاخ !

أُغلق باب غرفة الزينة بقوة وتحطم السكون .

" …… "

في تلك اللحظة، هجمت عليَّ برودة قارسة. تجمد جسدي بالكامل كلوح ثلج. وبينما كنتُ أقبض يديَّ اللتين تبللتا بعرق التوتر، سمعتُ صوتاً غريباً من خلفي .

— كوييييك !

تظاهرتُ بأنني لم أسمع ذلك الصوت، وحاولتُ إدارة مقبض الباب، لكن الباب الموصد بإحكام لم يتزحزح قيد أنملة .

" …… "

في النهاية، تركتُ المقبض وأخذتُ أنفاساً عميقة بصعوبة. بدأ ذلك الصوت الوحشي يقترب مني أكثر فأكثر .

فـ … في لعبة عزيزتي لا تظهر أشباح، لذا، من المؤكد أن هذا الشيء ليس شبحاً .

وبينما كنتُ أحاول تهدئة أنفاسي، شعرتُ بملمس بارد يلمس كاحلي .

" …… ! "

جفلتُ ذعراً و رفعتُ قدمي عن الأرض بسرعة. وفي اللحظة التي تحول فيها بصري نحو الأرض دون وعي، انعكس في عيني رأس "مانيكان" (تمثال عرض ملابس) شديد البياض .

وعندما التقت عيناي بعينيه، بدأ رأس المانيكان يصرخ بأعلى صوته وكأنه يرحب بي:

— كوييييك !

كان الرأس يضع مساحيق تجميل كثيفة، ويفتح ويغلق فمه باستمرار. كان يرتدي شعراً مستعاراً أصفر اللون، لكنه كان قديماً جداً لدرجة أن خصلاته بدت متساقطة وفارغة في عدة أماكن.

تراجعتُ للخلف دون تفكير، لكنني توقفتُ فجأة عندما تذكرتُ وجود فيفيان في المرآة، أما رأس المانيكان، فقد بدأ يتقدم نحوي بخطوات قافزة متتالية وهو يرى ابتعادي عنه.

" …… "

حاولتُ جاهدةً أن أتنفس بعمق . هذا بيبي إنه مجرد نسخة أكبر قليلاً من بيبي … لكن، كان من الصعب جداً إقناع نفسي بأن هذا الشيء هو بيبي .

قمعتُ مشاعر الاضطراب بداخلي وفتحتُ فمي بهدوء: "معذرة."

كان صوتي يرتجف ويتقطع من شدة التوتر. تنحنحتُ ثم سألتُه بحذر: " … هل تبحث عن جسدك ؟ "

أومأ رأس المانيكان برأسه بسرعة وكأنه فهم كلامي، ثم بدأ يفتح فمه وكأن لديه الكثير ليقوله: " كويييك! كييييك! كيك كيك ! "

… أجل، هذا قرد.

أنا فقط أجري حواراً مع قرد. حواراً صادقاً مع قرد لطيف جداً …

غسلتُ دماغي بهذه الفكرة، ثم حولتُ نظري مجدداً نحو رأس المانيكان.

على أي حال، كيف سآخذ هذا الشيء إلى الطابق الثاني ؟

آه، هل أحمله بين ذراعي ؟ مستحيل تماماً.

هل أطلب منه الذهاب إلى الطابق الثاني بنفسه ؟ لكن، ماذا لو لم يستطع الوصول ؟

في هذا الموقف، كانت أفضل طريقة خطرت بذهني هي وضع هذا "القرد" في حقيبة الأدوات .

فتحتُ حقيبة الأدوات بسرعة ومددتُ يديَّ نحو رأس المانيكان: " هـ … هل تريد الصعود هنا ؟ "

" كيك! "

قفز الرأس فوق يديَّ فوراً وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة. لحسن الحظ، لم يكن وزنه ثقيلاً جداً. رفعتُ الرأس بحذر و وضعتُه في حقيبة الأدوات.

بصراحة، كنتُ متشككة في نجاح الأمر، لكن يبدو أن الرأس قد قُبل داخل الحقيبة. تنفستُ الصعداء وأنا أرى الرأس يستقر بأمان في حقيبة الأدوات، ثم بدأتُ أقرأ ببطء المعلومات المتعلقة برأس المانيكان.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان