حركت آرييل شفتيها ببطء، وبدت عاجزة عن إخراج الكلمات لبرهة، قبل أن تنطق بجملة واحدة بصعوبة بالغة: " فيفيان … أأنتِ من فعلتِ كل هذا ؟ "
عجزتُ عن الرد؛ فلو قلتُ إنني لم أفعل، لتوجب عليَّ كشف أمر الصديق رقم ٢، ولو أجبتُ بنعم، لكنتُ كمن يثبت تهمة الجنون على نفسه.
استعادت آرييل رباط جأشها بصعوبة بعد أن ظلت تحدق في الأرض بذهول، ثم رسمت ابتسامة باهتة وشرعت في جمع شظايا الأقراص المتناثرة واحدة تلو الأخرى.
" لننظف المكان بسرعة ونخرج من هنا."
انحنيتُ أساعدها بصمت استجابةً لكلماتها. كنتُ أود اختلاق أي عذر، فنظرات آرييل الموجهة إليَّ كانت تفيض بالشفقة والأسى.
يبدو أنها ظنت أنني فقدتُ السيطرة على أعصابي وأحدثتُ هذه الفوضى نتيجة الغضب.
وبينما كنا نزيح الشظايا نحو الزاوية، نطقت آرييل بحذر: " المحقق هو من فعل ذلك … أليس كذلك ؟ "
" عذراً ؟ "
" لقد رأيتُ المحقق يخرج من الغرفة بينما كنتُ أغادر أنا غرفة الألماس."
تسمرتُ في مكاني لبرهة، ثم قلتُ على عجل: " آه، لا، ليس الأمر كما تظنين … "
" لا بأس، لستِ مضطرة للتحدث إن كان الأمر صعبًا."
" … ليس هذا ما أقصده."
لكن آرييل لم تبدُ وكأنها تستمع إلى إنكاري؛ فحركتُ شفتيَّ بصمت ثم قررتُ إغلاق فمي في النهاية .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
كانت الساعة تشير إلى منتصف النهار. كان ضياء الشمس المنبعث من كبد السماء ثقيلاً، لدرجة جعلت وهجه يبدو عبئاً لا يُطاق.
"آنسة فيفيان!"
نادى لوكاس باسمي حين رآني أنزل الدرج رفقة آرييل. وعندما التفتُّ نحوه، وجدته يبتسم بإشراق .
و … كان سيزار جالساً إلى جانبه.
" …… "
نقل سيزار بصره نحوي فور سماعه صوت لوكاس، لكنني قررتُ هذه المرة ألا أشيح بعينيَّ عن عينيه.
" هل كنتما في الطابق الرابع ؟ "
سألني لوكاس بنبرة لطيفة. أما آرييل، التي لاحظت وجود سيزار جالساً بجانبه، فقد بدات تسرق النظرات إليَّ بحذر، وكأنها لا تزال منشغلة بما حدث قبل قليل .
"… هل حدث خطبٌ ما؟"
تجاهلتُ نظرات آرييل المسلطة عليَّ وهززتُ رأسي نفياً رداً على سؤال لوكاس، ثم تابعتُ سيري نحو غرفة المعيشة بوجه هادئ، لكنني سرعان ما توقفتُ مكاني مذهولة حين وقع نظري على عيني لوكاس المتورمتين بشدة .
ويبدو أن لوكاس أدرك أن نظراتي استقرت على عينيه، فأدار رأسه على عجل. لكن الأوان كان قد فات.
حركتُ عينيَّ بارتباك، وقررتُ ألا أتطرق للأمر وأغير مجرى الحديث: " هل تناولتَ الغداء ؟ "
" آه، ليس بعد......"
تلاشت نبرة صوت لوكاس في النهاية، وعجز عن النظر في عينيَّ مباشرة.
"لوكاس، ما خطبك أنت أيضاً؟"
لاحظت آرييل هي الأخرى تورم عينيه، فجفلت واقتربت منه بسرعة.
… كان تورم عينيه على الأرجح نتيجة لما حدث في وقت مبكر من الفجر . انشغل لوكاس بمحاولة تهدئة التورم بوضع كوب من الماء البارد على عينيه.
حينها، سأله سيزار بنبرة هادئة ومريبة: " هل وقع حادثٌ ما بالأمس ؟ "
" حا … حادث ؟ لا، لم يحدث شيء ! "
هتف لوكاس بقلق وهو يهز رأسه نفياً بقوة، ثم أردف: " كل ما في الأمر هو أنني … آه ! أجل، لقد شعرتُ برغبة مفاجئة في العودة إلى منزلي، فبكيتُ لهذا السبب."
لكن كلمات لوكاس لم تفلح في إبعاد نظرات الشك التي ملأت عيني سيزار. وخوفاً من أن يرتكب لوكاس خطأً في الكلام، سارعتُ بمساعدته قائلة: " هذا أمرٌ وارد."
" أ … أليس كذلك ؟ "
أطلق لوكاس ضحكة محرجة بعد سماع كلماتي، واستمر في فرك عينيه بكوب الماء. رغم أن محاولته بدت بلا جدوى على الإطلاق .
بدأت منطقة العين التي تعرضت للفرك تكتسي لوناً أكثر حمرة. ألقيتُ نظرة خاطفة على لوكاس قبل أن أشيح ببصري عنه تماماً.
" ما الخطب ؟ أنت الذي لا تبكي عادةً، كيف تورمت عيناك بهذا الشكل......!"
هتفت آرييل بصوتٍ يملؤه الذهول وهي تقترب من لوكاس بلهفة، لكنه لم يزد إلا على هز رأسه نفيًا.
" …… "
ومع ذلك، لم تستطع آرييل سحب نظرات القلق الواضحة من عينيها، مما دفع لوكاس لإطلاق ضحكة محرجة والحديث بسرعة: " الأمر ليس كبيراً، كل ما في الأمر أنني تذكرت شجاري مع والدتي في يوم اختطافي، فشعرتُ بضيقٍ في قلبي."
اهتزت حدقتا آرييل تأثراً بكلمات لوكاس، فما كان منه إلا أن ابتسم باتساع وكأنه يقول إنه بخير.
"لا بأس، سأعتذر منها فور عودتي للمنزل."
ثم وجه لوكاس حديثه إليَّ بعينين تطلبان المساعدة لتغيير الموضوع: " ألا يملك الجميع شيئًا يودون فعله بعد الخروج من هذا القصر ؟ أو ربما … هدفاً ما، أليس كذلك ؟ "
" هذا صحيح."
أجبتُ دون وعي مني، فسألني لوكاس بحذر: " ما هو هدفكِ أنتِ، آنسة فيفيان ؟ "
" … أنا ؟ "
أومأ لوكاس برأسه برفق. حركتُ شفتيَّ ببطء ثم نطقتُ بصعوبة: " … السفر ؟ "
أشرق وجه لوكاس فور سماع كلمتي: " السفر فكرة رائعة ! أين تودين الذهاب ؟ "
" لم أقرر ذلك بعد … "
في تلك اللحظة، تلاقت عيناي بعيني سيزار، فاندفعتُ لأسأله دون تفكير: " وأنت ؟ "
" …… "
" ما هو هدفك أنت ؟ "
لم يُجب سيزار؛ فبدا وكأنه لم يفكر في أمر كهذا من قبل أبداً. وعندما بدأ الجو يتجه نحو الغرابة، تدخلت آرييل التي كانت تستمع لحديثنا لتجيب بدلاً عن سيزار: " هدفي قد يبدو متواضعاً، لكنني أرغب في تناول الكعك، هناك مقهى هو المفضل لدي."
" آه، المقهى الذي يقع أمام منزلكِ؟"
"كلا، إنه يقع أمام مدرستك أنت."
بدا الذهول على وجه لوكاس بعد سماع كلمات آرييل، وكأنها المرة الأولى التي يسمع فيها عن هذا الأمر.
رسمتُ ابتسامة خفيفة وأنا أستمع لحديثهما، لكنني سرعان ما التفتُّ نحو الرواق الغربي إثر صوتٍ تناهى إلى مسامعي من هناك.
يبدو أنني الوحيدة التي سمعت ذلك الصوت، إذ لم يبدُ على الآخرين أي رد فعلٍ يذكر.
تفحصتُ الرواق بنظراتي وقلتُ بنبرة عابرة: " سأذهب إلى غرفتي للحظة."
" آه، حسنًا ! "
غادرتُ غرفة المعيشة و وصلتُ إلى الرواق الغربي، ولكن على الرغم من الصوت الغريب الذي سمعتُه، لم يكن هناك أحد.
" …… "
… أنا متأكدة من أنني سمعتُ شيئاً ما. التفتُّ خلفي بحذر، لكن الرواق كان خالياً تماماً إلا مني.
هل تخيلتُ الأمر … ؟
تنفستُ الصعداء في سري ودخلتُ الغرفة. وما إن دخلتُ، حتى أظهر بيبي علامات الترحيب وهو فوق المكتب .
كان بيبي يقفز في مكانه ويتحرك بصخب حول ملفٍ موضوع على سطح المكتب.
" …… ؟ "
دنوتُ منه بحذر؛ كان هناك ملفٌ يشبه تماماً ملف التعريف التي أمتلكها موضوعاً فوق المكتب.
" بيبي، هل يعقل أنك … "
بدأ بيبي يرمش بعينيه وكأن حدسي في محله.
… إنه ملف تعريف إيان وايت .
حبستُ أنفاسي والتقطتُ الملف .
[ ملف تعريف 'إيان وايت'
> (سيتم حفظ ملف تعريف الشخصية المذكورة في قائمة المخزون، ويمكن الاطلاع عليه مجدداً في أي وقت.)
> (عند الحصول على معلومات جديدة عن الشخصية، سيتم تحديث المعلومات فوراً.)
> (الشخصية المعنية لن تعلم بعدد مرات الاطلاع على ملفها.) ]
… لقد كان بالفعل ملف تعريف إيان.
تصلبتُ في مكاني لبرهة، ثم بدات في تفحص الملف على عجل. ولكن في تلك اللحظة، ظهرت نافذة نظام أمام عينيَّ .
[ تم اكتشاف خطأ في شخصية محددة.
> هل تودين تصحيح هذا الخطأ ؟
> تنبيه: سيستغرق انعكاس التصحيح على اللعبة بعض الوقت.
> … أود تصحيحه! / لا، الأمر على ما يرام.]
خطأ ؟ هل يعقل أن يكون … تذكرتُ علامات الاستفهام التي كانت تخفي الاسم في جدول الثقة، وسارعتُ باختيار "أود تصحيحه!".
— رنين .
[ سيتم تطبيق التعديلات على 'جدول الثقة'.
> سيتم تسجيل الاسم الأصلي لـ ؟؟؟؟ (غير معروف).]
[ تم تحديث معلومات جديدة في ملف تعريف 'إيان وايت'.]
… سيتم تسجيل اسم إيان الأصلي ؟
ذهلتُ لبرهة، ثم سارعتُ بفتح جدول الثقة.
[ جدول الثقة تجاهكِ ('فيفيان لوبيز')
> (تم إعداد هذا الجدول بناءً على اليوم الأول في قصر إرنست، الموافق 17 أكتوبر.)
> (لن تظهر تدفقات الثقة للشخصيات التي لم تقابليها بعد داخل القصر.)
> سيزار كوتون (▽)
> لوجان بارنز (▲)
> لوكاس مور (—)
> (متوفى) جاك جرين (▽)
> كيڤن كلينت (—)
> آرييل هوارد (▲)
> ماكس مونسون (▽)
> صوفيا كاري (▽)
> ريموند ميلر (—)
> هانا ووكر (▽)
> إيدن هوارد (▲) ]
****************************
الفصل : ٩٩
اليوم الرابع عشر _ 30/10 (11)
كيف يعقل هذا ……
تصلبتُ في مكاني لبرهة، ثم سارعتُ بفتح ملفه المحفوظ في قائمة المخزون .
[ ملف تعريف 'إيان وايت'.
> الاسم: إيان وايت، بيتر.
> (الاسم عند الولادة: إيدن هوارد)
> العمر: 25 عاماً (مواليد 12 سبتمبر 1081)
> (تاريخ الميلاد عند الولادة: ؟؟؟ عاماً.(مواليد ؟؟/؟؟/؟؟؟؟)
> الجنس: ذكر ]
…… إيدن هوارد .
كان يحمل نفس كنية آرييل. ظللتُ مذهولة لبرهة، ثم شرعتُ في تفحص محتويات الملف بسرعة .
وفجأة، توقف نَفَسي عند قراءة الفقرة الأخيرة .
[ مستوى الثقة: 95% ]
… هل هذا الرقم منطقي بأي حال من الأحوال ؟
لا بد أنه خطأ في النظام. هكذا فكرتُ وأنا أحدق في الرقم، لكن نسبة الثقة ظلت ثابتة كما هي.
" …… "
كل ما رأيته من رسائل بخصوص ثقة إيان كانت تشير إلى انخفاضها فحسب. وحتى لو افترضنا أن ثقته كانت عالية في الأصل، فإن هذا الرقم يظل غير معقول .
كيف لي أن أفسر هذا الأمر ؟
إلا إذا افترضتُ أن الثقة التي كانت تنخفض قد ارتفعت فجأة دون علمي بأسلوبٍ ما … وفجأة، قطبتُ حاجبي بتفكير .
… صحيح، لقد ذكر النظام قبل قليل وجود "خطأ" في شخصية محددة .
هل يعقل أن مستوى ثقة إيان كان يُعرض بشكل معكوس … ؟
كلا، هذا مستحيل .
لو كانت ثقته تزداد حقاً، فإن تصرفاته تجاهي حتى الآن لا تبدو منطقية أبداً. فكل ما فعله طوال تلك المدة لا يوحي إطلاقاً بأن لديه مستوى عالٍ من الثقة تجاهي .
ضغطتُ على أسناني محاولةً تجاهل فرضية أن مستوى الثقة قد انقلب .
" …… "
ومع ذلك، بدأت الأفكار حول تلك الحقائق "المستحيلة" تهاجمني وتستحوذ على عقلي ببطء .
لكن كل هذا لا يمكن أن يحدث … من المؤكد أنه لا يعقل … ورغم حصولي على معلومات جديدة وحاسمة، إلا أنني لم أستطع تمالك تعابير وجهي المضطربة.
ظللتُ واقفةً في مكاني دون حراك، حتى بعد أن أُغلقت نافذة النظام بمرور الوقت .
" …… "
اقترب مني بيبي بخفة، حينها فقط استعدتُ وعيي ونظرتُ إليه. كنتُ أعلم أن بيبي قلقٌ عليَّ، لذا أردتُ إرخاء تعابير وجهي المتصلبة، لكن السيطرة على تعابيري -التي كانت يوماً أمراً يسيراً- بدت مستعصيةً الآن.
مددتُ يدي بهدوء ومسحتُ على رأس بيبي.
"… شكراً لك."
لسببٍ ما، غصّ صوتي في حلقي. رمش بيبي بعينيه ببطء وكأنه يرد على كلماتي تلك.
سحبتُ يدي عنه وأمسكتُ بملف تعريف إيان، وفي اللحظة التي كنتُ أهمُّ فيها بوضع الملف داخل قائمة المخزون، دَوى صوت تحذير في مسامعي .
[ توجد بالفعل مساحة لـ 'ملف تعريف إيان وايت'. هل تودين استبداله ؟
> (في حال الاستبدال، سيختفي الملف المخزن مسبقاً في المخزون، كما ستختفي المعلومات التي تم حفظها حديثاً.)
> … أود الاستبدال ! / لا بأس.]
أطلقتُ أنيناً مكتوماً و وضعتُ ملف تعريف إيان داخل درج المكتب بدلاً من تخزينه.
" …… "
راقبني بيبي بنظراتٍ ثابتة، بينما بذلتُ جهداً لأشيح ببصري عن ملف إيان. حتى لو كان مستوى ثقة إيان تجاهي عالياً، فلن يغير ذلك من الأمر شيئاً، فمن المؤكد أنه يحمل انطباعاً سيئاً عني في الوقت الراهن.
وحتى حقيقة أن إيان و آرييل شقيقان، لن تغير من الواقع شيئاً أيضاً. ومع ذلك، شعرتُ برأسي يغلي من كثرة التفكير .
وهكذا، غادرتُ الغرفة. وللمرة الأولى، أحكمتُ إغلاق باب غرفتي بالمفتاح خلفي .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
تناهى إلى مسامعي صوت ضجيج قادم من جهة غرفة الطعام، لكنني واصلتُ سيري نحو الطابق الثاني بصمت .
" آنسة فيفي."
كان ريموند هو من ناداني، فتوقفتُ عن صعود الدرج فجأة وتسمرتُ في مكاني .
كان وجه ريموند يفيض بابتسامة عريضة، وجهٌ غارق في الضحك وكأن أمراً مبهجاً قد حدث له.
" هل يمكنكِ المجيء إلى هنا قليلاً ؟ "
تجاه كلماته، نقلتُ بصري نحو جهة غرفة الطعام. كان الجميع محتشدين بالقرب من المخزن. ابتلعتُ ريقي بصعوبة و رفعتُ يدي عن الدرابزين الذي كنتُ أتمسك به.
"ما الخطب؟"
"أليس من المفترض أن تكوني أنتِ أكثر من يعلم ذلك؟"
… هل هذا بسبب ما حدث في الفجر ؟
" تعالي إلى هنا، أعتقد أنه يتعين عليكِ شرح الأمر بنفسكِ."
رغم أنني كنتُ أشعر برغبة عارمة في الهروب من هذا المكان، إلا أنني قررتُ اتباع كلماته بصمت .
شققتُ طريقي وسط الحشد المحيط بالمخزن ودخلت، فإذا بباب حديدي كان مخفياً أسفل خزانة المؤن قد انكشف ظهوره.
" لقد انتابني الفضول بشأن ما حدث فجر اليوم، لذا قمتُ ببعض البحث."
" …… "
" ولكن يا للمفاجأة ! وجدتُ هدية كبيرة كانت في انتظاري، أليس كذلك ؟ " قال ريموند ذلك وهو يطلق ضحكة مبهجة.
"ما الذي تحاول قوله؟"
"كنتُ أفكر، لعل ظهوركما المفاجئ في المخزن كان بسبب هذه الهدية."
ركل ريموند الباب الحديدي بخفة بطرف قدمه وهو يتفحص من حوله.
"من منكم كان يعلم بوجود باب في هذا المخزن؟"
" …… "
تبعتُ نظرات ريموند نحو الحاضرين. لا أعلم إن كان ذلك من حسن حظي أم سوئه، لكن لوكاس لم يكن موجودًا بينهم .
"لا أحد يعلم؟"
نطق ريموند بكلماته بنبرة خفيفة.
"يا إلهي، هل يعقل أنني اكتشفتُ ممرًا سريًا؟"
" …… "
" هاه ؟ قولي شيئاً."
حدقتُ في ريموند بصمت وأطلقتُ تنهيدة خفيفة.
"هل تريد القول بأنني أنا ولوكاس فتحنا هذا الباب ودخلنا إلى المخزن؟"
" آنسة فيفي ذكية حقاً."
ثم تابع حديثه بمرح: " لقد قلتِ بوضوح في المرة السابقة إنه ليس لديكِ ما تخفينه، أليس كذلك ؟ إذن، كيف نفسر هذا الأمر ؟ "
بدأ ماكس يتفحص الباب الحديدي بينما يستمع لحديث ريموند. وسرعان ما عثر على قرص الأرقام فبدأ يعبث به.
— درررر .
دوى صوت دوران القرص ليملأ أرجاء المخزن. راقبتُ ماكس وهو يفعل ذلك، ثم نطقْتُ بهدوء: " كنتُ أعلم بوجود الباب الحديدي، ولكن، هناك حقيقة واحدة تتجاهلها، وهي أنني أنا أيضاً لا أعرف الرقم السري لهذا الباب."
"آه، إذن هكذا تريدين الانسحاب من الأمر؟" قهقه ريموند بخبث .
" أنا لا أنسحب، بل أقول الحقيقة فحسب."
" أما أنا، فأعتبر أول ما سمعتُه هو الحقيقة الوحيدة، وبهذا المعنى، فإن كل ما تقولينه الآن، يا آنسة فيفي، ليس سوى محض أكاذيب."
ربت ريموند على كتفي بخفة .
" ما الذي يحدث هنا ؟ "
في تلك اللحظة، اقترب منا لوجان الذي جاء لاستطلاع الضجيج في المخزن، لكنه سرعان ما ضيق عينيه حين وقع بصره على الباب الحديدي .
"يبدو أنك أنت أيضاً كنت تعلم بشأن هذا الباب؟"
" …… "
سرق لوجان نظرة إليّ. أطلقتُ تنهيدة خفيفة وهززتُ رأسي نفياً.
رد لوجان على كلمات ريموند وكأن سؤاله ليس في محله: " وهل يُمنع عليَّ معرفة ذلك ؟ "
" إذن، ما كان ينبغي لك أن تدّعي أنه ليس لديك ما تخفيه."
" لا تكن مضحكاً، لِمَ قد أسرب معلومة كهذه لشخص مثلك ؟ ونحن لا نعرف حتى إن كنت أنت القاتل أم لا."
قطب لوجان وجهه بانزعاج، بينما أطلق ريموند ضحكة ساخرة وأمال رأسه جانباً: " أوه ؟ لم أتوقع منك أن تكون بهذا القدر من الثقة."
" ألم تعرف بوجود الباب الآن ؟ هذا يكفي، إذا كنت قلقاً إلى هذا الحد، فاذهب واكتشف الرقم السري بنفسك."
"وكيف لي أن أعرف إن كنت أنت من يخفي الرقم السري أم لا؟"
"يا إلهي، إذا كنت تشك إلى هذا الحد، لِمَ لم تعثر على الباب الحديدي بنفسك أولاً؟"
سخر لوجان منه، ثم أكمل: " وإلا، كان عليك إجراء بحث دقيق، لِمَ تلاحق شخصًا بريئًا دون سبب ؟ "
" لو أخبرتمونا من قبل لما أضعنا كل هذا الوقت، يبدو أن تفكيركم لا يصل إلى هذا الحد."
رسم ريموند ابتسامة باهتة على وجهه واكمل: "لهذا السبب لا يمكنني الوثوق بأي منكم."
اعترضتُ على كلمات ريموند بهدوء: " … وأنت أيضاً، لا أعتقد أنك تخلو من الأسرار."
"وما الذي يعنيه هذا أيضاً؟"
حدقتُ فيه وهو غارق في ابتسامته، ثم هززتُ كتفي بخفة.
" لقد وجدْتُ غرفتي 'البرسيم' و 'الألماس' مفتوحتين في الطابق الرابع."
" آه، فاستنتجتِ أننا كنا نخفي مفتاحًا ؟ "
" لأنه لم يُعثر على أي مفاتيح أخرى في الطابقين الأول والثاني."
أشرتُ بعيني نحو الباب وتابعتُ حديثي: " لم يُعثر على أي أغراض في كلتا الغرفتين، وهذا يعني أن أول من فتح الباب هو من أخذ الأدلة."
كان ريموند يراقبني بوجهٍ خالٍ من التعبير: "هل تريد الآنسة فيفي القول بأنني أنا من فتحتُ الأبواب واحتكرتُ الأدلة؟"
" بالضبط."
" لم أكن أعلم أن الآنسة فيفي شخصٌ لا يعمل عقله إلى هذا الحد، لقد قلتُ لكِ سابقاً، إن كل الأدلة التي عُثر عليها في الطابق الثالث قد أُحرقت تماماً."
" وكيف لي أن أصدق ذلك ؟ "
نطقتُ بكلماتي وكأنني أجز على أسناني: " ادعاء إحراق الأدلة ليس سوى كلامٍ صادر من طرفكم فقط."
****************************