" … ماذا تفعل هنا ؟ "
بذلتُ جهداً شاقاً لأفتح شفتيَّ المتصلبتين وأنطق بسؤالي، لكن سيزار، الذي لم أستطع تخمين ما يدور في خلده، اكتفى بالنظر إليَّ بصمت.
لم أكن أعلم ما هي تلك الورقة التي يمسكها بيده. ومع ذلك، كان حدسي المليء بالقلق يصرخ في داخلي بأنها دليلٌ يتعلق بي.
" …… "
بعد صمتٍ طال، وضع سيزار الدليل الذي كان بيده داخل معطفه.
سألتُه وأنا أراقب حركته: " ما هذا الذي معك ؟ "
ألقى سيزار نظرة خاطفة عليَّ ثم أردف بهدوء: " … لاحقاً."
" …… "
" سنتحدث عن هذا الأمر حين يحين الوقت."
… ومتى يكون ذلك الوقت ؟ أفي يوم التصويت ؟ أم في اليوم الذي يجمع فيه أدلة قاطعة ضدي ؟
لم أفهم أبداً ما الذي يعنيه بكلمة "حين يحين الوقت".
مرَّ سيزار بجانبي وكأن مهمته في غرفة البرسيم قد انتهت. وفي تلك اللحظة، أمسكتُ به بلهفة دون أن أشعر .
" …… ! "
اتسعت عينا سيزار دهشةً إثر قبضتي المفاجئة، بينما لم أكن أنا نفسي أعلم لماذا استوقفتُه .
" …… "
عندما عجزتُ عن إخراج الكلمات، قام سيزار بإبعاد يدي عن ملابسه بلطف. وخوفاً من أن يغادر الغرفة ويتركني هكذا، أمسكتُ بمعصمه مرة أخرى، حينها بدأ الاضطراب يظهر بوضوح على ملامحه.
رغم علمي بأن تصرفي هذا سيزيد من شكوكه حولي، إلا أنني لم أملك خياراً سوى تكرار هذا الفعل الأحمق .
" … فيفيان."
نطق سيزار اسمي بصوتٍ مكتوم. حينها فقط رفعتُ رأسي الذي كان مطأطأً .
" إن كان لديكِ ما تودين قوله، فقوليه."
تداخل صوته مع صوت الأرغن التي تملأ الغرفة. اندفعت الأصوات نحوي كالأمواج، وغمرتني ذبذباتها المتصادمة حتى تبلل كياني بها.
كنتُ أغرق ببطء وسط تلك الأمواج. ربما كانت الكلمات التي أريد قولها له، وأنا أتخبط وسط هذا الإعصار، محددة منذ البداية: أنني لا أريد أن أظل محبوسة في أعماق هذا البحر المظلم .
أعلمُ أنك، لن تستطيع أبداً مسامحتي على ما أنا عليه، ولكن، كان من الطبيعي ألا يصل إليه صوتي الغارق في أعماق ذلك البحر .
" …… "
أبعد سيزار يدي التي كانت تقبض عليه مرة أخرى. وهذه المرة، أفلت معصمه من يدي بوهن.
فتح سيزار فمه ونطق بهدوء: " منذ اللحظة التي غادرتِني فيها، وأنا أفكر باستمرار، عن السبب الذي دفعكِ لذلك."
" …… "
" مهما أطلتُ التفكير، لم أجد إجابة سهلة، لم أجد سوى أن ثقتكِ بي لم تكن كافية."
بصعوبة بالغة، استطعتُ أن أفتح فمي لأنطق: " … لم يكن رحيلي عن تيفيرن لهذا السبب."
" إذن، لِمَ ؟ "
سأل سيزار بنبرة جافة: " ما هو السبب الذي دفعك للمغادرة دون أن تتركي لي رسالة واحدة حتى ؟ "
" هكذا فحسب، أصبح البقاء في تيفيرن، حيث ماتت هيلين، عبئًا يفوق طاقتي."
لقد فكرتُ في الأمر عشرات المرات كل يوم. تمنيتُ ألا أكون قد دخلتُ جسد فيفيان، القاتلة التي أعرفها .
تشبثتُ بأمل ساذج، وبما أنني لم أجد في اللعبة أي صلة بين سيزار وفيفيان، فقد ظننتُ أنني مخطئة في معلوماتي، لذا قررتُ تجاهل تلك الحقيقة.
أغمضتُ عينيَّ عن المستقبل، وعميتُ عما سيأتي إثر الواقع الذي كان يحيط بي، لكن الماضي لا يندثر .
والمستقبل الناجم عن ماضٍ خاطئ كان واضحاً وضوح الشمس، وحينها فقط اعترفتُ بحقيقة واحدة: لم يعد بإمكاني تجاهل حقيقة أنني أصبحتُ فيفيان.
لهذا السبب غادرتُ تيفيرن. كنتُ أخشى "عدالة" سيزار، وكان ثقل الحياة الذي سيُلقى على كاهلي لاحقاً قاسياً للغاية .
" لقد كانت مدينة تيفيرن بالنسبة لي جحيمًا."
" وكانت كذلك بالنسبة لي أيضًا."
جفلتُ دون وعي مني عند سماع كلمات سيزار.
رفع طرف شفتيه بابتسامة مريرة وقال: " أنتِ تعلمين ذلك جيداً، فمن اقتحم جحيمي بمحض إرادته كانت أنتِ، يا فيفيان."
أمال سيزار جسده ببطء حتى تساوى مستوى نظره مع نظري وتابع: " ألا يمنحني ذلك مبررًا كافيًا لأقتحم جحيمكِ أنا أيضًا ؟ "
ثبت نظراته الغارقة في الأسى عليَّ مباشرة.
" هل كنتَ ترغب في ذلك حقاً ؟ "
" بالطبع."
" كلا، لم تكن ترغب في ذلك."
" وكيف لكِ أن تجزمي بذلك ؟ "
" لأن سيزار الذي عرفتُه طوال تلك المدة لم يكن ليرغب في أمرٍ كهذا."
أطلق سيزار ضحكة ساخرة إثر كلماتي: " إذن، يبدو أنكِ لا تزالين تجهلين الكثير عني."
" ربما، فالوقت الذي قضيناه سوياً لم يكن طويلاً على الإطلاق."
" وماذا بعد ؟ هل تنوين اعتبار ذلك الوقت كأنه لم يحدث ؟ "
" لا يمكنني القول بأنه لم يكن موجوداً."
" لقد رحلتِ دون نطق كلمة واحدة لأنكِ اعتبرتِ الأمر كأنه لم يحدث."
كانت عينا سيزار الفضيتان تضطربان بمشاعر مبهمة.
" لن تدركي أبدًا مدى اصراري على البحث عنكِ طوال تلك الفترة."
" …… "
" بأي قلبٍ تجرأت على …… "
اصطبغ وجهه بألوان من المشاعر التي لا يمكن وصفها، لم يحاول سيزار إخفاء تعابير وجهه، بل تركها تتجلى بوضوح أمام عينيَّ .
حينها، نسيتُ كل الكلمات التي كنتُ أخطط لقولها له .
" …… "
نقل سيزار نظره بعيدًا عني، ثم غادر الغرفة تماماً.
هذه المرة، لم أستطع اللحاق به أو إيقافه. لقد ابتعد حوارنا عن مساره الطبيعي، وظل يهيم في الفراغ بلا أي معنى .
" …… "
في المكان الذي كان يقف فيه سيزار، لم يتبقَّ سوى بقايا سيجارته التي كان يدخنها على الأرض .
" هاها … "
انفجرت ضحكة جوفاء من بين شفتيَّ، ومسحتُ وجهي بيدي بذهول.
بدأت أقراص الموسيقى التي تملأ الغرفة تبدو لي وكأنها حدقات عيون سوداء لشخصٍ ما، شعرتُ وكأنني محبوسة داخل عيون لا نهاية لها.
ملأ صدى الأرغن، الذي كان يتردد منذ قليل، مسامعي بالكامل .
اقتربتُ من جهاز تشغيل الأقراص الذي ينبعث منه الصوت؛ كان القرص يدور بسرعة كبيرة، مما خلق وهماً بأن الصوت يزداد صخباً تدريجياً.
مددتُ يدي نحو الجهاز دون وعي مني، لكن يدي سقطت إلى الأسفل قبل أن ألمسه .
حاولتُ بدافع العادة أن أردد في نفسي أنني بخير وأن عليَّ الهدوء، لكنني أطلقتُ ضحكة جوفاء دون وعي .
<فيفيان، انظري إليّ.>
<……>
< رددي في سركِ ثلاث مرات أن كل شيء سيكون بخير.>
<وهل سيجدي نفعاً مثل هذا الشيء فحسب…؟>
<إنها طريقة لنخبر أنفسنا بأننا لن ننهار، أياً كان ما يواجهنا.>
أغمضتُ عينيَّ بقوة؛ شعرتُ وكأن صوت سيزار يتردد صداه مع أنغام الأرغن .
<لقد استخدمتُ هذه الطريقة للتو، وها أنتِ قد جئتِ لإنقاذي.>
تذكرت وجه سيزار وهو يبتسم لي بمكر. و اجتاحتني موجة من الغثيان، الذكريات التي بذلتُ جهداً في كبتها اندفعت الآن كتدفق مياه النافورة.
كان هذا هو ذات الشعور الذي يداهمني كلما نظرتُ إلى صورٍ تحمل ذكريات سعيدة، مزيج ملعون من الندم والحزن على زمنٍ لن يعود أبداً .
تضاعفت دقات قلبي حتى باتت تسحق صدري، وسرعان ما تحول ذلك الشعور إلى غثيان مقزز .
… لم أكن بخير أبدًا .
مهما حاولتُ خداع نفسي، تظل هذه حقيقة لا يمكن إخفاؤها. تماماً كما لا يمكنني حجب الحقيقة أبداً .
سيزار رجلٌ لا تحركه العواطف الشخصية، كان يتحرك فقط عندما يتعلق الأمر بحياة الكثيرين، أو في القضايا التي يُكلف بها .
وعلاوة على ذلك، كان رجلاً لا يقبل من القضايا إلا ما يثير اهتمامه .
كانت هذه حقيقة أعلمها جيداً. حتى في ذلك اليوم الذي طلبتُ فيه مساعدته لأول مرة، كان الأمر كذلك.
في ذلك الوقت، كان سيزار محققاً غير مشهور، ولم يكن يكترث للمال أو الشهرة. وأنا كنتُ أطارده في كل مكان؛ فلم يكن هناك أحدٌ غيره يمكنه مساعدتي .
<لا أعلم كم يمكنكِ دفع أتعاب المحاماة … لكن عليكِ التفكير في مبلغ لا يقل عن 10 ملايين روسيو.>
<5 ملايين روسيو؟ أتتحدثين عن تكليفي بقضية مقابل هذا المبلغ الزهيد؟>
<وضعكِ مؤسف، لكنني مثقلٌ بالطلبات حالياً ولا يمكنني قبول قضيتكِ.>
كان المحقق يولينغ، وهو آخر من قابلتُه، هو من نصحني بالذهاب إلى سيزار .
<إنه ليس محققاً مشهوراً، لكن مهارته لا يُستهان بها، سأكتب لكِ عنوانه، اذهبي وابحثي عنه.>
وعندما عثرتُ على سيزار بعد طول عناء، لم يكن وضعه يختلف عن بقية المحققين. ومع ذلك، واصلتُ الذهاب إليه بإصرار لا يلين .
<لقد قُتلت شقيقتي.>
<وماذا في ذلك؟>
عندما سمع كلماتي، حدق سيزار فيَّ بعينيه الفضيتين الباردتين دون أن يحاول إخفاء برودهما. كان من الصعب للغاية التحديق في عينيه اللتين لا يكاد المرء يميز حدقتهما عن بياضهما.
<أنا بحاجة إلى مساعدتك.>
<لستُ متفرغاً بما يكفي لأمد يد العون لكِ.>
قالها بصوت بارد كالثلج .
****************************
الفصل : ٩٧
اليوم الرابع عشر _ 30/10 (9)
سحق سيزار سيجارته التي كان يمسكها في المنفضة، ثم مسح يديه بمنديله وكأنه لمس شيئاً قذراً .
كان الدخان لا يزال يتصاعد من طرف السيجارة التي لم تنطفئ تماماً بعد .
كنتُ أعلم مسبقاً من المحقق يولينغ أن سيزار لا يقبل قضايا أخرى، لكن حاجتي لمساعدته كانت ماسة .
اقتربت منه بلهفة وقلت: <أتقول إنك لن تقبل القضية؟>
<فيفيان لوبيز.>
قطب سيزار جبينه بحدة وكأنه يرفض اقترابي منه أكثر من ذلك. توقفتُ عن السير في نهاية المطاف دون أن أتمكن من الاقتراب. انحرفت نظرات سيزار نحو الخطوط الفاصلة بين بلاط الأرضية .
< …… >
دون أن أشعر، كنتُ قد وطئتُ الخط الفاصل المرسوم بيني وبينه. تراجعتُ قليلاً عن ذاك الخط، لكن حتى لو عجزتُ عن تحريك قدميَّ، لم يكن بوسعي التوقف عن محاولة الوصول إليه.
<صبري ليس طويلاً، وعلاوة على ذلك، أنا لا أحب تكرار ذات الكلام.>
< …… >
<بدلاً من إلقاء غضبك على الشخص الخطأ، أرى أن تحرككِ بنفسكِ سيوفر عليكِ تضييع الوقت.>
تحرك سيزار مبتعداً وكأنه لا يرى جدوى من الاستمرار في الحديث معي .
لكنني لم أستطع الاستسلام وتركه يذهب هكذا. في اللحظة التي تجاوز فيها خط البلاط، أمسكتُ بسيزار الذي صار قريباً مني، فما كان منه إلا أن جعد وجهه وكأنه يرى شيئاً مقززًا.
لم أكن أهتم حتى لو أصبحتُ في نظره بلا قيمة كبقايا سيجارة سُحقت في منفضة، بل كنتُ سأرضى لو حظيتُ بتلك القيمة الضئيلة على الأقل .
<ماذا تفعلين الآن......>
<قضية سطو مختبر "فينيل".>
توقف سيزار عن الحركة إثر كلماتي. لقد سمعتُ أن سبب توقفه عن قبول القضايا يعود لملف قضية غامضة لم تُحل وقعت قبل اثني عشر عاماً. ومع ذلك، فإن سيزار الذي واجهتُه الآن لم يكن يفعل شيئًا حيالها.
لم يكن يقبل قضايا جديدة، ولم يكن يحقق في قضية "فينيل" أيضًا .
قررتُ حينها أن أمنحه الحجة التي تجعله يتحرك.
ثبتُّ نظراتي في عينيه وقلتُ بوضوح: <إذن، سأكلفك بالتحقيق في تلك القضية.>
<…… ماذا؟>
<ألا ترغب في التحقيق في قضية مختبر فينيل الآن ؟ إذا كلفْتُك بها، فسيكون لديك المبرر الكافي للتحرك.>
أفلتُّ يدي التي كانت تقبض على سيزار وتابعت: <خلال تلك المدة، سأعيش بالشكل الذي تريده، سواء كنتُ مساعدتك أو باحثة في مختبر فينيل.>
كنتُ بحاجة ماسة إلى حليف؛ فمن المستحيل أن ابحث في حقيقة موت هيلين بمفردي.
<وإذا حُلت قضية فينيل، هل ستكون مستعداً حينها لقبول طلبي الثاني؟>
لا تزال تعابير سيزار حين سمع كلماتي تلك محفورة في ذاكرتي، فقد بدا وجهه وكأنه وقع في فخ.
رغم أنني لم أطلب منه ارتكاب جريمة قتل، إلا أنني أتساءل الآن: أكان ذهابي إليه خطأً منذ البداية ؟ بالتفكير في الأمر الآن، أظن ذلك .
كان عليَّ ألا أبحث عن ذاك الرجل مهما حدث.
حجب الغمامُ العابر ضوء الشمس لبرهة، فكان النور المتسلل من النافذة يختفي ويظهر تباعاً. وفي تلك اللحظة، توقف قرص الموسيقى عن الدوران، واختفت أصوات الأرغن تماماً من مسامعي .
ومع ذلك، لم أستطع مغادرة الغرفة، ظللتُ واقفة بمفردي وسط الغرفة التي اختفت منها الأدلة .
— تحطم!
فجأة، دوّى صوت تحطم شيء ما خلفي.
جفلتُ والتفتُّ، فإذا بأحد أقراص الموسيقى التي كانت معروضة على الرف قد سقط وتحطم على الأرض .
" …… "
رفعتُ بصري نحو الرف دون وعي، وهناك لمحتُ "رأس المانيكان" وهو يمر من فوقه.
" …… ! "
وما إن اتسعت حدقتاي دهشةً، حتى قفز رأس المانيكان من مكانه وشرع يتدحرج فوق الرفوف بجنون. وبسبب ذلك، بدأت أقراص الموسيقى المائلة على الرف تتساقط واحداً تلو الآخر.
— تحطم ! تحطم !
تحولت بعض الأقراص إلى شظايا حادة؛ جفلتُ من تلك الأصوات المزعجة لبرهة، ثم أسرعتُ الخطى محاولةً الإمساك به.
بيد أنني كلما اقتربتُ منه، ازداد الفوضى والخراب في الغرفة. وفي النهاية، توقفتُ عن السير تماماً. بدا الإمساك بذلك المانيكان أمراً مستحيلاً .
ولكن، لا بد من وجود طريقة لضبطه … قطبتُ حاجبي وفتحتُ قائمة المخزون. حينها، فتحت "الصديقة رقم ٣" التي كانت داخل المخزون عينيها فجأة، وشرعت تقفز في مكانها بحماس .
ضغطتُ مطولاً على نافذة الوصف الخاصة بها:
[ الصديقة رقم ٣ المفقودة لـ '؟؟؟'.
> تمتلك شخصية مبهجة. ثرثارة لا يمكن لأحد إيقافها بمجرد أن تبدأ بالكلام.
> علاوة على ذلك، هي صاحبة أجمل مظهر بين الجميع في القصر. يقال إن بابتسامة واحدة منها تستطيع سلب عقول وقلوب الجميع.
> لذلك، هي شخصية محبوبة وشهيرة داخل القصر، لدرجة أنه لم ينجُ أحدٌ من الوقوع في سحرها ولو لمرة واحدة.]
بدا لي أنني لن أتأكد إلا إذا جربت الأمر بنفسي.
أخرجتُ "الصديقة رقم ٣" القافزة من المخزون. وما إن فعلت، حتى توقف المانيكان الذي كان يتحرك بصخب فوق الرفوف عن التدحرج، وبدأ يحدق بذهول في "الصديقة رقم ٣" التي بين يدي.
يبدو أنني نجحتُ في جذب انتباهه … نظرتُ دون وعي إلى "الصديقة رقم ٣"، فوجدتُ أنها تحدق بشكل غريب ومستمر داخل قائمة المخزون. تتبعتُ نظراتها لأرى ما الذي تشاهده.
" …… "
ما كانت تحدق فيه بإصرار لم يكن سوى الخانة التي تحتوي على "حشرة الذكريات". حركتُ عينيَّ بتفكير، ثم مددتُ يدي بحذر نحو حشرة الذكريات.
وفور قيامي بذلك، بدأت "الصديقة رقم ٣" بالتوهج والاضطراب. ومن شدة تفاعلها العنيف، سقطت فجأة من يدي. التقطتُ حشرة الذكريات بحذر، ثم انحنيتُ لأنظر إليها.
" اسمعي جيدًا، هل تريْن صديقكِ هناك فوق الرف ؟ "
— كوييييك!
أجابت بصوتٍ غريب دون أن تلتفت حتى نحو الرف.
" إذا أحضرتِ لي صديقكِ ذاك، فسأعطيكِ هذه كهدية."
اتسعت عيناها ذهولاً عند سماع كلماتي، ونقلت بصرها على الفور نحو الرف، ثم انطلقت تقفز وهي تصدر أصواتاً مكتومة نحو الرف الذي يقبع فيه المانيكان.
— كيك …
كان صوتاً رقيقاً لم أسمعه منها من قبل أبداً. لا أعلم يقيناً ما الذي كانت تقوله، لكن عيني المانيكان اللتين كانتا تراقبان الصديقة رقم ٣ بدأتا تترقرقان بالدموع تدريجياً.
— كيك ؟ كييييك …
— كيك، كيك …
تبادلا أصواتاً مثيرة للشفقة لدرجة تجعل القلب يتألم، ثم بدا أن المانيكان قد اتخذ قراره، فقفز من فوق الرف. وفي تلك اللحظة، سقطت الدموع التي كانت معلقة بأسى في عينيه .
— ……
اقترب فوراً من الصديقة رقم ٣ وبدأ يمسح وجهه بوجهها برقة .
بيد أنها سحبت جسدها منه قليلاً واقتربت مني، فما كان من المانيكان إلا أن تبعها واقترب مني هو الآخر.
سلمتُها حشرة الذكريات التي كانت في يدي كمكافأة لها على مجهودها. وكإضافة مني، أخرجتُ حشرة أخرى وقدمتها للمانيكان الواقف بجانبها .
وبينما كان الاثنان مستغرقين في تناول الحشرات، سارعتُ بوضعهما داخل قائمة المخزون. وحتى أثناء قيامي بذلك، لم يبدُ عليهما أي إدراك بأنهما صارا داخل المخزون.
ضغطتُ على نافذة الوصف الخاصة بالمانيكان الجديد الذي حصلتُ عليه:
[ الصديق رقم ٢ المفقود لـ '؟؟؟'.
> مرهف الحس للغاية. بمجرد أن يبدأ في البكاء، يصعب عليه التوقف بسهولة.
> لهذا السبب، يحتفظ بقية الأصدقاء دائماً بقصة ممتعة ليحكوها للصديق رقم ٢.
> يا له من حظ عظيم أن يمتلك المرء صديقاً يمكنه البكاء من أجله، أليس كذلك ؟
> لذا، فرغم أن سكان القصر يمازحونه ويلقبونه بـ 'الطفل الباكي'، إلا أن الجميع يحبه.]
… الطفل الباكي، هاه.
نظرتُ دون وعي نحو الصديق رقم ٢، فوجدتُه يلتهم حشرة الذكريات بينما تنهمر دموعه بغزارة. بدأت خانة المخزون تمتلئ بدموعه؛ فزعتُ وأخرجتُ الصديق رقم ٢ فجأة، فانسكبت دموعه من داخل الخانة كالسيل .
" …… "
مسحتُ دموعه التي لا تزال تنهمر بطرف كمي على عجل، ثم أعدتُه إلى المخزون مرة أخرى. حينها، حدق بي بعينين تملؤهما ملامح التأثر والامتنان .
شعرتُ بوطأة نظراته المحملة بالمشاعر، فرسمتُ ابتسامة محرجة وأغلقتُ قائمة المخزون بسرعة .
— طق، طق.
في تلك اللحظة، دَوى صوت طرقات على الباب.
"فيفيان، هل أنتِ بالداخل؟"
كان ذلك صوت آرييل. تفحصتُ الغرفة بسرعة؛ كانت شظايا أقراص الموسيقى المحطمة متناثرة في كل مكان على الأرض .
وفي اللحظة التي كنتُ أهُم فيها بإخبار آرييل ألا تدخل بصوتٍ مرتعش …
"...... فيفيان؟"
بدأت ملامح الذهول تكسو وجه آرييل التي دخلت إلى الغرفة. حركت شفتيها بعجز ثم نظرت إليَّ.
" …… "
" …… "
ساد الصمت بيننا لبرهة.
****************************