أثارت كلمات إيان حنقي الشديد .
" … ولماذا ؟ هل إذا كنتَ تعرف شيئًا عني، فهذا يعني أنه لا يحق لي التصرف بجرأة أمامك ؟ "
حدقتُ فيه بصمت لبرهة، ثم أفلتت مني ضحكة ساخرة رغماً عني: " إذا كنتَ تنوي التهديد، فافعل ذلك بشكل لائق، أيها الكاهن."
لم يظهر إيان أي رد فعل يذكر. اكتفى بمراقبتي بنظراته الثقيلة والمركزة، لكن ذلك لم يدم طويلاً، فقد بدأ إيان يفتح ويغلق كفه الملطخة بالدم ببطء، ثم فتح فمه قائلاً: "...... في غابة أليس، قُتلت طالبة."
تجمد جسدي تماماً عند سماع جملته تلك. وبينما كنتُ في تلك الحالة، تابع إيان حديثه بهدوء: " كان سبب الوفاة حادث مروري، السائق كان يمسك بالمقود وهو تحت تأثير الكحول، وكانت النتيجة أنه سلب حياة إنسانة بريئة لا ذنب لها."
… كيف … كيف يعرف هذا ؟
نظرتُ إليه وقد نسيتُ كيف أتنفس. بدا أن إيان قد توقع رد فعلي هذا، فلم يبدُ عليه أي اضطراب. بل اكتفى بالتقدم نحوي ببطء بوجهٍ هادئ تماماً.
" بعد ذلك، قام السائق بالتخلص من جثة الطالبة التي قتلها، و ألقى بها في غابة أليس، حيث تتجول الوحوش والحيوانات البرية."
" …… "
" أنا أتحدث عن المجرم الذي قتل هيلين."
" …… "
" آنسة لوبيز، هل تعرفين شيئاً عن هذا المجرم ؟ "
توقفت خطوات إيان التي كانت تقترب مني فجأة. ولم أستطع الإجابة على سؤاله بأي كلمة .
" إنه سيزار كوتون."
عند سماع اسمه، رفعتُ رأسي الذي كان منخفضاً بحدة .
… لقد ماتت هيلين في حادث. شخص ما كان يقود مخموراً، صدمها بسيارته، ثم هرب بعد أن تخلص من جثتها. وأنا ذهبتُ أبحث عن سيزار لأجد ذلك المجرم .
في اليوم الذي اختُطفتُ فيه إلى قصر إرنست. كان السبب في توجهي لمكتب كوتون في ذلك اليوم هو هذا تحديداً. لأنني حصلتُ على طرف خيط يخص المجرم، لهذا السبب ذهبتُ إلى هناك، ولكن ……
سألتُه مجدداً وكأنني لم أسمع جيداً ما قاله: " … ماذا قلت ؟ "
حينها، انحنى إيان ببطء ليهمس في أذني، وكأنه يمنحني معروفاً: " الرجل الذي قتل شقيقتكِ هو ذلك الرجل."
" …… "
" المحقق الذي تضعين فيه ثقتكِ العمياء، يا آنسة لوبيز."
ظل صوته الجاف يتردد في أذني لفترة طويلة.
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
شعرتُ بغثيانٍ شديد.
كان هناك شيءٌ ما يحاول الخروج من حنجرتي، شيءٌ يغلي ويضطرب في أعماقي ويأبى أن يُبتلع .
نزلتُ الدرج بخطوات متعثرة ويائسة .
وفي تلك اللحظة، اصطدمتُ بشخص ما بقوة. كدتُ أسقط من فوق الدرج لولا أن ذراعاً قوية أمسكت بي.
" أنتِ......! هل أنتِ بخير ؟ "
كان لوجان. اتسعت عيناه ذهولاً حين رأى شحوبي المريع. كنتُ أود شكره، لكنني لم أعد أملك الطاقة حتى للوقوف في مكاني .
" آ … آسفة."
دفعتُ يد لوجان التي كانت تمسك بي وهربت.
" مهلاً ! "
تردد صدى صوته وهو يناديني بذعر، لكن لم يكن لدي الوقت لأهتم به. رأيتُ ساقيَّ ترتجفان بوضوح، وجسدي المغطى بالعرق البارد بدأ يرتخي ويترنح كقطعة قطن مشبعة بالماء .
" فيفيان ؟ "
حينها، ارتفع صوت مألوف. رفعتُ رأسي بحدة وفزع. صاحب الظل الطويل الذي امتد نحوي لم يكن سوى سيزار. سرعان ما أظلمت ملامح وجهه حين رآني .
اقترب مني بلهفة ليتفقد حالتي. وفي تلك اللحظة، طغت رائحة العطر المألوفة على حواسي. اصبحت تلك الرائحة مقززة للغاية.
… إذا كنتَ أنت من قتل هيلين حقاً، فكم كنتَ تسخر مني طوال هذا الوقت ؟
كانت رائحته كفيلة بقلب معدتي رأساً على عقب.
دفعتُ سيزار دون وعي، فتراجع عني باستسلام وهدوء. لم أكن أملك الشجاعة لمواجهة وجهه أبداً؛ شعرتُ بأنني غبية، وانتابني الرعب.
" أ … أشعر بأنني لستُ على مايرام … "
حتى صوتي الذي خرج كان فظيعًا. أجبرتُ ساقيَّ اللتين كادتا تخذلانني على التحرك، وتجاوزته نحو الأسفل.
بمجرد عودتي إلى غرفتي، تقيأتُ كل ما في جوفي.
" آآآه ......"
كان الأمر مؤلماً. تمنيتُ لو كان كل هذا مجرد حلم سخيف. هذا المكان هو الجحيم بعينه.
رغم أنني أفرغتُ كل ما في معدتي، إلا أنني لم أشعر بالراحة. بل على العكس، كان العذاب الذي يطوقني يزداد ثقلاً ويضغط على صدري.
أنا أعلم … أعلم أن كلمات إيان قد تكون كذباً، ولكن رغم ذلك، لم أكن أملك القوة الكافية للحفاظ على عقلانيتي؛ فأنا مجرد حمقاء.
كنتُ فقط أتأرجح يمنة ويسرة، تتقاذفني أمواج مشاعري. مجرد احتمال أن يكون سيزار هو قاتل هيلين بناءً على شهادة إيان … كان أمراً يثير الغثيان في أعماقي .
أسندتُ رأسي إلى الحائط. تمنيتُ لو أغرق في أعماق بحر هادئ. بعيداً عن هذه الغرفة التي تشبه الزنزانة الضيقة، وبعيداً عن هذا القصر اللعين الذي يشبه القبر …
— طرق، طرق .
في تلك اللحظة، طرق أحدهم باب الغرفة. كان صوت الطرقات التي كسرت الصمت عالياً بشكل مخيف.
استندتُ على المغسلة بيدي المرتجفة، وحاولتُ النهوض من مكاني .
بدا انعكاسي في المرآة وكأنني جثة هامدة. غسلتُ فمي ويديّ على عجل، ثم اقتربتُ من باب الغرفة.
كنتُ في حالة تأهب قصوى ظناً مني أن الطارق هو إيان، وفي تلك اللحظة: " أنتِ ! افتحي الباب ! "
كان صوت لوجان. أخذ يطرق الباب بعنف كاد يحطمه وهو يصرخ: " إن لم تجيبيني سأحطم الباب ! هل تظنين أنني لا أستطيع فعل ذلك حقاً ؟ "
بدا لوجان هائجاً للغاية لسبب لا أفهمه، وتابع صراخه: " أنتِ، انتظري فقط، واحد......"
" …… "
" اثنان......"
خفتُ أن يقوم بتحطيم الباب فعلاً، ففتحته بسرعة. حينها، خفض لوجان قبضته المرفوعة وبدت ملامح الحرج على وجهه.
"...... لقد فتحتِ أخيراً."
" نعم......"
قلب لوجان عينيه يمنة ويسرة، ثم دفعني من أمامه ودخل الغرفة بخطوات واسعة وكأنها غرفته. كنتُ مذهولة لدرجة جعلتني عاجزة عن الكلام.
" ما … ماذا تفعل ؟ "
سألتُه محاولةً إخفاء ارتباكي، لكنه جلس على سريري بكل ثقة وبرود .
" ألا تنوي الخروج ؟ "
شعرتُ بالاستياء من وقاحته فرفعتُ صوتي قليلاً، لكنه اكتفى بتعبيرات وجه مستفزة وهو يتمتم: " تتصرف بغرابة ولا تفكر حتى في فعلتها ......"
" …… "
شعرتُ بالعجز عن الرد. يبدو أن هذا الرجل لا يدرك أن الموقف الآن يختلف تماماً عما كان عليه سابقاً.
أخذ لوجان يتفحص الغرفة ببطء، ثم ربت بيده على السرير الذي يجلس عليه وقال بنبرة وقحة: " استلقي."
"ماذا قلت؟"
"أم أنكِ تريدينني أن أجبركِ على الاستلقاء؟"
" …… "
فقدتُ القدرة على الكلام لبرهة واكتفيت بفتح فمي، ثم تنهدتُ بخفة .
" لقد أصبتُ بعسر هضم فحسب."
" من الذي أعدَّ الطعام اليوم ؟ "
"...... ولماذا تسأل ؟ "
" كنتُ أفكر في إحضار ذلك الوغد الذي طهى الطعام ليركع أمامكِ، لعلكِ تستلقين بهدوء حينها."
أمال لوجان رأسه نحو السرير وكأنه يأمرني بالاستلقاء إن كنتُ لا أريد حدوث ذلك . عضضتُ شفتي السفلى وأنا أنظر إليه بحدة، لكنه شبك ذراعيه ببرود وتجاهل نظراتي .
" ما هذه النظرة الآن ؟ هل هي نظرة إغراء لكي أستلقي بجانبكِ ؟ "
"...... اخرج إن كنت ستستمر في قول هذا الهراء."
عندما اقتربتُ منه، نهض لوجان من السرير وأشار إليه برأسه مرة أخرى، آمراً إياي بالاستلقاء دون جدال.
… لا أعلم حقاً كيف انتهى بي الأمر هكذا .
بمجرد أن استلقيتُ على السرير، سحب لوجان اللحاف وغطاني به حتى ذقني. راقبتُه بصمت وهو يفعل ذلك، ثم تذكرتُ فجأة أنني كنتُ أريد لوجان لأمرٍ هام.
تحركت شفتاي ببطء وقلتُ بصوتٍ خافت : " بالمناسبة، بخصوص ورقة التصويت الإضافية......"
" دعينا من هذا الآن، ونامي فقط."
" ليس هذا ما قصدته … لقد حصلتُ على ورقة التصويت."
توقفت يد لوجان التي كانت ترتب اللحاف فجأة.
"...... ماذا ؟ "
أخرجتُ ورقة التصويت الإضافية من حقيبة الأدوات ومددتها نحوه. بدت الدهشة واضحة على وجه لوجان، وكأنه لم يتوقع هذا أبداً.
تابعتُ كلامي بهدوء: " أخبرني عن هيلين."
" …… "
لم يستطع لوجان حتى مد يده ليأخذ الورقة المعروضة أمامه. وعندما أجبرتُه على إمساكها، أخذها بتردد وارتباك .
بعد برهة، نطق أخيراً بجملة واحدة: " مهلاً، ألا يجب عليكِ أن ترتاحي أولاً ؟ "
" سأستمع إليك وأنا أرتاح."
حدق لوجان في ورقة التصويت بصمت، ثم مسح شعره المتساقط على وجهه وتنهد بعمق.
" هاه … أنتِ حقاً غريبة الأطوار."
" سأعتبر هذا إطراءً."
أفلتت ضحكة ساخرة من لوجان عند سماع ردي. راقبتُه بتركيز بينما كنتُ أرفع جزئي العلوي ببطء، ثم أشرتُ برأسي نحو الكرسي الموجود خلفه .
" اجلس."
" كما تشائين يا آنسة."
رفع لوجان يديه لي مستسلماً وجلس على الكرسي، ثم نظر إلى ورقة التصويت وسألني: " … ليست مزيفة، أليس كذلك ؟ "
" مستحيل."
"...... وماذا لو اتضح أنها مزيفة؟" ضاقت عينا لوجان وهو ينظر إليّ.
هززتُ كتفي بخفة وأجبت: " إذن، هل أراهن بمعصمي ؟ "
عند سماع قولي، أسند لوجان ذقنه على يده وتمتم بصوتٍ فاتر: " انسي الأمر، ما فائدة معصمك ؟ فقط أخبريني، ما الذي تريدين معرفته عن شقيقتكِ ؟ "
****************************
الفصل : ٧٣
اليوم الثاني عشر - 28/10 (11)
" ما هو الطلب الذي جاءت هيلين لتطلبه منك ؟ "
عند سماع سؤالي، بدا لوجان وكأنه غارق في تفكير عميق، لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ أجابني بصراحة: " لم يكن أمراً كبيراً، طلبت مني أن أقتل أحدهم."
" … من ؟ "
هيلين … تطلب طلباً كهذا ؟
رغم أنني لم أستطع استيعاب هذه الحقيقة تماماً، إلا أنني سألتُه بنبرة حاولتُ قدر الإمكان أن تكون هادئة .
" حسناً، ليس من الغريب أن يأتي أطفال صغار لزيارتي، هذه القصص شائعة، أليس كذلك ؟ أطفال يعانون بسبب آباء لا يستحقون صفة الأبوة."
" …… "
" لكن شقيقتكِ لم تكن من ذلك النوع."
فيفيان وهيلين يتيمتان. لا أعلم ما السبب، لكن هيلين وفيفيان كانتا تتجنبان ذكر كلمة "والدين" وكأنها لفظ من المحرمات.
كنتُ أريد أن أسأل عن ذلك، لكن هيلين ماتت قبل أن أتمكن من معرفة التفاصيل .
قطب لوجان ما بين حاجبيه وكأنه يسترجع ذكرى منسية: " لقد ذكرت اسماً لشخص لا تربطها به أي صلة على الإطلاق، قالت إنها مستعدة لبيع كل ما تملك، مهما كان الثمن، فقط مقابل قتل ذلك الوغد."
" …… "
" لهذا السبب بقيت في ذاكرتي، تلك العينان الزرقاوان اللتان لا يمكن فهمهما."
تمتم لوجان وهو يربت بخفة على زاوية عينه.
أمسكتُ باللحاف الذي يغطيني بقوة وأنا أستمع لكلماته : " هل تتذكر اسم الشخص الذي أرادت هيلين قتله ؟ "
" أتذكره بالطبع، فقد كان اسماً يبعث على السخرية."
شعرتُ وكأنني أعرف ذلك الاسم أيضاً، ولهذا السبب تملكني القلق.
ضيق لوجان عينيه ونطق بصوتٍ منخفض: " … ديريك جينكينز، أظن أن هذا كان الاسم."
" …… "
" يا للسخرية، تطلب قتل ابن العمدة، لا بد أنها كانت طفلة لديها جرأةً كبيرة ......"
" …… "
استرق لوجان النظر إليّ حين لم يجد مني رداً. وبدا أنه شعر ببعض الحرج من صمتي، فسألني بنبرته الفظة المعتادة: " إذن، كيف حال شقيقتكِ الآن ؟ هل تعيش بشكل جيد ؟ "
عند سماع سؤاله، شعرتُ وكأن شيء قد علق في حلقي، لكنني اكتفيتُ بالنحنحة، ثم رسمتُ على وجهي ابتسامةً محرجة .
مال لوجان برأسه جانباً وكأنه يرى شيئاً غريباً للغاية.
" لماذا لا تجيبين ؟ هل تشاجرتما لهذه الدرجة ؟ "
"...... نعم."
" كم هو عمركِ الآن لتتشاجري هكذا ؟ عندما تعودين للمنزل، تصالحي معها."
تنهد لوجان بعمق بنبرة فاترة، ثم نهض من على الكرسي .
ألقى عليّ نظرة خاطفة وقال بهدوء: " إذن، استريحي."
اكتفيتُ بالإيماء برأسي رداً على كلماته. وبعد برهة، قلتُ له بحذر: "...... شكراً لك."
جفل لوجان بشكل ملحوظ عند سماع شكري. قبض بقوة على مقبض الباب الذي يمسكه، وبدا وكأن لديه ما يود قوله، لكنه آثر الصمت في النهاية .
[ ارتفع مستوى ثقة 'لوجان بارنز' بكِ بنسبة 5%. ]
بعد لحظات، أُغلق الباب بصوتٍ مكتوم. وفي تلك اللحظة، خارت قواي تماماً فدفنتُ وجهي بين ركبتيّ .
… هيلين، ماذا عليّ أن أفعل الآن ؟
لماذا طلبتِ قتل ديريك ؟
لا، في الحقيقة لم يكن ذلك يهمني. كل ما أردتُ معرفته هو الشخص الذي قتلكِ أنتِ.
مَن الذي سلب حياتكِ ؟ ولماذا، بحق خالق الجحيم … ؟
لكن لم يأتِ أي رد، ساد السكون التام في أرجاء الغرفة.
كان صمتاً مطبقاً لدرجة أنني لم أعد أسمع حتى دقات عقارب الساعة التي كانت تقطع السكون قبل قليل .
شعرتُ وكأنني أغرق شيئاً فشيئاً في أعماق محيطٍ مظلم .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
تردد صدى طرقات على باب الغرفة من الخارج .
" فيفيان."
ومعها، ارتفع صوت سيزار.
عند سماع صوته، رفعتُ وجهي بصعوبة عن الوسادة.
ساد صمتٌ قصير. كنتُ أظن قبل قليل أن السكون الذي يطبق على صدري أفضل، لكن يبدو أنني كنتُ واهمة .
… لو كان الوضع سيستمر هكذا، لكان من الأفضل أن أسأل سيزار مباشرةً .
رغم أنني لا أعلم إن كنتُ سأصدق إجابته أم لا.
… لكن احتمال أن يكون إيان قد كذب عليّ كبيرًا جدًا، فهو لا يثق بي على الإطلاق .
كنتُ أدرك تماماً أن إعطاء معلومة قد تكون مصدر قوة لشخص لا أثق به، ومن دون أي مقابل، هو أمر يثير الريبة.
كان عقلي صافياً ومدركاً لهذه الفكرة، لكن تصرفاتي لم تتبع منطق عقلي. وعلى الرغم من معرفتي بمدى حماقة ما أفعله، إلا أنني لم أكن أملك القوة الكافية لمنع نفسي.
قبضتُ على اللحاف بقوة، لكن سرعان ما نهضتُ من مكاني .
فتحتُ الباب بحذر، فظهر لي سيزار من خلال الفتحة الصغيرة.
كانت ملامحه تعكس غرقاً في التفكير، وبالتأكيد لم تكن ملامحي تختلف عن ملامحه كثيراً .
" …… "
صدر ضجيجٌ صاخبٌ من غرفة المعيشة، بدت وكأنها مشاجرة تارة، وتارة أخرى كأصوات أشخاص يمرحون وهم يشربون النبيذ .
اتجه بصري نحو نهاية الرواق، فتبع سيزار نظراتي. وفي النهاية، التقت أعيننا ببطء .
بدأت حدقتاي اللتان تحدقان فيه بالاهتزاز تدريجيًا.
" …… "
نظرتُ إلى عينيه الفضيتين الهادئتين وعضضتُ باطن شفتي من الداخل .
… أجل، عليّ أن أستعيد رشدي .
رجل مثله لا يمكن أن يرتكب جريمة قتل. فسيزار يعتبر القتل أبشع فعل يمكن للبشر القيام به.
حاولتُ طمأنة قلبي بإنكار كل التهم، فهدأ روعي قليلاً. لم يكن من المنطقي أن يرتكب الرجل الذي لا يمكنه أن يُبرر القتل جريمة قتل بنفسه.
أخذتُ أعبث بمقبض الباب دون هدف. كنتُ أشعر بأنني أعرف السبب الذي جعل سيزار يأتي للبحث عني .
فقد قال في الطابق الثالث بكل وضوح: " من الأفضل أن نتحدث بعد أن ينتهي الجميع من التحقيق أولاً."
فتحتُ الباب أكثر قليلاً وقلتُ: "لنذهب."
عندها، امتدت نظرات سيزار نحوي طويلاً.
" أنتِ، انتظري لحظة."
التفتُّ إليه عند سماع كلماته. مدّ سيزار يده نحوي؛ وعندما جفلتُ، وضع ابتسامة خفيفة وكأنه يطلب مني الاسترخاء .
" هناك ريشة عالقة بك."
كان يمسك بريشة بيضاء ناصعة بين أصابعه الكبيرة. نفخ سيزار على الريشة لتطير في الهواء، وظلت تطفو في الفضاء لبرهة قبل أن تسقط على الأرض. راقبتُ ذلك المنظر دون وعي، ثم تبعتُ خطى سيزار .
" آه، أخبرتكَ أن لا طريقة لتمييز الرصاصة الحقيقية ! "
" ربما لو فكرنا بالأمر بعمق سنجد حلاً ما ! "
كان لوكاس و لوجان يتجادلان بينما يفتشان في صندوق الرصاص. بدا أن تمييز الرصاصة الحقيقية عن الصوتية أمر شبه مستحيل، فالمظهر والوزن متطابقان تماماً .
جُلتُ ببصري في المكان، فلاحظتُ قصاصة جريدة موضوعة على الطاولة. وفي تلك اللحظة، اقترب مني سيزار ومدّ لي كوباً من الماء.
"...... شكراً لك."
أخذتُ منه الماء الدافئ وأشرتُ برأسي نحو القصاصة على الطاولة .
" … لكن، ما هذا ؟ "
تردد سيزار لبرهة. وعندما حدقتُ فيه بتركيز وهو يبدو في حيرة من أمره، فتح فمه أخيراً وقال: " إنها جريدة وجدتها في غرفة الاستراحة."
شربتُ القليل من الماء والتقطتُ الجريدة عند سماع ذلك .
[ مأساة في شارع بيكر. ]
[ في حوالي الساعة الرابعة فجراً من يوم ١ أبريل 1088، وقعت جريمة قتل وحشية في شارع بيكر.
> الضحايا هما زوجان في منتصف العمر، عُثر عليهما مصابين بطعنات عميقة في أحد عشر موضعاً، بما في ذلك البطن والساقين.
> كان الزوجان في طريقهما للمنزل يحملان هدية لطفلهما. وعُثر على دمية دب ملطخة بالدماء على بُعد 10 أمتار من الزوجة.
> كانت حالة الزوج تحديداً أكثر مأساوية من الزوجة، فقد تم تشويه وجهه لدرجة تجعل التعرف عليه مستحيلاً، وعُثر عليه على بُعد 100 متر من الموقع المفترض لوقوع الجريمة.
> تبحث الشرطة عن شهود عيان، وأضافت أن الجريمة تحمل طابعاً انتقامياً واضحاً.
> علاوة على ذلك، خلصت الشرطة إلى أن القاتل الذي استخدم هذه الأساليب الوحشية قد يكون مصابًا باضطراب الشخصية السايكوباثية.]
توضيح : السايكوباثية هي اضطراب في الشخصية يتميز صاحبه بالعديد من الصفات، أهمها سلوك ضد المجتمع، والغطرسة والخيانة والتلاعب بالآخرين، مع افتقاد الشعور بالتعاطف مع ضحاياه، وعدم الشعور بالذنب أو الندم على أفعاله الخاطئة، وهو أمر غالبا ما يقود إلى سلوك إجرامي .
شارع بيكر …… بدأت يدي التي تمسك بالجريدة تشحب وتزرقّ .
ربما لم يكن السبب هو المحتوى الوحشي للخبر فحسب، بل لأن عدة نظرات، من بينها نظرات سيزار، كانت مثبتة عليّ طوال الوقت.
ومن بينها، حوّلتُ نظري نحو ريموند الذي شعرتُ بنظراته التي تلاحقني بإصرار .
كان يلمس زوايا فمه بإصبعيه وكأنه يأمرني بالابتسام بينما أقف متصلبة مكاني.
وكأن هذا الموقف يثير جنونه من شدة المتعة.
****************************