" المكان الذي كنا فيه لم يكن بهذا الجمال قط، أليس كذلك، آنسة كاري ؟ "
عند سماع كلمات ريموند، قطبت صوفيا وجهها بشدة واكتفت بإمالة رأسها. أما هانا، فقد كانت غارقة في أفكارها بوجهٍ جاد للغاية لدرجة أنها لم تستطع حتى الرد على كلامه .
لقد كان مظهر الطابق الثالث مبهراً لدرجة جعلت ريموند يصفه بـ "المكان الرائع".
كان الطابقان الثالث والرابع يشتركان في نفس السقف العالي. تمثال الأسد الكريستالي المتدلي من السقف كان يعكس أضواء الطابق الرابع، وبسبب ذلك، بدت قاعة الرقص ذات الأرضية المصنوعة من الزجاج الأسود وكأنها سماء ليلية نُثرت فوقها النجوم .
يربط بين الطابقين الثالث والرابع درج ضخم، تماماً كبقية الطوابق. وأمام الدرج مباشرة، وُضع باب خشبي عملاق يمنح شعوراً بالهيبة والعظمة .
بتحقق خريطتي، تبين أن الطابق الرابع يحتوي على أربع غرف تحيط بالباب الخشبي بشكل دائري. إلى يسار الباب الخشبي، تقع غرفة الزينة، غرفة الاستراحة، غرفة الماس، وغرفة البرسيم .
ومع ذلك، لاحظتُ وجود نقطة زرقاء بين غرفة الاستراحة وغرفة الماس، مما يشير إلى وجود شيء ما هناك أيضاً .
" …… "
سارعتُ بتفقد "النقاط الحمراء" على الخريطة.
كانت النقاط الحمراء تشير إلى مكانين اثنين: تمثال الأسد الكريستالي المتدلي من السقف، وغرفة الزينة .
أما النقاط الزرقاء، فكان عددها أكبر بكثير مما رأيته في الطوابق الأخرى، مما جعلني أشعر بالإرهاق من الآن .
… هل سأتمكن حقاً من جمع كل هذه النقاط ؟
ألقيتُ نظرة خاطفة على النقطة الزرقاء الواقعة بين غرفة الاستراحة وغرفة الماس، كان موقعها يقع مباشرة فوق مدخل الطابق الثالث. بينما كنتُ أراقب المحيط بحذر، لمحتُ سيزار وهو يتوجه نحو الطابق الرابع، فتبعته على عجلٍ وأنا أشعر بالذعر من احتمال فوات الشيء .
سمع سيزار صوت خطواتي، فالتفت إليّ وكأنه اعتاد على ملاحقتي له. وعندما وضعتُ ابتسامة محرجة على وجهي، أفلتت منه ضحكة خافتة رغم عنه .
بسبب ضحكته تلك، سألتُه دون وعي: " … هل قمتُ بفعل أحمق مجدداً ؟ "
" قليلاً."
أجاب سيزار بذلك، ثم نقل خطواته متوجهاً مباشرة نحو المكان الذي كانت تشير إليه النقطة الزرقاء .
رغم أنني كنتُ واثقة من أن سيزار يجهل وجود أدلة في هذا المكان، إلا أنني تبعته على عجل .
" …… ؟ "
ويا للمفاجأة، فالمكان الذي كانت تشير إليه النقطة الزرقاء لم يكن سوى جهازٍ ضخم يشبه التلسكوب واقفًا في مكانه .
هل يُسمى هذا دليلاً … ؟ أم أن هناك شيئاً مكتوباً على التلسكوب نفسه ؟
حاولتُ جاهدة إخفاء شعورٍ بالقلق يراودني، وخطوتُ نحو التلسكوب. وعندما وصلنا أنا و سيزار إليه، وجدنا لافتةً صغيرة موضوعة أمامه مباشرة .
" ما هذا أيضاً … ؟! "
قطب سيزار حاجبيه وبدأ يقرأ ما كُتب على اللافتة:
[ أرجوكم، اهزموا الشيطان الذي يعذبني !
لم يتبقَّ الكثير من الوقت حتى يقدمُني الشيطان قرباناً.
في يوم الخسوف الكلي للقمر، إذا أسقطتم ذلك الشيطان إلى الجحيم، فسأتمكن بالتأكيد من العودة إلى الحياة ! ]
… ما الذي يعنيه هذا أيضًا ؟
أنزلتُ بصري ببطء، فوجدتُ شرحاً صغيراً مكتوباً أسفل اللافتة. انحنيتُ لأقرأ الكلمات :
[ 1. إذا أسقطتم تمثال الأسد المُعلّق من السقف إلى الأرض، فستظهر لكم هدية صغيرة من تحت الأرضية الزجاجية.
2. إذا أسقطتم تمثال الأسد في يوم الخسوف الكلي للقمر، فستتضاعف الهدية التي ستتلقونها.
3. تستمر هذه الفعالية ابتداءً من اليوم (28/10)، وحتى نفاد جميع الرصاصات التي بحوزتكم.
4. وقت إطلاق الرصاص هو الساعة 7:15 مساءً من كل يوم .
> يرجى وضع الرصاصة في منصة الإطلاق قبل ذلك الوقت، وسيتم إطلاقها تلقائياً.
5. للعلم، جميع الرصاصات التي بحوزتكم هي رصاصات فارغة، باستثناء رصاصة واحدة فقط هي رصاصة حقيقية.
> (تم تصنيع الرصاص الحقيقي و الفارغ بشكل متطابق تماماً ولا يمكن التمييز بينهما).
> (ومع ذلك، يرجى العلم أنني قد أخبرتُ مسبقاً الشخص الذي يمتلك الرصاصة الحقيقية بذلك).
> من : ألبرتو. ]
الرصاص الذي يتحدث عنه ألبرتو لا بد أنه الرصاص الذي كان موجوداً في غرفنا.
تحرك سيزار الذي كان يقرأ اللافتة نحو منصة الإطلاق. عبث بفوهة المنصة لبرهة، ثم انحنى ببطء وهو يحدق في الاتجاه الذي تشير إليه الفوهة .
" …… "
اقتربتُ منه، فتنحى سيزار جانباً قليلاً وكأنه يأمرني بالتأكد بنفسي. وعندما نظرتُ إلى حيث تشير الفوهة، رأيتُ الحبل الذي يربط تمثال الأسد بالسقف بشكلٍ ضعيف .
كان التصميم يوضح بأنه بمجرد انطلاق الرصاصة الحقيقية، سينقطع الحبل ويسقط التمثال على الأرض فوراً. وفي تلك اللحظة، ستتحطم الأرضية الزجاجية تماماً بفعل اصطدام التمثال بها.
… وحينها، ستظهر الهدية المخبأة تحت الأرضية المحطمة، لكن الشيء المؤكد هو أن تلك "الهدية" لن تكون أبداً شيئاً يصب في مصلحتي .
" يجب أن نجد الشخص الذي يمتلك الرصاصة الحقيقية."
… الخسوف الكلي للقمر . لا أعلم متى سيكون ذلك اليوم، لكن إذا سقط تمثال الأسد في يوم الخسوف، فستتضاعف الهدية . وكان عليّ أن أمنع حدوث ذلك بأي ثمن.
" … هل الرصاصة الحقيقية بحوزتك ؟ "
سألتُ سيزار بنبرة خافتة، فاكتفى بهز رأسه نفياً بهدوء.
… هل يقول الحقيقة ؟ لكن لم يكن هناك سبب يدفع سيزار للكذب بشأن أمرٍ كهذا، فهو يحتاج إلى الأدلة بشكل يائس .
" من الأفضل أن نتحدث بعد أن ينتهي الجميع من التحقيق أولاً."
أومأتُ برأسي موافقةً على كلامه. فمنذ نزول سكان الطابق الثالث، لم تسنح لنا الفرصة للاجتماع معاً.
بدأ سيزار يحدق بتمثال الأسد المتدلي من السقف بعناية وهو يضيق عينيه. حذوتُ حذوه ونقلتُ بصري نحو السقف.
كان تمثال الأسد منحوتاً بدقة مذهلة، بدا الأسد وكأنه مستعد للانقضاض على فريسته في أي لحظة، وكأنه على وشك القفز نحونا.
ابتلعتُ ريقي بينما كنتُ أحدق في التمثال بذهول. علاوة على ذلك، كان الأسد رمز مدينة تيفرن، كان نسخة مطابقة تماماً لتمثال الأسد الشامخ أمام مبنى البلدية. حتى هذا التمثال بدا وكأنه يشكل جزءاً من مراسم تأبين الضحية "ديريك".
تنهدتُ بداخلي لبرهة، ثم أنزلتُ بصري نحو الأسفل عند سماع صوت كيڤن وهو يركض في القاعة .
" لنلعب الغميضة ! "
" كـ … كيڤن ! توقف، ستقع وتؤذي نفسك ! "
" أخي هو المطارد ! "
صرخ لوكاس محذراً كيڤن من الركض، لكن لم يبدُ أن كيڤن يعير كلامه أي اهتمام. تردد صدى ضحكات الطفل البريئة في أرجاء المكان .
" …… "
بعد لحظات، تذكرتُ "النقطة الزرقاء" على الخريطة وبدأتُ بالتحرك. بدا أن سيزار أيضاً ينوي البدء بالتحقيق فتبع خطواتي .
شعرتُ بالارتباك من ملاحقته لي فسألتُه: " … هل ستتبعني ؟ "
" يجب أن تكوني واضحة، أنتِ من تتبعيني."
ضيقتُ عينيّ وأنا أنظر إلى سيزار الواقف خلفي، فرسم ابتسامة خفيفة على وجهه وكأنه يسأل "هل هناك مشكلة؟".
… ما الذي يدور في ذهنه يا تُرى ؟ لا أزال عاجزة تماماً عن فهم نواياه.
سألني سيزار بهدوء: " إلى أين تنوين الذهاب أولاً ؟ "
" غرفة الزينة، لكن لماذا تسأل ؟ "
" كنتُ أفكر في الذهاب إلى مكان آخر."
اتجه سيزار نحو غرفة الاستراحة، وهي الأقرب لمكان وقوفنا. كانت هناك نقطة زرقاء داخل غرفة الاستراحة أيضًا .
… يا للمصيبة، ماذا أفعل ؟
تبعتُ سيزار بجبينٍ مقطب، لكنني توقفتُ فجأة حين رأيتُ إيان يسير في الاتجاه المقابل .
اتسعت عينا إيان حين رآني، لكنه سرعان ما أشاح بنظره وكأن أعيننا لم تلتقي قط، وتوجه نحو غرفة الزينة .
" …… "
شعرتُ بالذعر وتبعته فوراً نحو غرفة الزينة .
… صحيح أنني لا أحب إيان، لكن لا يمكنني تركه يدخل وحده إلى مكان قد يحتوي على فخاخ .
دخلتُ خلفه بالفعل، لكنني ندمتُ قليلاً بمجرد دخولي. كانت غرفة الزينة مختلفة تماماً عما كنتُ أتخيله.
عادةً ما تكون هذه الغرفة مكاناً للسيدات لتعديل مكياجهن أو ملابسهن في قاعات الرقص، لكن الغرفة التي أقف فيها الآن لم تكن تبدو كذلك أبداً .
كانت الجدران والأبواب كلها عبارة عن مرايا، بينما نبتت على الأرض أغصان من الورود السوداء .
ابتلعتُ ريقي بصعوبة وأنا أنظر إلى تلك الورود المليئة بأشواك حادة وأكثر فتكاً مما أراه عادة .
— طق، طق.
مع أنه لا بدّ أنه سمع خطواتي، لم يلتفت إيان ولو لمرة واحدة .
في النهاية، كنتُ أنا من بادر بالحديث: " لنبحث معاً."
حينها فقط، التفت إيان نحوي. وفي تلك اللحظة، ظهرت صورتي وصورة إيان في المرايا المتقابلة، تتكرر وتصغر إلى ما لا نهاية .
****************************
الفصل : ٧١
اليوم الثاني عشر - 28/10 (9)
كانت أجواء غرفة الزينة معتمة تماماً، تشبه في كآبتها تلك الورود السوداء. ولعل هذا هو السبب في أن الأجواء التي أحاطت بي و بإيان كانت موحشة إلى أبعد الحدود.
مع كل خطوة أخطوها، كان التراب الذي يغطي الأرضية يلتصق بنعال حذائي ويصدر صوتاً مزعجاً. لم يكن إحساساً ممتعاً على الإطلاق .
" …… "
ورغم ذلك، اقتربتُ منه وحاولتُ جاهدةً أن أضع ابتسامة على وجهي.
ارتجفت حنجرة إيان، كانت تفاحة آدم تتحرك صعوداً وهبوطاً، تختفي تحت ياقة ثوبه الكهنوتي ثم تظهر مجدداً. ربما شعر إيان بعدم الارتياح، فبدأ يتراجع للخلف بتوتر .
" …… ! "
فزعتُ مما قد يحدث، فأمسكتُ بذراعه وجذبتُه نحوي بقوة .
— كلاك .
في تلك اللحظة، دوّى صوت ميكانيكي مرعب في أذني .
شددتُ قبضتي على ذراعه وجذبتُه بمزيد من القوة لمنعه من التراجع أكثر. ربما سحبتُه بقوة مبالغ فيها، إذ انتهى به الأمر وهو يسقط فوقي تمامًا.
وفي تلك اللحظة، انطلق صوت تمزق حاد من خلف إيان، واندفع فخٌّ معدني من الأرضية ليغلق بحدة في الهواء .
" …… ! "
هدأ الفخ بعد أن فشل في اصطياد طريدته، لكن دقات قلبي ظلت تخفق بعنف كأنها لن تهدأ أبداً .
— تيك .
سقطت مصيدة الفئران على الأرض ثانيةً. وحينها فقط استطعتُ التقاط أنفاسي وتحويل نظري .
" …… "
كانت عينا إيان اللتان تنظران إليّ متسعتين بذهول. بدا من وجهه وكأنه نسي كيف يتنفس.
خاطبتُه بصوتٍ خافت وحذر: " … هل يمكنك الابتعاد قليلاً ؟ "
استعاد إيان وعيه حينها فقط. وسارع بإشاحة نظره عني.
" أ … أنا آسف جداً."
رفع إيان، الذي كان يستند بيديه بجانب رأسي، كفيه عن الأرض بارتباك شديد، لكن في تلك اللحظة، سقطت قطرة من دمه الأحمر القاني من يده البيضاء الشاحبة لتستقر فوق وجهي .
حينها، عادت نظرات إيان التي كانت تحاول الهروب لتتسمر عليّ مجدداً. يبدو أن يده قد جُرحت بفعل أشواك الورد الحاد، فكان الدم يغطي كفه .
نهضتُ بجزئي العلوي بسرعة وأنا أشعر بالقلق، وتفحصتُ يده .
" إنك تنزف ! "
" أ … أنا بخير، لا داعي للقلق."
سحب إيان يده من بين يديّ بسرعة. وبينما كان يعبث بيده الملطخة بالدماء، ظل يحرك شفتيه وكأنه يملك شيئاً يود قوله .
" …… "
أدركتُ حينها فقط أن قطرة من دمه قد سقطت على وجنتي. سارعتُ بمسحها بظهر يدي، بينما كان إيان يراقبني بنظرات حادة ومركزة لدرجة تثير الريبة .
رغم أن نظرات إيان كانت تضغط عليّ قليلاً، إلا أنني تظاهرتُ بعدم الانتباه. نهضتُ من مكاني وقلتُ له: " … هناك الكثير من الفخاخ، لذا من الأفضل أن تتوخى الحذر."
نظر إيان إلى فخ الفئران المستقر خلفه وأجاب بصوت خافت: " … شكراً لكِ."
راقبتُه وهو ينهض، وقلتُ له بحذر: " ألا تظن أنه من الأفضل أن تعالج جرحك أولاً ؟ "
…في الحقيقة، كنتُ أتمنى أن يغادر غرفة الزينة. أردتُ أن أحقق وحدي وأجمع الأدلة دون مراقب .
فكر إيان في كلامي للحظة، ثم هز رأسه نفياً. حاولتُ إقناعه مجدداً: " سيكون الأمر سيئاً إذا تلوّث الجرح."
" التحقيق له الأولوية على ذلك."
بعد أن أجابني، بدأ يتفحص الأرضية بحذر. لم أستطع قول المزيد، فتظاهرتُ بتجاهل المكان الذي كانت تشير إليه النقطة الزرقاء. بينما كنتُ أعبث بالأرضية التي بدت عادية تماماً .
" …… ؟ "
خلافاً للأرضية المحشوة اللينة، شعرتُ بجزء صلب في إحدى الزوايا. استرقتُ النظر نحو إيان، ثم بدأتُ أحفر الأرض بحذر. ظهرت أرضية بلون يشبه التراب، لكن ملمسها كان مختلفاً تماماً.
ضيقتُ عينيّ ومسحتُ السطح بيدي، لتظهر أرقام محفورة بوضوح: [ 810912 ]
ستة أرقام.
بمجرد رؤيتها، أدركتُ بشكل غريزي أن هذا هو الرقم السري للباب الموجود في أرضية المخزن.
رددتُ الرقم في سري مراراً بينما أعدتُ تغطيته بالتراب. بعد أن انتهيت، نهضتُ من مكاني.
بدا لي أن المساحة داخل غرفة الزينة هذه منفصلة تماماً عن الواقع؛ فبالرغم من أنها كانت تربة تنمو فيها الورود السوداء بكثافة، إلا أن يدي لم تتسخ أبداً. وحتى عندما سقطتُ على الأرض قبل قليل، لم يعلق أي أثر للتراب بملابسي .
تأملتُ انعكاسي في المرآة، بدا مظهري نظيفاً تماماً وكأنني لم أتدحرج في التراب، وهو أمر شعرتُ تجاهه ببعض الغرابة. وبينما كنتُ أشعر بالانبهار من هذا الأمر وأحول نظري نحو إيان.
ما هذا … ؟
ظننتُ أنني ربما أخطأتُ الرؤية، فأعدتُ نظري إلى المرآة .
…… هذا غريب .
أنا متأكدة أن نسختي في المرآة لم تتبع حركتي كما يجب. شعرتُ بقشعريرة تسري في عمودِي الفقري، لكنني قررتُ تجاهل الأمر، فقد يكون مجرد وهم .
حينها، التقت عيناي بعينيّ إيان في المرآة .
التفتُ خلفي بفزع، فقال إيان بوجهٍ محرج: " لم أقصد إخافتكِ … أنا آسف."
"آه، لا بأس، أنا فقط جبانة بعض الشيء بطبيعتي."
مسحتُ على صدري محاولةً تهدئة قلبي وبدأتُ بالتحرك.
الأدلة مهمة، لكن الأهم الآن هو الخروج من غرفة الزينة فوراً. لقد تأكدتُ الآن مما حدث قبل قليل، نسختي داخل المرآة لا تزال تحدق بي حتى وأنا أتحرك .
كنتُ على وشك البكاء من شدة الرعب وأنا أسرع في خطواتي .
" آنسة لوبيز."
ناداني إيان حينها. كان صوته هادئاً للغاية، لكن بسبب الموقف، انتفضتُ ذعراً دون إرادتي .
" نـ … نعم ؟ "
اقترب مني إيان بحذر. اتسعت عيناي لبرهة، ثم قلتُ له محاولةً التظاهر بالهدوء: " لـ … لنخرج أولاً، لا أريد البقاء هنا لفترة أطول."
… أرجوك، وافقني .
كنتُ أرغب في مغادرة غرفة الزينة في أسرع وقت ممكن .
فقد كانت نُسخي في المرايا المصطفة على الجانبين لا تزال تحملق فيّ بحدة … !
لكن إيان بدا وكأنه لم يلحظ ذلك أبداً، إذ ظل وجهه محتفظاً بهدوئه المعتاد .
… كيف لم يلاحظ هذا !
تلك … تلك النسخة تنظر إليّ وكأنها تريد قتلي ! كيف لا يرى ذلك !
كانت صرخة صامتة في داخلي. قبضتُ يديّ المرتجفتين بقوة محاولةً السيطرة على نفسي .
— طرق، طرق .
في تلك اللحظة، سُمع صوت طرقات على الباب من الخلف .
" فيفيان، هل أنتِ بالداخل ؟ "
… كان هذا صوت سيزار .
اتسعت عيناي لبرهة، وهرعتُ نحو الباب بلهفة. وبينما كان مقبض الباب يدور، وفي اللحظة التي كاد يفتح فيها :
— بـوم !
اندفعت يدٌ من خلفي لتغلق الباب بقوة وتمنعه من الفتح .
" فيفيان ؟ "
تردد صوت سيزار المتسائل من خلف الباب. أما أنا، فلم أستطع نطق كلمة واحدة، واكتفيتُ بفتح فمي بذهول. فقد كانت المسافة بيني وبين إيان قريبة بشكل مفرط.
تجمدتُ تماماً وأنا أشعر بأنفاسه تداعب عنقي من الخلف. كانت يد إيان البيضاء الشاحبة التي تسد الباب تبرز عروقها الزرقاء بوضوح. شعرتُ وكأن لمسته الباردة قد مرت بخفة فوق عنقي المكشوف .
أطلقتُ زفيراً حاداً والتفتُ نحوه: " ماذا تظن نفسك فاعـ …… "
لكن في تلك اللحظة، ابتلعتُ بقية كلماتي رغماً عني، فقد كانت نظرات إيان التي تخترقني غارقة في عتمة عميقة ومريبة .
حبستُ أنفاسي وأنا أسيرة عينيه، ثم قلتُ بصعوبة: " ماذا تفعل ؟ "
" …… "
" ماذا دهاك الآن …… "
لسببٍ ما، كان من الصعب عليّ مواجهة نظراته. عضضتُ شفتي السفلى وابتعدتُ عنه بضع خطوات. حينها فقط، رفع إيان يده عن الباب .
ظل يحدق في كفه الملطخة بالدماء لبرهة، ثم نقل نظره إليّ. بدا وجهه وكأنه شخصٌ لن يجدي معه نفعًا أي لغة حوار. بدأ الخوف الذي حاولتُ دفعه يتسلل مجدداً إلى جسدي .
قلتُ بكلمات خرجت وكأنني أمضغها: " … ألم تسمعني عندما قلتُ لنخرج ؟ "
" سمعتُكِ."
كان رداً وقحاً وبسيطاً. كتمتُ ضحكة ساخرة كادت تخرج مني وسألتُه: " إذن لماذا فعلتَ هذا ؟ "
كانت نُسخ فيفيان الواقفة في كل مكان لا تزال تنظر نحوي، رغم أنني لم أكن أنظر إليهن .
مسحتُ ذراعيّ اللتين أصيبتا بالقشعريرة واقتربتُ من الباب، لكن إيان اعترض طريقي بجسده ليمنعني من الخروج. لذا توقفتُ مكاني فجأة.
أجاب إيان بصوت خافت: " … في الحقيقة، أنا نفسي لا أعلم لماذا."
كان رده بطيئاً ومثقلاً بشيء ما.
" افتح الباب، من فضلك."
تحدثتُ بصوتٍ حاولتُ أن يكون هادئاً، لكنه تجاهلني تماماً. بدأتُ أشعر بالغضب من تصرفه هذا … وربما بغضبٍ عارم .
" لا أريد البقاء معك هنا لفترة أطول، لذا لِنخرج." عضضتُ شفتي السفلى بقوة .
حينها، فتح إيان فمه وقال بهدوء: " في يومي الأول في القصر، قلتُ إنني أشعر وكأنني رأيتُ الآنسة لوبيز في مكانٍ ما من قبل، أليس كذلك ؟ "
" …… "
" الآن، أظنني بدأتُ أعرف أين رأيتُكِ."
قبضتُ على ذراعي بقوة. يبدو أن إيان لا ينوي فتح الباب لي إطلاقاً. لا أعلم ما الذي يريد قوله، لكن من الواضح أنه لن يتحرك قبل أن يفرغ ما في جعبته .
شعرتُ بعشرات الأعين من المرايا تنغرس في جسدي. ابتلعتُ ريقي وقلتُ له: " لا أعلم ما الذي تحاول قوله، لكن حسناً، إذا كان لديك ما تقوله، فقله، سأستمع إليك كما تريد."
عند سماع كلماتي، ارتفع طرف شفاه إيان قليلاً .
…… هل يبتسم ؟
من المؤكد أنه يرى بوضوح كيف شحب وجهي من الرعب وكيف أرتجف كلياً، ومع ذلك يبتسم ؟
لا أعلم ما الذي يجعله مستمتعًا، لكنه ظل يبتسم فقط. كان منظره وهو على تلك الحال يبعث القشعريرة في الأبدان .
ثم سألني بوجهٍ تعلوه تلك الابتسامة المريبة: " ما الذي يدفعكِ للمخاطرة هكذا وأنتِ لا تعلمين ماذا أعرف عنكِ بالضبط ؟ "
****************************