الفصل ٩٤ و ٩٥ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الرابع عشر _ 30/10 (6)

"… وكيف لك أن تعلم أي شيء عن هيلين؟"

بالتفكير في الأمر، كان إيان قد ذكر سابقاً أنه رآني في مكان ما من قبل .

هل يعني هذا أنه كان على صلة بـ فيفيان ؟ … ما هو الخيط الذي فاتني يا تُرى ؟

نطق إيان بنبرة هادئة: " أنا لا أعلم عن هيلين؛ كل ما في الأمر أنني أعلم عنكِ أنتِ، يا آنسة لوبيز."

" أياً كان ما تعلمه، فبما أنك كذبت عليَّ بالفعل، لم يعد بإمكاني تصديق كلماتك بعد الآن."

أطلقت ضحكة سخرية من ذاتي وتابعت: " لقد قلت إنك لا تكرهني، ويبدو أن تلك الكلمات قد ثبتت زيفها أيضاً، فبالنظر إلى ما تفعله الآن، تبدو لي كرجل يتوق بشدة إلى تعذيبي."

كانت حدقتاه، اللتان لا يُدرك مغزاهما، تثيران في نفسي القلق فحسب .

جززت على أسناني ونطقت: " لقد صدقتُ كلماتك، على الأقل."

كنت أعلم يقيناً أن "مستوى الثقة" يختلف تماماً عن "مستوى الإعجاب" في الألعاب التي أعرفها. والدليل على ذلك هو أن سكان القصر، ورغم عدم محبتهم لسيزار، إلا أنهم يثقون في كلماته .

بالطبع، هذا لا يعني أن الثقة والإعجاب يدوران في مدارين منفصلين تماماً، فمن غريزة البشر أن يرغبوا في تصديق من يحبون. لذلك، تمسكتُ ببصيص من الأمل و وثقتُ في إيان.

فحتى لو كانت ثقته بي تنخفض باستمرار، فقد قال بلسانه إنه لا يكرهني. ظننتُ أنني لو حافظتُ على علاقتي به، فإن مستوى ثقته سيرتفع يوماً ما.

ردَّ إيان على كلماتي بنبرةٍ امتزجت فيها السخرية بالضحك: " كيف لكِ أن تكذبي بهذه الوقاحة وأنتِ تضعين نظرةً كهذه ؟ "

" لا أظن أنك الشخص المؤهل لقول ذلك، يا سيد إيان."

تناهى إلى مسامعنا صوت آرييل وصوفيا قادماً من الطابق الثالث.

نطقتُ بكلماتي تجاه إيان وكأنني أمضغها بين أسناني: " أرجو ألا يجمعنا لقاءٌ منفردٌ مرةً أخرى."

" …… "

" وأياً كان ما تعلمه من حقائق، فإن كنتَ تنوي زعزعة استقراري بها، فمن الأفضل أن تتأهب لما سيأتيك."

مهما كان ما يعرفه إيان عني، لم أعد أرغب في أن أكون دميةً بين يديه يحركها كيفما شاء؛ كان هذا قراري الحاسم.

تركتُه خلفي وتابعتُ سيري.

" فيفي ؟ "

نادتني آرييل بنبرةٍ يملؤها التساؤل حين رأتني أنزل من الطابق الرابع .

أسرعتُ الخطى نحو آرييل وصوفيا، خشية أن يحاول إيان إيقافي. لمحتُ صوفيا وهي ترمق إيان الواقف بالقرب من منصة الإطلاق بنظرةٍ خاطفة، لكنها لم تنبس ببنت شفة.

" … هل جئتما لتفقد الطابق الرابع ؟ "

عند سؤالي، رسمت آرييل على وجهها ابتسامةً خجولة وأجابت: " بينما كنتُ أتبادل أطراف الحديث مع الآنسة صوفيا، وجدتُ نفسي فجأة في الطابق الرابع."

وبينما كانت آرييل تتحدث، نقلت نظراتها نحو السلالم التي تقبع خلفي. سرعان ما تلا ذلك وقع أقدامٍ يقترب من الخلف.

" السيد إيان كان هنا أيضاً ؟ "

ما إن أنهت آرييل جملتها حتى انطلق صوت إيان: " نعم، كنتُ أتفحص الطابق الرابع."

خُيل إليَّ أن نظراته قد استقرت عليَّ لبرهة، لكنني لم ألتفت نحوه أبداً.

" إذن، سأستأذنكم بالنزول أولاً."

تلاشت أصوات خطوات إيان تدريجياً وهي تبتعد. حينها فقط، استطعتُ أن أرخي ملامح وجهي المتصلبة.

رمقت صوفيا ظهر إيان بنظرة خاطفة لبرهة، ثم فزعت عند سماع صوت إغلاق الباب.

التفتت إليَّ آرييل، وأنا واقفة في مكاني، وقدمت اقتراحاً بنبرة هادئة: " بما أننا هنا بالفعل، ما رأيكِ أن نقوم ببعض التفتيش قبل النزول ؟ "

" … حسنًا، لنفعل ذلك."

وافقتُ على اقتراح آرييل، فلم تكن لديَّ أي رغبة في مواجهة إيان مرة أخرى .

حينها سألتني صوفيا: " على أي حال، ما الذي دار بينكما حتى جعل تعابير ذاك الرجل تبدو هكذا ؟ "

" لم نتحدث في شيء ذي أهمية."

ضيقَت صوفيا عينيها إثر كلماتي وقالت: " … لكن ملامحه كانت تبدو مشرقة للغاية."

" … ملامح مَن ؟ "

أمالت صوفيا رأسها نحو باب الطابق الثالث وكأنها محتارة من سؤالي عن أمر بديهي .

عجزتُ عن الرد لبرهة؛ ظننتُ أنني أسأتُ السمع، لكن صوفيا ألقت عليَّ جملة ثقيلة الوطأة: " لقد كان وجهه يبدو مستمتعاً بحق."

كنتُ أظن أن حوارنا لم يكن ممتعاً على الإطلاق، ولكن يبدو أن ظني كان في غير محله .

حاولتُ إرخاء ملامح وجهي وتابعتُ سيري نحو الطابق الرابع قائلة: " يبدو أن حديثي بدا مضحكاً بالنسبة له."

" … مضحكاً ؟ "

سألتني آرييل بوجه يملؤه الفضول، فاكتفيتُ بالرد بابتسامة باهتة ثم غيرتُ مجرى الحديث: " وماذا عنكما ؟ عن ماذا كان حديثكما ؟ يبدو أنه كان ممتعاً لدرجة أنكما لم تدركا وصولكما إلى الطابق الرابع."

أجابت صوفيا بهدوء: " نحن أيضاً لم نتحدث في شيء مهم "

بينما أومأت آرييل برأسها وهي ترسم ابتسامة مرتبكة .

… هل للأمر علاقة بهايلر ؟

لم أسترسل في سؤال أي منهما عن التفاصيل، وتابعتُ السير بصمت. وعندما وصلنا إلى الطابق الرابع، كانت وجهتنا الأولى هي غرفة الاستراحة التي كانت أبوابها مفتوحة.

" أوه … "

أطلقت صوفيا تنهيدة إعجاب خافتة وهي تتفحص الغرفة. بدت غرفة الاستراحة مريحة للغاية؛ حيث تناثرت فيها مقاعد مريحة، وإلى جانبها مصابيح مستديرة صفراء تبعث ضياءً دافئاً.

بيد أن أمراً واحداً استوقفني وأثار ريبتي، وهي الخزانة الموجودة في إحدى زوايا الجدار، حيث كانت تكتظ بصفوف من أشرطة الفيديو.

" …… "

أخرجت آرييل أحد الأشرطة الموضوعة في الخزانة وشرعت في تقليبه بين يديها. كانت أشرطة سوداء تماماً، لا تحمل أي عناوين.

سارعتُ بفتح الخريطة، لكنني لم أجد أي علامة مميزة.

… ألا تُعدُّ دليلاً إذن ؟

لكن، بما أن شريط الفيديو الخاص بهيلين لم يكن يحمل أي علامة أيضاً، لم يكن بإمكاني أن أشعر بالاطمئنان .

خُيل إليَّ أنني لو وضعتُه في قائمة المخزون، فقد تظهر لي بعض المعلومات عنه … التقطتُ شريط فيديو من المنتصف، ثم أعَدتُ وضعه مكانه .

وفي تلك الأثناء، لمحتُ مصباحاً يتخذ شكلاً غريباً ومختلفاً.

" …… ؟ "

في اللحظة التي اقتربتُ فيها من المصباح دون وعي مني، استدار المصباح فجأة بحركة دائرية لتلتقي عيناه بعينيَّ .

لقد كان رأس "مانيكان" يتوهج بضياء ساطع.

بينما كنتُ أحدق به بذهول وعجز عن الكلام، تناهى إلى مسامعي صوت آرييل المذعور من خلفي: " يا إلهي، ما هذا … ؟ "

إثر كلماتها، نقلت صوفيا نظراتها هي الأخرى نحو المصباح. قطبت صوفيا حاجبيها واقتربت من المصباح، ثم رفعت رأس المانيكان بيديها.

سرعان ما سكن رأس المانيكان الذي كان يتحرك قبل قليل.

تفحصت صوفيا الرأس ثم قالت لنا بهدوء: " يبدو أنه جزء من ذاك المانيكان الموجود في الطابق الثاني … أليس كذلك ؟ "

أومأتُ برأسي صامتة. حينها قالت صوفيا إن عليها الذهاب إلى الطابق الثاني، وأخذت رأس المانيكان معها.

راودتني هذه الفكرة فجأة … إن قامت صوفيا بإعادة رأس المانيكان إلى مكانه في الطابق الثاني، ألن تُعتبر المهمة مكتملة على أي حال ؟

في غضون ذلك، سألتنا صوفيا، أنا وآرييل: " هل ستكملان التفتيش هنا قبل النزول ؟ "

" آه، نعم، كنتُ أنوي فعل ذلك."

أجبتُها وكأنني كنتُ أنتظر هذا السؤال؛ فقد أردتُ استغلال فرصة خلو المكان لفتح أبواب الغرف الموصدة.

نقلت صوفيا بصرها نحو آرييل، ففكرت الأخيرة قليلاً ثم قالت بهدوء: " سأقوم أنا أيضاً ببعض التحريات الإضافية قبل أن أنزل."

" حسناً إذن، نلتقي لاحقاً."

أحكمت صوفيا قبضتها على رأس المانيكان ونزلت الدرج.

تبادلتُ مع آرييل نظراتٍ يسودها الارتباك، فسرعان ما رسمت على وجهها ابتسامة خجولة وسألتني: " ما الذي دار بينكِ وبين الكاهن ؟ "

" ماذا … ؟ "

لم أتوقع أن تسألني آرييل عما حدث قبل قليل، فتوقفتُ عن الحركة دون وعي.

ارتبكت آرييل بشدة وأردفت بسرعة: " لم أقصد الضغط عليكِ، لكن تعابير وجهكِ بدت لي مظلمة باستمرار … لذا سألتُ بدافع القلق، خشية أن يكون الكاهن قد قال لكِ شيئاً سيئاً."

" آه … "

ابتسمتُ بمرارة وقلت: " حقا، لم يكن أمرًا كبيرًا، كل ما في الأمر أن السيد إيان كذب عليَّ في مسألة ما."

" … كذب ؟ "

أومأتُ برأسي معلنة رغبتي في إنهاء هذا الحوار. ويبدو أن آرييل قد فطنت لمبتغاي، فلم تسترسل في سؤالها عن التفاصيل.

حدقتُ فيها لبرهة، ثم فتحتُ فمي ونطقتُ بحذر: " وماذا عنكِ أنتِ ؟ لم تبدُ حالتكِ المزاجية على ما يرام هي الأخرى."

تحركت شفتا آرييل إثر كلماتي، ثم أرخت ملامحها المتصلبة ورسمت ابتسامة باهتة وقالت: " لقد تحدثتُ عن رسالة التهديد."

بدأت حدقتا عينيَّ تضطربان قليلاً عند سماع كلماتها، فقد كان آخر ما أتوقعه هو أن تتحدث آرييل عن هذا الأمر بكل تلك الصراحة .

****************************

الفصل : ٩٥

اليوم الرابع عشر _ 30/10 (7)

بدا أن آرييل ترددت في المضي قدماً بالحديث عن رسالة التهديد .

وبعد برهة من الصمت، انفتحت شفتاها المنغلقان ببطء: " لقد سألتني عن السبب الحقيقي الذي جعلني أستدعي هايلر إلى الميدان، وهو رسالة التهديد، لذا أخبرتُها بالأمر."

" …… "

بما أنها هي من تحدثت معي عن موضوع رسالة التهديد، هل يجوز لي أن أسألها عنه ؟

بينما كنتُ غارقة في تفكيري، رسمت آرييل ابتسامة باهتة وقالت: " يمكنكِ السؤال، فأنا لا أستطيع إبقاء الأمر سراً إلى الأبد."

" … لا داعي للحديث إن كان ذلك يؤلمكِ."

أومأت آرييل برأسها إثر كلماتي وتابعت: " بالتفكير في الأمر الآن، كانت محتويات رسالة التهديد سخيفة إلى حد ما."

"ماذا كان مكتوباً فيها؟"

عند سؤالي، حاولت آرييل إرخاء ملامحها ونطقت: " كانت تتعلق بوالدي، وبشكل أدق، تضمنت اتهاماً بشأن جريمة قتل ارتكبها والدي الذي فُقد أثره."

" …… ! "

بدأت آرييل تفرك أصابعها بتوتر وهي تجول ببصرها في الأنحاء: " لم يُذكر في الرسالة نوع جريمة القتل التي ارتكبها والدي بالضبط، لذا ظننتُ في البداية أنها مجرد ترهات."

" …… "

" لكن مع مرور يوم أو يومين، واستمرار وصول الرسائل، لم يعد بإمكاني تجاهلها، وعلاوة على ذلك … ساورني شعور بأن الأمر قد يكون متعلقاً باختفاء والدي."

"وهل أخبرتِ الشرطة بذلك؟"

هزت آرييل رأسها بهدوء رداً على سؤالي.

"لماذا؟"

"لأنني في ذلك الوقت، كنتُ أظن أن والدي لم يُفقد، بل هرب."

" …… "

" لذا لم أبحث عنه، ظننتُ أنه لو كان والدي الذي غادر منزلنا سعيداً، فإن ذلك سيكون بمثابة سعادتي الخاصة أيضاً."

سألتُ آرييل بحذر: " كم كان عمركِ آنذاك ؟ "

"عشر سنوات."

قبضت آرييل على السياج بقوة وكأنها غارقة في ذكرياتها: " أخشى أن تكون كوابيسي متعلقة أيضاً بجريمة قتل والدي."

" … هل تصدقين ما قاله المبتز ؟ "

" على الأقل، والدي الذي أعرفه … هو شخصٌ قادرٌ على فعل ذلك."

دوّى صوت آرييل الحازم في مسامعي. لم أستطع النطق ببنت شفة أمامها، واكتفيتُ بتحريك شفتيَّ بصمت.

" ذكرت الرسالة أنني إذا استدعيتُ هايلر إلى الميدان، فسوف يخبرني بقصة والدي، وأضاف أنني إذا أفشيتُ أمره، فإن الاتفاق سيُلغى وكأن شيئاً لم يكن."

" …… "

" لا أعلم ما هي الجريمة التي اقترفها والدي، ولكنني آمنتُ أنه إن كان هناك ضحية، فلا بد من دفع الثمن، هذا هو التكفير الوحيد الذي يمكنني القيام به."

تلعثمتُ في حديثي أمام كلماتها: " لكنكِ … لم ترتكبي أي ذنب."

" لا بد أن ينال شخصٌ ما العقاب، إن كان والدي هو القاتل، فعليَّ أنا ابنته، أن أكفّر عن ذنبه، أعتقد أن هذا هو أقل واجب يمكنني تقديمه للضحية."

فتحتُ فمي لأردَّ، ثم أطبقته مجدداً .

… كانت محقة. لم يكن هذا التفكير غريباً عني أنا أيضاً. فأنا لا أعرف من هو الجاني الذي قتل هيلين، ولكنني شعرتُ أنه إن لم ينل المجرم عقابه، فليتجرعه أفراد عائلته على الأقل .

ورغم إدراكي لمدى أنانية هذا الفكر، إلا أنني لم أستطع محو تلك الفكرة البائسة من مخيلتي. فحتى لو كانوا مقربين للجاني ولا ذنب لهم، لم يكن بوسعي النظر إليهم بعين الرضا والقبول .

" لهذا السبب فعلتُ ذلك، فلو أطبق المبتز فمه، لن أتمكن من التكفير عن ذنبي تجاههم إلى الأبد."

نطقت آرييل بهذه الكلمات بصعوبة بالغة. كانت قد خفضت رأسها، بينما بدت ملامح وجهها ملتوية من شدة الألم .

ابتلعتُ الكلمات الكثيرة التي كانت تدور في رأسي؛ لم يخرج من بين شفتيَّ أي شيء. وبعد ترددٍ طويل، نطقتُ أخيراً: " … شكراً لأنكِ كنتِ صادقة معي."

جفلت آرييل إثر كلماتي، لكنها أومأت برأسها بهدوء.

[ ارتفعت ثقة آرييل هوارد بكِ بنسبة 5%.]

ظلت آرييل صامتة لفترة، ثم بعد برهة، رسمت ابتسامة باهتة وقالت بهدوء: " … لنذهب، علينا أن نبدأ التحقيق."

أومأتُ برأسي أخيراً استجابةً لاقتراحها، وتبعثُ خطوات آرييل نحو "غرفة الألماس".

كنتُ على يقينٍ أنها ستكون موصدة، ومع ذلك، أدرتُ مقبض باب الغرفة بهدوء.

وفي تلك اللحظة …

— صرير .

أُدير مقبض الباب بسهولة لا تُصدق. وعلى نقيض حالتي حيث تيبستُ في مكاني، هتفت آرييل بصوت مبهج: " لحسن الحظ أنه مفتوح ! هيا بنا ندخل بسرعة."

" أوه ؟ آه … "

ظللتُ مذهولة لبرهة قبل أن أتبع آرييل إلى الداخل.

لماذا … لماذا غرفة الألماس مفتوحة ؟

بذلتُ قصارى جهدي لأكبح جماح ارتباكي وأخفيه. بدأ قلبي، الذي كان ساكناً قبل قليل، يخفق بعنف وتدوي دقاته في صدري.

… هل هناك خيطٌ فاتني ؟ ألم أقم بجمع كل المفاتيح بنفسي ؟

المفتاح الوحيد الذي فاتني كان مفتاح غرفة الألعاب، وقد أخبرتني آرييل حينها أنها وجدته في الرواق.

شعرتُ وكأن عقلي قد توقف عن العمل مهما حاولتُ التفكير. ولم يطفُ على سطح تفكيري المشوش سوى شعورٍ واحد؛ نذيرُ شؤمٍ يقبض صدري.

سارعتُ بفتح الخريطة؛ كانت النقاط الزرقاء الثلاث لا تزال ظاهرة.

… ولكن، كانت هناك احتمالية كبيرة بأن شخصاً ما قد قام بأخذها بالفعل .

" يا لها من لوحات كثيرة ! "

إثر تمتمة آرييل، حاولتُ إرخاء ملامح وجهي المتجمدة، بيد أن ذاك الشعور المشؤوم لم يفارقني.

كانت جدران غرفة الألماس تزدان بإطارات اللوحات، كانت مساحة تعج بالصور الشخصية ولوحات المناظر الطبيعية، وكانت جميعها لوحات عالمية شهيرة سبق لي رؤيتها في مكان ما.

اقتربتُ من اللوحة التي كانت تظهر عليها النقطة الزرقاء؛ كانت لوحة لمرجٍ شاسعٍ ممتد تحت سماءٍ تتوهج بحمرة الغروب.

" …… "

تفحصتُ اللوحة على عجل، لكنني لم أجد أي أثرٍ لدليلٍ ما. رفعتُ الإطار بحذر لعلي أجد شيئاً مكتوباً خلفه، لكن اللوحة ظلت صامتة على حالها.

" فيفي، انظري إلى هذا."

في تلك اللحظة، نادتني آرييل. تركتُ لوحة الغروب التي كنتُ أعاينها واتجهتُ نحوها. كان الجدار الأيسر للغرفة، من زاوية الدخول، مغطىً بستائر معتمة حمراء اللون.

تبادلت آرييل النظرات معي، ثم مدت يدها بحذر نحو الستائر. وما إن سحبت الستائر حتى انقشعت الحقيقة.

" …… ! "

لم تكن المساحة التي تحجبها الستائر سوى شرفة.

" واه، المنظر رائع حقًا … "

أطلقت آرييل تنهيدة إعجاب خفيفة وهرعت نحو الشرفة؛ حيث انبسط أمام أعيننا مشهدٌ خلاب يُطل على المناظر الخارجية بوضوحٍ تام.

تجدد هواء القصر الخانق، وهبّت علينا نسمات باردة ومنعشة.

أبعدتُ خصلات شعري التي تطايرت مع الريح ودنوتُ من السياج. كان ما وراء الشرفة غابة لا نهاية لها، بحثتُ بعينيَّ باهتِمام علّني ألمح الكوخ في مكان ما، لكنه لم يكن ظاهرًا.

" ألا يمكننا الخروج من هنا عبر الشرفة ؟ أعتقد أننا نستطيع ربط الستائر ببعضها والنزول إلى الطابق الأول … "

نطقت آرييل بكلماتها تلك بحذر. نظرتُ إلى الأسفل إثر اقتراحها؛ كانت المسافة بين الطابق الرابع والأرض شاسعة.

لو انزلقت قدم المرء وهو يهبط عبر الستائر، لكانت المسافة كافية لإصابته بجروح بليغة، لذا شددتُ قبضتي على السياج بقلق .

فلم تكن هذه هي المشكلة الحقيقية الآن.

اتجهتُ نحو الستارة التي كانت تشير إليها العلامة الزرقاء، ولكن حتى هناك، لم أعثر على أي دليل.

أطلقتُ أنيناً مكتوماً وعضضتُ على شفتي السفلى بقوة.

" فيفي ، ما خطبكِ ؟ "

دنت مني آرييل وسألتني بنبرة يملؤها القلق والحيرة من ما أفعله، فاكتفيتُ بهز رأسي نفياً.

لم أستطع تخمين مَن ذا الذي سبقنا ودخل إلى "غرفة الألماس". لو كان هناك مفتاح قد وُجد، لكان مكانه في غرفة الاستراحة أو غرفة التجميل.

… أو ربما، عثر عليه أحدهم في مكان غير متوقع كما حدث مع آرييل.

شعرتُ برأسي يزداد غلياناً، وضعتُ يدي على جبهتي محاولةً تهدئة تلك الحرارة، لكنني أدركتُ عبث محاولتي فأنزلتُ يدي بيأس.

" سأذهب … إلى غرفة البرسيم أيضاً."

خرجتُ من غرفة الألماس على عجل، شعرتُ بنظرات آرييل تلاحقني بحيرة، لكنني لم أكن في وضع يسمح لي بالاهتمام بذلك.

أسرعتُ نحو غرفة البرسيم، وقبضتُ بجهد على مقبض الباب المطلي بالذهب.

أرجوك … أرجوك، لتكن غرفة البرسيم مغلقة على الأقل.

… لكن الحظ لم يكن حليفي .

— صرير .

دار مقبض الباب مصدراً صوتاً يبعث القشعريرة في الجسد. وتردد صدى موسيقى الأرغن في مسامعي، واجتاحني شعور غامض بالغثيان.

كنتُ أتمنى ألا أجد أحداً بالداخل، لكن المشهد الذي ظهر أمام عينيَّ لم يكن سوى اليأس بعينه.

" … سيزار."

نطقتُ باسمه دون وعي مني. رفع سيزار، الذي كان يقرأ شيئاً ما، رأسه لتلتقي عيناه بعينيَّ.

وما إن واجهتُ برود عينيه الفضيتين، حتى حبست أنفاسي بصدمة.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان