الفصل ٩٢ و ٩٣ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الرابع عشر _ 30/10 (4)

كان ريموند يقف عاقداً ذراعيه فوق صدره، وقد أمال رأسه جانبًا بنظرةٍ مريبة .

" … سيد ريموند ؟ "

ناداه لوكاس بنبرةٍ تملؤها المفاجأة، فأومأ ريموند برأسه بخفة وهو يوجه نظراته نحوي.

" لقد انتظرتُ الآنسة فيفي لوقتٍ طويل حقاً."

أطلق ريموند ضحكة خافتة.

… ألم يكن قد عاد إلى غرفته ؟

" بالمناسبة يا آنسة فيفي، هل أصبحت هذه الغرفة هي العيادة الآن ؟ "

أطلقتُ أنيناً مكتوماً إثر كلماته، ثم أخرجتُ دواء الهضم من جيبي.

" لقد عدتُ من العيادة منذ فترة طويلة بالفعل."

" … ولكن، لماذا لم تتناولي الدواء حتى الآن ؟ "

لمس ريموند بإصبعه غلاف دواء الهضم الذي لم يُفتح بعد.

" لم أستطع النوم … لذا فكرتُ في احتساء القليل من النبيذ قبل النوم."

ألقيتُ نظرة خاطفة نحو رفوف النبيذ المصطفة.

" أما أنتَ، فماذا كنتَ تفعل هنا …؟ "

أشرتُ بذقني بخفة نحو المطبخ الذي لم تضاء أنواره بعد؛ فقد كان لا يزال غارقاً في العتمة كما تركته حين أطفأتُ أنواره سابقاً.

" أنا ؟ لقد كنتُ جالساً في مكاني بهدوء بانتظار الآنسة فيفي، رغبةً مني في مفاجأتها."

أجاب ريموند وهو يسند رأسه برفق على إطار الباب .

… أكان جالساً في ذاك الظلام الدامس ينتظرني ؟

" همم، ولكن ما الذي كنتما تفعلانه في المخزن حتى تفاجأتما بهذا الشكل بمجرد دخولي ؟ "

" لقد ظننا أنه لا يوجد أحدٌ في غرفة الطعام."

أجاب لوكاس بابتسامة مرتبكة، فاستقرت نظرات ريموند عليه مطولاً.

" آه، يبدو أنكما لم تسمعا أي صوت لأنني كنتُ ساكناً للغاية، أليس كذلك ؟ "

" …… "

" ولكن بالمقابل … أنا أيضاً لم أسمع صوتيكما."

أطلق ريموند ضحكة ساخرة وتابع: " كما أن الأضواء قد أُشعلت فجأة."

" … ما الذي تحاول قوله بالضبط ؟ "

سألتُه حين لم أعد أطيق الاستماع إلى تلميحاته، فانفجر ريموند ضاحكاً.

" هل كانت كلماتي صعبة الفهم إلى هذا الحد ؟ كل ما أردتُ قوله هو أنني أود مشاركتكِ احتساء النبيذ إن كنتِ تنوين ذلك."

مدَّ ريموند يده وقبض على زجاجة نبيذ، ثم أردف بابتسامة تبعث على الغيظ وهو يوجه حديثه إلينا: " بصراحة، أشعر بنوع من الغيرة من فكرة ترككما تحتسيانه بمفردكما."

كتمت كلماته أنفاسي . وضع ريموند زجاجة النبيذ فوق الطاولة وسط الظلام، وأخذ يدندن بلحنٍ خفيف بينما يخرج كؤوس النبيذ أيضاً .

لقد كان ريموند يعتزم حقًا مشاركتنا الشراب.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

الخامسة فجراً .

لم يستجوبنا ريموند أكثر بشأن ما جرى في المخزن طوال الجلسة، بل اكتفى بمواصلة الشرب وهو يلقي نكاتاً سخيفة لا قيمة لها.

وهذا الصمت تحديداً هو ما جعلني أكثر قلقاً.

" …… "

ألقيتُ نظرة خاطفة نحو النافذة حيث كانت السماء لا تزال مظلمة ثم دخلت إلى الحمام .

كانت رائحة العفن الكريهة التي استنشقتُها في الممر السفلي لا تزال عالقة بي، ولا بد أن الأمر ذاته ينطبق على لوكاس .

… ومن المؤكد أن ريموند قد لاحظ تلك الرائحة المنبعثة مني ومن لوكاس منذ البداية. لهذا السبب، كنتُ أخشى بزوغ الفجر، فلا أعلم ماذا قد يقوله ريموند للآخرين .

ملأتُ حوض الاستحمام بالماء ثم غطستُ داخله. أغمضتُ عينيَّ غارقةً في أفكاري لبرهة، قبل أن أفتحهما بحذر .

فتحتُ قائمة المخزون واستخرجتُ الصورة التي حصلتُ عليها من غرفة التجميل في الطابق الرابع .

" …… ؟ "

وما إن تحققتُ من الصورة، حتى اتسعت عيناي بذهول. كانت صورة لهانا وهي تبتسم بإشراق. وبالنظر إلى آثار الحرق التي على الصورة، يبدو أنها كانت واحدة من الأدلة التي حاولت هانا إحراقها سابقاً.

ولكن، بخلاف ذلك … بدت هيئة هانا في الصورة الأبيض والأسود، بشعرها الطويل المنسدل، غريبةً جداً.

كانت تتناقض تماماً مع مظهرها الحالي بشعرها القصير جداً الذي يكاد يكشف فروة رأسها.

… كما أن تعابير وجهها الضاحكة كانت تختلف كلياً عن ملامحها الحالية التي تبدو خالية من أي مشاعر .

بالنظر إلى خلو وجهها من التجاعيد، بدا أنها صورة التُقطت لها في ريعان شبابها .

' لكن … لماذا أحرقَتْ هذا ؟ '

مهما أطلتُ النظر، لم يبدُ في الصورة ما يثير الريبة. قلبتُ الصورة لأتفحص ظهرها. كان هناك شيءٌ مكتوبٌ على الجانب الآخر .

ولأن الصورة قديمة فضلاً عن كونها قد تضررت بفعل الحريق، كانت الحروف باهتة وبعضها قد اختفى تماماً.

ومع ذلك، لم يكن من الصعب ملء الفراغات بين الكلمات المتبقية .

[ أهدي ماضيَّ المشرق إليك.]

…… إليك ؟

تملكتني الحيرة لبرهة، ثم وضعتُ الصورة في قائمة المخزون للتحقق من معلوماتها.

[ هذه الصورة متضررة، لذا لا يمكن قراءة معلوماتها.
> هل ترغبين في البدء بعملية الترميم ؟
> (الوقت المتوقع المستغرق: ؟؟؟)
> … رممها لي ! / لا، لا بأس.]

لم يكن هناك سببٌ واحد يمنعني من الموافقة ما دام الترميم ممكناً.

ضغطتُ على خيار "رممها لي!"، ثم فتحتُ "جدول الثقة" الذي حصلتُ عليه كمكافأة من الكوخ .

وما إن فعلت، حتى انبثقت نافذة ضخمة ملأت مد بصري .

[ جدول الثقة تجاهكِ ('فيفيان لوبيز')
> (هذا الجدول مبنيٌّ على تدفق الثقة مقارنةً بما قبل يوم 17/10، وهو اليوم الأول في قصر إرنست.)
> (لن يظهر تدفق الثقة للشخصيات التي لم تلتقي بها بعد داخل القصر.)

> سيزار كوتون (▽)
> لوجان بارنز (▲)
> لوكاس مور (—)
> (متوفى) جاك جرين (▽)
> كيڤن كلينت (—)
> آرييل هوارد (▲)
> ماكس مونسون (▽)
> صوفيا كاري (▽)
> ريموند ميلر (—)
> هانا ووكر (▽)
> ؟؟؟؟ (غير معروف) ]

كانت مستويات الثقة التي واجهتُها لأول مرة بعينيَّ كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

كنتُ أظن أنني بذلتُ قصارى جهدي للنجاة، لكن يبدو أن ذلك كان محض وهم .

أطلقتُ أنيناً مكتوماً، قبل أن تتقلص ملامح وجهي وأنا أنظر إلى خانة "غير معروف" التي في نهاية القائمة.

… هل يعقل أن يكون هذا.

في الوقت الحالي، الشخص الوحيد الغائب عن جدول الثقة هو إيان.

هذا يعني أن علامات الاستفهام تلك تشير إلى إيان … ولكن، لماذا هو الوحيد الذي يظهر بهذا الشكل ؟

كنتُ أجزم بأنني سأرى رمز الانخفاض بجانب اسمه، ولكن مواجهة حقيقة ثقته جعلتني أشعر بضياعٍ أكبر.

" …… "

يبدو أنه لا سبيل أمامي سوى … سرقة ملف تعريف إيان.

وبينما كنتُ أتفحص جدول الثقة بضيقٍ، توقفتُ فجأة عند نقطةٍ محددة .

[- (متوفى) جاك جرين (▽) ]

بغض النظر عن أي شيء، لماذا يظهر أن مستوى ثقة جاك قد انخفض ؟

بالتفكير في الأمر، لم يسبق لي أن رأيتُ نافذة الثقة الخاصة بجاك قبل وفاته .

ألا يجدر بالجدول أن يظهر رمز الثبات ما دمتُ لم أطلع عليه ؟ فلماذا إذن … ؟

ساد الارتباك عقلي لبرهة، قبل أن تضيق عيناي بتفكيرٍ عميق. لقد حصلتُ على نافذة الثقة في مساء اليوم الأول، تحديداً بعد أن حييتُ آرييل وظهرت نافذة إتمام المهمة، حينها فقط أدركتُ وجود ما يسمى بالثقة.

إن كانت ثقة جاك قد انخفضت دون علمي، فلا بد أن ذلك حدث إما قبل حصولي على نافذة الثقة، أو خلال تلك الفجوة الزمنية التي كنتُ فيها غائبة عن الوعي.

أي قبل مساء اليوم الأول، أو خلال تلك الفترة التي لا تزال فراغاً كبيراً في ذاكرتي من اليوم الرابع حتى اليوم السادس .

ابتلعتُ ريقي بصعوبة. وشعرتُ وكأن قلبي يُعصر إثر ذاك الرمز الذي يشير نحو الأسفل .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كان ذلك في الصباح الباكر.

فتحتُ عينيَّ ببطء إثر حركة بيبي الصاخبة وهي تتجول فوق صدري. وما إن تأكد بيبي من استيقاظي، حتى بدأ يقفز حول السرير ببهجةٍ غامرة .

تذكرتُ حينها أنني بحثت عن بيبي فجر اليوم، لكنني فشلتُ في العثور عليه وعدتُ مع لوكاس. حين رفعتُ جذعي بصعوبة، قفز بيبي من مكانه عالياً.

" …… ! "

وبسبب ذلك، اصطدمت عيني بعين بيبي . واجتاحني ألمٌ جعل الرؤية تبيضُّ أمامي، فعجزتُ عن إخراج أي صوت واكتفيتُ بتغطية عيني بيدي وأنا أتأوه وجعاً، لكن بيبي، الذي بدا وكأنه لم يتألم أبداً، اكتفى بالنظر إليَّ بعينين بريئتين.

قلتُ لبيبي بصوتٍ خافت وأنا لا أزال أقبض على عيني المحمرة: " صباح الخير."

رمشة !

وبعدها، بدأت زوايا عيني بيبي تتقلص برقة وكأنه يبتسم. أنهضتُ جسدي المتثاقل قسراً، ثم فجأة تذكرتُ شيئاً ونقلتُ نظراتي نحوه.

" …… ؟ "

أمال بيبي جسده بتساؤل، لكنه فقد توازنه وسقط جانباً لثقل وزنه.

أعدتُ بيبي إلى وضعه الصحيح وقلتُ له بحذر: " بيبي، هل يمكنني أن أطلب منك معروفاً ؟ "

بدأ بيبي يرمش بعينيه بلهفة .

ربتُّ عليه لتهدئته، ثم تابعتُ حديثي بهدوء: " أحتاج إلى ملف شخصٍ يدعى إيان وايت، وأريدك فقط أن تخبرني بمكانه."

أخرجتُ ملفي الخاص من قائمة المخزون وأريتُه لبيبي.

" إنه ملفٌ يشبه هذا تماماً."

رمشة.

" … لا تضغط على نفسك إن كان الأمر صعباً."

أضفتُ تلك الكلمات بهدوء، ولكن لسببٍ ما، كلما ازددتُ هدوءاً، ازداد هياج بيبي وحماسه .

****************************

الفصل : ٩٣

اليوم الرابع عشر _ 30/10 (5)

راقبتُ بيبي وهو يدور حول نفسه عدة مرات، ثم أردفتُ قائلة: " إن شعرتَ بأي خطر، فلا تتردد في الهرب، لا تضغط على نفسك أبداً، أتفهم ؟ "

رمش بيبي بعينيه بسرعة هائلة لا تُحصى.

" انتظرني لحظة واحدة."

قلتُ له ذلك وبدأت في الاستعداد على عجل. اكتفيتُ بغسل وجهي سريعاً، ثم وضعتُ بيبي في جيبي.

" …… "

في تلك اللحظة، توقفتُ عن الحركة حين شعرتُ أن وزن بيبي أثقل من المعتاد.

… لقد كنتُ أتساءل لِمَ لا يستطيع التوازن في مشيته، واتضح لي الآن أن وزنه يبرر ذلك تماماً.

غادرتُ الغرفة وجيبي يتدلى للأسفل بفعل ثقله كما هي العادة.

كانت غرفة إيان تقع بجوار غرفتي مباشرةً. نظرتُ إلى بيبي القابع في جيبي وأشرتُ بإصبعي نحو غرفة إيان بحذر، فقفز من الجيب وكأنه فهم مغزى إشارتي. وقبل أن أتمكن من الإمساك به من شدة مفاجأتي، بدأ بيبي يحشر جسده قسراً عبر الفجوة الضيقة أسفل باب غرفة إيان.

تقلص جسد بيبي ليناسب حجم تلك الفجوة الضيقة للغاية، وتسلل بصعوبة إلى داخل الغرفة.

… إذن، هكذا كان يدخل إلى غرفتي طوال تلك المدة.

أطلقتُ تنهيدة إعجابٍ خافتة أمام هذه الحقيقة التي اكتشفتُها للتو، ثم غادرتُ الرواق الغربي مسرعة .

" يا آنسة، هل كنتِ تعلمين أنه تم إطلاق رصاصة في الطابق الرابع ؟ "

بمجرد دخولي إلى المطعم، سألني ماكس بلهفة وضجيج. أومأتُ برأسي بهدوء تأكيداً لكلامه.

"نعم، لقد سمعتُ دويَّ الرصاص."

"وهل تعلمين رصاصة مَن كانت تلك؟"

" … إنها رصاصة سيزار."

أجبتُ بتردد، فضيق ماكس عينيه بعدم تصديق.

" رصاصة ذاك الوغد ؟ "

" لقد قمتُ بوضع رصاصته بناءً على طلبه."

" … حقاً ؟ " أجاب ماكس بصوتٍ يملؤه الارتياب.

ألقيتُ نظرةً خاطفة نحو المخزن وسألتُه: " هل قمتَ بحشو الرصاصة التالية ؟ "

" ليس بعد."

" إذن سأقوم بحشو رصاصتي وأعود."

نقلتُ خطواتي نحو المخزن، ثم التقطتُ رصاصتي من الصندوق الأحمر.

راقب ماكس فعلي ذاك بصمتٍ لبرهة، قبل أن يسألني بنبرةٍ تحمل تلميحاً خفياً: " يا آنسة، هل تحاولين كسب ثقة الآخرين ؟ "

" … ماذا ؟ "

هزَّ ماكس كتفيه بخفة: " أعني … قد يظهر من يملك الرصاص الحي خلال هذا اليوم، لذا لا أفهم سبب إصراركِ على حشو رصاصتكِ أنتِ أولاً."

لم أتخيل قط أن يتم استجوابي بشأن أمرٍ كهذا.

" لأنه لم يتقدم أحدٌ يملك الرصاص الحي حتى الآن، وعلاوةً على ذلك، أليس من المفترض حشو الرصاص الحي في يوم الخسوف الكلي للقمر ؟ "

" همم، هذا صحيح، ولكن … رصاصة ذاك الوغد، و رصاصتكِ أنتِ أيضاً … أقول إن الأمر يبدو غير ضروري، ما دمتِ لا تملكين الرصاصة الحقيقية، ألا يمكنكِ البقاء ساكنة حتى يبدأ الخسوف ؟ "

" بما أن لدينا الكثير من الرصاص، أليس من الأفضل تقليل واحدة تلو الأخرى ؟ "

لم أفهم منطق ماكس، لكنني رددتُ عليه محاولةً الحفاظ على رباطة جأشي قدر الإمكان.

استقرت نظرات ماكس عليَّ مطولاً. ومع ذلك، بدا أنه لا يملك مزيداً من القول، فاكتفيتُ بالإيماء برأسي له كتحية انصراف ثم تابعتُ سيري، وصعدتُ مباشرةً إلى الطابق الثالث.

" …… "

كانت رائحة الدخان الكريهة لا تزال تعبق في أرجاء الطابق الثالث، ويبدو أن رائحة الرصاص لم تتبدد تماماً بعد.

أما تمثال الأسد المعلق في السقف، فقد كان لا يزال على حاله، بهيئته المهيبة دون خدشة واحدة. وبدت الأرضية السوداء، التي تعكس أضواء الطابق الرابع، كأنها قطعة من سماء الليل.

انحنيتُ بحذر ومسحتُ الأرضية بإصبعي، فعلقت آثار الرصاص بطرف إصبعي. وفي تلك اللحظة، لمحتُ إيان واقفاً بالقرب من منصة الإطلاق .

بدا أن إيان كان يعلم بوجودي في الطابق الثالث منذ البداية، فقد كان يثبت نظراته عليَّ بهدوء .

" …… "

في اللحظة التي التقت فيها عيناي بعينيه الأرجوانيتين، قبضتُ كفيَّ دون وعي مني. ومع ذلك، تابعتُ صعود الدرج وكأن شيئاً لم يكن. وطوال المسافة التي قطعتُها نحو منصة الإطلاق، لم تنحرف نظرات إيان عني قط.

كانت حدقتاه ممعنتين في ملاحقتي، وكأنه يرفض تفويت أدنى حركة أصدرها، حتى حين وقفتُ أمام وجهه تماماً.

" … هل يمكنك التنحي جانباً ؟ "

خاطبتُه بحذر، حينها فقط أفسح لي إيان الطريق ببطء. شرعتُ في حشو الرصاصة التي كنتُ أحملها داخل أسطوانة منصة الإطلاق .

— طقطقة.

" … أهذه رصاصة الآنسة لوبيز ؟ "

انطلق صوت إيان بعد صمتٍ طويل .

" نعم."

أجبتُه باقتضاب وأنا أواجه نظراته. بدا لي أن محاولة رفع مستوى ثقة إيان باتت أمراً مستحيلاً الآن. وبدلاً من إهدار الوقت في التشبث بثقته، سيكون من الأسرع البحث عن وسيلة لوضع يدي على ملفه الشخصي .

راقبني إيان بتمعن لبرهة، ثم فتح فمه قائلاً بهدوء: " لقد فقدتِ الكثير من الوزن خلال هذه الأيام."

" لا حيلة لي في ذلك، فقد عانيتُ بسبب شخصٍ ما."

" أفهم ذلك."

رسم إيان على ثغره ضحكة خافتة. ولسببٍ ما، بدا وكأنه يشعر بالبهجة. لا يزال هذا الرجل لغزاً يعجز فهمي عن إدراكه .

قبضتُ على مقبض السياج دون تفكير، وتابعتُ: " بعيداً عن ذلك، لديَّ سؤالٌ واحد أود طرحه عليك، سيد إيان."

" … وما هو ؟ "

" في المرة السابقة، ذكرتَ لي شيئاً يتعلق بهيلين."

لحسن الحظ، لم يرتجف صوتي بضعفٍ كما حدث في المرة السابقة، ولم يضطرب جسدي إثر دقات قلبي. كان كل شيء ساكناً؛ فقد غرق عقلي في حالة من الهدوء التام الذي طغى عليه المنطق.

حدقتُ فيه بوجهٍ خالٍ من التعبير وأردفتُ: " أتذكرُ حين قلتَ إن سيزار هو الجاني ؟ "

" أذكر ذلك."

أجاب إيان بنبرةٍ جافة. واختفت تلك الابتسامة الخفيفة التي كانت على وجهه، شددتُ قبضتي على السياج بقوة.

" إن كان ذاك الرجل قد قتل هيلين حقاً، فأرني دليلاً يثبت ذلك."

" …… "

" أنتَ شخصٌ مهووسٌ بالأدلة، لذا أثق بأنك ستفهم مغزى كلامي."

" دليل … هكذا إذن ؟ "

تمتم إيان بكلماتي وهو يطلق ضحكة خافتة، ثم أضاف: " لستُ أدري."

" … ليست هذه هي الإجابة التي أنتظرها."

دنا إيان مني أكثر، ونطق: " كنتُ أظن أنكِ ستكونين أكثر فضولاً بشأن كيفية معرفتي بأمر شقيقتكِ، يا آنسة لوبيز."

تراجعتُ إلى الخلف إثر تقلص المسافة بيننا بغتة. لم أكن أرغب في إظهار ذعري، بيد أن ساقيَّ تحركتا قبل عقلي .

" إن قدمتُ لكِ الدليل، فماذا ستقدمين لي في المقابل ؟ "

" … قبل ذلك، هل تملك حقاً دليلاً قاطعاً؟"

أمال إيان رأسه بخفة وأجاب: " أنتظر إجابتكِ أولاً."

" أنا لا أبرم صفقاتٍ غير مضمونة النتائج، لذا أجب أنت أولاً سيد إيان."

انطلقت من إيان ضحكة خفيفة عند سماع كلماتي: " إذن، فلنغير السؤال، إذا ثبت يقيناً أن ذاك الرجل هو الجاني، فماذا ستفعلين حينها ؟ "

… هل يسألني كيف سأنتقم من سيزار ؟

في الواقع … لم أفكر في ذلك قط. لقد انصبَّ كل تركيزي على إيجاد القاتل الذي سلب حياة هيلين، أما مسألة العقاب فلم أفكر بها بعد.

فتحتُ فمي ونطقتُ بصوتٍ متعثر: " … يجب أن ينال جزاءه."

" أي جزاءٍ تعنين ؟ "

" …… "

" أبموجب قانون المجتمع ؟ أم أنكِ تضمرين في نفسكِ حكماً آخر ؟ "

" لا أعلم مغزى أسئلتك هذه، هل ترغب سيد إيان في أن أقوم بقتل سيزار مثلاً ؟ "

سألتُه دون وعي مني، فابتسم إيان ابتسامة خافتة: " إن كان في ذلك راحةٌ لقلبكِ، فلا ريب أن هذا ما يجب فعله."

[ انخفضت ثقة 'إيان وايت' بكِ بنسبة 5%.]

" … منذ أن سمعتُ منك عن هيلين، وأنا أفكر بالأمر، ما الغاية التي تريدها من إخباري بأن سيزار هو القاتل ؟ "

" وهل توصلتِ إلى نتيجة ؟ "

" كلا."

أفلتُّ قبضي عن السياج، فقال إيان بنبرةٍ توحي بالاعتذار: " لم أكن أرغب بإثارة ارتباككِ، يؤسفني أن الأمر آل إلى ذلك."

رسم إيان على وجهه ابتسامة مشرقة؛ ولم أملك أمام تلك الابتسامة التي لا تناسب الموقف سوى أن تتصلب ملامح وجهي .

" لقد كنتِ أكثر سذاجة مما ظننت، يا آنسة لوبيز."

" … ماذا قلت ؟ "

" لم أتوقع أنكِ ستصدقين تلك الكلمات بتلك البساطة."

تابع إيان حديثه بكل هدوء، بينما تجمدتُ أنا في مكاني تماماً.

… أكان قوله بأن سيزار قتل هيلين مجرد كذبة ؟ أم أن هناك أمراً آخر ؟

" لقد كنتُ متلهفًا لرؤية رد فعلكِ فحسب."

مدَّ إيان يده وداعب وجنتي برقة .

واجهتُ وجهه الذي امتلأ بعلامات الرضا، ونطقتُ بكلماتي بصعوبة: " … وهل حصلتَ على رد الفعل الذي كنتَ تريده ؟ "

" أكثر مما كنتُ أرجو."

أجاب إيان بصوتٍ خفيض. في تلك اللحظة أدركتُ أنني طرحتُ سؤالاً أحمق.

زفرتُ أنفاسي التي كنتُ أكتمها وابتعدتُ عنه على عجل: " … أكانت كذبة ؟ "

" نعم، ولذلك لا وجود لأي دليل."

دوَّى صوته الرتيب في مسامعي وتابع: " ولهذا السبب سألتُكِ، ألا تشعرين بالفضول حيال كيفية معرفتي بأمر شقيقتكِ ؟ "

أمسكتُ مجدداً بالسياج الذي كنتُ قد أفلتُّه للتو.

****************************

مافي أحد يقتل المريض ذا ويفكنا منه ؟ 😭😭😭 أفف يرفع الضغط، يا برود فيفيان، لو أنا كان رميته من فوق السياج .

وبعدين ثقته ما خلصت ؟؟ من كم ثقته ذا ؟

.

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان