الفصل ٩٠ و ٩١ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الرابع عشر _ 30/10 (2)

ساد المكان سكونٌ مطبق. وبعد أن أطال النظر إليَّ، مدَّ لوكاس يده نحوي بحذر.

في تلك اللحظة، ظهرت آثار الندوب التي كانت متوارية عند معصمه؛ لقد كان هذا أول ظهورٍ لمعصم لوكاس الذي لطالما حرص على إخفائه تحت ساعته المحطمة.

كانت خيوطٌ كثيفة من نسيج عنكبوتٍ أحمر تلتف حوله .

" …… "

اتجهت نظراتي نحو ندوب لوكاس، لكنه لم يبادر بإخفائها هذه المرة.

" انهضي، فأنا لا أطيق أبداً رؤية الآنسة فيفيان وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة."

وبصوتٍ يرتجف وكأنه على وشك الانفجار بالبكاء، تابع لوكاس حديثه بهدوء.

وبينما كنتُ غارقةً في صمتي وعاجزةً عن الرد، ارتفعت نافذة نظامٍ شبه شفافة لتفصل بيني وبين لوكاس كأنها سورٌ منيع .

[ أقسم 'لوكاس مور' بولاءٍ أعمى لكِ.
> … فهل تقبلين ولاءه ؟
> أقبل ولاءه! / ارحل عني!]

" لن أقول لكِ إنه يمكنكِ الوثوق بي."

تناهى صوت لوكاس إلى مسمعي بينما كنتُ أحدق في نافذة النظام بعينين غائمتين. انحرفت نظراتي عن النافذة لتستقر على وجهه.

رسم لوكاس على ثغره ابتسامةً باهتة وتابع: " تذكري فقط تلك الفظائع التي عانيتِ منها على يد جينكينز."

" …… "

" هذا كل ما أرجوه منكِ."

كانت كلماته تلك هي الأكثر صدقاً من بين كل ما قاله لوكاس حتى الآن.

أو ربما ……

[ هذا الحدث يحدث بشكلٍ عشوائي للشخصيات التي بلغت نسبة ثقتها بكِ 100%.]

… كان ذاك النظام هو من يبرهن على صدق كلماته.

التصقت ذرات الغبار المتناثرة على الأرض بكفيَّ، فشعرتُ بوخزٍ و رعشةٍ في أطراف أصابعي.

… عليَّ أن أستعيد رشدي.

رددتُ هذه الكلمات في نفسي مراراً وتكراراً. فليس من المقبول أن أنهار الآن، بعد كل ما جرى.

كان وجه فيفيان الضاحك، وهي تشعر بالسعادة وسط تصفيق الناس فوق خشبة المسرح، لا يزال حياً في ذاكرتي.

أعلم جيداً، أن رغبتي في النجاة تعني هلاك هؤلاء جميعاً. ومع ذلك … لم أستطع التخلي عن فيفيان. رغم أنها حياةٌ نبذتها هي بنفسها، إلا أنني لم أكن قادرةً على إطفاء شعلة حياتها بيديَّ.

زفرتُ أنفاسي التي كنتُ أكتمها، ثم مددتُ يدي بحذر وقبضتُ على يد لوكاس.

" …… "

اضطربت عينا لوكاس الخضراوان وهو يواجه نظراتي، وبعد لحظة، قال لي بهدوء: " انهضي بحذر."

" … أشكرك."

ركزتُ قواي في ساقيَّ ونهضتُ من مكاني، ثم أفلتُّ يد لوكاس التي كنتُ أمسكها.

" …… "

ألقى لوكاس نظرةً خاطفة على يده التي كانت تلامس يدي، ثم قبض كفه بقوة، أما أنا، فقد بذلتُ جهداً لصرف نظراتي عنه.

… لا أعلم إلى متى سيظل لوكاس صامتاً، لكن الثابت هو أنه إذا حوصرت "آرييل" و وُجهت إليها أصابع الاتهام كجانية، فإنه سيتخلى عني على الفور؛ ذلك لأن لوكاس هو البطل الحقيقي للعبة، ونهاية تضحية البطل من أجل البطلة هي أمرٌ واضح لا ريب فيه.

كان حلقي يؤلمني، شعورٌ بالحرقة وكأن شيئاً حاداً قد خدشه.

تحسستُ عنقي المحتقن بالحرارة ثم فتحتُ فمي قائلة: " أنتَ من نقلني إلى مستشفى برياتون، أليس كذلك ؟ "

أومأ لوكاس برأسه هادئاً تأكيداً لكلماتي .

" … وكيف تم ترتيب تاريخ التنويم في المستشفى ؟ "

" لقد زورتُه، فالآنسة فيفيان كانت بحاجة إلى ذريعة غياب قوية تثبت وجودها في المستشفى يوم الثالث والعشرين من أكتوبر، وهو اليوم الذي وقعت فيه الحادثة."

ارتجفت شفتاي، بينما أجاب لوكاس وهو يتجنب النظر في عينيَّ: " … ولأجل القيام بذلك، تلقيتُ مساعدةً من شخصٍ آخر، فبصفتي مجرد طالب، لم يكن بمقدوري فعل شيءٍ سوى نقلكِ إلى المستشفى."

خيمت مسحةٌ من المرارة على وجه لوكاس للحظة.

" … كيف كانت حالتي آنذاك ؟ "

انقبض جسد لوكاس بجفلة أمام سؤالي الذي انبثق مني دون وعي، واعتلت وجهه تعابير توحي بأنه لم يفهم مغزى ما سألتُ عنه.

ومع ذلك، وحين لم أبدي أي نية في التراجع عن سؤالي، أجاب لوكاس بهدوء رغم علامات الارتباك التي اعتلت وجهه: " لقد كانت الآنسة فيفيان …."

" …… "

" كانت هي الآنسة فيفيان ذاتها التي لطالما عرفتُها."

لو أن لوكاس قد رأى فيفيان آنذاك، فلا بد أنها كانت والِخنجرُ منغرسٌ في أحشائها.

لقد ماتت فيفيان، وكان افتراضي هو أنني قد حللتُ في جسدها بعد رحيلها. لذا، كل ما أردتُ معرفته هو ما إذا كان الشخص الذي وجده لوكاس هو أنا التي سكنتُ جسد فيفيان، أم أنها كانت فيفيان الميتة ؟

… أم تراه استخدم تعبيراً ملتوياً مراعاةً لمشاعرها بعد محاولتها الانتحار ؟

لزمتُ الصمت دون أن أحصل على الإجابة القاطعة التي كنتُ أريدها. وحين لاحظ لوكاس صمتي، فتح فمه قائلاً: " إن كنتِ تخشين أن يفشي الشخص الذي ساعدني سرَّكِ، فلا داعي للقلق بشأن ذلك."

" … ذاك الشخص، هو واحدٌ منا، أليس كذلك ؟ "

تصلب لوكاس عند سماع كلماتي. كان وجهه يوحي بأنني قد أصبتُ الحقيقة.

… شخصٌ ساعدني .

" لقد التقينا في برياتون من قبل، ربما لا تتذكرين ذلك لأنكِ كنتِ فاقدةً للوعي حينها."

تذكرتُ دون وعي مني كلمات هانا. لقد قالت حينها إن هيئتي كانت بشعة ومريعة. بيد أنني حتى لو سألتُ لوكاس عما إذا كان ذاك الشخص هو هانا، فمن الواضح أنه لن يجيب بسهولة؛ فقد بدت عليه علامات الحرج ذاتها التي رأيتها في المرة السابقة.

ناديتُ اسمه بحذر: " لوكاس."

" …… "

" منذ متى وأنت تعلم بشأني ؟ "

عند سؤالي، بدأ الاضطراب يظهر على لوكاس بشكل ملحوظ. اعتلى الخوف وجهه للحظة، قبل أن تصطبغ ملامحه بمشاعر لم أستطع فهمها.

وبعد مرور برهة من الوقت، انفرجت شفتا لوكاس اللتان بدتا وكأنهما لن تنطقا أبداً: " أنا … أراقب الآنسة فيفيان منذ زمن بعيد."

" …… "

" لقد كنتُ أرى أن الشخص الذي يجدر بي وبكِ الانتقام منه هو ذاته، فقد كنتُ أحقق في أمر عائلة جينكينز … وخلال ذلك، علمتُ بأمر الآنسة فيفيان بشكل طبيعي."

إذن، هل يحمل لوكاس هو الآخر ضغينةً ضد ديريك ؟

عندما رمقتُ معصمه دون قصد، ارتسمت على وجه لوكاس ابتسامة باهتة ونطق: " أعلمُ أنكِ ستشعرين بالاشمئزاز من شخصٍ مثلي."

" …… "

لم أعلم بحقٍ ماذا يجدر بي أن أقول له. لو كانت فيفيان هي من تقف مكاني، هل كانت ستشعر بالاشمئزاز من لوكاس الذي كان يراقبها سراً ؟ أم تراها كانت ستشعر بالامتنان له لأنه ستر جرمها ؟

حركتُ شفتيَّ بتردد، لكنني في النهاية لزمتُ الصمت واستمعتُ إلى بقية حديثه: " كان من المقرر إقامة حفلة ضخمة في قصر إرنست، وكان ذاك الرجل يرغب في دعوتكِ كشريكةٍ له."

" …… "

" وكنتُ أنوي التقرب منكِ في يوم الحفل، لأعترف لكِ بذنبي بكل صراحة، ولأكشف لكِ حقيقة ذاك الرجل أيضاً."

" إذن … هل زرتَ القصر قبل أن يتم اختطافنا ؟ "

أجاب لوكاس بهدوء: " في اليوم الذي ارتكبتِ فيه الجريمة، كنتُ موجوداً في قصر إرنست."

" …… "

" كان ذلك لأجل توصيل بعض البضائع التي طلبها ذاك الرجل من المتجر، ورغم أن التوصيل قد انتهى ظهراً، إلا أنني كنتُ قد نسيتُ بضع قطعٍ لم أقم بتسليمها."

عضضتُ على شفتي السفلى بقوة.

… أيُّ نوعٍ من الحفلات كان من المفترض أن يُقام في قصر إرنست ؟

" وبينما كنتُ أجري تحرياتي سراً داخل القصر، اكتشفتُ وجود ممرٍ سري يربط بين القصر وهذا الكوخ."

" … ممر سري ؟ "

" أجل، دخلتُ إلى الكوخ عبر ذاك الممر، وهناك وجدتُكِ ملقاةً على الأرض."

انقطع صوته فجأة، وظننتُ للحظة أن قصته قد انتهت، لكنه تمتم بصوتٍ كئيب: " … أنا متأسفٌ لأنني كنتُ أتتبعكِ سراً."

تكسر صوت لوكاس بضعفٍ مثير للشفقة وتابع: " لكنني كنتُ … أريد فقط أن أكون عوناً لكِ."

بدا منظره وهو يحني رأسه هكذا مثيراً للتساؤل، فاقتربتُ منه دون وعي، ليرفع لوكاس رأسه بجفلةٍ وقد تملكه الذهول .

ناديتُه دون تفكير: " أنت … ! "

في تلك اللحظة، انهمرت الدموع التي كانت عالقة في عينيه الخضراوين بغزارة. بدا وجه لوكاس وكأنه لم يدرك حتى حقيقة أنه يبكي.

وبينما كانت دموعه تتساقط دون توقف، أخذ يخرج كلماته وسط نحيبه: " لقد كنتُ خائفاً، لو علمتِ بحقيقتي، لكنتِ حتماً ستبدين اشمئزازكِ مني … ولكنتِ احتقرتِني لأنني اطلعتُ حتى على أسرار عائلتكِ."

" …… "

" لذا، فكرتُ للحظة أن فقدانكِ لكل ذكرياتكِ كان أمراً جيداً، لأنها لم تكن سوى ذكرياتٍ ملؤها الألم … أردتُ أن أحتفظ بكل ما حدث لنفسي وحدي، لكي أكفر لكِ عما مضى."

اتسعت عيناي بذهول ولم أستطع الرد عليه بكلمة. سقطت قطرات دموعه الواحدة تلو الأخرى فوق الأرض. ويبدو أن لوكاس قد أدرك أخيراً أنه يبكي، فشرع يمسح عينيه بيديه على عجل. لكنه سرعان ما أسقط يديه يائساً، حين أيقن أن مسح تلك الدموع المنهمرة لا يجدي نفعاً.

ارتجف كتفاه بعنف وهو يقول: " أنا آسف … "

عضضتُ على شفتي السفلى للحظة أمام كلماته، ثم خطوتُ نحوه بعد أن توقفت خطواتي لبرهة. انتفض لوكاس وتراجع إلى الخلف بجفلة.

قلتُ له بصوتٍ هادئ: " … لا بأس، أنا بخير."

" كـ … كلا، ليس الأمر كذلك، (شهيق) … أرجوكِ لا تغفري لحثالةٍ مثلي، شخصٌ مثلي … مكانه الجحيم فحسب."

أجاب لوكاس بصوتٍ غارقٍ في البكاء.

****************************

الفصل : ٩١

اليوم الرابع عشر _ 30/10 (3)

بعد أن ظل ينتحب لفترة، فتح لوكاس فمه ونطق بهدوء: " أنا متأسف لأنني جعلتكِ ترينني في هذه الحالة المزرية أيضاً … "

تصلب جسدي قليلاً عند سماع كلماته، ولكن سرعان ما مددتُ يدي إليه وربتُّ على كتفيه اللذين كانا يرتجفان.

" أنا حقاً بخير."

نظر إليَّ لوكاس بعينيه المحمرتين وارتجفت شفتاه. حركتُ يدي نحو وجهه ومسحتُ له عينيه.

"حقاً، أنا بخير."

وما إن رددتُ تلك الكلمات، حتى بدأ الاضطراب يغزو حدقتي لوكاس اللتين كانتا تحدقان بي. وبعد قليل، أومأ برأسه بصعوبة، وبدأ صوت بكائه يتلاشى شيئاً فشيئاً.

مرَّ بعض الوقت، وبدا أن لوكاس شعر بالحرج من حقيقة أنه قد بكى، فصار يتجنب النظر في عينيَّ بارتباك.

حاولتُ صرف نظري عن وجهه الذي احمرَّ خجلاً، وغيرتُ مجرى الحديث قائلة: " … هل يمكنك أن تخبرني أين يقع الممر السري الذي يربط القصر بهذا الكوخ ؟ "

همَّ لوكاس بالإجابة، لكنه أدرك أن صوته مُبحوحٌ بشدة؛ فتنحنح بوجهٍ تعلوه الحيرة وأومأ برأسه، ثم تحرك بخطوات حذرة نحو الكرسي الهزاز الموجود في الطريق المؤدي إلى مطبخ الكوخ.

" لقد كنتُ في المطبخ قبل أن تأتي الآنسة فيفيان إلى هنا، وحين سمعتُ وقع أقدامٍ تقترب، اختبأتُ في المطبخ."

اتجهت نظرات لوكاس نحوي لبرهة، بدا وكأنه يتساءل عن كيفية وصولي إلى هذا المكان، لكنه لم يطلب مني أي تفاصيل.

شرع لوكاس على الفور في إزاحة الكرسي الهزاز. وما إن أبعد السجادة الحمراء التي كانت ممدودة تحت الكرسي، حتى ظهر شيءٌ يشبه الباب.

" …… "

انحنى لوكاس وجلس على قدميه، ثم فتح الباب بصعوبة. وحينها، انكشف ممرٌّ يغرق في ظلامٍ دامس من تحت ذاك الباب. وعندما تحققتُ منه عن كثب، تبين أن هناك سلمٌ خشبي مهترئ كأنه على وشك التفكك والانهيار .

" هذا هو الممر الذي يتصل بمخزن الطعام."

" … مخزن الطعام ؟ "

هل هو الممر ذاته المتصل بالباب الحديدي الموجود أسفل غرفة المؤن التي أراني إياها لوجان … ؟

لم أتخيل قط أن يكون متصلاً بهذا الكوخ.

أشرتُ بعينيَّ نحو باب الكوخ بخفة، وسألتُ لوكاس بحذر: " هل يوجد بابٌ يمكننا من خلاله الخروج من القصر نهائياً ؟ "

نكس لوكاس رأسه وأومأ نفياً بهدوء: " لقد تفحصتُ المحيط باستمرار منذ أن تم اختطافنا واقتيادنا إلى القصر، لكنني لم أجد أي بابٍ للخروج، بدا لي أنه من المستحيل تجاوز تلك الشجيرات الكثيفة."

" … آه، فهمت."

تحسستُ السلم بيدي، ثم وضعتُ الخنجر داخل قائمة المخزون بسرعة. بعد ذلك، نهضتُ من مكاني لدخول ذاك الممر .

حينها نطق لوكاس على عجل: " عليكِ توخي الحذر الشديد."

أومأتُ له برأسي، ثم وضعتُ قدمي على السلم.

— طقطقة.

ما إن وضعتُ قدمي حتى بدأ السلم يصدر أصواتاً تثير القشعريرة.

… وبالنظر إلى حالته المزرية، يبدو أنه لن يصمد لأكثر من بضع مراتٍ أخرى .

عضضتُ على شفتي السفلى بقوة، وبدأتُ بالنزول على السلم بحذر. كان ذاك قبواً يتلاشى فيه حتى ضوء القمر. وفي ذاك الظلام الدامس الذي لا ينتهي، تناهى إلى مسامعي صوت لوكاس وهو ينزل خلفي على السلم.

وبعد مرور وقتٍ ليس بالقصير، تراءت لي نهاية السلم وسط العتمة الحالكة التي لا يُبصر فيها المرءُ شيئاً.

وضعتُ قدمي على الأرض بهدوء.

"هل انتهيتِ من النزول؟"

رفعتُ بصري نحو الأعلى، فرأيت بصعوبة لوكاس وهو ينزل على السلم.

" أجل......"

"آه، إذن آنسة فيفيان! هل يمكنكِ الابتعاد قليلاً عن السلم؟"

"ماذا..؟"

تراجعتُ إلى الخلف بضع خطواتٍ وسط حيرتي من طلب لوكاس.

— طاخ !

في تلك اللحظة، قفز لوكاس من على السلم. فزعتُ دون وعي مني إثر ذاك الدوي الهائل، وسرعان ما تناهى إلى مسمعي صوت ضحكة لوكاس المرتبكة، تبعها صوت طقطقة مفتاحٍ ما.

" …… "

رمشتُ بعينيَّ عدة مرات من الضوء الذي غمر رؤيتي فجأة. حينها فقط، استطعتُ رؤية لوكاس وهو يحمل كشافاً يدوياً.

" … لقد أحسنتُ بأخذه معي، أليس كذلك ؟ "

ابتسم لوكاس بمرارة وهو يسلط ضوء الكشاف هنا وهناك.

"من أين لك هذا الكشاف......؟"

لقد كان غرضاً لم أره قط في أرجاء قصر إرنست. اكتفى لوكاس برسم ابتسامة باهتة على شفتيه، وحين لم يصدر عنه أي رد، قررتُ المضي قدماً بهدوء.

كان يفوح في الممر السفلي ريحةٌ كريهة للغاية؛ خليطٌ من رائحة العفن المعهودة في الأقبية، مع أصوات فئرانٍ تنبعث من كل حدبٍ وصوب.

وبينما كنتُ أتفحص المكان بنظراتٍ يملؤها القلق، لمحتُ شيئاً ما بالقرب من الجدار الأيسر.

"...... لوكاس، إلى أين يؤدي ذاك المكان؟"

سلط لوكاس ضوء كشافه نحو النقطة التي أشرتُ إليها وقال: " على الأرجح، هذا هو الباب المتصل بحديقة القصر."

إلى الحديقة … ؟ كان باباً حديدياً عتيقاً، وقد أُحكم إغلاقه بسلاسل غليظة، ربما لمنع الآخرين من الدخول. وفي منتصف السلاسل، وجد ثقب قفلٍ بدا ضخماً حتى من نظرةٍ خاطفة.

" وقد قيل لي إن هناك باباً آخر يتصل بجهة النافورة أيضاً."

التفتُّ نحو لوكاس دون وعي مني إثر نبرة صوته الهادئة: " كل ما قلته للتو … هل كنتَ تعلمه حتى قبل أن يتم اختطافنا وإحضارنا إلى القصر ؟ "

" …… "

لزم لوكاس الصمت مجدداً. رمقتُه بنظراتٍ فاحصة، لكنه لم ينطق بكلمة، بل اكتفى بمواصلة السير .

وبينما كنا نسير في صمت، فتح لوكاس فمه ونطق بحذر: " هل تذكرين يومنا الأول حين تم اختطافنا ؟ "

"...... أذكره."

"وهل تذكرين أيضاً أنني كنتُ أول من استيقظ في ذاك اليوم؟"

رغم أن ذاك اليوم كان يلفه الاضطراب، إلا أنني كنتُ أذكر تلك الحقيقة بوضوح؛ فلوكاس هو من أيقظني.

"في الحقيقة، لقد تفوهتُ بكذبةٍ واحدة آنذاك."

اعتقدت للحظة أنني قد أسأتُ السمع إثر نبرة لوكاس الهادئة.

"لقد قلتُ إن وقت استيقاظ الجميع كان متقارباً، لكنني في الواقع استعدتُ وعيي قبل ذلك بكثير."

" …… "

" وبينما كان الجميع غارقين في نومهم، عثرتُ على رسالةٍ أخرى بجانب دعوة ألبرتو."

تناهى إلى مسامعي صوت قطرات ماءٍ تتساقط في مكانٍ ما. توقفتُ عن السير بغتةً إثر كلماته، فتوقف لوكاس أيضاً، هو الذي كان يسير بمحاذاتي.

انخفض ضوء الكشاف الذي كان مصوَّباً للأمام ليفقد وجهته ويسقط أرضًا.

"...... أيُّ رسالة؟"

"لقد كانت رسالةً موجهةً إليَّ، أنا الذي ساعدتُ الآنسة فيفيان في جريمتكِ."

" …… "

" تضمنت الرسالة أمراً بمساعدتكِ، إلى جانب عدة تفاصيل تتعلق بالقصر."

ارتجفت شفتا لوكاس، ثم رفع يده التي كانت قد سقطت بصعوبة وتابع: " كانت هناك أيضاً معلوماتٌ حول كيفية فتح خزانة غرفة المعيشة التي كانت تحتوي على الملفات."

" … ماذا ؟ "

" لقد ذكرت الرسالة أن مفتاح الخزانة هو ذاته مفتاح غرفة آرييل."

وضع لوكاس ابتسامة مريرة وهو يرفع الكشاف الذي بيده بخفة قائلاً: " وعلاوة على ذلك، هذا الكشاف أيضاً هو أحد الأغراض التي عثرتُ عليها داخل تلك الخزانة."

… إذن، لوكاس هو من قرأ ملف تعريفي الشخصي.

" كان عليَّ التحقق مما إذا كان اسم ديريك موجوداً في ملفات الآخرين، لو وجدته، كنتُ عازماً على إتلاف جميع الملفات."

عجزتُ عن الرد لبرهة، ثم استأنفتُ سيري، فتبعني لوكاس بصمت وهو ينير طريقي.

"… إذن، هل أنت من قمتَ بتبديل مفتاحي غرفة آرييل والعم جاك؟"

" نعم."

" … لماذا ؟ "

"لأنني لستُ بارعاً بما يكفي، لم يكن بوسعي فعل شيء سوى خلق مشتبهٍ به إضافي لعرقلة التحقيق."

امتلأ الممر السفلي بوقع خطواتنا، ومع ذاك الصوت، تحدثت دون وعي مني: " لقد كان ذلك ممكناً في اليوم الأول حين لم نكن نعلم شيئاً، لكنك تدرك أن الأمر لم يعد كذلك الآن، أليس كذلك ؟ "

توقف لوكاس فجأة: " ماذا تعنين بـ …… "

" الأمر كما أقول تماماً، إذا نجوتُ أنا، ستموت أنت، وكذلك آرييل."

لم أكن أعلم حتى لماذا أتفوه بمثل هذا الكلام، رغم إدراكي أن قول ذلك لن يعود عليَّ بأي نفع …

بدا أن كلماتي كانت غير متوقعة، فنظر إليَّ لوكاس بعينين متفاجئتين، فقلتُ مبررةً: " … مجرد حقيقة أردتُ قولها."

" هذا … أعلمه جيداً."

" …… "

" ولكنني لا أريد للآنسة فيفيان أن تموت."

تحركت شفتا لوكاس بصعوبة وتابع: " علاوةً على ذلك، لا تزال هناك جولتا تصويت، أليس كذلك ؟ يمكننا خلالهما إيجاد طريقة لنجاتنا جميعاً."

… هل هذا ممكنٌ حقاً ؟

رغم شكوكي، اكتفيتُ بالإيماء برأسي بهدوء.

وكأنه يحاول التخفيف من وطأة قلقي، أضاف لوكاس بهدوء: " لقد نلتُ انتقامي بالفعل، وبما أن هذا الانتقام قد نجح بفضل الآنسة فيفيان، فيتحتم عليَّ رد هذا الجميل لكِ."

ابتسم لوكاس ابتسامة باهتة. وهكذا، وصلنا إلى نهاية الممر السفلي. كان هناك سلمٌ حديدي يعلوه الصدأ مثبتٌ على الجدار.

" سأصعد أنا أولاً."

ابتسم لوكاس بخفة وضع الكشاف في فمه، ثم بدأ في تسلق السلم. وسرعان ما وصل إلى نهايته، ففتح الباب الحديدي بمهارة.

— صرير.

صعد لوكاس بصعوبة إلى الأعلى وأشعل أضواء المخزن.

" اصعدي بحذر."

تبعتُ كلماته وتسلقتُ السلم الحديدي. وحين اقتربتُ من المخرج، مدَّ لوكاس يده نحوي.

" …… "

ترددتُ للحظة، ثم أمسكتُ بيده وصعدتُ إلى الطابق الأرضي .

ظهر المخزن المألوف أمام ناظري. سارع لوكاس بإغلاق الباب الحديدي، بينما قمتُ أنا بإعادة خزانة المؤن إلى مكانها الأصلي .

" تفضلي."

مدَّ لوكاس منديلاً نحوي، مشيراً بإصبعه إلى ذراعه. وعندما نظرتُ إلى ذراعي، رأيتُ آثار الغبار وسمات الممر السفلي عالقةً بجسدي بوضوح.

بدأ لوكاس ينفض الغبار عن جسده بعد أن سلمني المنديل، ثم فتح فمه قائلاً بحذر: " بالمناسبة، بخصوص العم جاك."

" العم جاك ؟ "

" نعم، في الواقع، لقد سألني العم بشأنك."

وفي تلك اللحظة التي قطبتُ فيها حاجبيَّ قليلاً … انفتح باب المخزن وتسلل صوت ريموند إلى الداخل: " ماذا تفعلان هنا أنتما الاثنان ؟ "

التفتُّ نحو الباب بذعر، فرأيتُ ريموند يرتسم على وجهه ابتسامةً ماكرة.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان