تحرك ديريك بخطوات هادئة واقترب من فيفيان.
تراجعت هي إلى الخلف بينما كانت ترمقه بعينين يملؤهما الرعب. وسرعان ما توقف ديريك أمامها مباشرة، وحنى رأسه ليهمس في أذنها بصوتٍ خافت: <أليس هذا تكفيراً كاملاً عن الذنب؟>
بدت فيفيان وكأن الكلمات قد انعقدت في لسانها، لكنها سرعان ما سألته وهي تضغط على حروفها بغيظ: <تكفير عن الذنب …؟ أتقول حقاً إن الحاكم قد غفر لك ؟ بينما أنا نفسي لم أغفر لك بعد......!>
احتقنت عينا فيفيان باللون الأحمر؛ وتألقت عيناها الزرقاوان اللتان امتزج فيهما الحزن والغضب تحت ضوء القمر.
<لماذا قتلتَهما؟>
لم يكن بمقدوري قراءة تعابير وجه الرجل المحجوب باللون الأحمر، لكن لسببٍ ما، راودني شعورٌ يقيني بأنه يبتسم وهو ينظر إلى فيفيان .
ورغم علمي بأن أي إنسان سوي لا يمكنه فعل ذلك، إلا أنني لم أستطع التخلص من هذا الإحساس.
<لماذا ؟ لماذا قتلتَهما......!>
<……>
<هل أردتَ أن أعيش أنا الباقية خلفهما في شقاء ؟ إن لم يكن كذلك، فلماذا بحق خالق الجحيم … لماذا قتلتَهما؟>
<……>
انهمرت الدموع من عيني فيفيان بغزارة؛ كانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها دموعها.
لم يصدر عن الرجل أي رد؛ بل اكتفى بتفحص ساعة معصمه بهدوء. وبعد لحظات، حين تأكد من الوقت، فتح فمه أخيراً ونطق: <لم يسبق لي أن فكرتُ في السبب.>
<...... ماذا؟>
<كل ما في الأمر أن والديكِ وقعا تحت ناظريَّ في ذلك اليوم.>
صمت ديريك وكأنه يحاول استرجاع ذكرى ما، ثم فجأة صفق بيده وكأنه تذكر شيئاً هاماً وقال: <آه، تذكرت، ليس هذا هو السبب.>
<……>
<لقد التقيتُ بتلك العينين اللعينتين؛ كانت العينان السوداوان اللتان تتخفيان في الظلام تثيران اشمئزازي بشدة.>
<عينان سوداوان......؟>
صوّبت فيفيان عينيها الزرقاوين نحو ديريك مباشرة. وبينما كان يواجه نظراتها، أمال ديريك رأسه قليلاً بلامبالاة وقال: <آه، عندما أمعن التفكير مجدداً، ربما لم تكن عيني إنسان، بل كانت مجرد عين دمية دب على ما أظن......>
دوى صدى ضحكات ديريك في الأرجاء. ظل يراقب بتمعن حدقتي فيفيان اللتين تحدقان به بحقد، ثم فتح فمه ونطق بهدوء: <لماذا؟ هل رغبتِ الآن في قتلي؟>
<……>
<يمكنكِ قتلي، لا بأس، لكن دعيني أخبركِ شيئاً مسبقاً، إذا قتلتِني، فستصبحين شخصًا مماثلاً لي تماماً، أنتِ تدركين هذه الحقيقة، أليس كذلك؟>
كان ديريك يثرثر بكل وقاحة بينما يعبث بخصلات شعر فيفيان. وفي تلك اللحظة، فرغت عينا فيفيان اللتان كانتا تضجان بمختلف المشاعر، واصبحت فارغة تمامًا.
سألت فيفيان ديريك وهي تحدق في الفضاء بذهول: <إذن، هل تشعر بالراحة الآن؟>
<وكيف لي أن أشعر بالراحة ؟ بما أنني قتلتُ بشراً، فمن الطبيعي ألا أشعر سوى بعدم الارتياح.>
عند سماع كلمات ديريك، أطلقت فيفيان ضحكة خافتة وتمتمت: <فهمت الآن......>
هل ظن ديريك أن غضب فيفيان قد خمد تماماً ؟
قال لها بهدوء: <لقد انتهيتِ من قول كل ما لديكِ، أليس كذلك؟ وستحضرين الحفلة التي ستقام قريباً، صحيح؟>
لم يصدر عن فيفيان أي رد.
نظر ديريك إليها بوجهٍ منزعج، ثم أطلق زفرة قصيرة وقال: <إذن، أراكِ في المرة القادمة.>
ربت على كتف فيفيان بخفة ثم استدار ليمضي، ولكن في تلك اللحظة، تدفق دم أحمر قانٍ من الخنجر الذي اخترق قلب ديريك .
<أنتِ … أنتِ …!>
تدفقت الدماء بغزارة من وجهه المحجوب باللون الأحمر .
انهارت ساقاه اللتان فقدتا القدرة على حمل جسده تماماً. وبدأت الدماء النازفة منه تغرق الأرض تحت جثته.
<هاهاها!>
انفجرت فيفيان بالضحك وهي تنظر إلى ديريك الساقط.
كانت ضحكة مبهجة. بدا وجهها في تلك اللحظة مفعماً بنشوةٍ تفوق ما رأيتُه حين كانت فوق خشبة المسرح.
ومع ذلك، سرعان ما تحولت ضحكاتها إلى بكاء مرير .
بعد ذلك مباشرة، نظرت فيفيان إلى الدماء القانية التي لطخت يديها، وانفجرت بالضحك مرة أخرى. وكانت الدموع تفيض من عينيها دون توقف .
كنتُ واقفة في مكاني، وقد تجمدتُ تماماً من هول المشهد. رمشت فيفيان بعينيها والدموع لا تزال تتساقط، ثم حدقت بسكون في ديريك الملقى على الأرض.
كانت الدماء لا تزال تتدفق من جثة الرجل التي بدأت حرارتها تنخفض تدريجياً، لدرجة أنها أغرقت الأرضية تماماً.
زحفت فيفيان نحوه على ركبتيها، ثم انتزعت الخنجر المغروس في قلب ديريك.
أخذت تعبث بالخنجر وتمتمت بصوت خافت: <لقد كان قولك صحيحاً.>
<يبدو أنني كنتُ أرغب في قتلك طوال الوقت.>
تساقطت دموع فيفيان داخل بركة الدماء .
<……>
ارتجف كتفا فيفيان وهي تقبض على الخنجر، وفي نهاية المطاف، ارتمت على الأرض وانفجرت بنحيبٍ مرير .
بدا الأمر وكأن الحزن الذي كتمته طوال تلك السنين قد تفجر فجأة كالسيل العارم. وامتلأ الكوخ بصدى حزنها الساحق.
<……>
أعادت فيفيان إمساك الخنجر بقوة بيديها المرتجفتين وهي لا تزال ملقاة على الأرض. حينها فقط استعدتُ وعيي و ركضتُ نحوها.
" لا … توقفي … ! "
حاولتُ الإمساك بالخنجر بذعر، لكن جسدي شبه الشفاف مرَّ من خلالها دون جدوى .
" لا تفعلي ذلك......"
كان عليَّ منع موتها بأي ثمن، لكن، سحقًا … كان جسدي لا يزال يعبر من خلالها فحسب.
حدقت فيفيان في الفراغ وتمتمت بشيء ما: <...... أرجوك، اجعلني......>
تحول أجزاء من صوتها إلى ضجيج لم أتمكن من سماعه، ثم … اخترق الخنجر قلب فيفيان.
توقفت حركات جسدها التي كانت تضطرب بشكل متقطع، وسكنت تماماً.
"فيفيان......؟"
ناديتُ اسمها بلهفة، لكن، وكأن صوتي لا يصل إليها أبداً، سقطت فيفيان وارتطم جسدها بالأرض .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
" هـاه … آه … ! "
عندما استعدتُ وعيي، كنتُ جاثمة على أرضية الكوخ، وأنا أقبض على الخنجر بقوة .
ما هذا بحق خالق الجحيم ؟
بدأت ألهث بعنف وأنا أنظر إلى الخنجر الذي كنتُ أمسكه، لكنني سرعان ما أفلتُّه من يدي بذعر.
كان قلبي يخفق بعنفٍ لدرجة الألم. لم أستطع النطق ببنت شفة، بل اكتفيتُ بالتحديق في الفراغ بذهول .
رمشتُ بعينيَّ. وفي ذاك العالم الذي يلفُّه السكون، شعرتُ وكأنني أطوف وحيدةً بلا مستقر.
" …… "
ربما كنتُ أعلم، ولو بشكلٍ مبهم، السبب الذي دفع فيفيان لقتل ديريك.
… فشخصيةٌ مثلها، وهي شقيقة هيلين، لم تكن لتُزهق روحاً دون سببٍ وجيه. ومع ذلك، فإن السبب الذي جعلني أتجنب التفكير في الأمر بعمق هو خوفي من أنني قد أجد تبريراً لجريمتها .
لأنه لا يحقُّ لي أن أرغب في الحياة بعد أن أكتشف الحقائق المتعلقة بموت هيلين.
فإذا أردتُ النجاة، كان عليَّ التضحية بكل من في هذا القصر. وكنتُ أرغب بشدة في تجنب ذاك الموقف، ولكن … أنا الآن أشعر بالشفقة تجاه فيفيان.
لقد كان قتلها له فعلاً عادلاً. لا أعلم ما هي ماهية العدالة في هذا العالم، ولكنَّ عدالتي كانت هي .
لم أستطع الضحك أو البكاء، بل اكتفيتُ بالرمش بعينيَّ فحسب. لقد كان قصر إرنست منصة إعدام لفيفيان، وكانت نتيجة المحاكمة قد حُسمت بالفعل. لأن فيفيان كانت القاتلة التي أزهقت روح ديريك.
أمسكتُ بالخنجر وأرغمتُ ساقيَّ المرتجفتين على الوقوف، ثم بدأتُ بالسير، لكنني لم أمضي بعيداً حتى توقفتُ بغتةً.
" منذ اللحظة التي رأيتُ فيها الكوخ وهو يحترق."
تذكرتُ دون وعيٍ مني كلمات كيڤن. وعلى نقيض قوله، كان الكوخ لا يزال سليماً حتى آخر ذكريات فيفيان.
علاوةً على ذلك، كانت جثة ديريك التي لم تستطع فيفيان التخلص منها لا تزال هناك؛ فقد انتحرت فيفيان قبل أن تتاح لها فرصة التعامل مع جثته.
حدقتُ في الكوخ دون أن أهتم حتى بلملمة شتات تعابير وجهي المزرية.
الكوخ المحترق … وديريك وفيفيان المحاصران بداخله.
" …… "
لا يمكنني التفكير في شيءٍ سوى أن شخصاً ما، لم تلاحظه فيفيان، قد مدَّ لها يد العون .
في لعبة 'عزيزي' كان هناك جاسوس يساعد فيفيان . لم أكن أفهم من قد يغامر بحياته ليصبح جاسوساً لها، لكنني الآن بدأتُ أدرك الأمر قليلاً.
ذاك الجاسوس كان شريك فيفيان الخفي في الجريمة. فلولا مساعدة أحدهم لها، لما أمكن طمس معالم تلك الجريمة .
إذن … هل يعني هذا أن ذاك "الشخص" الذي نقل فيفيان إلى المستشفى هو نفسه شريكها ؟
ورغم إدراكي بوجود حليفٍ لي، إلا أن يديَّ كانتا ترتجفان بشكلٍ غريب. وبسبب ذلك، سقط الخنجر الذي كنتُ أمسكه من يدي دون قصد.
مددتُ ذراعي نحو الخنجر بيدي التي تغير لونها إلى الشحوب، لكن قواي خارت وسقطتُ جاثمةً على الأرض.
" …… "
تشوشت رؤيتي، رغم أنني لم أكن أسير داخل ضباب ذكريات فيفيان. وفي تلك اللحظة التي قبضتُ فيها على الخنجر بصعوبة …
— طقطقة، طقطقة.
تناهى إلى مسامعي صوت وقع أقدامٍ من الخلف. لم أكن في حالةٍ تسمح لي حتى بالتفكير في الاختباء .
امتد ظلُّ شخصٍ ما اقترب مني ليغطيني بالكامل، وبينما ابتلعني ظله تماماً، كنتُ أصارعُ من أجل إخراج أنفاسي بصعوبة .
****************************
الفصل : ٨٩
اليوم الرابع عشر _ 30/10 (1)
دون أن يتوفر لي الوقت للتحقق من هويته، سارعتُ بإخفاء الخنجر لكي لا يراه. بيد أن يدي التي كانت ترتجف دون سيطرة، تسببت في جعل الخنجر يصدر صوتاً نتيجة احتكاكه بالأرض .
" …… "
ما اجتاحني بعد ذلك كان شعوراً ساحقاً بالعجز … لقد انتهى كل شيء.
فالحقيقة التي يشير إليها ذاك الخنجر الملطخ بالدماء كانت واضحة تماماً. ومهما حاولتُ حجب الحقيقة، فهي لا تُطمس أبداً. ويبدو أنه كان يدرك ذلك أيضاً، إذ اكتفى بالنظر إليَّ من الأعلى بنظرةٍ ثابتة.
وفي ذاك السكون الذي أطبق على أنفاسي، بذلتُ جهداً مضنياً للتمسك بوعيي الذي بدأ يتلاشى … لا يجب أن أنهار هنا.
بواسطة تلك الفكرة وحدها، أرغمتُ رأسي على الارتفاع بصعوبة.
" …… "
ذاك اللون الأحمر الذي غمر جسدي ديريك وفيفيان … كان شعر الرجل أحمرَ كالدماء. ولكن، وعلى نقيض لون شعره القاني، كانت عيناه الخضراوان اللتان تحدقان بي باهتتين.
" … لوكاس."
خرج اسم الرجل من بين ثنايا شفتي. وما إن سمع لوكاس اسمه، حتى بدأت حدقتا عينيه بالاضطراب.
" أنت … كيف أتيت إلى هنا … ؟ "
كان الصوت المتسرب من بين شفتيَّ هزيلاً وبائساً. وبنبرةٍ غير مستقرة، كان صوتي مبحوحاً لدرجةٍ يصعب معها الاستماع.
شعرتُ بوخزٍ حاد في حنجرتي المتشققة. وبسبب ذلك، بدأت رائحة الدماء تصعد في جوفي، لكنني لم أفكر حتى في ابتلاعها، بل ظللتُ أحدق في لوكاس بعينين غائمتين.
اضطرب وجه لوكاس وهو يراقبني، ثم فتح فمه ونطق بصعوبة: " … هل استعدتِ، كل ذكرياتكِ ؟ "
كانت كلماته التالية شيئاً لم أتوقعه منه أبداً. وعندما لم يجد مني أي رد، بدأت تعابير وجه لوكاس تزداد قتامةً شيئاً فشيئاً .
ربما ظنَّ أنني لم أفهم مغزى كلماته، إذ أعاد لوكاس نطق سؤاله مجدداً: " آنسة فيفيان، كل ما حدث في هذا المكان … لقد تذكرتِهِ، أليس كذلك ؟ "
" كلا، ليس الأمر كذلك......"
تلفظتُ بتلك الكذبة رغم علمي التام بأنها واضحة وضوح الشمس. أرغمتُ ساقيَّ المرتجفتين على الوقوف. كل ما أردتُه هو مغادرة هذا المكان فحسب، رغم إدراكي أنه حتى لو هربت من هنا، فلن أجد مكاناً ألوذُ إليه.
حينها، أمسك لوكاس بمعصمي بلهفة مانعاً إياي من مغادرة الكوخ.
" آنسة فيفيان ! "
كانت يد لوكاس التي تقبض على معصمي شاحبة كبياض الورق، وبرزت العروق الزرقاء فوق ظهر يده من شدة انفعاله.
" أنا … أنا لا أعلم عما تتحدث الآن."
تجنبتُ النظر إلى عينيه، ولم أجرؤ حتى على التفكير في مواجهة نظراته مباشرة.
" أنا … لا أعلم شيئاً، قلتُ لكَ إنني لا أعلم … ! "
رغم يقيني بأن كلماتي هذه تبدو حمقاء ومثيرة للشفقة، إلا أنها كانت الشيء الوحيد الذي استطاع شقَّ طريقه عبر شفتيَّ.
لقد كنتُ أتفوه بكلماتٍ لا أعي حتى ماهيتها في تلك اللحظة.
" اتركني."
لكن لوكاس لم يفلت معصمي، بل رفع نبرة صوته على غير عادته: " تقولين إنكِ لا تتذكرين شيئاً ؟ أتلفظين هذه الكلمات الآن … ! "
كان كتفا لوكاس يعلوان ويهبطان بشكلٍ غير منتظم. عجز عن إتمام جملته فبترها في منتصفها.
ثم اضطرب وجهه وكأنه رأى شيئاً شنيعاً، وتابع: " بينما يعتصر وجهكِ بكل تلك الآلام، تتلفظين بمثل هذه الكلمات … كيف لي أن …… "
بدأت القوة التي يقبض بها لوكاس على معصمي تتراخى تدريجياً. لم أستطع قراءة تعابير وجه لوكاس التي ارتسمت بمشاعر مجهولة، فقد كان عقلي غارقاً ومزدحماً بشتى الأفكار المتزاحمة.
اتجهت نظرات لوكاس نحو الخنجر الذي كنتُ أحمله. حاولتُ إخفاءه خلف ظهري على عجل، بيد أن الأوان كان قد فات.
" لقد تذكرتِ، أليس كذلك ؟ "
" …… "
" لماذا ؟ لماذا فعلتِ ذلك …؟ لقد كانت ذكرى رغبتِ في نسيانها، فلماذا …… "
سأل لوكاس بنبرةٍ ترتجف بضعف. كان يتحدث وكأن المشكلة تكمن في فتحي لـ "صندوق باندورا" واستعادة الذكرى … وليس في كوني قتلتُ ديريك .
شيئاً فشيئاً، وببطءٍ شديد … بدأت تصوراتٌ لا يعقلها عقل تكتسح مخيلتي كأمواج الإعصار .
ودون وعيٍ مني، انسلَّت جملةٌ واحدة من بين شفتيَّ: " … إنه أنت، أليس كذلك ؟ "
" …… "
" أنتَ من فعلتَ ذلك …… "
كنتُ أتمنى ألا يكون هو، لا أعلم لماذا .
… أكان ذلك لخوفي من وجود شاهدٍ رأى جريمة قتل فيفيان ؟ أم لأن الشخصية كانت أبعد ما يكون عن توقعاتي …؟
لم أدرك السبب الحقيقي، كل ما كنتُ أعلمه هو أنني أشعر بالرعب من جوابِهِ المرتقب. لو كانت كلماتي مجرد افتراضٍ خاطئ، لكانت تلك مشكلةً بحد ذاتها، ومع ذلك، كنتُ أرجو ألا تكون شكوكي هي الحقيقة.
لم أزل أجهل السبب، رغم أنني كنتُ على وشك كسب حليفٍ إلى جانبي.
وبينما كنتُ أنتظر رده بتوترٍ بالغ، فتح لوكاس فمه ونطق بصعوبة: " … نعم."
" …… "
" أنا هو من أضرم النار في الكوخ."
سقط قلبي بين قدميَّ.
" ولكن … لماذا يبدو الكوخ سليماً هكذا رغم أنه قد تحول رماداً، فأنا نفسي لا أعلم تفسيراً لذلك."
حينها فقط، أدركتُ لماذا كنتُ أخشى جوابه. إنه الشخص الوحيد الذي يعلم بكل جرائم فيفيان، وشريكها في الوقت ذاته .
بيد أنني لم أتلقَّ مساعدةً من أحدٍ قط، لدرجة أنني كنتُ قد نسيتُ تماماً حقيقة وجود شريكٍ لي داخل القصر . لذا، لم أستطع الجزم بكون لوكاس في صفي بالكامل.
فهو الشاهدُ الذي يمثل الدليل الأكثر قطعاً من بين كل الأدلة الموجودة في هذا القصر. لم أعلم بأي جوابٍ يجدر بي أن أردَّ على كلماته .
هل أشكرُهُ لأنه ساعدني …؟ أم أسأله إن كان حقاً في صفي ؟ أم أسأله لماذا أخفى هويته طوال الوقت … ؟
كنتُ أفتح فمي ثم أغلقه مراراً وتكراراً، قبل أن أرغم شفتيَّ المرتجفتين بضعف على النطق وانتزاع سؤالٍ واحد: " … لماذا ؟ "
رغم ذاك السؤال الذي قذفتُ به بصعوبة، لم يتناهَ إلى مسامعي أي صوت. قبضتُ على يديَّ بقوة. وللسخرية، خرجت مني ضحكة جوفاء .
" … يبدو أنك استمتعتَ طوال تلك الفترة؛ فقد كنتَ تراقبني عن كثب وأنا أمثل دوري هذا."
لم ينطق لوكاس ببنت شفة أمام سخريتي، بل اكتفى بالنظر إليَّ بعينين لا يمكن فهمهما. ذاك الشريك الذي ذكرتْهُ اللعبة. وبالنظر إلى كونه قد لزم الصمت تماماً حيال أمري طوال هذا الوقت، فمن المرجح حقاً أن لوكاس في صفي .
ولكن ما نفع كل ذلك الآن … ؟ في اللعبة الأصلية التي أعرفها، لم يكن هناك وجود لعملية التصويت، ولم تكن هناك قاعدة تقضي بموت الجميع إن لم يتم العثور عليَّ.
ومع إضافة هذه القواعد الجديدة، غدا لوكاس أكبر مصدر قلقٍ بالنسبة لي. فمهما أظهر من موقفٍ ودي تجاهي، كنتُ مضطرة للخضوع له في نهاية المطاف.
إذ تظل الحقيقة أن فيفيان هي من طعنت ديريك بالخنجر، وما فعله لوكاس لم يكن سوى طمس معالم جريمتها.
وبينما كان يرمقني بتلك النظرات المجهولة، نطق بهدوء: " لقد تمنيتُ لو أن الآنسة فيفيان لا تعلم شيئاً أبداً."
" …… "
" لأنني … أريد للآنسة فيفيان أن تكون سعيدة."
كانت هذه الكلمات هي ذاتها التي سمعتُها منه بالأمس. وكان ذاك الصوت الذي يوحي بأنه سينفجر بالبكاء لو زدتُ عليه حرفاً واحداً، لا يزال كما هو.
لم أستطع أبداً فهم السبب الذي يجعل لوكاس يتحدث عن سعادة فيفيان.
أيطلب مني أن أكون سعيدة في مثل هذا الوضع ؟ أيسخر مني الآن ؟
نطقتُ بوجهٍ مشوهٍ من الانفعال: " أنا سعيدة بالفعل."
" إذن، هذا يريحني."
رسم لوكاس ابتسامة باهتة. وفي اللحظة التي واجهتُ فيها وجهه، سقط الخنجر الذي كنتُ أخفيه خلف ظهري دون وعي مني.
— رنين !
ومع ذلك، لم أدرك حتى حقيقة أنني قد أسقطتُ الخنجر، بل ظللتُ أحدق في عينيه.
قلتُ بصوتٍ متهدج: " لماذا … ؟ "
" …… "
" لماذا تتحدث بمثل هذه الكلمات ؟ … لماذا ؟ "
دوى صدى صوتي في أرجاء الكوخ. شعرتُ وكأنني قد سُكب عليَّ ماءٌ بارد، وتحول عقلي الذي كان مضطرباً إلى بياضٍ تام.
وفي نهاية المطاف، خارت قواي وارتميتُ جالسةً على الأرض. حاولتُ النهوض مجدداً، لكن ساقيَّ لم تعدا تحملانني؛ بل غزا الخدر سائر جسدي، وشعرتُ بآلامٍ مبرحة وكأن أحدهم قد أبرحني ضرباً.
رغم علمي باستحالة ذلك، إلا أنني لم أكن أملك القدرة على تحمل جسدي الذي يعتصر وجعاً.
… هل فقدتُ صوابي أخيراً ؟ يبدو أن الأمر كذلك حقاً.
" … هناك من يجب على الآنسة فيفيان حمايته، أليس كذلك ؟ "
تناهى ذاك الصوت الهادئ إلى مسمعي من الأعلى: " لقد نجح انتقامكِ، وبما أنكِ قد عانيتِ بما يكفي طوال تلك المدة، فأنتِ تستحقين الآن أن تكوني سعيدة."
" …… "
" لهذا السبب فعلتُ ما فعلت."
ورغم إجابة لوكاس المتتابعة، لم أجد رداً على سؤالي الجوهري .
… أعني، لماذا تحمل كل هذه المشاعر تجاه فيفيان ؟
صحيحٌ أن حال فيفيان يثير الشفقة، لكن لا يوجد سبب يدفع لوكاس، وهو مجرد غريب، ليصبح شريكاً في الجريمة لمجرد مساعدتها.
" شعرتُ أنني إذا رأيتُ الآنسة فيفيان سعيدة، فسأتمكن أخيراً من التمسك بأمل أن أصبح أنا أيضاً سعيداً."
… إذن، لماذا ؟
" حسناً، بالنظر إلى الأمر، يبدو أنه لم يكن عملاً من أجلكِ وحدكِ تماماً."
أطلق لوكاس ضحكة خفيفة.
****************************