الفصل ٨٦ و ٨٧ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الثالث عشر _ 29/10 (11)

كانت الصفحات المفتوحة قد تآكلت أطرافها من كثرة القراءة، وامتلأت بخطوطٍ وضعتْها تحت الكلمات حتى كادت الورقة تتمزق.

<لا أعلم كيف ستقومين بإغواء الجمهور وفتنتهم، لكن حسناً … فلنجرب الأمر.>

اتسعت عينا فيفيان من الدهشة، وبدت عليها علامات الذهول للحظة، قبل أن تُسارع بإنزال رأسها والانحناء للرجل بعمق وهي تؤدي له التحية.

<شكراً لك! سأبذل قصارى جهدي!>

أشرق وجه فيفيان قليلاً وهي تكرر عبارات الشكر مراراً.

أطلق الرجل ضحكة خفيفة ثم نقل خطاه مبتعداً، فتبعته فيفيان على عجل. وبينما كانت تسير معه في الممر، بدأت هيئة فيفيان تتلاشى تدريجياً.

أخذتُ أقتفي أثرها ببصري بينما أتبع الرجل. وفي اللحظة التي بلغ فيها الرجل نهاية الممر، وجدنا أنفسنا قد وصلنا إلى مقاعد الجمهور المكسوة باللون الأحمر.

جلس الرجل في الصف الأمامي، فاقتربتُ منه بحذر وجلستُ في المقعد المجاور له.

<.......>

أما فيفيان التي كانت قد اختفت، فقد ظهرت الآن فوق منصة المسرح. كانت ترتدي فستاناً قديماً، وبدت ملامحها شاحبة ومنهكة، ومع ذلك، كانت هيئتها وهي تستقبل أضواء المسرح تشع بريقاً يفوق أي شخص آخر.

بعد ذلك مباشرة، تناهى إلى مسامعي صوتٌ رتيب يفتقر للنبرات العالية: <… يثير ذلك اشمئزازي، لكنني كنتُ أحبه.>

كان الدور الذي أسند إلى فيفيان هو شخصية "إيما"، وهي شخصية ثانوية تقع في حب البطل.

كانت إيما، التي أحبت رجلاً لديه عائلة يلتزم بحمايتها، صغيرة السن. وبهذا المعنى، كان الدور ملائماً تماماً لفيفيان التي لا تزال سمات الصبا واضحة عليها فوق خشبة المسرح.

اتسمت إيما بالرعونة، ولم تتوقف عن تكرار الخيارات الحمقاء، بيد أن الجمهور لم يستطع صبَّ لعناته عليها. فقد كانت إيما أصغر من أن تُلام، وكانت فاتنة لدرجة الجنون .

جسدت فيفيان ببراعة ذاك الحب الأول المشوه الذي يطرق باب فتاة في سن المراهقة.

لم أستطع تحويل نظري عن فيفيان وهي فوق خشبة المسرح، فقد كانت تعرض للجمهور رؤيتها الخاصة لشخصية إيما دون أدنى تردد .

تحوّل حبُّ الفتاة إلى كارثة، واستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن تدرك أن عشقها قد غدا شقاءً للآخرين. لكن في نهاية المطاف، تدرك إيما أن حبها كان خطيئة، فتبذل حياتها ثمناً لإنقاذ زوجة الرجل التي كانت تواجه الخطر .

وهكذا أُسدِل الستار على المسرحية .

— تصفيق، تصفيق .

في تلك اللحظة، دوى صوت التصفيق في الأرجاء. فوق المنصة التي انطفأت أنوارها، استمر صدى التصفيق يتردد لفترة طويلة جداً.

بعد ذلك مباشرة، ظهر الممثلون فوق الخشبة، وسلطت الأضواء عليهم. كنتُ أراقب فيفيان وهي واقفة فوق المنصة .

<.......>

كان كتفا فيفيان يعلوان ويهبطان بعنف من شدة التأثر. كانت تكتفي بالنظر إلى مقاعد الجمهور بذهول تام. وبدأت ملامح وجهها الجافة تستعيد حيويتها شيئاً فشيئاً، وببطء شديد.

بدت فيفيان شاردة الذهن بينما توردت وجنتاها، لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما غمرت وجهها نشوة عارمة.

… كانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها هذا التعبير على وجهها. كانت فيفيان تبتسم، وإن كانت ابتسامة باهتة.

غادر الجمهور قاعة المسرح بالكامل، لكن فيفيان ظلت واقفة فوق المنصة، وبدت ملامحها وكأنها لا تزال غير قادرة على نسيان شعور اللحظة السابقة.

نهضتُ من مقعدي بحذر واقتربتُ منها. وعلى عكس الممثلين الآخرين الذين غرقوا في أكوام من باقات الزهور، كانت يدا فيفيان فارغتين.

تملكني حينها رغبة عارمة لمنحها باقة من الزهور.

<لقد استمتعتُ بتمثيلكِ اليوم، كان رائعاً.>

في تلك اللحظة، اقترب شخص ما من فيفيان ومدَّ نحوها فجأة باقة زهور.

كان صوت الرجل مشوشاً وكأنه صادر عبر تداخل في الذبذبات. جفلت فيفيان للحظة، ثم تناولت باقة الزهور الممدودة إليها بحذر .

<...... شكراً لك.>

<كم تبلغين من العمر؟>

بالإضافة إلى صوته المشوش، كان وجه الرجل مغطىً بعلامة "X" سوداء .

<...... تسعة عشر عاماً.>

<اسمكِ فيفيان، أليس كذلك ؟ أنتِ موهوبة حقاً.>

<……>

<لقد لفتِّ نظري اليوم أكثر من الممثلين الرئيسيين أنفسهم.>

نظرت فيفيان إليه بتمعن، ثم فتحت فمها ونطقت بهدوء: <هذا … لا يعتبر مديحاً.>

<همم؟>

<لأن دوري اليوم كان "إيما"، التي تكمن مهمتها في جعل الحب النقي بين "ميسون" و "آريا" يشع ببريقٍ أكبر.>

أطلق الرجل ضحكة خفيفة أمام كلمات فيفيان الجريئة، ثم عدّل قوله: <حسناً، إذن هل سيعتبر مديحاً إن قلتُ إن المسرحية كانت أكثر إشراقاً اليوم بفضلكِ أنتِ؟>

<نعم، شكراً لك.>

نقلتُ خطاي التي كانت متوقفة واقتربتُ منهما، لكن، كلما حاولتُ الاقتراب من الشخصين، كانت المسافة بيني وبينهما تزداد اتساعاً ببطء.

كلما زادت سرعة ركضي، ازدادت المسافة بيني وبينهما اتساعاً، واجتاحتني عتمةٌ شديدة وساحقة، لكن، وعلى نقيض تلك المسافة التي كانت تبتعد، ظل صدى الحوار بين الرجل و فيفيان يتردد بوضوح في أذني.

تناهى إلى مسامعي صوت فيفيان وهو يمتزج بضحكة خفيفة: <شكراً لك على مساعدتك لي بشتى الطرق، لكن … متى تنوي إخباري باسمك؟>

<في اليوم الذي تصبحين فيه نجمة كبيرة ؟ هاها، أنا أمزح، سأعطيكِ هدية إذا تمكنتِ من اكتشاف اسمي بنفسكِ.>

… لسببٍ ما، شعرتُ وكأنني أركض داخل كابوس لا نهاية له. كانت أصواتهما المدوية تتردد باستمرار دون انقطاع .

<أليس لديكِ والدان؟>

<نعم، أعيش مع أختي الصغرى بمفردنا.>

لا … لا تفعلي ذلك ……

بدأت نبرة فيفيان الطفولية تصبح أكثر نضجاً، وتحول الجو الذي كان يشوبه عدم الارتياح بينهما تدريجياً إلى ألفة وراحة.

<قلتِ إن الحادث الذي أودى بحياة والديكِ هو "جريمة قتل شارع بيكر"، أليس كذلك؟>

<...... نعم.>

<بخصوص تلك القضية، تبين أنها قضية أعرفها جيداً، إن لم يكن لديكِ مانع، فسأقوم بتسليمكِ الوثائق المتعلقة بها.>

تملكني شعورٌ قوي بأنه لا يجب على فيفيان التورط مع هذا الرجل أكثر من ذلك.

ركضتُ حتى انقطع نفسي. وفي اللحظة التي نجحتُ فيها أخيراً في الخروج من تلك العتمة … كان منزلها الصغير، الذي كان يبدو قاحلاً منذ قليل، قد غدا مشرقاً.

امتلأ المنزل الذي لم يكن فيه زهرة واحدة بزهورٍ لم أرها من قبل موضوعة في المزهريات.

يبدو أن هيلين أيضاً شعرت بغرابة الأجواء في المنزل، فسألت فيفيان بحذر: <أختي … هل كل هذه الزهور من ذاك الرجل؟>

فكرت فيفيان قليلاً ثم أومأت برأسها بهدوء. ارتجفت شفتا هيلين وكأنها تملك الكثير لتقوله بعد رد فيفيان.

ثم فتحت هيلين فمها ونطقت بحذر: <… اسمعي، أنا أسأل لمجرد الاطمئنان، لكنكما لستما في علاقة جادة أو شيء من هذا القبيل، أليس كذلك ؟ حتى من بعيد، بدا لي أنه يكبركِ في السن بكثير …>

قطبت فيفيان جبينها فوراً وأجابت بحزم على كلمات هيلين: <ليس الأمر كذلك أبداً.>

<هذا يريحني إذن…>

تنفست هيلين الصعداء واقتربت منها: <من هو وماذا يعمل؟>

<لا أعرف.>

<...... لا تعرفين؟>

أجابت فيفيان وهي تعبث بالزهور بهدوء: <لا أعرف عنه شيئاً، لا أعرف عمره، ولا أعرف حتى اسمه.>

<……>

<وعلاوة على ذلك، يبدو أن هذا الرجل حريصٌ على إبقاء لقاءاتنا سراً......>

تصلبت ملامح هيلين للحظة، لكنها سرعان ما تصنعت الابتسامة وكأن شيئاً لم يكن.

<هاها، يبدو أنه شخصٌ خجولٌ للغاية إذن … هل يجدر بنا تسميته بـ "الخجول" كلقبٍ له؟>

أطلقت هيلين تلك المزحة الواهية، ولما رأت الجمود يكسو وجه فيفيان، ضحكت بضيق، ثم بدأت تحول موضوع الحديث تدريجياً وهي تراقب رد فعلها.

<على أية حال، هل ستذهبين لزيارة المفتش اليوم؟>

<يجب عليّ الذهاب.>

تمتمت فيفيان بذلك مع ابتسامة مريرة وهي تنهض من مكانها.

<أسرعي أنتِ واستعدي للذهاب إلى المدرسة.>

<حسناً......>

ألقت فيفيان تحية قصيرة على هيلين ثم غادرت المنزل. سارعتُ باللحاق بها دون إبطاء. سارت فيفيان مسافة ليست بالقصيرة بعد خروجها من المنزل. وتوقفت عند موقف الحافلات، ثم صعدت إلى الحافلة التي وصلت بعد قليل.

كانت الحافلة خالية من الركاب تقريباً. جلست فيفيان في مقعدٍ منزوٍ في الزاوية، فاتخذتُ لنفسي مكاناً بجانبها في صمت.

كانت الحافلة ترتج بعنف وضجيج. وبعد فترة من التأرجح مع حركتها المضطربة، وصلت الحافلة إلى طريقٍ هادئ وسط الغابة.

— صرير .

نزلت فيفيان من الحافلة. وما إن نزلتُ خلفها، حتى أدركتُ على الفور ماهية هذا المكان. لقد كان ذاك الطريق الذي رأيته من خلال شريط فيديو هيلين .

ابتلعتُ ريقي، وتبعتُ فيفيان بهلع وهي تعبر الطريق خشية أن أفقد أثرها. توقفت خطوات فيفيان بعد سيرٍ طويل أمام تلك المقبرة المألوفة.

<……>

ظلت فيفيان تحدق في قبر روبرت لبرهة، ثم أغمضت عينيها ببطء. كانت ملامح وجهها توحي بالخشوع، وكأنها تصلي من أجل راحة روحه، لكن ما كسر سكون وجه فيفيان الهادئ كان صوت وقع أقدامٍ يقترب من الخلف.

< ……! >

التفتت فيفيان واتسعت حدقتاها تدريجياً، لكنها سرعان ما سارعت بتغطية وجهها قائلة: <أنا آسفة، هذا ليس مكاناً يجدر بي المجيء إليه......>

لم يكن صاحب تلك الخطوات سوى "السيدة لين". المرأة التي أمسكت بكتفي فيفيان الصغيرة وهي تنفجر بالبكاء فيما مضى؛ كانت ملامحها الآن تحمل آثار السنين بوضوح.

بدت السيدة هي الأخرى عاجزة عن إخفاء ذهولها، إذ لم تتوقع أبداً العثور على فيفيان في هذا المكان.

حاولت فيفيان مغادرة المكان على عجل، لكن السيدة أمسكت بمعصمها بلهفة.

< انـ… انتظري لحظة من فضلكِ ! >

****************************

الفصل : ٨٧

اليوم الثالث عشر _ 29/10 (12)

تجمدت فيفيان في مكانها.

ترددت السيدة لين لبرهة، ثم أفلتت معصمها الذي كانت تمسك به، ونطقت بكلمات هادئة: <اعتذر لأنني أفزعتُكِ، لم يكن ذلك ما أردته … >

<لا بأس، أنا من يجدر بها الاعتذار، فقد تسببتُ في إثارة دهشتكِ بمظهري هذا.>

<...... جئتِ لرؤيته، أليس كذلك؟>

نطقت السيدة لين بذلك بحذر. ترددت فيفيان قليلاً، ثم أومأت برأسها بصعوبة تأكيداً لقولها.

<… ابقَيْ هنا قدر ما تشائين، أنا متأكدة بأنه سيسعد بذلك.>

اتسعت عينا فيفيان عند سماع كلمات السيدة، فابتسمت السيدة لين ابتسامة حاولت جاهدة أن تجعلها رقيقة: <لقد رغبتُ حقاً في لقائكِ مجدداً يوماً ما، أردتُ أن أرى بعينيَّ كيف كبرت تلك الطفلة الصغيرة وأصبحت على ما هي عليه الآن....>

أخذت السيدة تتأمل فيفيان بتمعن، لكن فيفيان لم تستطع النظر إلى عينيها مباشرة، فأخفضت رأسها.

ثم تابعت السيدة حديثها بصعوبة: <أنا آسفة عما حدث في الماضي، كان يجب عليَّ أن أقول لكِ هذه الكلمات.>

<……>

<...... هل كنتِ تكنّين لي الضغينة؟>

سألت السيدة لين ذلك بحذر، فهزت فيفيان رأسها نفياً مع ابتسامة شاحبة: <كلا.>

<لا بأس حتى وإن كرهتِني؛ فأنا نفسي الآن لا أستطيع فهم تلك المرأة التي كنتُ عليها آنذاك.>

حولت السيدة لين نظرها نحو قبر روبرت وتابعت: <لقد صببتُ جام غضبي على الطفلة التي بذل هو كل ما يملك لحمايتها، بينما كان هناك شخص آخر هو من يستحق ذاك الغضب ونوبات اللوم......>

<……>

<كم هو أمرٌ مضحك حقاً.>

تمتمت السيدة بصوتٍ يملؤه الأسى، ثم أضافت: <في الواقع … لقد جئتُ إلى هنا اليوم لأحرق ملف القضية الذي كان هو يحقق فيه.>

بدأت عينا فيفيان بالاضطراب.

<أولئك الذين قتلوا روبرت، فعلوا ذلك على الأرجح للاستيلاء على الملفات التي كانت بحوزته، فقد كان رجلاً مستقيماً لا يعرف كيف يحني رأسه أو يتراجع عن مبادئه.>

<……>

<وبسبب ذلك، أُغلقت قضية روبرت أيضاً بوصفها حادثة انتحار، لكنني لم أصدق كلماتهم أبداً؛ لذا قمتُ بجمع وترتيب ملفات القضايا التي كان يحقق فيها وشرعتُ في التحقيق بنفسي.>

تحولت نظرات السيدة لين نحو فيفيان وتابعت: <… ولكنني الآن قد استُنزفت، ظننتُ أنني قادرة على فعل أي شيء لرفع الظلم عن روبرت، ولكن يبدو أن قواي قد توقفت عند هذا الحد.>

<… هل قمتِ بحرق تلك الملفات بالفعل؟>

أمام سؤال فيفيان الملحّ، حاولت السيدة أن تبتسم بصعوبة وقالت: <آنسة فيفيان، أنا أعلم جيداً مدى الظلم الذي يحيط بوضعكِ، فقد كنتُ مكانكِ يوماً، لكنني أريد لكِ أن تعيشي حياة طبيعية.>

<……>

<الانتقام الذي ستخسرين فيه الكثير، ليس انتقاماً حقيقياً، والداكِ أيضاً لا يريدان لكِ أن تظلي مقيدة بأغلال الماضي.>

<لكنني......>

<هذه قضية يمكن إنهاؤها عند روبرت وحده، وأنا لا أريد أن أفقدكِ أنتِ أيضاً، وأنتِ التي بذل هو حياته لحمايتكِ.>

<……>

<دعينا نفكر في المستقبل من الآن.>

قبضت فيفيان على كفيها بقوة عند سماع كلمات السيدة. وبعد صمت، نطقت بهدوء: <إذا لم نقتطع الجزء الفاسد، فسوف يفسد بقية الجسد حتماً، وإذا لم نتمكن من حل قضايا الماضي، فلن يكون هناك وجود للمستقبل أصلاً.>

<هل لانتقامكِ معنى يستحق أن تضحي بحياتكِ لأجله؟>

صوبت السيدة نظراتها نحو عيني فيفيان مباشرة وتابعت: <فيفيان، أنتِ لا تزالين صغيرة، لديكِ متسع من الوقت بدلاً من البقاء أسيرة للماضي، ولا تزال أمامكِ أفراح كثيرة لتجنيها في هذه الحياة، لا أريدكِ أن تهدري شبابكِ الوحيد في محاولة اقتطاع أشلاء من الماضي.>

بدت فيفيان عاجزة عن الرد أمام كلمات السيدة. حركت شفتيها بتردد ثم نطقت بصعوبة: <… أنا أتفهم تماماً مخاوفكِ يا سيدة لين، ولكن، بدلاً من اعتبار ذلك هَدراً، ماذا لو اعتبرناه خطوة نحو مستقبل جديد ؟ ألن يتغير المعنى حينها؟>

مدت فيفيان يدها نحو السيدة وأردفت: <لن أجعل قلبه يقلق عليّ.>

عند سماع كلمات فيفيان، بدأت نظرات السيدة لين تضطرب شيئاً فشيئاً.

مرَّ بعض الوقت على ذلك النحو، قبل أن تطلق السيدة زفرةً قصيرة ثم تفتح فمها بهدوء: <… اتبعيـني.>

اقتربت السيدة لين من برميلٍ معدني، وأخرجت منه الملفات ومدتها نحو فيفيان.

<ثمة أمرٌ واحد أودُّ أن أوصيكِ به، لا تتعمقي في هذه القضية أكثر مما ينبغي.>

<...... أشكركِ على نصيحتكِ.>

تناولت فيفيان الملفات منها؛ كانت الأوراق قد شحب لونها وبدت عتيقة للغاية. وفي طريق العودة، وبينما كانت في الحافلة، بدأت فيفيان بتقليب صفحات الملفات.

كنتُ جالسةً بجانبها، وحاولتُ اختلاس النظر إلى محتوى الأوراق، ولكن لسوء الحظ، كانت الكلمات مطموسةً تماماً ولم أستطع رؤية حرفٍ واحد منها.

<……>

بدأ وجه فيفيان يتصلب شيئاً فشيئاً وهي تتفحص الوثائق. وفي الخارج، كان الظلام يزحف نحو الأفق ويزداد قتامة.

< يا آنسة، سنصل إلى نهاية الخط بعد قليل.>

في تلك اللحظة فقط، استعادت فيفيان وعيها بعد أن كانت غارقةً في الملفات. لملمت الأوراق على عجل ونزلت من الحافلة.

أخذت فيفيان تسير بلا وجهة محددة. ورغم بزوغ البدر في السماء الحالكة، لم تفكر في العودة إلى المنزل، بل استمرت في المشي فحسب.

كنتُ أقتفي أثرها من الخلف … وفجأة، ظهر شخصٌ ما أمامها .

<فيفيان؟>

اخترق ذاك الصوت المشوش طبلة أذني بقسوة. رفعت فيفيان رأسها بجفلة، وأخفت الحقيبة التي تحوي الملفات خلف ظهرها.

<… ما خطبك؟ هل حدث شيءٌ ما؟>

سأل الرجل بنبرة يملؤها الارتياب، فرفعت فيفيان زوايا فمها متصنعةً الابتسام وهي تجيبه: <لا شيء.>

<...... حقاً؟>

<أجل.>

ساد الصمت من جانب الرجل لفترة وكأنه يستشعر غرابة أطوارها، لكنه سرعان ما غير مجرى الحديث محاولاً تلطيف الأجواء: <آه، بخصوص جريمة القتل التي ذكرتِها سابقاً.>

انتفض جسد فيفيان بوضوح عند سماع كلماته.

<...... فيفيان؟>

ناداها الرجل بحذر؛ وبدا صوته مشوشاً بضجيجٍ أقوى من ذي قبل، ربما بسبب ارتباكه.

حاولت فيفيان تمالك تعابير وجهها وهي تجيبه: <أشعر بوعكة صحية بسيطة فحسب.>

<...... أهكذا الأمر؟>

<أجل.>

<همم، على أية حال، هل قرأتِ الوثائق التي أعطيتُكِ إياها في المرة السابقة؟>

اضطربت عينا فيفيان قليلاً، ثم أخرجت أنفاسها بصعوبة و نطقت بهدوء: <لقد قرأتها.>

<أنتِ ممتنةٌ لي، أليس كذلك؟>

أطلق الرجل ضحكة خفيفة وتابع: <إن كنتِ ممتنة، فهل تشترين لي وجبة عشاء؟ أو يمكنكِ رد الجميل بطريقة أخرى.>

<...... بطريقة أخرى؟>

<أجل، ثمة حفلة ستُقام عما قريب.>

<……>

<أتذكرين ذاك الكوخ الذي التقينا فيه سابقاً ؟ لقد قلتِ حينها إنكِ ترغبين في دخول ذاك القصر الضخم الموجود هناك.>

تحركت شفتا فيفيان بصعوبة. أطبقت عينيها بقوة وكأنها تستمع إلى ضجيجٍ يثير الغثيان.

وبعد برهة، فتحت عينيها بحذر ونطقت: <… لقد قلتَ سابقًا … إنك ستعطيني هدية إذا اكتشفتُ اسمك.>

<ماذا، هل أدركتِ هويتي بالفعل؟>

صدر عن الرجل صوت يشبه فحيح الهواء.

<إذن، ما هو الجواب على ذاك السؤال؟>

<… ديريك جينكينز.>

في تلك اللحظة، دوى صوت صرير معدني كريه في أذني. ومع ذلك، لم أفكر حتى في سد أذنيَّ بل ظللتُ أحدق في ديريك وفيفيان.

كان يجب عليَّ سماع حوارهما … بيد أن صوتهما ابتلعه ذاك الصرير فلم أعد أسمع شيئاً. وفوق علامة "X" المرسومة على وجه ديريك، بدأت مادة حمراء تُطلى فوقها بكثافة.

— بييييبب .

دوى طنينٌ حاد في أذني. وعلى الفور، تحطمت هيئتا ديريك وفيفيان محدثتين صوتاً مدوياً كتحطم الزجاج، وتناثرت بقاياهما شظايا فوق الأرض.

<……>

ومن خلال شظايا الزجاج المتناثرة، تراءت لي هيئة فيفيان. كانت تجلس بمفردها داخل المنزل، وتكتب شيئاً ما بوجهٍ عاجزٍ حتى عن البكاء، ثم توقفت يدها التي كانت تتحرك فجأة.

وضعت فيفيان الورقة داخل مغلف، ثم حملتها وغادرت المنزل. ظهرت هيئتها في شظية زجاجية أخرى، وما إن التقطتُ تلك الشظية دون وعي مني، حتى بدأ المحيط المظلم يشع بضياءٍ ساطع.

هذا المكان هو … داخل الكوخ الذي كنتُ أقف فيه. استنشقتُ الهواء بذعر وأنا أرى ديريك وفيفيان يتواجهان .

تردد صدى صوت فيفيان الذي يكتم في طياته انفعالاتٍ عارمة في ذاك السكون المهيب: <أنت … هل كنت تعلم من أنا منذ البداية؟>

لم يصدر عن ديريك أي جواب، بل كان ينظر إليها بوجهٍ يوحي بأنه لا يدرك أين تكمن المشكلة في ذلك.

<هاه......!>

انفجرت فيفيان بضحكة قصيرة، واستمرت ضحكاتها دون انقطاع وكأنها قد فقدت صوابها.

نظر ديريك إليها بتمعن، ثم أجابها وكأن الأمر لا يستحق العناء: <لقد كنتُ فضوليًا فحسب.>

<عن ماذا بحق خالق الجحيم ؟! هل كنت فضوليًا عن أحوال أبناء أولئك الذين قتلتَهم بدمٍ بارد؟ أم كنت فضوليًا عن مدى بؤس حياتهم؟>

أصبح صوت ديريك مشوشاً: <كنتُ أتساءل عما إذا كان الحاكم قد غفر لي، أم لا.>

* تم تغيير الكلمة لـلحاكم .

<ماذا قلت......؟>

رفع ديريك نظره نحو السماء التي تظهر من خلال نافذة الكوخ: <لقد سألتُ الحاكم الغفران، وقد غفر لي بفضله الواسع.>

<……>

<والدليل على ذلك، هو أنكِ أنتِ وأختكِ لا تزالان على قيد الحياة، وتعيشان بسعادة أيضاً.>

انطلقت ضحكة من ذاك الرجل المصبوغ باللون الأحمر: <علاوة على ذلك، لقد قدمتُ لكِ الكثير من المساعدة لأطلب منكِ الغفران أيضاً، أليس كذلك؟>

<……>

<لذا، أنا لا أفهم حقاً لماذا ينتابكِ كل هذا الغضب.>

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان