الفصل ٨٤ و ٨٥ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الثالث عشر _ 29/10 (9)

" بما أنك علمتَ الآن، فهذا يكفي."

أجبتُه بعدم اكتراث بينما مددتُ يدي نحو بيبي، فقفز فوقها بخفة .

نظرتُ إلى بيبي بتمعن وقلتُ لفيل: " لكنني حقاً لا أفهم لماذا ابتلع بيبي هذا الشيء."

— ممم، الأمر بسيط، هذا الشيء الذي حصلتِ عليه بالصدفة هو 'ذكرى' شخص ما، وصغيرنا اللطيف يتغذى على الذكريات .

"...... ذكرى؟"

— أجل، ألم يُحضر لكِ سابقاً ذكرى غريبة ليريها لكِ رغبةً منه في مساعدتكِ ؟

عند سماع كلمات فيل، استحضرتُ في ذهني المشاهد التي أراني إياها بيبي لكل من كيڤن وماكس.

سألتُ فيل بحذر: " إن كان ما يحمله بيبي هو ذكرى شخص ما، فهل يمكنني اختلاس النظر إليها بنفس الطريقة السابقة ؟ "

— همم، الموقف مختلف قليلاً هذه المرة، في المرة السابقة كانت تلك ذكريات الصغير نفسه، أما هذه المرة فأنتِ تحاولين اختلاس النظر إلى ذكريات شخص آخر .

أخذ فيل يفكر بتمعن قبل أن يميل برأسه جانباً: — أم أنها لا تختلف كثيراً … ؟

"...... هل توجد طريقة لرؤيتها على أي حال؟"

— بالطبع توجد، لكن هناك مشكلة واحدة.

عندما بدت علامات الحيرة على وجهي، قال فيل بنبرة غاية في الجدية: — يجب أن تحذري جيداً من أن تندمج روحكِ مع روح صاحب الذكرى .

" هذا أمر بديهي......"

— ليس أمراً يُجاب عليه بهذه السهولة، أنتِ الآن بصدد القيام بفعله مرعبة للغاية !

" آه، حسناً، فهمت."

بيد أن فيل لم يبدُ مقتنعاً بردي: — هل أنتِ جادة ؟ هذا وعدٌ بيننا، صحيح ؟ أنا لا أريد التحدث إلى أي شخص آخر غيركِ .

" أخبرتُك أنني فهمت......"

أطلق فيل تنهيدة عميقة ثم اختفى من داخل المرآة.

بعدها مباشرة، بدأ صوته يتردد بصدىً عميق وكأنه قادم من داخل كهف: — أحضري الصغير اللطيف وادخلي إلى الداخل.

" أ … أتقصد أن أدخل إلى داخل المرآة ؟ "

— أجل !

نظرتُ لا شعورياً إلى بيبي المستقر بين يديَّ، فقفز هو أولاً إلى داخل المرآة وكأنه يطمئنني ألا أقلق.

وبينما كنتُ أتردد في مكاني، استعجلني فيل: — تباً، إن لم تدخلي الآن فسأغلق الباب فوراً !

" سأدخل ! "

ابتلعتُ ريقي بصعوبة، ثم مددتُ يدي داخل المرآة. غلف جسدي إحساس غريب لم أختبره من قبل، لم يكن شعوراً ممتعاً على الإطلاق.

أغمضتُ عينيَّ بقوة، ودفعتُ بقية جسدي قسراً إلى داخل المرآة.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كان الفراغ داخل المرآة شاسعاً للغاية. أو ربما خُيل إليّ ذلك لأنني لم أكن أرى شيئاً أمامي. وتسلل الخوف إلى قلبي فجأة.

"فيل......؟"

ناديتُه دون وعي مني، ففتح فمه وأجابني وكأنه كان ينتظر ندائي: — كيف تشعرين ؟

بدا صوت فيل وكأنه آتٍ من مكان بعيد جداً. رفعتُ يديَّ أتلمس طريقي بارتباك، وخطوتُ خطوة واحدة إلى الأمام بصعوبة.

انفجر فيل ضاحكاً عند رؤيتي.

— يا إلهي، منظركِ الآن مضحك حقاً !

" لا … لا تضحك … أنا أتحدث بجدية تامة."

توقف فيل عن القهقهة بصعوبة بعد فترة، ثم أخبرني عن الوجهة التي عليَّ سلكها.

— واصلي السير للأمام مباشرة فحسب.

"هل أنا أسير في الطريق الصحيح؟"

— ربما ؟

أجاب فيل بنبرة عابثة. لم يكن صوته يوحي بالكثير من الثقة، لكنني ظننتُ أنه سينبهني حتماً إذا ما انحرفتُ عن المسار .

"ولكن، أين ذهب بيبي؟"

— صغيرنا اللطيف قد وصل بالفعل.

"إلى أين وصل؟"

— ثرثرتكِ كثيرة جداً، أسرعي بالذهاب فحسب !

أطبقتُ فمي أمام توبيخ فيل. مشيت هكذا لفترة طويلة، حتى بدأ الضوء يتسلل إلى ذاك الفضاء الذي كان غارقاً في السواد، ولكن، كانت الرائحة التي تغلغلت في أنفي أسرع من الضوء .

إنها … رائحة خشب قديم.

رمشتُ بعينيَّ، وفي اللحظة ذاتها انقشع الظلام عن رؤيتي. وما إن بدأتُ أدرك ماهية هذا المكان، حتى توالت النوافذ النظامية أمام عيني :

[ تم إلغاء قفل 'خارج القصر'.]
— عدد الأشخاص المسجلين (2/2)
(هذه منطقة خاصة، ولا تظهر على الخريطة.)

[ اكتملت مهمة 'اللقاء الأول مع الهواء الطلق'!]

[ تم فتح 'جدول مستويات الثقة' كمكافأة.]

تفحصتُ محيطي بسرعة، أرضية خشبية عتيقة، وجدران خشبية تبدو حالتها سيئة للغاية، وكأن المكان على وشك الانهيار في أي لحظة .

هل يعقل أن هذا المكان هو … ؟

هرعتُ نحو ما بدا لي أنه باب، ودفعته بقوة لفتحه .

" …… ! "

في تلك اللحظة، استقبلني هواء منعش وضوء قمر ساطع.

ابتلعتُ ريقي بصعوبة. كما ذكر النظام تماماً، كان هذا المكان هو خارج القصر بالفعل . استنشقتُ هواء الخارج الذي لم أشم رائحته منذ أمد بعيد بعمق، ثم لمحتُ القصر العتيق وهو يحجب ضوء القمر الساطع.

بدا القصر وكأنه قلعة خرجت من طيات إحدى القصص الخيالية، وبرزت للنظر أولاً أبراج القصر الثلاثة التي كانت تعانق السماء بشموخ.

" …… "

وقفتُ عاجزة عن الكلام، أفتح فمي وأغلقه دون صوت، ولكن سرعان ما حولتُ نظري نحو الباب الذي خرجتُ منه.

المكان الذي خرجتُ منه كان "الكوخ". وفي تلك اللحظة، أدركتُ بشكل غامض أن هذا هو الكوخ الذي تحدث عنه كيڤن، ولكن، حسب ما قاله، كان من المفترض أن يكون الكوخ محترقاً … أما الكوخ الذي تراه عيناي الآن، فقد كان سليماً تمامًا.

بسبب ذلك، راودني شكٌّ للحظة في أن الكوخ الذي ذكره كيڤن ليس هو هذا المكان. أخذتُ أتلفّت حولي مستحضرةً كلماته في ذهني.

" دخل العم إلى كوخ قديم وسط الشجيرات، كنتُ أريد مفاجأته، فبقيتُ مختبئاً بين الشجيرات."

وكأنما لتأكيد صدق قوله، رأيت الشجيرات التي تحيط بالكوخ. نظرتُ إلى تلك الأعشاب الكثيفة الممتدة أمام الكوخ؛ إن كان هذا هو الكوخ الذي عناه كيڤن، فلا بد أن تلك الشجيرات هي المكان الذي اختبأ فيه.

اقتربتُ من الكوخ وفتحتُ الباب.

— صرير .

" … فيل ؟ بيبي ؟ "

بحثتُ عنهما ببصري داخل الكوخ وناديتُهما، لكن لم يكن لهما أثرٌ في أي مكان. ابتلعتُ ريقي بتوتر ودخلتُ إلى داخل الكوخ .

… بما أن كيڤن ذكر بوضوح أنه لم يرى أحداً يخرج من الكوخ، فلا بد من وجود بابٍ خلفي، أو ربما ممرٍّ سري.

سارعتُ بالتحرك بحثاً عن مخرج خلفي، لكنني تسمرتُ في مكاني فجأة حين وقع نظري على خنجرٍ مُلقى على الأرض .

كان الخنجر مكسوّاً بالصدأ، ولم يكن صدأً ناتجاً عن القِدَم فحسب، بل كان من الواضح تماماً أنها آثار دماء جافة .

" …… "

شعرتُ وكأن شخصاً ما بجانبي يصرخ بي ألّا ألتقطه. ومع ذلك، مددتُ يدي نحو الخنجر .

في اللحظة التي رفعتُ فيها الخنجر، ظهرت نافذة أمام عيني:

[ هل ترغبين في قراءة ذاكرة '؟؟؟'؟ ]

[ … أجل ! / كلا ! ]

كان ذاك الشخص المجهول لا يزال يصرخ في عقلي محذراً من فعل ذلك، لكنني ضغطتُ بصعوبة على خيار "أجل!".

في تلك اللحظة، بدأ بصري يتشوش وأخذ جسدي يتحول إلى هيئة شبه شفافة. وبينما كنتُ أتفحص يدي بذهول، تناهى إلى مسامعي صوتُ حديثٍ آتٍ من مكان ما.

< تشه، لماذا كان يجب أن يكون في شارع بيكر عند الفجر......>

< أيها الرجل......! انتبه لكلامك ! >

من بين ضبابٍ كثيف، ظهر رجالٌ يرتدون بذلاتٍ رسمية. تجمدتُ مكاني للحظة قبل أن أخطو داخل الضباب. اجتاحني شعورٌ بالقشعريرة سرى في كامل جسدي .

< وهل أخطأتُ في قولي ؟ حتى وإن كان طريقاً مختصراً، كيف يفكر شخصٌ في عبور شارع بيكر في الفجر ؟ بلا خوفٍ أو حذر.>

< مهما كانت طباعك سيئة، فلا يجوز لك إلقاء اللوم على الضحية.>

قال رجلٌ ذلك وهو يقطب جبينه ويضع سيجاراً بين شفتيه.

<على أية حال، ما الذي ينبغي علينا فعله تجاه هذا الأمر؟>

عند سؤاله، أظلم وجه الرجل ذي اللحية المكسوّة بالشيب، وبقي يعبث بلحيته غارقاً في تفكيرٍ عميق .

في غضون ذلك، نفث الرجل الآخر دخان سيجاره وفتح فمه بهدوء: <على أية حال، لن يُنشر أي خبر في الصحف، وحتى لو علم المواطنون بهذا الحادث، فسيمر الأمر مرور الكرام، أليس هذا شارع بيكر الذي تكثر فيه الحوادث والجرائم؟>

وعندما لم يسمع جواباً، عاد الرجل ونفث دخان سيجاره مرة أخرى، ثم قال بوجهٍ جاد: <أيها المفتش، فكر في زوجتك، بالنظر إلى الأجواء المحيطة، يبدو أنه لا ينبغي لنا نبش هذه القضية أكثر من ذلك.>

ظل الرجل الذي نُودي بلقب المفتش صامتاً، ولكن بعد لحظات، مسح وجهه بيده بملامح يكسوها الضيق وسأل: <هل تعلم كم يبلغ عمر طفليْ الزوجين؟>

<… لستُ متأكداً، أذكر أنهما كانا صغيرين، لكنني لا أعرف تحديداً.>

<أحدهما في الرابعة، والأخرى في الثانية من عمرها.>

<……>

<وعلاوة على ذلك، فإن اليوم الذي قُتل فيه الزوجان كان يوم ميلاد ابنتهما الكبرى.>

نهض المفتش من مقعده وهو لا يكاد يخفي شعوره بالأسى بينما يتابع حديثه: <إن كنتَ بالغاً، وضابط شرطة حقًا تنتمي إلى قسم الشرطة، فقم بالعمل الذي يليق بذلك.>

<أيها المفتش......!>

<إن كنتَ ستكرر الكلام نفسه، فسأكتفي بهذا القدر وأمضي.>

وفي اللحظة التي فتح فيها المفتش باب مركز الشرطة، تسمرت خطواته الواثقة فجأة.

<أيها العم.>

توقفت أنفاسي في اللحظة التي سمعتُ فيها ذلك الصوت اليافع من خلف الباب.

عينان زرقاوان كالجليد، وشعر بني داكن … لقد كانت فيفيان في طفولتها.

****************************

الفصل : ٨٥

اليوم الثالث عشر _ 29/10 (10)

فتحت فيفيان، التي تملكها الرعب، شفتيها بنطقٍ حذر: < … هل حدث مكروهٌ لأمي وأبي؟>

<.......>

<لقد … لقد جاء أناسٌ مخيفون منذ الصباح.>

تحركت تفاحة آدم الرجل وهو يبتلع حزنه، لكنه سرعان ما تصنع الابتسامة واصطحب فيفيان إلى مكان آخر .

اشترى لها حلوى قطن من أحد الباعة المتجولين و وضعها في يدها. بيد أن فيفيان لم تأكل منها، واكتفت بالنظر إلى الرجل بتمعن.

<لكن، ما هو اسمك أيها العم؟>

<اسمي روبرت.>

بدا أن الكلمات تستعصي على روبرت، فارتسمت على وجهه ملامح الضيق، إلا أنه حاول جاحداً إرخاء تعابير وجهه وجلس بجانب فيفيان.

<على أية حال، ماذا عنيتِ بقولكِ إن أناساً مخيفين قد جاؤوا إلى المنزل؟>

<أنا … لا أعلم يقيناً، كانت هناك امرأة تضع مساحيق تجميل مخيفة، طلبت مني أن أختم على بعض الأوراق.>

< …… ! >

اتسعت عينا روبرت من الصدمة، وسألها على عجل: <قلتِ ختماً......؟>

< أجل.>

<هل … هل ختمتِ عليها؟>

هزت فيفيان رأسها بهدوء نفياً. عندها فقط تنفس روبرت الصعداء، وتحدث بنبرة حازمة تماماً: <يا صغيرتي، استمعي إليّ جيداً.>

<نعم......؟>

<من الآن فصاعداً، إذا جاء أي شخص لزيارتكم، فلا تفتحي الباب أبداً، تصرفي وكأن المنزل خالٍ تماماً، هل فهمتِ؟>

بدت فيفيان وكأنها لا تفهم سبب هذا الطلب، ومع ذلك أومأت برأسها بطاعة. أخذت تعبث بحلوى القطن وهي تسترق النظر إلى روبرت.

مسح روبرت على رأس فيفيان وتابع حديثه بهدوء: <وإذا حدث، مجرد احتمال فحسب … إذا حاول أحدهم فتح الباب بالقوة رغم تظاهركِ بعدم الوجود، فاتصلي بي فوراً.>

<اتصال......؟>

<أجل.>

< … أنا لا أعلم ما هو الهاتف.>

ابتسم روبرت ابتسامة باهتة عند سماع براءتها وقال: <لا تقلقي، سأهديكِ هاتفاً.>

<واو......!>

تلك الطفلة فيفيان التي كانت تجهل ماهية الهاتف، لمعت عيناها ببريق السعادة عند سماع كلمة "هدية"، لكن سرعان ما ذبلت ملامحها بشكل ملحوظ.

ظلت تحدق في حلوى القطن لفترة، ثم فتحت فمها ونطقت بصوت خافت: <...... إذن، بدلاً من الهاتف، ألا يمكنك البحث عن أمي وأبي؟>

<.......>

<أنت شرطي، أليس كذلك ؟ لقد أخبرتني أمي أنه في حال حدوث أمر خطير، عليّ أن أبحث عن الشرطة.>

ارتجفت شفتا روبرت، وبعد لحظة، عبث بشعره من الخلف وأجاب بحذر: <أجل، سأتحمل المسؤولية وأبحث عن والديكِ بنفسي.>

<حـ … حقاً؟>

<سأفعل ذلك بكل ما أوتيتُ من قوة.>

رسم روبرت على وجهه ابتسامة باهتة.

<شكراً لك أيها العم!>

<على أية حال يا صغيرتي، ما رأيكِ في البقاء ببيت أحد أقاربكِ حتى نجد والديكِ ؟ لقد رأيتُ أن منزل جدتكِ يقع بالقرب من مدينة تيفيرن.>

أطلقت فيفيان صرخة إعجاب عند سماع قوله: <واااو! هل يستطيع عمي الشرطي معرفة مثل هذه الأمور أيضاً؟>

بدت ملامح الحرج على وجه روبرت وهو يجيبها: <حسناً، نوعاً ما......>

<هذا مذهل حقاً!>

حاول روبرت أن يبتسم وهو ينظر إلى فيفيان المبهورة به: <أنا أعلم أيضاً أن يوم ميلادكِ كان قبل يومين فحسب.>

عجزت فيفيان عن إغلاق فمها من شدة الدهشة، فتابع روبرت حديثه بهدوء: <مباركٌ يوم ميلادكِ يا فيفيان، رغم أنها تهنئة متأخرة.>

رمشت فيفيان بعينيها الواسعتين. احمرت عيناها قليلاً، لكنها مسحتهما بخشونة بظهر يدها، ثم أجابت بصوت مبهج: <شكراً لك!>

تردد صدى صوتها في أذني. كان قلبي يخفق بسرعة شديدة لدرجة الألم. ضغطتُ على صدري بقوة، لكن دقات قلبي لم تهدأ.

تغير المشهد داخل الضباب مرة أخرى.

هذه المرة، كنتُ أقف أمام مقبرة.

[روبرت لين]

شعرتُ وكأن قلبي قد سقط في هاوية سحيقة.

فيفيان … أين هي بحق خالق الجحيم ؟

أخذتُ أبحث عن فيفيان بذعر، لكن لم يكن لها أي أثر .

هل مرَّ وقتٌ طويل ؟ بعد أن ركضتُ باحثةً عنها، تمكنتُ أخيراً من العثور على فيفيان.

كانت وجنتاها اللتان امتازتا بالامتلاء قديماً قد غدتا شاحبتين، أما عيناها الزرقاوان اللتان كانتا تلمعان وهي تنظر إلى روبرت، فقد فقدتا بريقهما تماماً.

بدا أنها قد ازدادت طولاً قليلاً، بيد أن جسدها صار أنحل مما كان عليه في السابق.

<.......>

كانت فيفيان تبدو وكأنها على وشك الانهيار في أي لحظة، بينما كان أحدهم يمسك بكتفيها النحيلتين ويهزها بعنف ذهاباً وإياباً.

<بسببكِ أنتِ......!>

<.......>

<لولاكِ لما كان هو الآن......!>

<سيدتي! ستنهارين إن استمررتِ على هذا النحو!>

انهارت المرأة التي كانت ترتدي ثياب الحداد السوداء تماماً على الأرض وهي تنتحب. أخذت تضرب صدرها بقبضتها وتفرغ ما في جوفها من غضب وحزن.

فتحت فيفيان شفتيها اللتين استحال لونهما إلى الزرقة كزرقة عينيها، ونطقت بصعوبة: <...... أنا آسفة.>

لم تكن تردد سوى هذه الكلمات مراراً، وكأنها لا تملك شيئاً لتقوله سوى الاعتذار، ثم حاولت جاهدة إخفاء يديها المرتجفتين خلف ظهرها.

دون أن تنبس ببنت شفة تجاه السيدة التي كانت تصب جام غضبها عليها، غادرت فيفيان المكان وكأنها تلوذ بالفرار.

تسمرتُ في مكاني وأنا أراقب ظهرها المبتعد بذهول، ولم يمضي وقت طويل حتى تغير المشهد مرة أخرى.

<...... ممثلة؟>

كان صوتاً مألوفاً. جفلتُ والتفتُّ للخلف، فظهرت لي هيلين التي كنتُ أتوق لرؤيتها .

<لماذا ترغبين في أن تصبحي ممثلة؟>

وسرعان ما ظهرت فيفيان التي غدت شابة يافعة.

<...... هكذا فحسب.>

<لا يوجد شيء يسمى 'هكذا فحسب'!>

قطبت هيلين جبينها وهي تري فيفيان صحيفةً مليئة بأخبار وإشاعات عالم السينما.

<أنتِ لا تملكين سنداً يا أختاه، ماذا لو قابلتِ شركة إنتاج غريبة و وقعتِ في ورطة كبيرة؟>

<.......>

<علاوة على ذلك، لم يسبق لي أن رأيتكِ تمثلين طوال حياتي......>

تمتمت هيلين بذلك بصوت خافت، ففتحت فيفيان فمها وأجابتها بهدوء: <أريد أن أصبح مشهورة.>

<...... أوه، هذا رد لم أتوقعه على الإطلاق.>

أطلقت فيفيان ضحكة خفيفة عند سماع صوت هيلين المندهش، لكن سرعان ما تلاشت تلك الضحكة وحلت محلها مرارة شديدة غطت وجهها.

<أريد لملصقات الأفلام التي تحمل وجهي أن تُملأ بها أرجاء البلاد.>

<.......>

<لأنه أينما توجه القاتل الذي سلب أمي وأبي حياتهما، أريده أن يجد وجهي يحدق به، فلن يكون هناك انتقام أسمى من ذلك.>

ارتجفت شفتا هيلين وكأنها لم تتوقع رد فيفيان ذاك، ثم غرقت في تفكير عميق قبل أن تنطق بحذر: <أختاه، سأسألكِ سؤالاً عابراً فحسب.>

<.......>

<هل تعتقدين أن الجهل بشيء ما هو نعمة؟ أم أن المعرفة هي التي قد تكون دواءً للمرء؟>

<.......>

<هذا … مجرد سؤال فحسب.>

بدأت هيلين تدندن ببعض الألحان وهي تتظاهر بالانشغال بشيء آخر.

نظرت فيفيان إليها بتمعن قبل أن تصرف بصرها وتجيب: <يختلف الأمر باختلاف الموقف، على ما أظن.>

<هاها ! هذا صحيح تماماً.>

أطلقت هيلين ضحكة مبالغاً فيها لتجاوز الموقف، ثم نهضت من مكانها وقالت لفيفيان: <على أية حال، إن كنتِ ترغبين في نيل الشهرة، فهناك طرق عديدة غير التمثيل، أليس كذلك ؟ ممم، كأن تفتتحي مطعماً يقدم أطباقاً مذهلة مثلاً، حينها سيذيع صيت المكان بشكلٍ طبيعي بوصفه مطعماً تديره امرأة فاتنة.>

<.......>

<وللعلم، أنا هي تلك المالكة الفاتنة.>

رفعت هيلين زاوية فمها بابتسامة واثقة وهي تشير إلى نفسها بإبهامها، لكن عندما لم تجد أي رد فعل من فيفيان، شعرت بالحرج وبدأت تحك وجنتها بتوتر: <أعني، حسناً … لا داعي لكل هذا الجمود.>

<.......>

<ممم، أنتِ تفهمين ما أرمي إليه، أليس كذلك؟ بالطبع أنا أوافقكِ الرأي في أنه لا يمكننا طي صفحة الماضي والمضي قدماً ببساطة … لكنني لا أريد لحياتكِ أن تظل متمحورة حول الانتقام فحسب.>

بدأت عينا فيفيان تضطربان ببطء عند سماع كلمات هيلين. نظرت هيلين إليها ورسمت على وجهها ابتسامة باهتة: <أنا أيضاً أشعر بالظلم والغضب، لكن قبل ذلك، أريد لقلبكِ أن يجد الراحة أخيراً، فأنتِ كل ما تبقى لي من عائلة …>

رمشت فيفيان بعينيها صامتة. وشعرت هيلين بأن الأجواء غدت كئيبة، فانفجرت بضحكة محرجة وقالت: <كل ما في الأمر أن هذا هو ما يمليه عليّ قلبي.>

بعد ذلك مباشرة، حملت هيلين حقيبتها ونهضت استعداداً للذهاب إلى المدرسة.

وبينما كانت تهمُّ بالخروج على عجلة من أمرها، التفتت لتوديع فيفيان: <سأذهب الآن!>

<كوني حذرة في طريقكِ.>

<أجل يا أختي، أحبكِ اليوم أيضاً.>

أرسلت هيلين قبلة طائرة بيدها ثم غادرت المنزل. ظلت فيفيان جالسة على المقعد غارقة في أفكارها، ثم ما لبثت أن ارتدت معطفها وغادرت هي الأخرى.

بدأت الشمس تميل نحو الغروب ببطء. وتبعتُ أنا خطواتها وكأنني واقعة تحت تأثير تعويذة ما. كانت وجهتها مسرحاً قديماً متهالكاً.

دخلت فيفيان إلى المكان وكأنها تألفه تماماً، واقتربت من رجل كان جالساً في غرفة الانتظار.

<أأنتِ ثانيةً؟>

أطلق الرجل تنهيدة طويلة وهو يمسد جبينه، ثم ارتمى بجسده فوق مقعد أحمر .

<إذا منحتني فرصة واحدة فقط لخوض تجارب الأداء، فسأبذل قصارى جهدي.>

حدق الرجل في عيني فيفيان بجمود، ثم أمال ظهره نحو المسند وكأنه استنفد طاقته: <بصراحة، تلك النظرة في عينيكِ تعجبني، فأنا أميل إلى أولئك الذين يملكون عزيمة سامة في عيونهم.>

<.......>

وبعد صمت قصير، قذف نحوها بالنص المسرحي الذي كان يمسكه بيده وقال: <علاوة على ذلك، أنتِ أول شخص أراه يقلب صفحات نصوصي حتى تغدو مهترئة كالخرق البالية بهذا الشكل.>

سقط النص فوق يدي فيفيان محدثاً صوتاً خفيفاً، وكان بالفعل رثاً وممزقاً كما وصفه الرجل تماماً.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان