الفصل ٨٢ و ٨٣ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الثالث عشر _ 29/10 (7)

عند خروجي من غرفة الطعام، واجهتُ أولئك الذين كانوا يخرجون من غرفتي للتو .

" …… "

تصلبتُ للحظة، لكنني بذلتُ قصارى جهدي ألا أظهر ذلك، و وقفتُ أمام إيان.

"هل عثرتم على ما كنتم تبحثون عنه؟"

بالنظر إلى تعابير وجه إيان، بدا أن محاولتهم قد باءت بالفشل.

نظر إليّ بهدوء تام، ثم فتح فمه ونطق بصوتٍ خافت: " للأسف، لم نجد شيئاً يذكر."

" … ربما، ومن باب الاحتياط، ألن يكون من الأفضل تفتيش غرف البقية أيضاً ؟ "

" لا أظن ذلك، لا يبدو لي أن هذا الشيء هو مما قد يُعثر عليه في غرف الآخرين."

أحكمتُ قبضتيَّ بقوة عند سماع صوت إيان غير المبالي. استرق إيان النظر إلى يديَّ للحظة، ثم حوّل نظره نحو لوجان الذي كان يخرج من غرفة الطعام خلفي.

بدا لوجان في حالة من الحيرة والارتباك: " ما الخطب ؟ لماذا تقفون هنا جميعاً هكذا ؟ "

ضيق عينيه وكأنه استشعر الأجواء المريبة المحيطة بنا.

حينها، أجاب لوكاس، الذي كان يراقب الموقف بحذر، على تساؤل لوجان: " … ذلك لأن كيڤن قد فقد غرضاً ما."

هنا سخر ريموند من كلمات لوكاس قائلاً: " فقد غرضاً ؟ أليس من الأدق القول إن أحدهم قد سرقه ؟ "

" … لا، حقاً، ما هذا الهراء الذي تهذون به جميعاً الآن ؟ "

بدا أن لوجان لا يزال عاجزاً عن استيعاب الموقف. فأوضح له إيان الأمر بصوتٍ حازم: " لقد كنا نفتش الغرفة لأن أحدهم سرق مفتاحاً و رسالة وجدهما كيڤن في غرفة الألعاب."

قطب لوجان جبينه بشدة وتمتم عند سماع قوله: " … مفتاح ؟ "

" أجل، هل تعرف أي شيء بخصوص هذا الأمر ؟ "

أمال لوجان رأسه قليلاً وأجاب: " لا أعرف بشأن الرسالة، ولكن إن كنت تتحدث عن المفتاح، فقد كان بحوزة تلك المرأة."

أومأ لوجان برأسه بخفة نحو أرييل الجالسة في غرفة المعيشة، ثم وكأنه يطلب مني التأكيد، وكز ذراعي بمرفقه وقال: " هوي، لقد رأيتِ ذلك حينها أيضاً، أليس كذلك ؟ لقد كنتِ معها عندما فتحتما الخزانة … "

" … هل تقصد الآنسة أرييل ؟ "

" وهل تعتقدين أنني أتحدث عن 'حبة الجزر' الواقفة خلفك ؟ "

عند سماع كلمات لوجان، امتعض وجه صوفيا على الفور: " حبة جزر ؟ لا بد أنك لا تقصدني بهذا الوصف، أليس كذلك ؟ "

" لقد فهمتِ المقصد جيداً."

بعثر لوجان شعره من الخلف بخشونة وكأنه ضاق ذرعاً بهذا الموقف المربك: " على أية حال، اذهب واسألها إن أردت، فقد كانت هي من تملك المفتاح، لقد رأيتُ بعينيّ هاتين الخزانة وهي تُفتح بجانبها."

" …… "

بينما كان يستمع لشهادة لوجان، رمقني إيان بنظرة خالية من المشاعر، ثم توجه نحو غرفة المعيشة دون أن ينطق بكلمة أخرى لي.

اتجهت نظرات لوكاس نحوي بعد أن ظل يراقب ظهر إيان المغادر للحظات: " آنسة فيفيان، هل من الممكن أن يكون السوار الذي تحدثتِ عنه حينها هو …… "

رسم لوكاس ابتسامة مرتبكة عندما رأى ملامح الضيق تكسو وجهي وأردف: " فهمت، الأمر كذلك إذن."

راقب لوكاس بوجهٍ قلق إيان وهو يتحدث مع أرييل في غرفة المعيشة، ثم سارع باللحاق بهما. وبدوره بدأ الأشخاص الذين كانوا يقفون في الممر يغادرون واحداً تلو الآخر نحو غرفة المعيشة.

عندما خلت الردهة من أولئك الذين كانوا يسدون الطريق، ظهر كيڤن الذي كان مختبئاً خلفهم. قطبتُ ما بين حاجبي وأنا أنظر إليه.

… لقد قال كيڤن بوضوح إنه لم يخرج أحد من الكوخ المحترق، لكن، إن كان الأمر كذلك، فهناك نقطة واحدة تثير الريبة .

لو لم تخرج فيفيان من الكوخ، لكان جسدها قد التهمته النيران وتحول إلى رماد. بيد أن هذا ليس منطقياً على الإطلاق، لأنني الآن أسكن جسد فيفيان.

إلا إذا كانت … فيفيان قد أشعلت النار بعد خروجها من الكوخ ؟ ولكن، إن كان الأمر كذلك، فمتى وأين ماتت فيفيان الحقيقية إذن ؟

سألني لوجان بصوتٍ مذهول بينما كنتُ غارقة في أفكاري: " هل الأجواء الآن تشير إلى أنهم يشكون في كونكِ المجرمة ؟ "

" على الأرجح."

عند سماع ردي، ظهرت ملامح الذهول على وجه لوجان، وأطلق ضحكة ساخرة وكأنه لا يصدق ما يحدث، ثم حول نظره نحو كيڤن: " أيها الصغير، هل يعقل أنك أنت أيضاً …… "

توقف كلام لوجان فجأة؛ يبدو أنه تذكر السؤال الذي طرحه كيڤن عليّ سابقاً عما إذا كنتُ قد قتلتُ أحداً من قبل .

رفع كيڤن رأسه ونظر إلى لوجان بتعبير يفيض بالبراءة وسأله: " ماذا عنك أيها الأخ ؟ "

" …… "

" هل هناك شخص تشك به ؟ "

على عكس ملامحه المشرقة، كانت عينا كيڤن البنيتان تحملان بريقاً مظلماً وغامضاً.

ضيق لوجان عينيه وهو يراقب وجه كيڤن الذي بدا مختلفاً عن المعتاد، لكنه تعمد تجاهل تلك الملامح وأجابه بهدوء: " ليس من شيمي أن أشك في الناس دون أدلة."

" لكنهم قالوا إنك اخترتَ الأخ إيان ليكون هو المجرم، لهذا ظننتُ أنك تشك به."

" …… "

" هل فعلتَ ذلك أيضاً دون سبب ؟ "

تردد صدى ذاك الصوت البريء في الأرجاء. بدا لوجان عاجزاً عن الرد على كلمات كيڤن، فارتجفت شفتاه، ثم قطب جبينه للحظة ونادى الصغير بصوت خافت: " … أيها الصغير."

" نعم ؟ "

" لا تحاول التذاكي على من هم أكبر منك سناً، تصرف كطفل، فالتظاهر بالنضج لن يعود عليك إلا بالخسارة."

تحدث لوجان بحدة لم تكن معهودة فيه. جفل كيڤن من أسلوبه هذا، وكأنه لم يتوقع رد الفعل ذاك.

لكن، واصل لوجان حديثه وهو يقطب ما بين حاجبيه قليلاً: " أيها الصغير، لقد قلتَ سابقاً إننا نحن البالغين لم نحلَّ شيئاً، أليس كذلك ؟ "

" …… "

" أنت محق، فنحن لم نحلَّ أي شيء فعلاً، ولكن، ما يجب عليك إدراكه هو أن هذا المكان ليس كقصص الرسوم المتحركة التي تهواها."

بيد أن ملامح كيڤن كانت تشي بأنه لم يفهم مغزى كلامه.

" هذا هو الواقع، لا وجود هنا لـ 'بول'، المساعد الصغير الذي يلاحق المحقق 'إدوين'، ولا يجوز لصبي مثلك أن يتدخل في قضايا القتل."

كان صوت لوجان حازماً: " أنت مجرد طفل، لذا كفَّ عن التدخل في شؤون الكبار."

" أريد أن أكون مفيداً ! "

" لا يمكنك ذلك."

عند سماع رد لوجان، عضَّ كيڤن على شفتيه بقوة. وبينما همَّ لوجان بالحديث إليه مجدداً، رفع كيڤن صوته فجأة: " ولكن يجب القبض على المجرم ! "

" …… "

" أنت لا تعرف شيئاً أيها الأخ، العم ديريك … العم ديريك كان …… "

بمجرد ذكره لـ "ديريك"، انهمرت الدموع فجأة من عينيه.

" لقد كان العم الوحيد الذي ساعدني حتى لا يعود والدي إلى المنزل ......"

بدا الذهول واضحاً على وجه لوجان من صرخة كيڤن تلك. كانت كتفا الصغير المنهك ترفعان وتنخفضان مع شهقاته المليئة بالمرارة.

" البالغون لم يحلوا شيئاً ! طلبتُ المساعدة لكن لم يساعدني أحد ! ومع ذلك … ومع ذلك …… "

تساقطت دموعه على الأرض بغزارة: " كان العم هو الوحيد الذي وقف بجانبي … "

اتجهت نظرات كيڤن المليئة باللوم نحو لوجان، الذي ظل يحدق به وكأنه نسي كيف يتنفس. مسح كيڤن عينيه بظهر يده بخشونة، فاحمرت عيناه المتهيجتان أكثر فأكثر .

"...... ما الذي يحدث هنا؟"

في تلك اللحظة، تناهى إلى مسامعنا صوت هانا.

مع نبرة صوت هانا، بدا أن كيڤن قد غلبه شعورٌ أعمق بالأسى، فانفجر بالبكاء بصوتٍ أعلى. نظرت هانا إلى كيڤن بعينين تائهتين قبل أن تهرع نحوه فجأة.

" ما الذي يحدث......"

بدأت الحيرة والارتباك يظهران عليها؛ فبينما اتجهت نظراتها المليئة باللوم نحو لوجان للحظة، سرعان ما سحبت كيڤن إلى صدرها واحتضنته بشكلٍ غريب، وكأنها شخصٌ لم يسبق له أن غمر أحداً بحضنه قط.

" شهيق … وااااء......"

انحنت تلك المرأة الضخمة بجسدها تماماً من أجل الصغير كيڤن، وبدأت تربت على ظهره ببطء وحركاتٍ خرقاء غير متناسقة.

عند رؤية ذلك المشهد، مسح لوجان وجهه بخشونة، فالتفتت نظرات هانا نحوه على الفور.

"ما الذي فعلتَه بهذا الطفل بحق خالق الجحيم؟"

" …… "

لم يرد لوجان على كلماتها .

فتحت هانا فمها ونطقت وكأنها تمضغ الكلمات بين أسنانها أمام صمته: " لا أعلم ما الذي جرى، لكن من الواضح تماماً أنك أسوأ إنسانٍ على الإطلاق."

بدا أن لدى لوجان الكثير ليقوله لها، لكنه اكتفى بالعبوس بضيق. ولم يعد يُسمع في الأرجاء سوى صدى نحيب كيڤن الذي ملأ المكان.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

أظلمت السماء خارج النافذة .

كنتُ جالسة وحدي في الغرفة التي خيم عليها السواد، أرمش بعينيّ بشرود تام .

" إن كنتِ بريئة حقاً، فأحضري دليلاً."

كانت تلك الكلمات هي ما وجهه إليّ إيان بعد أن أنهى استجوابه لأرييل واقترب مني.

ولم أستطع حينها الرد على كلماته، لأنني لم أكن أملك دليلاً كهذا على الإطلاق.

شعرتُ وكأن الكثير من الأمور بدأت تتشوه وتتحطم. وبينما كنتُ أعبث بيديّ دون جدوى، دوى صوت طلق ناري من بعيد .

— طاخ !

عندها فقط استعدتُ رشدي والتفتُّ نحو الساعة .

… السابعة والربع.

لقد انطلقت رصاصة سيزار التي وضعتُها بالأمس.

نهضتُ من مكاني لأذهب وأتفحص الحبال، لكنني أطلقتُ ضحكة ساخرة وجلستُ مجددًا على حافة السرير .

****************************

الفصل : ٨٣

اليوم الثالث عشر _ 29/10 (8)

ثقة سيزار … حتى وإن رأيت ثقته، فلن يتغير شيء. فمن المؤكد أن سيزار لم يكن يكذب، وثقته تلك لم تكن موجَّهة نحوي بصفتي المجرمة، بل كانت من أجل الآخرين .

" …… "

كانت هناك أمور كثيرة يتعين عليَّ القيام بها؛ إذ كان عليَّ استكمال تفتيش الغرف المتبقية في الطابق الرابع .

المفتاح الذي عثرت عليه في غرفة الألعاب، والمفتاح الذي عثرت عليه في غرفة الطعام .

في البداية، لم يكن يشغل تفكيري سوى الحصول على الأدلة من الطابق الرابع قبل أي شخص آخر، لكن، إن قمتُ بفتح تلك الغرفة المغلقة الآن … فسيدرك الآخرون يقيناً أن هناك مَن يمتلك المفتاح وأنه تعمد إخفاءه عنهم .

كان التحرك في ظل هذه الشكوك المحيطة بي ينطوي على خطورة بالغة. ومع ذلك، إن لزمتُ مكاني دون فعل شيء، فقد يتمكن شخص آخر من جمع الأدلة قبلي.

' ما الذي يجدر بي فعله الآن ؟ '

لقد كانت مشكلة لا تجد لها جواباً يسيراً. أطلقتُ تنهيدة من شدة الضيق، ثم استرقتُ النظر إلى بيبي الذي كان يتدحرج على الأرض.

… يبدو أنه استشعر حالة الإحباط التي تسيطر عليَّ؛ إذ كانت نظراته وهو يرمقني يكسوها بعض القتامة.

كان القلق جلياً في عيني بيبي. لذا، بذلتُ جهدي لأرسم ابتسامة على وجهي وأنا أربت على المقعد بجانبي. حينها قفز بيبي بحذر واقترب مني. وكأنه يحاول مواساتي، أخذ يمسح جسده بيدي مراراً وتكراراً.

مسحتُ عليه بهدوء، ثم أخرجتُ "حشرة الذكريات" من حقيبة الأدوات و وضعتُها أمامه بحذر.

اكتفى بيبي بالنظر بتمعن إلى حشرة الذكريات التي كان يحبها بشدة .

" بيبي … ؟ "

ناديتُه بحذر لشعوري بالارتباك من تصرفه، فقام بدفع الحشرة نحوي و وضعها فوق يدي.

"...... هل تعطيني إياها؟"

رمشة واحدة.

عندما لم أحرك ساكناً لأخذ الحشرة رغم تأكيده، دفعها بيبي مجدداً وكأنه يحثني على أخذها فوراً.

" …… "

شعرتُ بالدغدغة في كفي إثر تلوِّي الحشرة الوردية فوقها، لكن، لسببٍ غريب، لم أعد أشعر بالاشمئزاز من هذه الحشرة كما كان الحال في السابق .

بفضل حركة الحشرة التي كانت تداعب كفي، انطلقت مني ضحكة خفيفة دون وعي.

" أنا بخير."

لكن بيبي اكتفى بهز رأسه يمنة ويسرة رفضاً. وعندما قربتُ الحشرة منه، جفل بشكل ملحوظ وهو يراقبها تقترب. أخذ يسترق النظر إليها بطرف عينه لدرجة أن بياض عينيه صار واضحاً تماماً، ومع ذلك، كان يُلمح فيه إصرار صلب على عدم أكلها.

بالطبع، كان تنازله عن وجبته الخفيفة من أجلي أمراً يثير الامتنان الشديد، ولكن … بالنسبة لي، كانت هذه الهدية تمثل مأزقاً من نوع آخر.

" أنا بخير حقاً، وجودك بجانبي يا بيبي هو أكبر مواساة لي."

رسمتُ ابتسامة باهتة وقربتُ الحشرة منه مرة أخرى، فبدأ يختلس النظر إليّ وكأنه يحاول التأكد ما إذا كان كلامي صادقاً أم لا.

" حقاً."

ما إن كررتُ قولي تأكيداً، حتى أخذ يقلب حدقتيه يمنة ويسرة، ثم تناول الحشرة بحذر بعد لحظات. بعدها مباشرة، بدأت جفون بيبي تتحرك صعوداً وهبوطاً. بدا راضياً تماماً عن وجبته لدرجة أنه ابتسم حتى تقوست عيناه، ثم التقت نظراتنا.

" …… "

هل شعر بالإحراج لإظهاره مدى سعادته ؟ بدأ بيبي يتصرف بغرابة ويتظاهر بالانشغال وكأن عطلاً ما قد أصابه.

أدركتُ أنه لن يعود لطبيعته إلا إذا أشحتُ بنظري عنه، فصرفتُ بصري واتجهتُ لفتح حقيبة الأدوات بهدوء.

ما جذب انتباهي حينها لم يكن سوى "شظايا الذاكرة" التي كانت تتوهج في أحد زوايا الحقيبة . مددتُ يدي بحذر وأخرجتُ تلك الشظايا .

كان "الصديق رقم 3" يقفز فوق خانة الحقيبة ملوحاً بشعره المستعار الأصفر وكأنه يرجوني أن أخرجه هو الآخر، لكنني رسمتُ تعبيراً اعتذارياً وأغلقتُ الحقيبة.

اقترب بيبي مني بدافع الفضول تجاه ما أحمله. كان حجم الشظية التي في يدي يماثل حجم التفاحة.

وضعتُ إحدى الشظايا بحذر فوق السرير بحيث يكون الجزء الدائري متجهاً للأعلى، ثم وضعتُ الشظية الأخرى فوقها محاولةً تشكيل كرة كاملة.

" …… "

لكن الشظيتين لم تلتئما. فرغم أنهما بدتا متطابقتين تماماً من حيث الشكل الخارجي، إلا أنهما لم تثبتا ككرة واحدة، بل ظلتا تنفصلان عن بعضهما.

… هل يعقل أنهما شظيتان مختلفتان ؟

بينما كنتُ أعبث بالشظايا، بدأ بيبي يقفز في مكانه بحماس، ثم أخذ يركض حول الشظايا بحركة مضطربة.

" …… ؟ "

عندما رفعتُ يدي عن الشظايا بدافع الحيرة، اندفع بيبي نحوها وابتلعها دفعة واحدة. وفجأة، تضخم حجم جسد بيبي الذي كان بحجم كرة الطاولة ليصبح بحجم شظايا الذاكرة.

"بيبي ......؟"

بعد أن ابتلع شظايا الذاكرة، نزل بيبي من السرير مسرعاً وكأنه عازم على الذهاب إلى مكان ما، ثم بدأ يتدحرج قرب الباب وكأنه يطلب مني فتحه .

نهضتُ من مكاني متبعةً بيبي. وبمجرد أن فتحتُ له الباب بحذر، اندفع نحو الخارج وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر.

" بيبي ! "

ناديتُه وأنا في غاية الارتباك. بسبب ندائي له بصوتٍ خافت خشية أن يسمعني الآخرون، بدا أن بيبي لم يسمع صوتي، إذ استمر في التدحرج والابتعاد دون أن يعيرني أي اهتمام.

استرقتُ النظر نحو الممر الغربي بحذر، ثم سارعتُ باللحاق به. كان يتسلق درجات الطابق الثاني قفزاً بخفة. رمقتُ غرفة الطعام وغرفة المعيشة بنظرة سريعة، ثم نقلتُ خطاي.

" آنسة فيفي ؟ "

في تلك اللحظة، ناداني ريموند بصوتٍ يملؤه التساؤل وهو يخرج من غرفة الطعام. جفلتُ من شدة المفاجأة، ثم التفتُّ نحوه متظاهرةً بأنني لم أكن أفعل شيئاً مريباً.

" …… "

لحسن الحظ، يبدو أن ريموند لم يلمح بيبي وهو يصعد إلى الطابق الثاني، فقد كان يثبت نظراته عليَّ وحدي.

"إلى أين أنتِ ذاهبة؟"

" آه، كنتُ أنوي الذهاب إلى البوابة الشرقية."

" لماذا ؟ "  سأل ريموند وهو يميل برأسه جانباً.

" أردتُ إحضار بعض أدوية الهضم من العيادة، يبدو أن وجبة العشاء السابقة قد سببت لي بعض التوعك."

ومع ذلك، لم تختفي الشكوك الكامنة في عيني ريموند، فقد كانت نظراته التي تتفحصني بدقة تنمُّ عن إصرارٍ عجيب.

سألتُه بحذر وأنا أراقب رد فعله: " … هل هناك مشكلة ما ؟ "

عندها فقط سحب ريموند نظراته التي كانت موجهة نحوي، ورسم ابتسامة عريضة على وجهه.

" مستحيل، لا توجد مشكلة."

" إذن، أتمنى لك مساءً سعيدًا."

ألقيتُ عليه التحية ثم توجهتُ نحو البوابة الشرقية. كان بإمكاني الشعور بنظرات ريموند وهي تلاحق ظهري وتطول، لكنني تعمدتُ تجاهل الأمر ودخلتُ إلى العيادة .

" …… "

أخذتُ أتفحص الأدوية المصطفة داخل الخزانة الزجاجية بتمعن، بينما كنتُ أعضُّ على شفتي السفلى بضيق.

… هل بدا أمري مشبوهاً ؟

حتى أنا كنتُ أرى أن عذري يبدو مضحكًا. حاولتُ نفض هذه الأفكار من رأسي، وأخرجتُ دواء الهضم من الخزانة، ثم تسللتُ خارجةً من العيادة.

كنتُ أصلي بحرارة أن يكون ريموند قد عاد إلى غرفته، لكن الضوء كان لا يزال ينبعث من غرفة الطعام.

… هل يجدر بي الذهاب إلى غرفة الطعام ؟

إن كان الشخص الموجود بالداخل هو ريموند، فإن دخولي إلى هناك هو الخيار الأفضل، فذهابي لإحضار الماء لتناول الدواء سيبدو أمراً طبيعياً ومنطقياً، لكن، إن كان هناك شخص آخر، فقد أكون ارتكبتُ حماقة لا داعي لها.

ترددتُ للحظة، لكنني في النهاية قررتُ دخول غرفة الطعام.

" …… "

على غير المتوقع، كانت غرفة الطعام خالية تماماً. أخذتُ أتلفّت حولي، ثم استرقتُ النظر نحو الخارج … يبدو أنه لا يوجد أحد بالفعل .

أطفأتُ أنوار غرفة الطعام، ثم خرجتُ منها فوراً متجهةً نحو الطابق الثاني .

لم أكن أعلم إلى أين ذهب بيبي، لكن غريزتي قادتني للدخول إلى غرفة الطعام.

بمجرد دخولي، ظهر فيل من داخل المرآة وبدأ في توبيخي بصوت خافت:

— لماذا تأخرتِ كل هذا الوقت !

بجانب فيل، كان بيبي يقفز في مكانه بحماس .

— هل تعلمين كم انتظرنا أنا وهذا الصغير اللطيف وصولكِ !

ما إن اقتربتُ من فيل حتى انهمر عليَّ بوابلٍ من الأسئلة:

— من أين حصلتِ على هذا الشيء الذي يحمله الصغير اللطيف بين فكيه ؟

"...... حدث ذلك بالصدفة."

رأيتُ أن الصمت وإيجاز الكلام أفضل من الخوض في تفاصيل لا طائل منها، كإخباره بأن "النظام" هو من منحني إياه.

— أسراركِ كثيرة حقًا.

تجاهلتُ تذمر فيل المستمر وتوجهتُ بنظري نحو بيبي؛ فاكتفى هو بالتدحرج للأمام والخلف وكأنه يطمئنني ألا أقلق.

" أنا نفسي لا أعرف ماهية هذا الشيء."

عند سماع قولي، قطب فيل جبينه بشدة وزمجر:

— كاذبة، لو لم تكوني تعرفين ما هو، لما أطعمتِه لهذا الصغير اللطيف .

" أنا لم أطعمه إياه."

— هل تسمين هذا عذراً الآن …

بدأ فيل يسخر مني، لكنه سرعان ما التقت نظراته ببيبي، فتبدلت نبرته إلى الرقة واللطف وهو يسأله:

— أيها الصغير اللطيف، هل كلامها صحيح ؟

رمش بيبي بعينيه على الفور وكأنه كان ينتظر السؤال .

عقد فيل حاجبيه ونظر إليّ متسائلاً:

— … ما معنى هذا ؟

"معناه أن كلامي صحيح، إنها شفرة خاصة بيني وبين بيبي."

— لماذا تستبعدانني وتهمشان وجودي ؟

تذمر فيل على الفور بنبرة يملؤها الاستياء.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان