الفصل ٨٠ و ٨١ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الثالث عشر _ 29/10 (5)

في تلك اللحظة، تحدث كيڤن وهو يربت على المقعد المجاور له: " اجلسي هنا أيضاً يا نونا ! "

جلستُ بملامح يكسوها الارتباك، ثم تحدث إيان، الذي كان يجلس في الجهة المقابلة، بصوت ناعم وكأنه يحاول استمالة ريموند: " لم نتحدث في أمر قد يثير قلق السيد ريموند."

"هذا أمر أقرره أنا."

أراح ريموند ظهره إلى الخلف تماماً، ثم استرق النظر إلى سيزار وأردف: " على كل حال، لقد سمعتُ قصة مثيرة للاهتمام بالأمس … ولا أعلم حقاً إن كان يجدر بي البوح بها أم لا."

أخذ ريموند يهز قدمه بخفة.

" قصة مثيرة للاهتمام ؟ "

يبدو أن صوت ريموند كان مرتفعاً بما يكفي لجذب الانتباه، إذ اقترب منا ماكس الذي كان يمر بالردهة.

رمقه ريموند بنظرة سريعة ثم ابتسم بخفة وقال: " أعني ما قلته أنت أيها الرجل العجوز بالأمس."

" آه، ذاك الأمر."

بدت ملامح ماكس غير مبالية عند سماع ذلك.

… عن أي شيء يتحدثون ؟

كان عقلي يصرخ بي لمغادرة المكان فوراً، لكن لسبب غريب، بقيتُ متسمرة في مقعدي وكأن ساقيَّ قد تجمدتا.

سأل سيزار ريموند بصوت منخفض: " … أي قصة تقصد ؟ "

التفت ريموند نحو ماكس متسائلاً: " هممم، ماذا ترى ؟ "

" لا بأس، لا أظن أن هناك مشكلة من قولها."

تبادل ماكس نظرة سريعة مع كيڤن. أومأ كيڤن برأسه رغم علامات التوتر الواضحة على وجهه.

" يبدو أننا اكتشفنا شيئاً بخصوص ضحية القصر، أعني، الضحية الذي كنتم تخفون أمره."

… لقد أخبرهم ماكس إذن.

لم يكن الأمر غير متوقع تماماً، لكنني كنتُ أتمنى بكل جوارحي تجنب هذا الموقف .

حدق إيان بريموند بنظرات غائرة يملؤها السكون وقال: " … لا أفهم مقصدك بأننا كنا نخفي الضحية."

رد ريموند بلهجة ساخرة: " بل تفهم جيداً، أنت تفهم الآن وتعترض لمجرد الاعتراض."

"ما الذي يحدث هنا؟"

اقترب منا لوكاس وأرييل القادمان من الممر الغربي، بعد أن استشعرا الأجواء غير العادية في غرفة المعيشة.

جفلت أرييل بشكل ملحوظ بمجرد أن التقت عيناها بعيني ريموند. في غضون ذلك، وجه ماكس حديثه إلى كيڤن المتجمد في مكانه: " أيها الصغير، هل تود أن تحكي أنت ؟ "

" أ … أنا ؟ "

انتفض كيڤن و رفع رأسه بذهول.

"أرى أن من الأفضل أن تروي أنت القصة."

أخذ كيڤن يقلب عينيه يمنة ويسرة قبل أن يقول بحذر: " سـ … سأفعل ! "

"جيد."

بذلتُ قصارى جهدي للتحكم في تعابير وجهي وأنا أستمع لحوارهما.

… ليتني غادرت المكان قبل قليل .

اجتاحتني موجة عارمة من الندم، لكن الأوان كان قد فات.

أحكم كيڤن قبضتيه الصغيرتين، ثم فتح فمه وتحدث بصوتٍ حازم: " إنه العم ديريك ! "

صرخ كيڤن بذلك ثم رسم ابتسامة عريضة وهو ينظر نحو سيزار: " لقد سألني المحقق سابقاً عما إذا كان هناك من مات من حولي، أليس كذلك ؟ "

"...... لقد فعلت."

"فجأة، اختفى العم ديريك، لم يعد يأتي إلى المنزل أبداً و......"

"عن منزل مَن تتحدث؟"

سأل سيزار، فأجابه الصغير: " منزلنا ! لقد كان العم يزور منزلنا كثيراً."

ديريك كان يزور منزل كيڤن … ؟

" … لكن، منذ يومٍ معين، لم أعد أرى العم ديريك."

"متى كان ذلك تحديداً؟"

عند سؤال سيزار، صرخ كيڤن بنبرة واثقة: " منذ اللحظة التي رأيتُ فيها الكوخ وهو يحترق ! "

" … كوخ ؟ "

تساءل لوكاس بنبرة يملؤها الارتباك، فأومأ كيڤن برأسه بحذر وتابع: " في ذلك اليوم، كان العم غريباً بعض الشيء، بدا في حالة مزاجية جيدة للغاية، في العادة، كان يسألني عما إذا كنتُ أريد الذهاب معه، لكنه لم يفعل ذلك حينها و …… "

" …… "

" كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها وجه العم مبتسماً هكذا، لذا … شعرتُ أن العم أصبح سعيداً لدرجة أنه لن يأتي لرؤيتي مجدداً."

كسا الحزن وجه كيڤن فجأة وأكمل: " خفتُ من ذلك، فلحقتُ به دون أن يشعر."

" … وبعد ذلك ؟ ماذا حدث ؟ "

استعجل سيزار كيڤن ليكمل بقية حديثه: " دخل العم إلى كوخ قديم وسط الشجيرات، كنتُ أريد مفاجأته، فبقيتُ مختبئاً بين الشجيرات."

قال كيڤن ذلك وهو يلوح بذراعيه موضحاً حجم شيء كبير، ثم أردف: " … لكن فجأة، بدأت النيران تندلع في الكوخ."

لم تعد ملامح التوتر تظهر على وجه كيڤن وهو يواصل سرد قصته.

أخذ سيزار يعبث بذقنه وسأله: " إذن، هل تمكن ذلك الرجل من الخروج من الكوخ ؟ "

" لقد ظننتُ أنه فعل، لم يخرج أحد من هناك، لكنني اعتقدتُ … أن العم شخص مذهل وسيفعلها … "

أظلمت ملامح كيڤن تماماً: " لكنني لم أره منذ ذلك الحين."

"هل أبلغتَ الشرطة؟"

توقف كيڤن عن الكلام عند سؤال سيزار. وفي تلك اللحظة، قطب سيزار ما بين حاجبيه بشكل طفيف .

تحدثت أرييل بحذر بعد أن استمعت بإنصات لحديث كيڤن: " ولكن، المكان الذي مات فيه ذلك الرجل كان الكوخ، أليس كذلك ؟ إنه ليس قصر إرنست."

كان ريموند هو من تولى الرد على تساؤلها: " من المحتمل أن يكون الكوخ موجوداً داخل حدود القصر، ففي قصرٍ بهذا الاتساع، من الممكن جداً وجود الشجيرات التي رآها كيڤن."

"...... ولكن أيها الصغير، لقد وقع اختيارك على فيفيان في التصويت السابق، أليس كذلك؟"

في تلك اللحظة، فتح ماكس فمه ونطق بتساؤله بهدوء .

اتجهت نظرات كيڤن نحوي عند سماع قوله، لكنه سرعان ما أشاح بنظره عني فور التقاء أعيننا، وكأنه يخشى حتى مجرد النظر إليّ .

أخذ ريموند يربت بهدوء على كتفي كيڤن اللتين كانتا ترتجفان بشكل غير منتظم، وقد بدا مشهده ذاك غريباً وغير مألوف .

سأل ماكس كيڤن بصوتٍ هادئ: " لماذا فعلت ذلك ؟ "

"لأنني ظننتُ أن النونا هي من قتلت العم ديريك."

تردد صدى تلك الحقيقة التي كنتُ أستشعرها ضمناً في أذنيّ بوضوح الآن .

أطلقتُ ضحكة مكتومة يملؤها الذهول وسألتُه: " هل لي أن أسأل لماذا فكرتَ في أمرٍ كهذا ؟ "

" …… "

" لا بأس يا كيڤن، يمكنك التحدث."

واصل ريموند تشجيعه بالتربيت عليه بهدوء.

تردد كيڤن طويلاً قبل أن ينطق بكلماته بصعوبة: " … لقد رأيتُ الأمر في غرفة الألعاب."

سألتُه دون وعي مني: " رأيت ماذا ؟ "

" رأيتُ الرسالة التي أرسلتِها أنتِ إلى العم ديريك."

[ انخفضت نسبة ثقة 'صوفيا كاري' بكِ بنسبة 10%.]

"...... رسالة؟"

تمتمت أرييل بصوتٍ مذهول. وبدت كلماتها تلك وكأنها خرجت دون إرادة منها، إذ سارعت بإغلاق فمها بيديها فوراً.

سأل لوكاس وهو يتفحص وجه كيڤن بحذر: " … إذن، هل يمكنك أن ترينا تلك الرسالة التي رأيتها ؟ "

أجاب ماكس بصوتٍ جامد على تساؤل لوكاس: " قيل إن أحدهم قد سرق الرسالة، أيها الصغير، هلا أخبرتنا أيضاً بما وجدته في غرفة الألعاب ؟ "

"...... لقد وجدتُ مفتاحين."

في تلك اللحظة، تدخل سيزار الذي كان ينصت بتمعن وسأله: " لقد فتحتَ بهما طاولة البلياردو والخزانة، أليس كذلك ؟ "

"...... أجل."

"وكيف تمكنت من فتحهما؟"

أجاب كيڤن بنبرة هادئة، وكأنه يذكر حقيقة بديهية للغاية: " كان الرقم السري لطاولة البلياردو هو تاريخ ميلادي، أما الخزانة فقد فتحها العم جاك، حيث كان يضع ساقه في الفجوة الموجودة بغرفة الألعاب حينها."

حينها فقط تذكرتُ الرقم السري الخاص بطاولة البلياردو، واستحضرتُ معه تاريخ ميلاد كيڤن الذي رأيتُه في ملفه الشخصي: 0، 2، 2، 5.

لقد كان هذا أسهل رقم سري يمكن لطفل أن يحله.

"...... مَن الذي كان يحتفظ بالرسالة والمفتاح؟"

" الرسالة والمفتاح اللذان كانا في طاولة البلياردو كانا معي، أما المفتاح الذي أُخرج من الخزانة فقد أخذه العم جاك."

… إذن، الرسالة والمفتاح اللذان أحضرهما لي 'بيبي' كانا من غرفة كيڤن.

ويبدو أن مفتاح خزانة غرفة التدبير المنزلي الذي قالت أرييل إنها وجدته، قد خرج في الأصل من غرفة جاك.

سأل لوكاس كيڤن بحذر: " ماذا كان محتوى الرسالة ؟ "

" أنا لا أعرف تماماً، لكن العم جاك، بينما كان يقرأ الرسالة، قال إنها رسالة أرسلتها النونا إلى شخص يدعى ديريك."

" … وهل رأى تلك الرسالة شخص آخر غير العم ؟ "

"… لا أعرف ذلك أيضًا."

بدت ملامح الجدية على وجه لوكاس وهو يواصل طرح الأسئلة، وكذلك أظلم وجه أرييل الجالسة بجانبه.

فتحت أرييل فمها ونطقت بحذر: " المفتاح اختفى مع الرسالة أيضاً، أليس كذلك ؟ "

"...... أجل."

"وماذا عن المفتاح الذي كان مع العم؟"

"...... لا أعرف شيئاً عنه."

فكر لوكاس قليلاً ثم سأل كيڤن: " أليس لديك تخمين حول هوية الشخص الذي سرقهما ؟ "

اتجهت نظرات كيڤن نحوي ببطء عند سماع سؤاله.

حاولتُ الحفاظ على نبرة صوتي هادئة قدر الإمكان وقلتُ: " … هل تعتقد أنني أنا من سرقتهما ؟ "

" …… "

لم يأتني منه أي رد، لكن الصمت كان يحمل معنىً جلياً و واضحاً. عندما بدأ الخوف يتسرب إلى قلب كيڤن، كرر ريموند طمأنته بأن كل شيء على ما يرام.

حينها استجمع الصغير شجاعته وفتح فمه بهدوء: " … لقد نطق العم جاك باسم ديريك بوضوح تام، وبما أن عمي غير موجود في هذا المكان … "

" …… "

" وعلاوة على ذلك، فإن العم جاك الذي أخبرني بذلك قد مات هو الآخر … "

احمرت عينا كيڤن وهو ينظر إليّ، وبدا وجهه وكأنه على وشك الانفجار بالبكاء في أي لحظة، لكنه بذل قصارى جهده لابتلاع غصته .

****************************

الفصل : ٨١

اليوم الثالث عشر _ 29/10 (6)

انتقيتُ كلماتي بروية، ثم أطلقتُ تنهيدة خفيفة وفتحتُ فمي لأنطق: " إن كنتَ ترغب في الشك بي، فافعل ذلك، هذا حقك وحريتك يا كيڤن."

" …… "

" أنا أيضاً سأبذل قصارى جهدي لأتحرر من دائرة شكوكك هذه."

كنتُ أصلي في سري ألا يصل صوت خفقات قلبي المتسارعة إلى مسامعهم.

ساد صمت مطبق، وأغلقتُ فمي بهدوء؛ لم يكن يخرج من بين شفتيَّ سوى صوت أنفاسي المنتظمة.

في تلك اللحظة، فتح إيان فمه وتحدث بصوتٍ هادئ: " بالحديث عن هذا، فإن زجاجة السم قد عُثر عليها في غرفتكِ أيضاً، يا آنسة لوبيز."

[ انخفضت نسبة ثقة 'إيان وايت' بكِ بنسبة 4%.]

" … هل تود القول يا سيد إيان إنني أنا من قتلتُ العم جاك ؟ "

" أنا فقط أعيد مراجعة الموقف وتفاصيل الأحداث."

" ليس لديَّ أي دافع لقتل العم."

" ألم يظهر الدافع للتو ؟ لقد تبينت حقيقة أن جاك قد عثر على رسالة تتعلق بكِ."

رسمتُ على وجهي ابتسامة مريرة وقلتُ: " بأي وسيلة يمكنني أن أعرف أن كيڤن والعم قد فتحا طاولة البلياردو و الخزانة ؟ وعلاوة على ذلك، ليس هناك طريقة تجعلني أعلم أن ما وُجد بداخلهما كان رسالة تخصني."

" …… "

" لو كنتُ أنا المجرم الذي يتحدث عنه ألبرتو، وقمتُ بقتل العم لمجرد إتلاف الأدلة، لكان ذلك عملاً ينطوي على مخاطرة هائلة لا داعي لها."

مسحتُ وجهي بيدي، وبينما كان إيان يراقبني بتمعن، نطق بهدوء: " إذن، هل تسمحين لي بتفتيش غرفتكِ ؟ "

" …… "

" بما أن موقفكِ هادئ هكذا، فلا بد أنكِ تمتلكين الشجاعة الكافية لترك غرفتكِ تحت تصرفنا."

نطقتُ بكلماتي له وكأنني امضغها بين أسناني: " … يبدو أن لديك اهتماماً كبيراً بغرفتي منذ مدة طويلة، يا سيد إيان."

طالت نظرات إيان وهو يتفحصني. أحكمتُ قبضتيَّ و واصلتُ حديثي بهدوء: " بالتأكيد، اذهب الآن فوراً، فباب غرفتي مفتوح دائماً."

رمقني إيان بنظرة سريعة عند سماع قولي، ثم اتجه مباشرة نحو الممر الغربي، وتبعه في ذلك كيڤن و ريموند.

نهض لوكاس وصوفيا أيضاً من مقعديهما بتمهل وهما يسترقان النظر إليّ بحذر. قطبتُ حاجباي وأنا أستمع لصدى خطواتهما وهي تبتعد.

لم يكن هناك ما يمكن العثور عليه في الغرفة، فكل الأدلة مخبأة بأمان داخل "حقيبة أدواتي". ومع ذلك، ظل القلق ينهش في زاوية من زوايا قلبي.

بينما كنتُ أحاول جاهدة إخفاء توتري، التفتُّ فجأة حين شعرتُ بنظراتٍ تخترقني من جانبي. انعكس مظهر سيزار في عينيّ، وكان وجهه يرتدي قناعاً لا يشي بما يدور في عقله.

خرجت كلماتي بنبرة جافة لم أستطع كبحها: " … وأنت، ألن تذهب ؟ "

" يجب أن أذهب بالطبع."

نطق سيزار بذلك وهو ينهض من مكانه، ثم أردف: " بما أنكِ تدّعين البراءة التامة، فمن المفترض ألا يجدوا شيئًا يذكر في غرفتكِ."

" … بالتأكيد."

بمغادرة سيزار، لم يبقَ في غرفة المعيشة سواي أنا وأرييل. كانت أرييل جالسة في مكانها دون أن تحرك ساكناً. عندما نظرتُ إليها دون وعي مني، جفلت أرييل بذعر وطأطأت رأسها بشدة.

" …… "

هممتُ بأن أطلب منها اللحاق بهم هي الأخرى، لكنني آثرتُ الصمت. لم يعد لديّ القدرة على البقاء جالسة في غرفة المعيشة أكثر من ذلك، فتوجهتُ نحو غرفة الطعام.

كان لوجان هناك. وبمجرد أن رآني وهو يرتشف الماء، اتسعت عيناه ذهولاً .

" أنتِ … "

لكن سرعان ما تبدل ذهوله إلى عبوسٍ حاد وهو يتفحص وجهي: " … ما الخطب ؟ هل حدث شيء ما ؟ "

" كلا، لم يحدث شيء."

أمسكتُ بكوب وسكبتُ فيه بعض الماء.

"وهل هذا وجه شخصٍ لم يحدث له شيء؟"

خطا لوجان نحوي خطوات واسعة، وانتزع كوب الماء من يدي، ثم عاد يتفحص ملامحي مجدداً.

" أنتِ حقاً … هل ستستمرين في الكذب هكذا طوال الوقت ؟ "

كانت نبرة صوته تعكس استياءه من أكاذيبي المكشوفة، لكنه تجمد فجأة، وكأنه تذكر ما حدث بيننا في وقت مبكر من فجر اليوم.

حرك حدقتيه بارتباك، ثم وضع الكوب الذي أخذه مني على الطاولة.

" اللعنة......"

ساد جوٌّ غريب من التوتر داخل غرفة الطعام في لحظة. لم أستطع النطق بحرف، واكتفيتُ بعضّ شفتيّ بضيق.

" …… "

بقي لوجان واقفاً في مكانه كالمذهول دون أن يبدي رغبة في الرحيل، ثم اتجهت نظراته نحوي مرة أخرى.

" … لا تكترثي لما قلته للتو، لقد زلّ لساني فحسب."

مددتُ يدي وأمسكتُ بكوب الماء الذي تركه لوجان، ثم رفعتُ رأسي والتقيتُ بنظراته مباشرة .

تحركت شفتا لوجان وكأنه يريد التحدث، بينما اكتفيتُ أنا بالعبث بمقبض الكوب قبل أن أنطق بحذر: " … أنا آسفة."

تصلبت ملامح لوجان قليلاً عند سماع ذلك: "...... آسفة على ماذا؟"

" لأنني كذبتُ عليك."

سألني لوجان بملامح يكسوها الضيق: "...... ولماذا كذبتِ إذن؟"

" ذلك لأنني......"

بمجرد أن هممتُ بالتوضيح، قاطعني قائلاً: " كفى، ما الفائدة من كل هذا الكلام الآن؟"

أخذ لوجان يعبث بشعره من الخلف، ثم أشاح بنظره عني وهو يتمتم بصوت خافت: " أظنني أفهم السبب الذي دفعكِ للكذب … "

" …… "

" على أية حال، أنا لا أهتم سواء كنتِ قد كذبتِ عليّ، أو حتى لو كنتِ قد أبرحتِني ضرباً."

عندما عجزتُ عن الرد عليه، أطلق لوجان زفرة صغيرة، ثم تفحص وجهي ملياً وتحدث بنبرة مبالغ فيها: " ما بال هذه الفتاة مجدداً ؟ لقد أخبرتكِ أنني لا أهتم ! "

" …… "

" عودي إلى طبيعتكِ، هذا يروق لي أكثر."

رغم كلماته، لم يشعر قلبي المثقل بأي خفة؛ ففي نهاية المطاف، أنا من كذبتُ عليه، سواء كانت تلك الكذبة لأجله أو لأجل مصلحتي الخاصة .

فجأة، قال لي لوجان بنبرة حازمة: " ابتسمي."

" …… "

" أو ابكي إن أردتِ، فذلك سيكون أفضل من تعبير وجهكِ الحالي."

… يطلب مني أن أبتسم .

حتى مع كلمات لوجان، لم أعلم أي تعبير يجدر بي أن أرسمه على وجهي. لكنني في النهاية، وعجزاً مني عن مقاومة نظراته اللحوحة، رفعتُ زوايتي فمي بابتسامة قسرية باهتة .

استمر لوجان يتأملني بهدوء، وبدا وكأن هناك قولاً يحتبس في صدره: " إذن، بكاؤكِ عندما سقطتِ مغشياً عليكِ في المرة السابقة كان بسبب …… "

" ماذا ؟ "

بمجرد أن سألتُه، أطبق لوجان شفتيه وتوقف عن الكلام.

حين سقطتُ مغشياً عليّ في المرة السابقة … ؟ متى كان ذلك تحديداً ؟

انتظرتُه بصمت ليكمل حديثه، لكن لوجان ظل يحدق بي بنظرات غامضة لا يمكن تفسيرها.

"...... لوجان؟"

ناديتُه بصوت خافت، وعندها فقط بدا وكأنه استعاد رشده من حالة الذهول التي أصابته.

" …… "

ومع ذلك، بدا وكأن عقله لا يزال شارداً في مكان ما. شعرتُ بالحرج فأخذتُ أقلب عينيّ يمنة ويسرة، إلى أن استقر نظري على الوشم الموجود على ظهر يده .

… لقد قال إنه وشم يحقق الأمنيات، أليس كذلك ؟

شعر لوجان بنظراتي، فسألني بحذر: " … هل أعجبكِ هذا ؟ "

أخذ لوجان يعبث بخاتمٍ في إصبعه. لم أكن أتعمد النظر إلى خاتمه، لكن يبدو أنه اعتقد أنني أراقب تلك الخواتم .

" كـ … كلا، ليس الأمر كذلك … فقط لأنك ترتدي الكثير من الخواتم."

ضحك لوجان ضحكة خفيفة عند سماع قولي، ثم نطق بنبرة لا تخلو من المزاح: " ضربُ المرء بخواتم في الأصابع يضاعف التأثير مرتين."

" …… "

لقد كانت حقيقة لم أكن أرغب في معرفتها حقاً.

خلع لوجان أحد خواتمه من إصبعه وسألني: " هل تريدينه ؟ "

" ماذا ؟ كلا، لا بأس."

" لماذا ؟ قد يكون مفيداً جداً في المواقف الخطرة."

لوحتُ بيديَّ بذعر رافضة، لكن لوجان قال بنبرة حازمة تماماً: " خذيه، فهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنني تقديمه لكِ."

تصلبتُ مكاني عند سماع كلماته. بدت ملامح الرضا على وجه لوجان لصمتي، فأطلق ضحكة قصيرة، ثم أمسك بيدي التي كانت معلقة في الهواء.

" …… "

كانت يده ضخمة وقوية للغاية. أما كفه فقد كانت خشنة الملمس .

تمتم لوجان بتذمر وهو يعبث بيدي: " كيف ليد فتاة أن تكون خشنة هكذا ؟ "

" … ويدك ليست أفضل حالاً."

ابتسم لوجان لردي، ثم وضع خاتمه في إصبعي، لكن خاتمه كان كبيراً جداً، فالخاتم الذي كان يناسب سبابته، بدا فضفاضاً حتى على إبهامي.

التفت لوجان حوله، ثم أحضر خيطاً كان على الطاولة وعلق فيه الخاتم. اقترب مني وأزاح شعري عن عنقي قائلاً: " المعذرة للحظة."

بمجرد أن ظهر خط عنقي، لامس الهواء البارد بشرتي. انكمشتُ على نفسي دون وعي، فجفل لوجان هو الآخر .

كانت نظراته التي استقرت على عنقي تثير في نفسي شعوراً غريباً بالدغدغة، ولم يستطع لوجان إزاحة بصره عني .

استقرت رائحة لوجان المميزة عند طرف أنفي للحظات، و استرقتُ النظر إليه وهو يقف متسمراً مكانه دون حراك، ثم بدأ أخيراً يحرك يديه. اخترقت يدا لوجان الدافئة برودة الهواء ولامست عنقي ببطء. كان ذلك الإحساس غريباً جداً عليّ. ومع كل جفلة مني، كانت يدا لوجان تتوقفان عن الحركة هما أيضًا .

" …… "

في النهاية، أبعد لوجان يديه عني. وعندما خفضتُ بصري قليلاً، وجدته قد علق الخاتم بحيث استقر على عظمة الترقوة .

" يبدو جيداً."

نطق لوجان بتلك الكلمات وهو يتأملني ببطء.

اتسعت عيناي للحظة، ثم بدأتُ أتحسس الخاتم بأصابعي: " … شكراً لك."

لم يأتِ من لوجان أي رد. اكتفى فقط بالنظر إليّ، بصمت.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان