كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها لوجان بمثل هذا التعبير. عندما حاولتُ الاقتراب منه بحذر، تراجع للخلف و وجهه يفيض بالذعر .
رفعتُ كلتا يديّ لأظهر له أنني لا أحمل شيئاً، وحاولتُ شرح الموقف بهدوء: " أنا أعلم أن هذا الموقف قد يبدو مريبًا ويدعو لسوء الفهم، ولكن … "
" وما الذي يدعو لسوء الفهم ؟ لقد كنتِ تقفين وحدكِ أمام المرآة وتتمتمين بكلمات غير مفهومة فحسب."
" …… "
" أكـ … أكملي ما كنتِ تفعلينه، لا تكترثي لي."
قال ذلك ثم غادر غرفة الطعام بسرعة وكأنه لا يريد إزعاجي (أو بالأحرى يهرب من جنوني).
تبعتُه على الفور خارج الغرفة، لذا صرخ لوجان بصوت مذعور عندما رآني خلفه: " لماذا تتبعيني ؟! "
" لأنك لا تصدق حرفاً مما أقوله ! "
" قلتُ لكِ إنني أصدقك ! أنتِ لا تبدين غريبة الأطوار على الإطلاق ! "
" ومن قد يصدق كلامك هذا وأنت تهرب هكذا ! "
زادت سرعة خُطى لوجان وهو في حالة من الهلع، لكنني لم أتركه يهرب وظللتُ ألاحقه بإصرار .
وفجأة، توقفتُ أنا ولوجان عن الحركة في آن واحد.
" …… "
لقد اصطدمنا بآرييل.
ضيق لوجان عينيه وهو يرمقها بنظرة فاحصة، ثم سألها بحدة: " أنتِ، ما خطبكِ ؟ "
" مـ … ما الأمر ؟ "
" لقد رأيتكِ للتو، ما الذي أخفيتِه خلف ظهركِ بمجرد أن رأيتِنا ؟ "
جفلت آرييل بوضوح عند سماع سؤاله، لكن سرعان ما استعادت هدوئها و وضعت ابتسامة بريئة على وجهها وقالت: " آه، لم أفعل شيئاً."
تصلب وجه لوجان بجدية تامة: " ومن قد يصدق هذا ؟ "
" لم أكن أحاول إخفاءه حقاً … كنتُ سأخبر الجميع على أي حال."
أمال لوجان رأسه آمراً إياها بأن تتحدث فوراً. ترددت آرييل لبرهة، ثم أخرجت يدها التي كانت تخفيها خلف ظهرها ببطء شديد .
ما كانت تحمله في يدها لم يكن سوى مفتاح … وعلاوة على ذلك، كان مفتاحاً أراه للمرة الأولى .
قطب لوجان حاجبيه على الفور وعلامات الانزعاج تكسو وجهه .
" ما هذا ؟ "
" لقد وجـ … وجدته منذ فترة، لكنني ظننتُ أنه قد يكون مفتاح الخزانة ذات الأدراج … "
بدأت حدقتا آرييل ترتجفان بوضوح .
" ولكن لماذا تحتفظين به لنفسكِ ؟ أليس من المفترض أن تخبري البقية أيضاً ؟ "
" كما قلتُ للتو، لم أكن أنوي إخفاءه، بالطبع الخطأ خطئي لأنني لم أتحدث في حينها، ولكن … "
" …… "
أمال لوجان رأسه متشككاً في كلماتها. أما آرييل، التي كانت تسرق النظر إليه، فقد نقلت نظرها نحوي في النهاية .
" فلنتحقق منه معاً."
كان وجهها يوحي بأنها تطلب مني المساعدة. وأمام نبرتها التي بدت يائسة، أومأتُ برأسي دون وعي مني.
ابتلعت آرييل ريقها وكأنها شعرت بالارتياح، ثم بدأت بالتحرك . تبعتُها بصمت، لكن عقلي كان يعج بالظنون وأنا أمشي خلفها.
كنتُ متأكدة تماماً من أنني لم أرى ذلك المفتاح من قبل. لذا، وبينما كنتُ أرجح أن هذا المفتاح لن يفتح الخزانة، بدأ شعور بالقلق يتسلل إلى أعماق قلبي .
إن كانت هناك دلائل قد فاتني العثور عليها، فلابد أنها كانت في "غرفة الألعاب" بالطابق الأول، لأنني لم أتمكن من جمع الأدلة هناك أولاً. لذا، لو كان هذا المفتاح هو المفتاح الصحيح للخزانة، فمن المؤكد أنه الدليل الذي فاتني في الطابق الأول.
ولكن … "العين" أخبرتني أن الدلائل كانت في غرفة كيڤن. وهذا ما جعل استحواذ آرييل على ذلك المفتاح أمراً يثير الريبة في هذا الموقف. أما لوجان، الذي تظاهر بأنه لن يتبعنا، فقد أخذ يبعثر شعره من الخلف بخشونة ثم تجاوزنا في المشي ليقود الطريق .
ألقيتُ نظرة خاطفة على لوجان وهو يدخل غرفة التدبير المنزلي، ثم نقلتُ بصري نحو غرفة الطعام .
" …… "
برز وجه "فيل" مجدداً من سطح المرآة بشكل محدب، وإلى جانبه ظهرت "العين" التي استعادت حجمها الطبيعي الصغير فجأة .
على أي حال، اسم له … بينما كنتُ غارقة في التفكير، ظهرت نافذة أمام عيني .
[ 'العين الملطخة بالدماء' تنتظر اسمها بتوق.
… هل تودين تحديد اسم لها ؟
موافق ! / غير موافق ! ]
لا أعلم لماذا خطر هذا الاسم ببالي في هذه اللحظة تحديداً.
نقلتُ نظري نحو "العين" التي لا تزال تراقبني .
" بيبي."
لقد نطقته بحركة شفاهي فقط دون صوت، لكن يبدو أنه فهم اسمه، إذ انطلق خارجاً من المرآة وتدحرج نحوي بابتهاج.
استرقتُ النظر نحو آرييل و لوجان اللذين دخلا غرفة التدبير المنزلي، ثم مددتُ يدي نحو بيبي. وبحركة بدت مألوفة الآن، استقر بيبي بخفة فوق كفي.
وضعتُ بيبي في جيبي ثم دخلتُ خلفهما إلى الغرفة.
في هذه الأثناء، بدا أن آرييل قد نجحت في فتح درج الخزانة المقفل، إذ كان لوجان يخرج شيئاً ما من الداخل .
لم أستطع منع نفسي من تقطيب حاجبيّ وأنا أراقب مشهدهما.
… من المفترض ألا يكون هناك شيء داخل ذلك الدرج، فأنا واثقة بأنني قد جمعتُ كل الأدلة التي كانت بداخله سابقاً.
أسرعتُ الخطى نحوهما، و وقعت عيناي على سوار قديم يمسكه لوجان بين يديه. كان سواراً أراه للمرة الأولى .
تمتمت آرييل وهي تحدق في السوار بنظرات فارغة: " هذا … "
بدأ وجه آرييل يتصلب وهي تتفحص السوار . اهتزت حدقتا عينيها الورديتين بوضوح، واستطعتُ أن أقرأ عاطفة واحدة بدأت تتبلور داخلها .
الخوف … كانت مشاعرها واضحة جدًا في تلك اللحظة .
ابتلعت آرييل ريقها بجفاف، ثم اندفعت خارجة من غرفة التدبير المنزلي على الفور .
" أنتِ ! "
صرخ لوجان منادياً إياها بسرعة، لكن آرييل بدت وكأنها لا تسمعه، إذ سارعت بمغادرة الطابق الثاني بالكامل.
ظللتُ أراقب ظهرها المبتعد بذهول لبرهة، قبل أن أحول نظري نحو الدرج. من غير المنطقي أبداً أن يوجد سوار في درج كان فارغاً تماماً.
ضيقتُ عيناي بتفكير عميق لبرهة، واستعدتُ في ذهني صورة ذلك الرجل المجهول الذي تسلل إلى الطابق الثاني ليلة أمس .
إن كان هناك من وضع هذا السوار في الدرج، فالأرجح أنه هو .
لكن، إن كان هو الفاعل حقاً … فما الغاية من وضع السوار هناك ؟ ألم تكن زيارته السرية للطابق الثاني تهدف لجمع الأدلة مثلي تماماً ؟
ظاهرياً، بدا السوار دليلاً لا يمت لي بصلة، بل وبناءً على رد فعل آرييل، فمن المؤكد أنه يخص شيئاً يتعلق بها هي .
— بوم .
في تلك اللحظة، دوى ذلك الضجيج العنيف الذي سمعتُه سابقاً مرة أخرى في الأرجاء.
تلاقت عيناي وعينا لوجان في اللحظة ذاتها، كأن كلّاً منا يؤكد للآخر أن هذا الصوت ليس مجرد وهم أو خطأ في السمع .
— بـوم، بـوم !
كان الصوت قادم من الطابق العلوي. بدأ لوجان يتحرك بخفة نحو باب غرفة التدبير المنزلي. وعندما حاولتُ اللحاق به، مد كفه نحوي إشارةً منه بأن أبقى مكاني ولا أتحرك .
أغلق الباب بخفة، ثم أخذ يراقب الخارج من خلال شق الباب الصغير .
— طـاخ !
دوى صوت ارتطام ثقيل، لكن هذه المرة اهتزت له الأرضية، وكأن ذلك الشيء الذي كان يصدر جلبة في السقف قد سقط للتو على الأرض .
تصلبت ملامح لوجان تماماً وهو يراقب الممر. وسرعان ما سقط شيء آخر، كان صوت ارتطامه أثقل بكثير مما سبقه .
صوتٌ يشبه تماماً … ارتطام جسد بشري بالأرض.
ظل لوجان في حالة تأهب قصوى، ثم قطب حاجبيه وفتح الباب ببطء شديد. شعرتُ بالذعر من تصرفه للحظة، لكنني سرعان ما هدأتُ قليلاً عندما رأيتُ امرأة تقف بذهول وسط الردهة .
" …… "
لم تبدُ كشخص ينوي الهجوم علينا. كانت امرأة ترتدي نظارات ذات إطار أسود، وبدت ملامح وجهها حادة وحساسة للغاية، الانطباع الأول يوحي بأنها من النوع الذي قد يوجه لك آلاف الشتائم لو تجرأتَ ونطقتَ بكلمة واحدة أمامها.
لكن، وبصرف النظر عن ملامحها الحادة، كان جسدها ضئيلاً للغاية، بل كانت أقصر قامة من آرييل بكثير .
شعرها القصير المصفف بعناية كان بلون الجزر الزاهي، وكذلك كانت عيناها اللتان تراقبنا بدقة تحملان ذات اللون. أما وجنتاها المليئتان بالنمش، فقد بدا عليهما شحوب ملحوظ .
استجمعتُ شجاعتي وناديتُها بصوت خافت: " عذراً … "
بدلاً من الإجابة، قامت المرأة بإظهار شيء ما لنا وهي تقول: " بدايةً، دعوني أوضح أمراً واحداً، أنا لستُ عدوةً لكم."
ما أظهرته لم يكن سوى "بطاقة دعوة ألبرتو". رفعت المرأة كلتا يديها في الهواء وكأنها تحثنا على عدم الحذر منها.
يبدو أنها نزلت إلى الطابق الثاني عبر فتحة التهوية، وغطاء الفتحة الملقى على الأرض كان دليلاً قاطعاً على ذلك.
حدق لوجان بالمرأة بتمعن وسألها: " هل كنتِ وحدكِ في الطابق الثالث ؟ "
" لا، هناك شخصان آخران."
تنهدت بخفة وألقت نظرة سريعة نحو فتحة التهوية وتابعت: " بقية الأشخاص لم يتمكنوا من الخروج عبر الفتحة، لذا اتفقنا أن أخرج أنا أولاً ثم أفتح لهم الباب من الخارج."
بعد قول ذلك، توجهت المرأة نحو الباب. حاولت سحب الباب المغفل عدة مرات، ثم قطبت حاجبيها بانزعاج شديد .
نقلت نظرها نحوي ونحو لوجان وأومأت برأسها قائلة: " هل يمكنكم مساعدتي قليلاً ؟ "
" آه، نعم ! "
أجبتُها دون تفكير وأسرعتُ نحوها. رمقت المرأة لوجان، الذي ظل واقفاً مكانه دون حراك، بنظرة تعبر عن دهشتها من بروده.
وضعت يدها على جبهتها وكأنها تعاني من صداع بسبب تصرفه، ثم نطقَت: " أيها الأخ، ألن تأتي للمساعدة بدلاً من الوقوف هكذا كالجماد ؟ "
" وكيف لي أن أعرف ما الذي ينتظرنا في الطابق الثالث لأفتح الباب ؟ "
" ماذا ينتظرنا ؟ أناس في مثل حالتنا تماماً."
أشارت المرأة بذقنها نحو فتحة التهوية التي خرجت منها وأضافت بنبرة تحذيرية: " إن كنتَ لا ترغب في رؤية جثث، فمن الأفضل أن تساعدني الآن ! "
****************************
الفصل : ٥٣
اليوم العاشر - 26/10 (6)
بدأت المرأة تنظر حولها بحثاً عن شيء قد يساعدها في تحطيم مقبض الباب. وعندما لم تجد شيئاً في الممر، دخلت بسرعة إلى غرفة التدبير المنزلي .
في هذه الأثناء، اقترب لوجان من باب الطابق الثالث وحاول تدوير المقبض، ثم وضع أذنه عليه ليسمع ما وراءه.
نقل لوجان نظره نحوي وحرّك شفتيه متسائلاً بهمس: " … لا أسمع أي صوت بالداخل، هل أنتِ متأكدة أنهم يريدون فتح الباب من جهتهم أيضاً ؟ "
في تلك اللحظة، خرجت المرأة من غرفة التدبير المنزلي حاملةً لوحاً خشبياً وسألتنا: " ألم يكن هناك أي مفتاح يمكنه فتح هذا الباب ؟ "
" … لو كان لدينا، لكنّا قد فتحناه منذ زمن، أليس كذلك ؟ "
أجبتُها بنبرة جافة، فبدت عليها علامات الضيق وكأن رأسها سينفجر من التفكير، لكن سرعان ما استجمعت قواها و رفعت اللوح الخشبي لتضرب مقبض الباب بكل ما أوتيت من قوة .
— طـاخ !
دوى انفجار صوتي عنيف جعل أذنيّ تؤلماني، لكن المقبض ظلّ ثابتاً في مكانه. واصلت المرأة ضرب المقبض عدة مرات حتى نال منها التعب وأخذت تلهث بشدة .
" هاه … هاه … "
لم يستطع لوجان الوقوف متفرجاً أكثر من ذلك، فانتزع اللوح الخشبي من يدها وبدأ يضرب المقبض بدلاً عنها .
دوى الضجيج الهائل مرة أخرى، لكن المقبض ظلّ سليماً تماماً وكأن شيئاً لم يكن.
" هل أنتِ متأكدة أن هذا الباب يُفتح ؟ "
سألنا لوجان بنبرة صوته التي زادت خشونة.
مسحت المرأة جبهتها بظهر يدها وتمتمت: " على الأرجح."
بدا واضحاً أننا نحن الثلاثة لن نتمكن من فتح هذا الباب بهذه الطريقة .
" … هل أذهب لمناداة البقية ؟ "
عندما سألتُ بحذر، جفلت المرأة لبرهة. بدت وكأنها غارقة في صراع داخلي، ثم هزت رأسها نفياً.
" فلنحاول حلّ الأمر بيننا أولاً، لا أظن أن وجود الكثير من الناس سيكون فكرة جيدة … "
قالت ذلك وهي تبدو محرجة أو قلقة من شيء ما.
" وإن لم ننجح … حينها فقط سنناديهم."
تريد فتح الباب بشدة، لكنها في الوقت ذاته ترفض مساعدة الآخرين الآن … ؟
شعرتُ بالريبة تجاه تصرفها المريب، لكنني اكتفيتُ بالإيماء برأسي. أما لوجان، فقد بدا على وجهه أنه لم يفهم منطقها أيضاً، لكنه لم يرغب في إطالة الحديث.
وهكذا، استمررنا في بذل قصارى جهدنا لفتح الباب بأي وسيلة، لكنه لم يبدِ أي استجابة.
ظللتُ أحدق في الباب الموصد بإحكام لبرهة، ثم سألتُ المرأة بنبرة خافتة: " أعتقد أن فتح هذا الباب بمفردنا سيكون أمراً صعباً للغاية."
بالنظر إلى مدى صعوبة فتح الباب، بدا لي أن كلام "فيل" سابقاً كان صحيحاً، لم يحن الوقت بعد ليفتح هذا الباب .
" هل أنتِ متأكدة أن أولئك الأوغاد في الطابق العلوي يرغبون في الخروج حقاً ؟ "
سأل لوجان بارتياب، إذ بدا غريباً ألا يصدر أي صوت من جهة الغرفة.
أومأت المرأة برأسها تأكيداً: " منذ اليوم الأول، وبمجرد وصولنا إلى هنا، بذلنا كل جهدنا لفتح هذا الباب، ومن المؤكد أن من بالداخل يحاولون فتحه الآن أيضاً."
" هااه … "
تنهد لوجان بعمق وهو يرمق فتحة التهوية بنظرة سريعة. بدت الفتحة كافية لمرور امرأة ضئيلة الحجم، لكن بالنسبة لشخص بضخامة لوجان، كانت أصغر من أن تتسع حتى لنصف جسده .
تمتمت المرأة وهي تتحسس ثقب المفتاح الصغير في مقبض الطابق الثالث: " لابد من وجود مفتاح في مكان ما … "
بينما كنتُ أستمع لكلماتها، قمتُ بتشغيل "الخريطة"، لكن لم تظهر أي نقطة تشير إلى مفتاح قريب للطابق الثالث .
… ما الخطب ؟ هل هناك أدلة أخرى فاتني العثور عليها ؟
ربما توجد أماكن لم تُفتح بعد في الطابقين الأول والثاني، وقد يكون مفتاح الطابق الثالث مخبأً هناك، لكن إن كان الأمر كذلك، فهذا يعني أننا عاجزون عن فتح الغرفة في الوقت الحالي.
" …… "
أمسكت المرأة باللوح الخشبي مجدداً، وبدأت في ضرب المقبض مرة أخرى. أخذت شظايا الخشب تتطاير في كل اتجاه مع كل ضربة. لذا تراجعتُ خطوة للخلف مبتعدةً عنها.
" بما أن ذلك الوغد في الطابق الثاني استطاع النزول بتحطيم الباب، فمن المفترض أن يُفتح هذا الباب أيضاً في النهاية."
قال لوجان ذلك وهو ينظر للمرأة بنظرة شفقة، لكنها بدت وكأنها لا تسمعه، واستمرت في ضرب المقبض دون توقف .
في تلك اللحظة، قفز بيبي من جيبي وسقط على الأرض، ثم تدحرج بسرعة ودخل إلى غرفة الطعام.
يبدو أنه كان ينوي الذهاب لرؤية "فيل". استرقتُ النظر نحو لوجان والمرأة وقلتُ بصوت منخفض: " سأذهب لأبحث عما إذا كان هناك شيء يمكنه فتح الباب."
— طـاخ …!
لكن صوتي غرق وسط ضجيج ارتطام اللوح الخشبي بالمقبض. وبما أن كليهما بدا غير مكترث بوجودي، تبعتُ "بيبي" ودخلتُ إلى غرفة الطعام .
وما إن وطئت قدماي الغرفة، حتى برز وجه "فيل" من داخل المرآة.
" ما الذي تفعلونه بحق الجحيم ! "
كان وجهه يفيض بالذعر والذهول، بينما كان صدى الضربات العنيفة بالخارج يوحي بأن الباب على وشك التحطم .
" ألم يحن الوقت بعد ليُفتح الطابق الثالث ؟ "
" قلتُ لكِ لم يحن بعد ! لذا اذهبي واجعلي أولئك الأشخاص بالخارج يتوقفون ! "
… وكأنني أملك وسيلة لفعل ذلك.
وضعت ابتسامة محرجة على وجهي وقلتُ له: " إنهم يصرّون على فتح باب الطابق الثالث بأي ثمن، هل حدث خطبٌ ما هناك ؟ "
" ذلك لأن …… "
تلاشت نبرة "فيل" في نهاية جملته، ولم يبدُ أنه ينوي إكمال حديثه.
قطبتُ حاجبيّ وسألتُه بإلحاح: " لماذا توقفت عن الكلام ؟ "
" …… "
ظل صدى الضجيج العنيف الآتي من الردهة هو الشيء الوحيد الذي يملأ غرفة الطعام .
خطوتُ خطوة أخرى نحوه وقلتُ مجدداً: " ما الذي كنت تحاول قوله ؟ "
عندما ضغطتُ عليه ليكمل، استشاط "فيل" غضباً فجأة: " آه، لا أعلم ! قلتُ لكِ لا أعلم ! "
بدا واضحاً أنه لن يجيبني بسهولة. تنهدتُ بخفة وسألتُه: " إذن متى سيُفتح ذلك الباب ؟ ألا يمكن فتحه الآن فوراً ؟ "
" ليس هذا أوانه، وخروج تلك المرأة عبر تلك الفتحة الغريبة أمرٌ غير منطقي بتاتاً ! "
أجاب "فيل" وهو يزفر بحنق. وعندما ضيقتُ عيناي وأخذتُ أحملق فيه بصمت، تهرب "فيل" من نظراتي بوضوح، ثم صرخ بنبرة مشحونة بالانفعال: " لا فائدة من النظر إليّ هكذا ! أنا "فيل"، المدير العظيم لقصر إرنست، لن أخاف من نظرات كهذه بسهولة "
زفر "فيل" تنهيدة طويلة، ثم بدا وكأنه يغرق في تفكير عميق قبل أن يميل برأسه نحوي قائلاً: " يمكنني تقريب موعد فتح الباب قليلاً، إذا دفعتِ الثمن المناسب."
…… الثمن ؟
" عن أي ثمن تتحدث ؟ "
" على سبيل المثال، أن تقومي ببعض المهام من أجلي، شيء من هذا القبيل، ماذا يطلق البشر على هذا العمل ؟ "
" مساعد ؟ "
" لا، ليس هذا … آه، تذكرت ! خادم ! "
رمقتُ "فيل" بنظرة باردة خالية من أي انبهار.
" إذا وعدتِ بأن تكوني "خادمتي المطيعة"، يمكنني فتح الباب لكِ."
" وما الذي ستطلب مني فعله ؟ "
" ليس أمراً كبيراً، في الحقيقة، لقد فقدتُ غرضاً يخصني، وكما ترين، وضعي الحالي لا يسمح لي بالبحث عنه."
قال "فيل" ذلك وهو يرمق المرآة التي يحبس بداخلها بطرف عينه.
سألتُه بنبرة لم تخلُ من الريبة: " … هل هذا كل ما تطلبه ؟ "
" أجل."
غرضٌ مفقود …
لا أعلم عن أي غرض كان يتحدث، لكن رغبتي في فتح باب الطابق الثالث لم تكن تقل عن رغبة تلك المرأة . علاوة على ذلك، فإن إصرارها الجنوني على فتح الباب يوحي بأن خطباً ما قد حدث في الأعلى بالتأكيد .
" المهمة ليست صعبة، أليس كذلك ؟ "
" ستكون سهلة إن وجدتِ غرضي بسرعة، وصعبة إن فشلتِ في ذلك."
فكرتُ لبرهة، لكن ترددي لم يدم طويلاً. وعندما أومأتُ برأسي بالموافقة، اتسعت عينا "فيل" بذهول وكأنه لم يتوقع استجابتي السريعة .
" حـ … حقاً ؟ "
" أجل، لذا، هل يمكنك فتح الباب الآن ؟ "
" …… "
بدت ملامح "فيل" مرتبكة لثانية، قبل أن يغمض عينيه بقوة. بدا وكأنه يبذل جهداً هائلاً لفتح الباب، إذ برزت عروق غليظة على وجهه بعد لحظات .
— طـاخ …!
وفجأة، سمعت صوت عالٍ من الخارج.
" لقد فُتح … ! "
تلاه صوت المرأة المليء بالبهجة والتعجب.
نظرتُ إلى "فيل" بعينين متسعتين من الدهشة، فوضع تعبيراً ينم عن التفاخر، ثم قال لي: " غداً في التاسعة مساءً، تعالي إلى هنا، وسأخبركِ حينها عما يجب عليكِ البحث عنه."
أومأتُ برأسي بالموافقة وأنا أشعر بشيء من الريبة، ثم خرجتُ إلى الردهة الصاخبة، لكنني لم أتحرك سوى خطوات قليلة حتى تسمرتُ في مكاني .
كان لوجان يصرخ بأعلى صوته في وجه الرجل الواقف أمامه : " أليس هذا الرجل مجنوناً تماماً ؟! "
ما وقع عليه بصري في تلك اللحظة كان رجلاً لا يرتدي سوى سروال داخلي يغطي جسده فقط.
" …… "
فقدتُ القدرة على الكلام لبرهة من المنظر . ويبدو أن الرجل شعر بوجودي، إذ اتجهت نظراته نحوي مباشرة.
لم يدم الأمر طويلاً حتى انثنت عيناه الحمراوان القانيتان بابتسامة ناعمة بمجرد رؤيتي. بكل ثقة، كان هذا المشهد هو الأكثر فظاعة من بين كل ما رأيته في هذا القصر حتى الآن .
بذلتُ جهداً مضنياً لكي لا ينخفض بصري للأسفل، وثبّتُّ نظري على وجهه فقط . بدا الرجل واثقاً جداً بهيئته تلك، ولا تزال الابتسامة لا تفارق محياه .
أمال رأسه نحوي وهو يبتسم كشخص مجنون، ثم ألقى عليّ تحية منعشة: " مرحباً."
عند كلمته تلك، استطعتُ أخيراً زفير الأنفاس التي كنتُ قد حبستُها .
… ريموند ميلر .
لقد كان هو … البطل الأخير في لعبة 'عزيزتي'.
****************************