أخذتُ أتحسس شفتي المتصلبتين من شدة التوتر، وعندما سمع لوجان كلمات ريموند، تقطب وجهه فجأة وسأل: " ماذا ؟ هل تعرفان بعضكما ؟ "
" لا، لا أعرفه على الإطلاق."
قاطعتُ كلمات لوجان بحزم قاطع. أما ريموند، فبمجرد سماعه لردي، اكتفى بالقهقهة بخفة .
حاولتُ جاهدةً تجنب النظر إليه. يبدو أن لوجان أيضاً استشعر أن ريموند ليس شخصاً عادياً، فأشاح بنظره عنه، وثبّت عينيه عليّ وكأنه يرفض حتى أن تلتقي عيناه بعيني ريموند .
… وبالطبع، كنتُ أشعر بالشيء ذاته .
" تلك المرأة دخلت إلى الداخل منذ قليل."
كان الجو داخل الطابق الثالث خانقاً للغاية، حرارة مرتفعة تختلف تماماً عن البرودة القارسة التي سادت الطابق الثاني .
كانت الأجواء تمنع المرء من التفكير حتى في الخطو إلى الداخل، حرارة تجعل الأنفاس تضيق، مما جعلني أشد قبضتي دون وعي مني. في تلك اللحظة، طار شيء ما من الداخل باتجاهنا .
ما سقط على الأرض لم يكن سوى ملابس، ثم نزلت المرأة من الدرج وقالت بنبرة حادة : " ارتدي ملابسك، لا أريد أن أُعامل كمعتوهة أنا أيضاً بسببك."
بينما كنتُ أراقب وجه المرأة الذي يفيض بالاشمئزاز، شعرتُ بشفقة عابرة تجاهها، ففي النهاية، هي من اضطرت لقضاء كل هذا الوقت مع هذا الرجل …
نظرتُ إلى داخل الطابق الثالث وسألتُ المرأة بحذر: " هل هذا هو عدد الأشخاص بالكامل ؟ "
" لا، هناك شخص آخر."
" وأين هو ذلك الشخص ؟ "
" لا تزال في الطابق الثالث، قالت إن لديها بعض الأمور."
ألقت المرأة نظرة خاطفة نحو الطابق الثالث وهزت رأسها يميناً وشمالاً وكأنها تتذكر شيئاً مروعاً.
وعندما حاول لوجان التحرك باتجاه الطابق الثالث، اعترضت المرأة طريقه، فسألها لوجان بفظاظة: " … ما الخطب ؟ "
" من الأفضل ألا تصعد الآن، المكان هناك أشبه بالجحيم حالياً."
" …… "
" حسناً، إذا كنتَ تصر على الصعود، فلن أمنعك."
ضيق لوجان عينيه عند سماع كلماتها، ورغم تحذيرها، رد بنبرة باردة: " إذا كنتِ تعلمين ذلك، فتنحي من طريقي."
أطلقت المرأة ضحكة ساخرة وكأنها استسلمت لعناده، ثم تنحت جانباً فاتحةً له الطريق لتخبره بفعل ما يشاء .
تقدم لوجان بخطوات واسعة نحو الطابق الثالث. راقبتُ ظهره للحظة، ثم بدأتُ بالسير خلفه.
في تلك اللحظة، استوقفتني المرأة قائلة: " أنتِ أيضاً ستذهبين ؟ "
" نعم، ينتابني الفضول بشأن الطابق الثالث."
بما أنني تطوعتُ لأكون تابعة لـ "فيل"، شعرتُ أنه يجب عليّ فعل هذا القدر على الأقل لأخرج بأي مكسب.
تنهدت المرأة بخفة ولوحت بيدها وكأنها لن تحاول منعي أكثر من ذلك. قمتُ بتشغيل "الخريطة"، لكن في تلك اللحظة، صبغت نافذة تحذير حمراء رؤيتي بالكامل .
[ تم اكتشاف خطأ غير طبيعي !
السبب: دخول منطقة غير مفعلة .
الوقت المتبقي للتفعيل: 3 أيام ]
قطبتُ حاجبيّ، لكن سرعان ما بدأتُ أدرك ما يعنيه هذا الإشعار، فمن المفترض ألا يُفتح الطابق الثالث الآن. يبدو أن الموعد الأصلي لفتحه كان بعد ثلاثة أيام .
أنزلتُ نافذة النظام التي كانت تحجب رؤيتي. هذا يعني أنه يتوجب عليّ جمع الأدلة بنفسي طوال تلك الأيام الثلاثة .
" … لوجان." ناديتُ لوجان الذي كان يسير أمامي .
جفل لوجان والتفت نحوي، فقلتُ له بهدوء: " كن حذراً، فقد تكون هناك فخاخ كما حدث في الطابق الأول."
تمتم لوجان بتذمر رداً على كلماتي: " سأتدبر أمري جيداً، اهتمي أنتِ بشؤونكِ فحسب."
أكثر ما كان يقلقني الآن هو "الفخاخ". عندما كانت الخريطة مفعلة، كان بإمكاني تجنبها تلقائياً، أما في الوضع الحالي، فقد صار من الصعب رصدها .
خاصة في وضع الطابق الثالث الآن …
تفحصتُ الطابق الثالث، لكن لا أعلم ما الذي حدث هنا بالضبط، فقد كان الهواء ضبابيًا للغاية. بدا وكأن ضبابًا كثيفًا قد خيّم على المكان، لكنه لم يكن ضباباً عادياً، فقد كان التنفس فيه شاقًا .
" …… "
كانت عملية الشهيق والزفير غريبة وغير مريحة بتاتاً. وعلاوة على ذلك، كان من الصعب استكشاف المحيط بسبب انعدام الرؤية .
وبينما كنتُ أتلمس عنقي الذي يشعر بالاختناق وأتبع خُطى لوجان، تناهى إلينا صوت "طقطقة" من مكان ما، صوتُ شيءٍ يحترق. ومن خلف الهواء الضبابي، بدأ يظهر ضوء أحمر متوهج .
" مهلاً، انظري هناك … "
أسرعتُ أنا ولوجان نحو مصدر الضوء. وعندما اقتربنا، وجدنا امرأة ملقاة على الأرض أمام مدفأة جدارية .
" …… ! "
هرعتُ نحوها و وضعتُ أذني على صدرها. ولحسن الحظ، بدا أنها غائبة عن الوعي فقط، إذ كان قلبها ينبض بهدوء .
لم يكن لديّ أدنى فكرة عما حدث في الطابق الثالث، لكنني شعرتُ أن الأولوية الآن هي إخراج هذه المرأة من هنا .
قام لوجان بحمل المرأة فوق ظهره. وبملاحظتها عن قرب، بدا أن عمرها يماثل عمر "جاك" أو "ماكس".
أطلق لوجان صوتاً خافتاً ينم عن المفاجأة وهو يرفعها: " أوه … "
بدا أن حمل هذه المرأة، التي تمتلك عضلات مفتولة وبارزة للعيان، كان أمراً شاقاً بعض الشيء حتى على شخص مثل لوجان. هز لوجان رأسه يميناً وشمالاً بسرعة ليستعيد تركيزه، ثم بدأ بالتحرك.
في تلك اللحظة، تدلت يد المرأة نحو الأسفل بارتخاء، وبالتزامن مع ذلك، لمحتُ ورقة كانت تمسك بها.
تراخت قبضة يدها تماماً، وما لبثت الورقة أن سقطت نحو الأرض. مددتُ يدي بسرعة خاطفة والتقطتُ الورقة قبل أن ترتطم بالأرض. لقد كانت قصاصة ورق محترقة جزئيًا .
تملكني الفضول لبرهة، ثم شرعتُ في تفحص ما تبقى من كلمات مكتوبة عليها :
[ < سجل ——>
21 أكتوبر عام 1105
— نوفمبر عام 1105 ]
كانت الورقة محترقة في مواضع متفرقة، لذا كانت تلك الكلمات هي كل ما يمكن قراءته منها . قطبتُ حاجبيّ لثانية ثم التفتُّ للخلف. لسبب ما، بدا الدخان الضبابي أكثر كثافة مما كان عليه قبل قليل، لدرجة أنني لم أعد قادرة على رؤية المدفأة المشتعلة .
أخفيتُ الورقة في "حقيبة الأدوات" بعد تفكير قصير .
… الحادي والعشرون من أكتوبر … كان هذا التاريخ يذكرني بشيء ما.
إنه تاريخ دخول "فيفيان" إلى المستشفى. لا أعرف تحديداً متى دخلتُ جسدها، لكنني سمعتُ من الطبيب أنها كانت محتجزة في المستشفى منذ يوم 21. علاوة على ذلك، فإن شهر نوفمبر هو الشهر الذي خرجتُ فيه من المستشفى .
قطبت حاجبيّ دون أن أشعر …
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
بعد أن تمكن لوجان من إخراج المرأة بأمان من الطابق الثالث، وضعها بحذر فوق الأريكة .
وبدت المرأة تحت الأضواء الساطعة ممتلكة لجسد رياضي وصحي أكثر بكثير مما ظهرت عليه وسط دخان الطابق الثالث .
بشرتها البرونزية الجذابة وشعرها القصير لدرجة تكاد تكشف فروة رأسها، جعلت جسدها العضلي يبدو أكثر بروزاً وقوة . ألقيتُ نظرة فاحصة على المرأة الممددة فوق الأريكة، ثم اتجهتُ نحو غرفة الطعام .
تماماً كما فعل ماكس في اليوم الأول بمجرد نزوله للطابق الأول، توجهت المرأة التي خرجت من فتحة التهوية مباشرة نحو غرفة الطعام وبدأت تلتهم الطعام بشراهة .
وعندما رأتني أدخل، توقفت عن الأكل للحظة لتبدي معرفتها بي: " أوه ! "
أومأتُ برأسي لها وجلستُ في المقعد المقابل لها.
" بذكر ذلك، لم نتبادل التحايا بشكل لائق بعد، ما اسمكِ ؟ "
" أدعى فيفيان لوبيز."
رددت المرأة اسمي بين شفتيها، ثم ابتسمت بخفة وقالت: " أنا صوفيا كاري، شكراً على مساعدتكِ قبل قليل."
بعد أن عرّفت بنفسها بإيجاز، عادت صوفيا لتناول طعامها، لكن سرعان ما بدا القلق عليها تجاه المرأة المستلقية على الأريكة، إذ أخذت تسرق النظرات نحو خارج غرفة الطعام بين الحين والآخر .
" … على أي حال، هل الآنسة هانا بخير ؟ "
يبدو أن المرأة المستلقية على الأريكة تدعى "هانا".
بينما كنتُ أستمع لكلمات صوفيا، أومأتُ برأسي بهدوء، وفجأة شعرتُ وكأنني قد رأيتُ اسم هانا في مكان ما من قبل .
قطعت صوفيا حبل أفكاري بسؤالها بصوت منخفض: " كم عدد الأشخاص الموجودين في القصر حالياً ؟ "
" ممم، أحد عشر شخصاً، باحتساب الأشخاص من الطابق الثالث."
قطبت صوفيا حاجبيها فور سماع ردي وقالت: " لماذا هذا العدد الهائل ؟ "
انتظرتُ بصمت حتى انتهت من تناول وجبتها، وبينما كانت ترتشف الماء، سألتُها بحذر: " ولكن، ما الذي حدث بالضبط في الطابق الثالث ؟ "
" آه، ليس أمراً كبيراً، كل ما في الأمر أننا فشلنا في حل لغز."
" … لغز ؟ "
أعدتُ السؤال دون وعي مني، فنظرت إليّ صوفيا بدهشة وسألتني بدورها: " ذلك الوغد 'ألبرتو' طرح سؤالاً غريباً، ألا تتحدثين عن ذلك ؟ "
قلبتُ عينيّ حيرةً من كلماتها وقلت: " … لا أعلم عن أي شيء تتحدثين."
" واو، هذا تمييز واضح حقاً ! "
تقطب وجه صوفيا بانزعاج، لكن سرعان ما زفرت تنهيدة طويلة وتابعت حديثها بهدوء: " لقد قال لنا … إنه إذا استطعنا حل اللغز الذي سيطرحه، فسيحقق لنا أمنية واحدة نتمناها بشدة."
****************************
الفصل : ٥٥
اليوم العاشر - 26/10 (8)
أمنية … ؟
" لقد كافحنا بكل ما أوتينا من قوة لمحاولة حل اللغز، ففي الطابق الثالث، لم يكن هناك طعام كافٍ، ولم تكن لدينا ملابس حتى … كانت الظروف هناك قاسية للغاية، لذا كان علينا حل اللغز مهما كلف الأمر."
ارتجف جسد صوفيا وكأن مجرد تذكر الأمر يصيبها بالقشعريرة .
" أخبرنا ألبرتو أنه سيحقق أمانينا إذا أجبنا بشكل صحيح، لكنه حذرنا أيضاً من أنه إذا فشلنا، فسينتزع منا شيئاً واحداً ثميناً على الفور."
" … وماذا كان السؤال ؟ "
عبست صوفيا عند سماع سؤالي وقالت: " طلب منا أن نراهن على 'الحصان' الذي نعتقد أنه سيصل إلى خط النهاية أولاً."
" …… "
" هذا كل شيء، في الحقيقة، لم يكن لغزاً بقدر ما كان أقرب إلى مقامرة."
قالت صوفيا ذلك بنبرة هادئة تماماً. وبينما كنتُ أستمع لحديثها، تذكرت ماكس على الفور .
هل كان السبب وراء تمكن ماكس من مقابلة ألبرتو هو مراهنة مماثلة أيضًا ؟
نهضتُ من مقعدي، ولم أستطع التخلص من شعور القلق الذي يساورني .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
شعرتُ بضرورة البحث عن ريموند لجمع المزيد من المعلومات حول الطابق الثالث .
ألقيتُ نظرة خاطفة على غرفة المعيشة، ثم توجهتُ مباشرة نحو الرواق الغربي . وكما توقعتُ، كان ريموند واقفاً هناك. كان يتفحص لافتات الأسماء المعلقة على أبواب الغرف. وما لبث أن شعر بوجودي حتى التفت نحوي .
" …… "
بدا مظهر ريموند، وهو يرتدي قميصاً مريحاً الآن، غريبًا جدًا وغير مألوف، فقبل دخوله إلى قصر إرنست، كان دائمًا يحرص على الظهور بمظهر أنيق ومرتب للغاية .
كنتُ أشعر بالاختناق بمجرد رؤية أزرار قميص ريموند المغلقة بإحكام حتى أسفل ذقنه فيما مضى … لكن يبدو أن سبب شعوري بعدم الارتياح تجاهه طوال تلك المدة لم يكن بسبب طريقة لباسه، فبما أنني لا أزال أشعر بذات الثقل والارتباك أمامه الآن رغم هيئته المسترخية للغاية، فالمشكلة تكمن في مكان آخر .
وعلى نقيض حذري، لم يفعل ريموند سوى أن غمرني بابتسامة مشرقة كأشعة الشمس . شعرُه ذو اللون الأزرق الكوبالتي، الذي كان يتلألأ بوضوح تحت ضوء النهار، اصطبغ الآن بظلال الرواق المظلم، لكن عينيه الحمراوين اللتين تحدقان بي ظلتا متقدتين بوضوح . بسبب ذلك، وجدتُ نفسي أشيح بنظري عنه دون وعي مني .
" …… "
كلما وقعت نظراتي مع "شامة الدمعة" أسفل عينه، تلك التي تنحني مع طرف جفنه كلما ابتسم، كان ينتابني شعور غريب .
كان الأمر يشبه مواجهة الفجر وهو يزحف من وراء الأفق، ذلك الشعور الثقيل والمرهق الذي يرافق استقبال يوم جديد . على عكسي، كان ريموند شخصاً يوثق الأيام، كان يسجل مرور الوقت، وعبير الفصول، وحتى الروائح الجسدية للأفراد ليخلق منها عطوراً جديدة .
بصفته رئيسًا لعلامة العطور الشهيرة "ميلر"، كان ريموند المصمم الأكثر لفتًا للأنظار في مدينة تيفيرن.
بينما كنتُ غارقة في التفكير به، ناداني ريموند بصوته: " آنسة فيفي."
عندما استجمعتُ شجاعتي ونظرتُ في عينيه، ارتسمت على وجهه تعابير الرضا أخيراً، لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ انحنى ببطء ليجعل مستوى عينيه موازياً لعيني، ثم أخذ ينقر بإصبعه على زاوية فمه: " أظهري القليل من علامات الفرح برؤيتي، مَن يراكِ سيظن أنني سألتهمكِ."
كانت دعابة تحمل في طياتها معاني مبطنة. وعندما لم يطرأ أي تغيير على ملامح وجهي رغم مزاحه، اكتفى ريموند بضحكة فاترة وكأنه توقع رد فعلي هذا .
ومع ذلك، سرعان ما ضغط بلسانه على باطن خده من الداخل، في إشارة توحي بأن مظهري الحالي لا يعجبه تمامًا .
انتفخ خد ريموند ثم عاد لوضعه الطبيعي مراراً وتكراراً (كان يداعب باطن خده بلسانه).
تحاشيتُ النظر إليه مباشرة وحولتُ مجرى الحديث قائلة: " على أي حال … سمعتُ من الآنسة صوفيا أنكم خضتم مراهنة مع ألبرتو في الطابق الثالث."
" هل هذا هو كل ما تريدين سؤالي عنه ؟ "
" نعم."
" أما أنا، فكنتُ أفضل أن نتبادل التحايا والاطمئنان على أحوالنا أولاً."
أمال ريموند رأسه بجفاء، فضيقتُ عينيّ وأجبتُه متهكمة: " حسناً، افعل ذلك الآن إذن، اطمئن على أحوالي."
" هل كنتِ بخير ؟ "
سأل ريموند على الفور وكأنه كان ينتظر هذه الفرصة .
" كنتُ بخير."
" لا يبدو ذلك، فقد فقدتِ بعض الوزن."
" شكراً لملاحظتك، لقد كنتُ أمارس الرياضة."
" لكن جسدكِ أصبح هزيلاً جداً."
" سمعتُ أن الجسد الهزيل هو الموضة الدارجة الآن."
رد ريموند بذهول وكأنه لا يصدق ما يسمعه: " ومَن الأحمق الذي قال لكِ هكذا يا آنسة فيفي ؟ "
" مجلات الموضة التي تصدرها شركتك."
عند ردي هذا، اتسعت عينا ريموند كمن لم يتوقع الإجابة، لكن سرعان ما أفلتت منه ضحكة خفيفة وسأل: " إذن يبدو أنكِ كنتِ تقرأين مجلات الشركة على الأقل ؟ "
" نعم، قرأتها."
قال بصوت تملؤه نبرة ضاحكة: " آه، هذا يشعرني ببعض الظلم، أنا لم أكن أعرف عنكِ شيئاً، بينما كنتِ أنتِ تتابعين أخباري من خلف ظهري وبكل غموض … "
قطبتُ حاجبيّ قليلاً عند سماع كلماته. لقد قلتُ إنني قرأتُ المجلة، ولم أقل إنني كنتُ أتتبع أخباره.
وبينما كنتُ عاجزة عن الرد، بدا أن مزاجه قد تحسن، إذ ارتخى طرف فمه بابتسامة طفيفة وقال بنبرة هادئة: " ما أريد سؤاله لـ 'فيفي الهزيلة' هو أمر واحد."
" …… "
" لماذا غادرتِ مدينة تيفيرن ؟ "
" …… "
" على ما يبدو، حتى ذلك الرجل الذي يدعي أنه صديقكِ لم يكن يعرف شيئًا عن مكان وجودكِ."
… ذلك الرجل ؟ هل يقصد سيزار كوتون ؟
سألتُ ريموند بفضول ممزوج بالشك: " لا تقل لي أنك ذهبت للبحث عن سيزار أيضاً ؟ "
" بالطبع ذهبت، كنتُ أتساءل ما إذا كنتِ قد هربتِ بسببي لأنني كنتُ ألحُّ عليكِ كثيراً."
تصلبت ملامحي قليلاً، فسألني ريموند بنبرة تحثني على الاسترخاء: " إذن، لماذا هربتِ ؟ "
" أعتقد أن وصف الأمر بـ 'الهروب' فيه مبالغة كبيرة."
" نحن نسمي الرحيل دون كلمة وداع 'هروباً' في العادة."
أضاف كلماته بنبرة حازمة للغاية: " لقد هربتِ يا آنسة فيفي."
" …… "
ظل ريموند يضحك بخفة وأنا عاجزة عن الرد.
" هل هربتِ بسببي ؟ "
" …… "
" لو أجبتِ بنعم، لكان غضبي قد هدأ قليلاً على الأقل."
اتجهت عينا ريموند الحمراوان نحوي. لم تكن نظرة تحمل مشاعر محددة، لكنها كانت تفيض بالإصرار على نيل إجابة .
" فقط هكذا."
" … فقط هكذا ؟ "
" لأنني سئمتُ من تيفيرن."
عند سماع ردي، قطب ريموند حاجبيه قليلاً. أبعدتُ نظري عنه و وجهته نحو المكان الآخر. كانت لافتات الأسماء قد ظهرت بالفعل على الأبواب خلفه .
الغرفة المجاورة لغرفة لوكاس أصبحت لريموند وهانا، بينما استقرت غرفة صوفيا بجانب غرفة ماكس. وبهذا، امتلأت الغرف الأربع التي كانت فارغة بأسماء أصحابها الجدد .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
" … وأين آرييل ؟ "
اقتربتُ من لوكاس الذي كان يغطي هانا ببطانية، فنظر إليّ بوجه تملؤه الحيرة وسألني بدوره: " آرييل ؟ "
" … ألم ترَها ؟ "
ظل لوكاس محتفظاً بتعابير التساؤل تلك، ولم أكن بحاجة لسماع إجابة لأفهم أنه لم يرَها بالفعل .
أجاب لوكاس بنبرة مترددة: " في الواقع … لا أظن أنني رأيتُ آرييل اليوم."
ارتسم أمام عيني صورة آرييل وهي تهرب من الطابق الثاني بعد رؤية السوار وكأنها تهرب من شيء مرعب. التفتُّ نحو الرواق الغربي دون وعي مني. وبينما كان القلق على آرييل يساورني، نقلتُ بصري نحو لوكاس، فقد كان ينظر إلى هانا بنظرة غريبة أثارت دهشتي .
سألتُ لوكاس بحذر: " … هل تعرفها ؟ "
جفل لوكاس عند سؤالي، ثم نقل نظره نحوي. كانت نظرته التي التقت بنظراتي في الهواء تحمل شعوراً غريباً وغير مألوف، ولم أستطع بسهولة قراءة المعنى الكامن خلف عينيه .
بعد لحظة، أومأ لوكاس برأسه وأجاب: " لقد كانت زبونة دائمة تأتي إلى المتجر كثيراً."
… صحيح، تذكرتُ أن لوكاس قال إنه كان يعمل كصراف في متجر .
أضاف لوكاس بهدوء وهو يرسم ابتسامة محرجة: " إنها شخصية مذهلة، حسبما سمعت، قيل إنها جندية."
اتجهت نظرة لوكاس نحو هانا لبرهة. وبفضل كلماته، استطعتُ فهم طبيعة جسدها العضلي، فهو جسد لا يمكن بناؤه أبداً دون تدريبات شاقة وصارمة .
جندية … بينما كنتُ أردد كلماته في ذهني، أدركتُ فجأة حقيقة واحدة، أين رأيتُ اسم "هانا" من قبل .
{ وفقاً لإفادة الملازمة هانا ووكر، من "غلاستر"، والتي كانت آخر من التقى بديريك جينكينز، }
لقد كان اسمها مكتوباً بوضوح في قصاصة الصحيفة التي عثرتُ عليها في الطابق الثاني. من بين جميع الأشخاص الذين ظهروا في القصر حتى الآن، كانت هي الوحيدة التي تملك صلة مباشرة بـ "ديريك". وليس ذلك فحسب، بل كانت آخر شخص رآه.
بدا وجه هانا، التي كانت تتصبب عرقاً بارداً، نبيلاً و وقوراً. ورغم أن آثار السنين تركت بصمتها بوضوح على وجهها، إلا أن كل ذلك بدا بلا أهمية أمام هيبتها .
في تلك اللحظة، ألقى لوكاس نظرة خاطفة نحو غرفة الطعام ثم خفض صوته: " بالمناسبة، بخصوص الآنسة صوفيا."
همس لوكاس في أذني بصوت خافت: " ألا يبدو وجهها مألوفاً ؟ "
" مألوف ؟ "
" نعم، أشعر وكأنني رأيتُ هذا الوجه في مكان ما كثيراً."
****************************