الفصل ٥٠ و ٥١ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم العاشر - 26/10 (3)

" كيڤن، أليس من الأفضل أن تركز على طعامك أثناء الأكل ؟"

تسلل صوت آرييل إلى مسامعي قبل أن أدخل المطبخ.

يبدو أن كيڤن قد جاء هو الآخر لتناول الإفطار. بمجرد دخولي، رأيتُ كيڤن غارقاً في تركيز شديد، كان يحدق بتمعن في رسومات داخل دفتر رسم.

للوهلة الأولى، بدا وكأن أحدهم قد صنع لكيڤن "قصة مصورة" خاصة به. ورغم أنه لم يكن كتاباً حقيقياً بل مجرد دفتر رسم مما جعله يبدو بسيطًا بعض الشيء، إلا أن كيڤن بدا مأخوذاً بما يراه، ولم تفارق عيناه اللامعتان تلك الرسومات للحظة واحدة.

سكبتُ الماء في كوبي وأنا أسرق النظر إليه، لكن كيڤن، الذي استسلم تماماً لسحر الكتاب، لم يلحظ مراقبتي له.

في تلك اللحظة، وضع لوكاس طبقاً بجانبي وهمس في أذني: " قال إن الكاهن هو من رسمها له."

" … حقاً ؟ "

حتى من نظرة عابرة، كان من الواضح أن الرسومات في الدفتر تعود لشخص يمتلك مهارة فنية رفيعة. كانت هذه هي المرة الأولى التي أعرف فيها أن بإمكان المرء رسم لوحات بهذا الإتقان باستخدام ألوان الشمع الخشنة .

حاولتُ جاهدةً صرف نظري عن الرسم وناديتُ آرييل: " آرييل، اجلسي أنتِ أيضاً."

" ابدئي بالأكل أولاً."

ردت آرييل وهي غارقة في طهي حصص اللحم المخصصة للبقية .

أخذ لوكاس يحشو فمه باللحم بعشوائية، قائلاً إنه سينهي طعامه بسرعة ليساعد آرييل. كان منظره و وجنتاه منتفختان بالطعام مضحكاً للغاية.

لم أتمكن من كبت ضحكة خفيفة، ثم سحبتُ طبق كيڤن الغارق في عالم القصص المصورة، وبدأتُ أقطّع له اللحم. وحتى حين انتهيتُ من تقطيع اللحم بالسكين، كان كيڤن لا يزال يثبت نظره على دفتر الرسم .

" كيڤن ؟ "

عندما ناديته بصوت خافت، رفع رأسه فجأة. بدت عيناه اللتان تحدقان بي ممتلئتين بالدهشة، وكأنه كان غارقاً في تركيز شديد لدرجة أنه لم يلحظ وجودي حتى تلك اللحظة .

وضعت ابتسامة باهتة على وجهي واقترحتُ عليه: " ما رأيك أن ننهي طعامنا أولاً ثم نكمل القراءة ؟ "

أومأ كيڤن برأسه بحذر. وبدا أن تلك القصة التي رسمها إيان ثمينة جداً بالنسبة له، إذ سارع بإغلاق الدفتر خشية أن يتسخ ببقايا الطعام.

رؤية كيڤن بهذا الحال جعل قلبي يؤلمني قليلاً. لقد أدركتُ مجدداً حقيقة مُرة، وهي أنه لا توجد أي ألعاب يمكن لكيڤن أن يلعب بها داخل هذا القصر .

ويبدو أن لوكاس كان يفكر في الشيء ذاته، إذ سأل كيڤن بحذر: " إذا أردت، هل يمكنني أنا أيضاً أن أرسم لك قصة مصورة ؟ "

اتسعت عينا كيڤن بذهول: " حقاً ؟ "

" بالطبع، رغم أن مهاراتي لا تقارن بمهارة الكاهن، وهي متواضعة للغاية … "

تلاشت كلمات لوكاس في نهايتها وكأنه يفتقر للثقة في موهبته بالرسم. ومع ذلك، ارتسمت على وجه كيڤن ابتسامة عريضة من شدة الفرح . وعلى الفور، أمسك بشوكته وبدأ يتناول اللحم بنهم.

ظللتُ أراقب كيڤن لبرهة، ثم سألتُه بلطف: " … هل يمكنني إلقاء نظرة على القصة المصورة ؟ "

أومأ كيڤن برأسه بالموافقة كما لو كان أمراً بسيطًا، ثم سلمني دفتر الرسم .

تلك الرسومات التي بدت رائعة من بعيد، كانت مذهلة أكثر عند رؤيتها عن قرب. رغم أنني لا أرغب في الاعتراف بذلك حقاً.

" كتلة الفراء الخضراء هذه هي 'بيبي' ! "  صرخ كيڤن بفخر .

وجه لوكاس نظرة حازمة لكيڤن وقال بنبرة قاطعة: " كيڤن، لا تتحدث والطعام في فمك."

سارع كيڤن بابتلاع طعامه فور سماع التنبيه. كان وجهه يشع برغبة عارمة في إنهاء وجبته بسرعة ليشرح لي تفاصيل القصة المصورة.

كان محتوى القصة بسيطاً نسبياً، "بيبي"، ذلك الكائن الذي صُوّر ككتلة فراء خضراء، كان منبوذاً وتلاحقه أصابع الاتهام لمجرد أنه يختلف عن البشر في مظهره. ولأن "بيبي" لم يحظَ بحب أي شخص، قرر في النهاية القيام بمغامرة بحثاً عن وسيلة تجعله بشراً .

خلال رحلته، واجه وحوشاً ذات أشكال شنيعة عرضته للخطر، وفُتن بجمال بشرية، لكنه واصل مغامرته بثبات وصمود. وفي نهاية كل تلك المشقات، التقى "بيبي" بالحاكم .

لكن "بيبي" لم يطلب من الحاكم أن يحوله إلى بشري، بل اكتفى بالبوح بما أدركه خلال رحلته، ثم عاد إلى دياره.

لقد تعلم "بيبي" خلال مغامرته أن حب الذات أهم بكثير من السعي لنيل حب الآخرين .

أغلقتُ دفتر الرسم بحذر بعد انتهائي من القراءة، فرمقني كيڤن بنظرة متسائلة وسألني بهدوء : " ولكن … هل ترين 'بيبي' قبيحاً أنتِ أيضاً يا نونا ؟ "

" همم ؟ "

ابتلع كيڤن ما تبقى من اللحم في فمه وتابع كلامه: " لقد قيل في القصة إن لا أحد يحب 'بيبي' … لكنني لو كنتُ بجانبه، لأحببته بالتأكيد."

وضع كيڤن ابتسامة عريضة على وجهه وأضاف: " بيبي لطيف، أليس كذلك ؟ "

وكما قال كيڤن، كان "بيبي" في الرسومات يبدو لطيفاً بالفعل. أطلقتُ ضحكة خفيفة وأومأتُ برأسي تأكيداً: " معك حق، إنه لطيف."

" أرأيتِ ؟ "

حاول كيڤن فتح فمه للحديث مجدداً وهو يضع قطعة لحم أخرى، لكن لوكاس الذي كان يراقبه ناداه بنبرة حازمة: " كيڤن."

اكتفى كيڤن برفع زوايا فمه بابتسامة خبيثة وكأن شيئاً لم يكن. بمجرد انتهائنا من الطعام، صعدتُ إلى الطابق الثاني للبحث عن " مقلة العين" المفقودة .

… آمل أن أجدها اليوم .

رغم أن احتمالية وجود مقلة العين في الطابق الأول لم تكن ضئيلة، إلا أنني شعرتُ بالحرج من البحث عنها هناك وسط نظرات الجميع .

حسناً، لن يكون الوقت قد فات إذا تحققتُ من الطابق الثاني أولاً ثم انتقلتُ للطابق الأول .

— بوم، بوم .

في تلك اللحظة، سمعت صوت غريب قادم من الأعلى. جفلتُ لبرهة، ثم نقلتُ نظري بسرعة نحو مصدر الصوت .

لكن الطابق الثاني ظل ساكناً وكأنني توهمتُ ما سمعت. ومع ذلك، كنتُ أعرف الإجابة مسبقاً، مستحيل أن أكون قد أخطأت السمع .

مسحتُ على ذراعي التي غطاها القشعريرة وتابعتُ خُطاي .

حسناً، لابد أنها مجرد مزحة سخيفة أخرى من تلك "المقلة"، هكذا حاولتُ أن أقنع نفسي .

أسرعتُ الخطى نحو غرفة الطعام، لكن بمجرد وصولي، ضيقتُ عيناي بريبة حين وقع نظري على شيء غريب .

" …… "

كانت هناك مرآة طويلة لم أرها من قبل معلقة على الحائط.

في الواقع، كان من المحرج حتى تسميتها مرآة، فقد كانت مغطاة بطبقة كثيفة من الغبار لدرجة أنها لا تعكس شيئاً، كما أن إطارها المزخرف كان مكسواً بالصدأ. بدا وكأن رائحة المعدن ستفوح منها بمجرد الاقتراب .

ألقيتُ نظرة على الأرجاء وتنهدتُ بخفة … لم يبدُ أن "العين" موجودة هنا.

إذن، سأمر على غرفة الاقتصاد المنزلي ثم … لكن في تلك اللحظة، تناهى إلى مسامعي صوت غريب من الخلف .

" - مهلاً أنتِ ! "

لم يكن صوتاً بشرياً على الإطلاق. كنتُ أعلم يقيناً أنني لم أخطئ السمع هذه المرة أيضاً، لكنني قررتُ التظاهر بذلك .

" - يا إلهي، ألا تسمعينني ؟ "

… بالطبع، لم يكن من السهل تجاهل كلمات كهذه. وعلى الفور، انغلق الباب الذي كان مفتوحاً على مصراعيه بصوت إغلاق مدوي.

جفلتُ بوضوح إثر ذلك الضجيج الذي اخترق مسامعي .

" - لن أؤذيكِ، فأنا لا أعرف كيف أفعل ذلك."

كانت الكلمات تبدو مريبة أكثر مما هي مطمئنة. استدرتُ ببطء و وجهي متصلب. بدا أن الصوت قادم من جهة المرآة، لكن لم يكن هناك شيء مرئي بوضوح. بينما كنتُ أحدق في المرآة المغبرة بتركيز، ظهر شيء ما فجأة داخل سطحها الضبابي. وما إن انتبهتُ إليه، حتى برز سطح المرآة للخارج بشكل محدب. كان يتخذ بوضوح شكل وجه بشري .

" …… "

بينما كنتُ أحرك شفتي بعجز، غير قادرة على نطق كلمة واحدة، سألني الكيان داخل المرآة : " - هل أنا مخيف ؟ "

" …… "

" - مهلاً أنتِ، أجيبي وإلا التهمتُكِ ! "

" … مـ … مخيف قليلاً."

أجبتُ بسرعة من شدة الذعر، فبدأ يقهقه وكأن رد فعلي قد أمتعه.

" - لا داعي للخوف، اعتبريني صديقاً وحسب."

أن أعتبر كائناً بهذا المظهر "صديقاً" … كان كلامه مليئاً بالتناقضات، لكنني قررتُ ألا أعلق على ذلك. بعد ذلك، قام بطي زوايا عينيه بلطف وكأنه يطلب مني الوثوق به.

" - اسمي "فيل"، وبناءً على أوامر السيد، أتولى مسؤولية إدارة قصر إرنست "

" … الإدارة ؟ "

" - أجل، همم، يمكن القول إن أهم مهمة أقوم بها هي الحفاظ على نظافة القصر."

لا يبدو أن القصر يحظى بأي نوع من العناية .

تذكرتُ ما حدث في الصباح وأجبتُ بنبرة مترددة: " … لكن صرصوراً بحجم الجرذ ظهر في غرفة المعيشة هذا الصباح."

" - ماذا ؟! لا يعقل، هل تجرأ أولئك الأوغاد على الظهور بينما كنتُ غافلاً … ! "

كان صوته هادراً يشبه دوي الرعد، مما جعلني أجفل لا إرادياً.

****************************

الفصل : ٥١

اليوم العاشر - 26/10 (4)

ظل "فيل" يزفر بحنق بينه وبين نفسه، ثم بدأ يختلس النظر إليّ بترقب. شعرتُ أنه يجب عليّ قول شيء ما لكسر حدة الموقف، فقررتُ تغيير الموضوع .

" … بخلاف إدارة النظافة، ما هي الأعمال الأخرى التي تقوم بها ؟ "

" - عزل الضجيج بين الطوابق ؟ "

قطبتُ ما بين حاجبيّ عند سماع رد "فيل".

" - لم يحن الوقت بعد ليصبح التواصل بين جميع الطوابق مفتوحاً بالكامل، ألن تكون كارثة كبرى لو التقى الجميع قبل الأوان، أو لو تسربت الأصوات من طابق إلى آخر ؟ "

إذن … هل يعني هذا أن السبب في عدم سماعنا لأي أصوات من الطوابق الأخرى حتى الآن كان من فعل "فيل" ؟

" … وماذا أيضاً ؟ "

" - ماذا تقصدين بـ "ماذا أيضاً ؟ "

" ما هي المهام الأخرى التي تقوم بها ؟ "

" - وهل يُفترض بي أن أفعل أكثر من ذلك ؟ "

رد "فيل" بسؤال مضاد وكأنه يستنكر طلبي. على الرغم من كونه "المسؤول عن الإدارة"، إلا أنه لم يبدُ لي أن مهامه ذات شأن كبير .

أجبتُ بنبرة مترددة تشوبها خيبة الأمل: " ممم … ربما شيء أكثر متعة ؟ "

" هاه، شيء ممتع … ؟ "

غرق "فيل" في التفكير لبرهة، لكن سرعان ما قطع حبل أفكاره صوت صرير انبعث من الخلف .

التفتُّ لأجد باب غرفة الطعام يفتح ويغلق مراراً وتكراراً بشكل عشوائي ومزعج .

" …… "

ما هذا الهراء … ؟

بينما كنتُ أحدق في الباب بنظرات فاترة تعبر عن عدم الاكتراث، عدتُ بنظري نحو "فيل" الذي صرخ بصوت يملؤه الحماس: " - ما رأيكِ ؟! أليس هذا ممتعاً ! "

هتف "فيل" بنبرة مفعمة بالإثارة. حاولتُ جاهدةً إخفاء تعابير وجهي المرتبكة، واكتفيتُ بالإيماء برأسي بالموافقة.

ما إن خفت صوت صرير الأبواب في الخلفية حتى تمكنتُ من طرح سؤالي عليه: " إذن، هل يمكنك فتح وإغلاق أبواب الغرف الأخرى أيضاً ؟ "

" - ليس هذا من صلاحياتي، فأنا كيان محبوس داخل غرفة الطعام هذه."

تلاشت نبرة "فيل" في نهاية جملته.

هل يعني هذا … أن هناك "مديرين" آخرين مثل فيل في أرجاء القصر ؟

قلبتُ عينيّ بفضول، ثم ألقيتُ نظرة خاطفة على الخزانة وسألت: " بما أنك تدير غرفة الطعام، فلابد أنك تتذكر كل من دخل إلى هنا وخرج منها، أليس كذلك ؟ "

" - أتذكر فقط من دخلوا اليوم."

" …… "

عندما ارتسمت على وجهي ملامح الارتياب، بدا أن "فيل" قد استشاط غضباً فرفع نبرة صوته: " - لقد كنتُ مقلوباً لفترة طويلة، لذا لم أرى من دخل ومن خرج ! "

بدأ "فيل" يتذبذب داخل المرآة وكأنه شعر بالإهانة من صمتي وتجاهلي، ثم أردف : " - لولا تلك الفتاة التي أتت في وقت مبكر من صباح اليوم، لربما كنتُ قد متُّ من الملل، أوه، لحظة … لستُ متأكداً، فربما أنا ميت بالفعل."

" …… "

" - على أي حال، تعالي لزيارتي باستمرار، سأخبرك بالكثير من القصص الممتعة، وسأغدق عليكِ بالدلال، من يعلم ؟ ربما تحدث لكِ أشياء جيدة إذا استمعتِ لكلامي جيداً."

" حسناً."

رغم أنني أجبته، إلا أن "فيل" لم يبدُ مكترثاً بردي.

كان ذهنه مشتتاً بشيء آخر، وفجأة حدق نحو الأرض وصرخ بذهول ومبالغة: " - يا إلهي ! انظروا من أتى ! يا له من كائن صغير لطيف ! "

ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة. التفتُّ لا إرادياً نحو المكان الذي وقعت عليه نظراته، وإذا بي أرى على الأرض " مقلة العين" التي كنتُ أبحث عنها بجنون.

" أنت … ! "

بدت هي الأخرى سعيدة بلقائي مجدداً، إذ بدأت تقفز في مكانها بحماس وفرح.

كنتُ على وشك مد يدي نحو "العين"، لكنني تراجعتُ فجأة.

مهلاً … لماذا ازداد وزنها هكذا ؟

لقد تضخم حجمها الذي كان يماثل كرة تنس الطاولة ليصبح بحجم قبضة يدي الآن. علاوة على ذلك، لا أعلم ما الذي حلَّ بها، لكن جسدها كان مغطى بالأتربة وبقايا أعشاب جافة ملتصقة بها.

مددتُ يدي وأخذتُ أنفض الغبار عنها.

هتف "فيل" وهو يهز جسده (داخل المرآة) بحماس : " - يبدو أن صغيرنا اللطيف قد اكتسب بعض الوزن، لابد أنه أكل شيئاً لذيذاً "

" ماذا ؟ "

" - لِمَ أنتِ مندهشة هكذا ؟ أليس من حقه أن يأكل ليعيش ؟ "

كلامه ليس خاطئاً تماماً، ولكن … ما الذي … ما الذي قد يأكله كائن كهذا ؟

بينما كنتُ متجمدة في مكاني، قفزت "العين" واستقرت فوق كفي. جفلتُ قليلاً من ثقل وزنها المفاجئ، ثم استعدتُ وقفتي واعتدلتُ في مكاني .

" …… "

وبينما كنتُ أحملق في مقلتها اللامعة، شعرتُ بجفاف في حلقي. على أي حال، رغم أنني وجدتها، إلا أنني لا أعلم من أين أبدأ سؤالي.

فهي في الأصل لا تستطيع الكلام … رمقني "فيل" بنظرة فاحصة، ثم أطلق ضحكة خبيثة وسألني: " - آه، بذكر ذلك … ألا تستطيعون التواصل معاً ؟ "

" …… "

" - يا للأسف، إنه أمر يدعو للشفقة، أما أنا فأستطيع التحدث مع صغيرنا اللطيف بكل سلاسة."

بدأ "فيل" يقهقه بسخرية، وعندما رمقتُه بنظرة حادة، سألني: " - هل أساعدكِ قليلاً ؟ "

" … كيف ؟ "

وما إن أبديتُ تساؤلي، حتى برز وجه "فيل" من سطح المرآة واندفع للخارج !

" …… ! "

تراجعتُ للخلف بذعر لا إرادي. لم ينفصل وجهه تماماً عن المرآة، إذ ظل متصلاً بالسطح، لكن المنظر كان يزداد بشاعة وقرفاً مع كل إنش يبرز فيه … !

غزت القشعريرة جسدي بالكامل، لكنني لم أستطع إظهار ذعري أمام شخص عرض مساعدتي. وعندما أمعنتُ النظر في وجهه الذي صار قريباً مني الآن، لاحظتُ أن إحدى عينيه كانت فارغة. رغم أنه لم يقل شيئاً بعد، إلا أن ما وجب عليّ فعله كان واضحاً تماماً .

أمسكتُ بـ "العين" المستقرة فوق يدي وغرستُها في محجر عين "فيل" الفارغ .

لدهشتي، كان ملمس وجهه ناعماً كالصلصال، رغم أنني ظننتُ أن المرآة ستكون صلبة كالحجر .

رمش "فيل" بعينه الجديدة عدة مرات، ثم غاص عائداً داخل المرآة. وفجأة، بدأت تظهر صور مشوشة فوق سطحها الضبابي .

اقتربتُ منها لأرى بوضوح أكبر.

" …… "

رغم ضبابية المشهد، إلا أنني ميزتُ قوام ماكس و كيڤن. مسحتُ الغبار عن سطح المرآة بسرعة بـكم قميصي، فصارت صورتهما أكثر وضوحًا .

بالطبع، أنا ممتنة لأنه يشاركني ما تراه "العين" بهذه الحيوية، ولكن …

" لا أستطيع سماع أي صوت."

" - ماذا ؟ هل تطمعين في سماع الصوت أيضاً ؟ يا لكِ من عديمة ضمير … "

تمتم "فيل" بتذمر، لكنه سرعان ما انفجر ضاحكاً بصوت عالٍ: " - حسناً، لو كان لديكِ ضمير لما كنتِ بشراً من الأساس ! "

ما كنتُ أريده حقاً هو محتوى حوارهما، فقد كنتُ أعلم مسبقاً أن هناك أمراً ما يخططان لمناقشته معاً .

حاولتُ قراءة حركة شفاههما، لكن الأمر كان مستحيلاً .

ضيق "فيل" عينيه، ثم تابع حديثه بهدوء: " - ممم، لستُ متأكداً من التفاصيل، لكن يبدو أنهما يتحدثان عن "آري" "

" آري ؟ "

قلبتُ عينيّ بفضول، ثم سألتُه بحذر: " … هل تقصد آرييل ؟ "

" - يبدو أن هذا هو الاسم الصحيح."

كان اسماً غير متوقع.

" هل تسمع أي شيء آخر ؟ "

رمقني "فيل" بنظرة تأمرني بالصمت، فأغلقتُ فمي على الفور لأتيح له التركيز .

ولم يمضِ وقت طويل حتى تمتم "فيل" بصوت منخفض للغاية: " - 'إنها فتاة أعرفها جيداً'."

استطعتُ بسهولة تخمين مَن يقلد "فيل" بنبرته تلك.

" هـ … هل هناك كلمات أخرى ؟ "

" - لا أسمع شيئاً، يبدو أن الصغير متوتر، فذكرياته تنقطع بين الحين والآخر."

… ماكس يعرف شيئاً عن آرييل ؟ ما الرابط الذي يجمعهما يا ترى ؟

" - آه، وهناك شيء مهم آخر."

" ما هو ؟ "

ركزتُ بكل حواسي على ما سيقوله "فيل".

" - إنه يريد منكِ أن تمنحيه اسماً."

" ذلك الرجل ؟ أم الصبي ؟ "

" - لا."

لم أفهم بتاتاً ما الذي يتحدث عنه. في تلك اللحظة، استدارت مقلة العين المنغرسة في محجر عين "فيل" دورة كاملة، مما جعلني أواجه بياضها فقط، وهو منظر أصابني بالذعر .

قال "فيل" بنبرة خفيفة وكأن منظر "العين" يروق له: " -صغيرنا اللطيف."

" …… "

فقدتُ القدرة على الكلام لبرهة.

حـ … حسناً، هذا منطقي. لا يمكنني الاستمرار في مناداته بـ "العين" إلى الأبد.

" - يبدو أنه حزين قليلاً لأنكِ لم تناديه باسمه."

لم يخطر ببالي أي شيء محدد. ولسوء الحظ، لم أكن أمتلك حساً إبداعياً في تسمية الأشياء. تنهدتُ بعمق غارقة في التفكير.

مقلة ؟ عين ؟

… في الحقيقة، كان شكله أقرب ما يكون لكلمة "مقلة عين".

بماذا يجدر بي تسمية هذا الكائن ؟

استدارت "العين" ونظرت إليّ بنظرة براقة ممتلئة بالتوق، وكأنها تنتظر اسمها بفارغ الصبر .

لم أستطع تحمل نظراته الضاغطة، فخرجت الكلمات من فمي دون وعي: " نـ … نون … كال … آ ؟ "

توضيح : ( تعني بالعامية الكورية: يا صاحب العين/المقلة، وقد تُفهم أيضًا كأمر بخفض البصر).

" … أخفض بصري ؟ "

لكن في تلك اللحظة، تناهى إلى مسامعي صوت لوجان من الخلف. جفلتُ والتفتُّ بسرعة، لأجد لوجان ينظر إليّ بتعبير مذهول ومرتبك .

… ألم يكن الباب مغلقًا ؟

حوّلتُ نظري بسرعة نحو "فيل" من شدة ارتباكي، لكنه كان قد اختفى هو و"العين" في لمح البصر .

أعدتُ وجهي المتصلب نحو لوجان، الذي ظل يراقبني بتلك الملامح المتجمدة . بدا عليه الحرج للحظة، قبل أن يحاول إرخاء ملامحه المتشنجة .

كان وجه لوجان يوحي بأن لديه الكثير ليقوله، لكنه عجز عن إخراج الكلمات المناسبة.

وبعد برهة، نطق أخيراً بجملة واحدة بصعوبة: " أنتِ … هل ترين الأشباح ؟ "

" آه، لا، مستحيل، ليس الأمر كذلك."

حاولتُ الإجابة بهدوء قدر الإمكان، فأومأ لوجان برأسه ببطء، ثم وضع ابتسامة شاحبة وكأن شيئاً لم يكن.

" … حسناً."

" …… "

" أخبريني … إذا رأيتِ أي معلومات مفيدة."

من الواضح أنه لا يصدق كلمة واحدة مما أقول !

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان