الفصل ٤٨ و ٤٩ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم التاسع - 25/10 (7)، و اليوم العاشر - 26/10 (1)

" حان وقت النوم."

" بالمناسبة، هل سمعتِ عن حلم كيڤن ؟ "

" حلمه ؟ "

" أجل، يقول إنه يريد أن يصبح رساماً."

عند سماع كلمات آرييل، أطلق لوجان ضحكة ساخرة قصيرة .

" بذكر هذا، يبدو أن الأخ أيضاً يحب الرسم كثيراً."

" أنا ؟ متى حدث هذا ؟ "

" تعلم، ذلك اليوم الذي كنت ترسم فيه مع كيڤن، في ذلك اليوم، بدوتَ مستمتعاً للغاية."

زمجر لوجان بلسانه رداً على كلمات لوكاس وقال: " ألم تكن واهماً فيما رأيت ؟ "

" أنا جاد حقاً."

تمتم لوجان بنبرة متبلدة: " أنا أكره الرسم تماماً."

بدا أن لوكاس لم يتوقع رد لوجان هذا، فسأل بصوت مذهول: " أوه … ولماذا ؟ "

" لقد تعرضتُ لتوبيخ شديد ذات مرة بسبب الرسم، ومنذ ذلك الحين، لم ألمس ريشة قط."

قال لوجان ذلك وهو يزمجر بلسانه مستنكراً، ثم استدار ليدير ظهره بنبرة فاترة: " كفى، فلننم وحسب."

ولم يمر وقت طويل حتى حلَّ سكون تام.

مر وقت طويل على ذلك النحو، وبدأت أصوات الأنفاس الهادئة والمنتظمة تتعالى من كل جانب. يبدو أن الجميع كان مرهقاً رغم أن أحداً لم يفصح عن ذلك، لكنني، ولسبب ما، لم أستطع النوم .

تلك اليقظة التي كانت تغيم عليها غشاوة النعاس قبل قليل، أصبحت الآن صافية و يقظة بشكل مريب .

كلمات آرييل عن "تبادل التحايا في الخارج" ظلت عالقة في حنجرتي كغصة لا تزول .

عضضتُ على باطن وجنتي الرقيق. طعم الدم المعدني بدأ يتجول في فمي مثل حبات رمل خشنة. استمر الوقت في المسير، لكن النوم ظل مستعصياً عليّ.

في النهاية، اعتدلتُ في جلستي. نقلتُ خطواتي بحذر شديد حتى لا أوقظ النائمين في غرفة المعيشة .

كنتُ أنوي الذهاب إلى المطبخ لشرب بعض الماء الدافئ لعلّي أهدأ.

أغلقتُ باب المطبخ خلفي حتى لا يتسرب الضوء للخارج، ثم أخرجتُ الغلاية وبدأتُ في ملئها بالماء. كان تيار الماء المتدفق تحت ضوء المصباح صافياً بشكل لافت.

ظللتُ أحدق في ذلك المشهد بشرود، قبل أن أجفل وألتفت بسرعة عند سماع صوت الباب يفتح خلفي .

التفتُّ فجأة. وكان الشخص الذي دخل المطبخ هو … إيان.

حاولتُ جاهدةً إخفاء ارتباكي وأنا أوجه له الحديث: " … لم تنم بعد، أليس كذلك ؟ "

كان شعر إيان مرتباً للغاية، لم يبدُ عليه مظهر شخص خرج لتوه من سريره بعد الاستلقاء.

بدا أن إيان أيضاً لم يتوقع وجودي في المطبخ، إذ كان الارتباك واضحاً على محياه .

" نعم، وماذا عن الآنسة لوبيز ؟ "

" أنا أيضًا، لسبب غريب، لم يزرني النوم."

أشعلتُ الموقد، وبعد لحظات، ملأ صوت النار أرجاء المطبخ .

" …… "

وبسبب شعوري بالحرج، بدأتُ أفرك ذراعي دون هدف.

سألني إيان بحذر: " هل تنوين شرب الشاي ؟ "

" لا، مجرد ماء دافئ."

استمع إيان لكلماتي بصمت، ثم فتح الخزانة وأخرج كأسًا .

" يقولون إن شاي البابونج جيد للمساعدة على النوم، سأعدُّ لكِ كوباً، لذا تفضلي بالجلوس."

" لا بأس، لا داعي … "

كنتُ أتحرك قلقة في سري خشية أن ينخفض مستوى ثقته بي إذا رفضتُ، لكن إيان، الذي لم يكن ليعلم ما يدور في ذهني، قال بنبرة حازمة إلى حد ما: " اجلسي، من فضلكِ."

كان الجو يوحي بأنه لا ينبغي لي الرفض أكثر من ذلك. في النهاية، امتثلتُ لأمره وجلستُ في مكاني بصمت .

بدا إيان وهو يعدُّ الشاي خبيراً ومتمرساً. وحتى دون خوض حوار محدد معه، لم يكن الجو غريباً بفضل الأصوات التي ملأت المطبخ أثناء إعداده.

سرعان ما انتشرت رائحة الشاي العطرة نحو طرف أنفي. وما هي إلا لحظة حتى صبَّ إيان الشاي وقدم لي الكوب .

" … شكراً لك."

" لا داعي للشكر."

كنتُ أظن أن إيان سيأخذ كوب الشاي الخاص به ويعود إلى غرفته، لكنه وبشكل غير متوقع، سحب مقعداً وجلس في المواجهة مني.

بالنسبة لي، كان هذا موقفاً مربكاً للغاية، فقد كنتُ أتوقع مغادرته الفورية للمطبخ.

تولدت لدي رغبة عارمة في تجرع الشاي دفعة واحدة والهروب من المطبخ فوراً.

… بالطبع، لا شيء أغبى من شرب هذا الشاي الساخن دفعة واحدة، لذا، بدأتُ أنفخ في الشاي لأبرده قليلاً .

ظلَّ إيان يرمقني بنظراته الفاحصة لبرهة، ثم سألني بحذر: " هل طعم الشاي يروق لكِ ؟ "

" آه، بالطبع، رائحته زكية حقاً."

عند سماع كلماتي، ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي إيان. تجمدتُ في مكاني للحظة أمام تلك الابتسامة، قبل أن أشيح بنظري عنه بارتباك.

لم أكن أعلم أي الكلمات يجدر بي أن أنطق بها أمامه، فمجرد التفكير في أن كل كلمة تخرج من فمي مرتبطة مباشرة بمستوى ثقته بي، كان يملأ قلبي بالقلق .

في تلك اللحظة، سألني إيان: " … هل تشعرين بعدم الارتياح تجاهي ؟ "

للحظة، شككتُ فيما سمعت : " عفواً ؟ "

عندما رددتُ بسؤال مذهول دون وعي مني، بدا أن إيان ظنَّ أنه ارتكب خطأً، فارتسمت على وجهه ملامح الحرج .

" أعتذر، من فضلك تجاهلي ما قلته للتو."

" آه، لا، لا داعي للاعتذار على الإطلاق."

… من يكون هذا الرجل حقاً ؟

لقد كان شخصًا لا يُمكن التنبؤ بتصرفاته على الإطلاق. فذلك السؤال كان من المفترض أن أطرحه أنا عليه، لا العكس.

ارتشفْتُ رشفةً من الشاي لأرطب فمي الجاف.

كان ساخنًا جدًا، لكنني تجرعتُ الألم وحاولتُ الحفاظ على هدوئي وأنا أطرح سؤالي: " وماذا عنك سيد إيان … ألا تشعر أنت بعدم الارتياح تجاهي ؟ "

اتسعت عينا إيان ببطء عند سماع سؤالي، وامتلأت نظرته الهادئة بالحيرة والذهول .

" أنا ؟ "

أومأتُ برأسي وأنا أعضُّ على شفتي السفلية بخفة. بدا إيان متفاجئاً حقاً من كلماتي .

فتح شفتيه وتمتم بتردد: " … لم أكن أعلم أنكِ تكنّين مثل هذه الأفكار."

ارتبكتُ من رد فعله، فحاولتُ سحب كلماتي بشكل غير لائق: " يبدو أنني أنا من نطقتُ بكلمات لا داعي لها، فلنعتبر أن شيئاً لم يكن."

تحركت تفاحة آدم في حلقه وهو يبتلع ريقه بصعوبة، ثم نطق بجهد: " هل لي أن أسأل … لماذا فكرتِ بهذه الطريقة ؟ "

" مجرد حدس، إن صح التعبير."

تذبذبت عيناه الأرجوانيتان اللتان تحدقان بي. وبمواجهة وجهه هكذا، بدأت عيناي تتأرجحان بدورهما.

لكنني رسمتُ ابتسامة على وجهي وكأن شيئاً لم يحدث وقلت: " يبدو أنه كان مجرد سوء فهم من جانبي، أنا آسفة."

" لا بأس، بل أنا من يشكركِ على صراحتكِ."

" …… "

" لكن إن كان هناك شيءٌ واحدٌ أريد توضيحه … "

اكمل إيان كلماته بحذر: " لم أشعر قط بعدم الارتياح تجاه الآنسة لوبيز، كما أنني لا أكرهكِ أبداً."

لم تدم دهشتي من كلامه طويلاً، إذ تجمدتُ مكاني فور رؤية نافذة الثقة التي ظهرت أمام عيني .

[ انخفضت ثقة 'إيان وايت' بك بنسبة 5%.]

" … أهكذا الأمر إذن."

نطقتُ بكلماتي بنبرة هادئة، فأضاف إيان مؤكداً: " نعم، أقسم بالحاكم."

" لا أظن أن السيد إيان قد يكذب."

رسمتُ ابتسامة مصطنعة ورشفتُ من الشاي.

" … يبدو أن حدسي قد خانني هذه المرة."

تسلل الشاي الدافئ عبر حلقي، بينما ظل إيان يراقبني بتمعن قبل أن يتمتم بصوت منخفض: " أنتِ لا تصدقين كلامي."

… وكأنني قد أصدقك .

أردتُ دحض قوله، لكنني أجبتُ بنبرة هادئة: " بل أصدقك."

لكن إيان اكتفى بالعبث بمقبض كوبه دون أن ينبس ببنت شفة، بل إنه ذهب إلى حد تجنب النظر في عينيّ تمامًا .

فقلتُ له بصوت خافت: " ويبدو أنك أنت أيضاً لا تصدق كلامي، سيد إيان ؟ "

" بل أصدقكِ."

" … حسناً."

ساد صمت مؤقت.

خلال ذلك، كان الشاي قد برد نوعاً ما. كانت الفرصة سانحة أمامي لتجرع ما تبقى منه والعودة إلى غرفة المعيشة للنوم، لكنني لم أستطع فعل ذلك.

فبقدر ما برد كوبي، لابد أن كوب إيان قد برد أيضاً، ومع ذلك، لم يلمس كأسه بعد. لقد ظل جالساً في مكانه فحسب .

قبضتُ يدي الموضوعة فوق ركبتي وفتحتُ باب الحديث: " سأذهب الآن، شكرًا لك على الشاي."

نهضتُ من مكاني حاملةً الكوب. وبينما كنتُ أقوم بالتنظيف خلفي، كانت نظرات إيان ملتصقة بي بإصرار يثير الريبة. كان ثقل نظراته يضغط عليّ بالفعل، لكنني لم أستطع سؤاله عن السبب .

أحنيتُ رأسي لإيان استعداداً لمغادرة المطبخ: " إذن، أتمنى لك ليلة سعيدة."

" … وأتمنى للآنسة لوبيز ليلة سعيدة أيضاً."

كان صوته رتيباً خالياً من النبرات، لكن شيئاً ما بداخله بدا ثقيلاً للغاية .

اليوم العاشر - 26/10

منذ الصباح الباكر، كانت غرفة المعيشة تضج بالضجيج .

" لوكاس، افـ … افعل شيئاً ! "

" وماذا عساي أن أفعل … ! "

على وقع أصوات آرييل ولوكاس الصاخبة، فتحتُ عينيّ بصعوبة بالغة .

كان لوكاس وآرييل يرتجفان بهلع ويضربان الأرض بأقدامهما في اضطراب واضح. اعتدلتُ بجسدي وأنا أحاول استيعاب ما يجري.

لكن في تلك اللحظة، صرخت آرييل بذعر شديد: " فيفيان، ابقي مكانكِ ولا تتحركي ! "

****************************

الفصل : ٤٩

اليوم العاشر- 26/10 (2)

جفلتُ عند سماع كلمات آرييل وتوقفتُ عن الحركة تمامًا .

مدت يدها نحوي وكأنها تأمرني بالتوقف وهي تكرر: " لا … لا يمكنكِ التحرك."

" … ما الخطب ؟ "

سألتُها وأنا متصلبة تماماً في مكاني. فأومأت آرييل برأسها خفيةً لتشير إليّ بأن أنظر إلى الأرض.

وفي اللحظة التي تتبعتُ فيها نظراتها نحو الأرض، رأيتُ شيئاً أسود وضخماً ينسلُّ بسرعة البرق ليختبئ تحت الأريكة .

" آآآه … ! "

أطلق لوكاس صرخة مدوية وكأنه رأى أبشع شيء في الوجود. قطبتُ ما بين حاجبيّ وانحنيتُ لأستكشف ما تحت الأريكة .

" ما الأمر ؟ ما الذي جرى ؟ "

" صـ … صرصور ! "

كانت آرييل تضرب الأرض بقدميها وهي تتساءل بيأس عما يجب فعله، أما لوكاس فقد ذعر تماماً حين رأى خصلات شعري تتدلى نحو الأرض أثناء انحنائي: " آنسة فيفيان ! احذري … شـ … شعركِ ! سوف تلتصق بقايا ذلك الكائن بشعركِ ! "

" …… "

" أوه، ماذا سنفعل ! ماذا لو بدأ بالتكاثر تحت الأريكة الآن ؟ "

" آرييل، أتوسل إليكِ، توقفي عن قول أشياء مرعبة كهذه ! "

لو كنا في وسط سوق شعبي لما كان الضجيج بهذا السوء.

على الرغم من رعب لوكاس، إلا أنه اقترب مني والتقط خصلات شعري المنسدلة على الأرض بيديه، ثم ألقى بها خلف كتفي بسرعة .

تفحصتُ عتمة ما تحت الأريكة لبرهة، ثم اعتدلتُ بجسدي و ربطتُ شعري بإحكام برباط شعر .

كانت آرييل تنظر إليّ وهي على وشك البكاء، وسألتني بصوت مرتعش: " ماذا سنفعل الآن … ؟ "

" ماذا سنفعل ؟ يجب أن نمسك به قبل أن يتكاثر."

عند سماع كلماتي، شحب وجه آرييل ولوكاس تماماً.

لكنني أضفتُ ببرود وأنا أهز كتفي بخفة: " وإلا، فسيتعين علينا العيش مع أطفاله الصغار اللطيفين في المستقبل … "

" لنمسك به، يجب أن نمسك به، يجب القضاء عليه مهما كلف الأمر."

أجابت آرييل على الفور بتعبير يملؤه الإصرار والقرار الحاسم .

نهضتُ من الأريكة وألقيتُ نظرةً فاحصةً على الأرجاء. لم يكن هناك أي أثر للوجان أو كيڤن اللذين ناما معنا في غرفة المعيشة ليلة أمس .

… هل عادا إلى غرفتهما بالفعل ؟

كان فراش كيڤن مرتباً ونظيفاً تماماً، أما فراش لوجان فقد تُرك كما هو .

" … ولكن أين لوجان ؟ "

أليس من الأفضل أن نطلب منه الإمساك به ؟ شعرتُ أن رجلاً مثله يمكنه القضاء عليه بسهولة …

بينما كانت هذه الفكرة تراودني، أجاب لوكاس وهو يطلق ضحكة مرتبكة: " لقد فرَّ هارباً نحو غرفته بأنفاس مقطوعة بمجرد ظهور ذلك الشيء."

" …… "

شعرتُ بذهولٍ مطبق. حينها وضعت آرييل تعبيراً يملؤه القرف وهي تخاطبني: " عليكِ الحذر منه، لقد رأيته يطير قبل قليل."

" بالضبط ! لقد كان ذلك الوغد في ممر الجناح الغربي في البداية، لكنه طار حتى وصل إلى هنا ! "

" … حسناً، فهمت."

تجاهلتُ مبالغات لوكاس المذعورة، و رفعتُ الألحفة المتدلية على الأرض و وضعتها فوق الأريكة.

بدا أن لوكاس، الذي كان يرتعد قبل قليل، قد استجمع ذرات شجاعته، إذ اقترب من الأريكة بحذر وسألني: " هـ … هل نقوم بضرب الأريكة قليلاً لنخرجه ؟ "

عند سماع اقتراحه، اقتربت آرييل هي الأخرى بخطوات مترددة وتمتمت بصوت خافت: " فلنحاصر الأريكة أولاً."

" فـ … فكرة جيدة."

بما أن الأريكة كانت ضخمة، لم يكن ثلاثتنا كافين لمحاصرة زواياها بالكامل . ومع ذلك، وبملامح تشي باتخاذ قرار مصيري، بدأ لوكاس بضرب الأريكة بضربات خفيفة باستخدام المكنسة التي كان يحملها، لكن لم يحدث شيء .

… يبدو أن الأمر يتطلب ضربة أقوى .

ضربتُ الأريكة بقبضتي، لكن لم يظهر أي رد فعل من تحتها. تنفستُ الصعداء في سري ثم ركلتُ الأريكة بقوة .

اهتزت الأريكة قليلاً إثر ركلتي، وسرعان ما انطلق شيء أسود بسرعة فائقة من أسفلها .

" آآآه … ! "

رغم أنهما كانا الأكثر حماساً للإمساك به قبل قليل، إلا أن آرييل ولوكاس أطلقا صرخات مدوية وقفزا بعيداً عن الأريكة في لمح البصر .

كاد صراخ الاثنين أن يفجر طبول أذنيّ من شدته.

" …… "

على أي حال، لم أتمكن من رؤيته بوضوح قبل قليل لأنه ظهر واختفى في لمح البصر … لكن حجم الحشرة كان أكبر مما تخيلت بكثير .

الآن بدأتُ أفهم لماذا ذعر كل من آرييل ولوكاس إلى هذا الحد، فقد كان حجمه يقارب حجم خنفساء عملاقة من الغابات الاستوائية.

" لوكاس، افعل شيئًا ! أنت بارع في الإمساك بالحشرات ! "

" متى كنتُ بارعاً في ذلك ؟! "

بمجرد أن هربت آرييل ولوكاس من أمامه، اختفى هو الآخر عن الأنظار. لقد فقدنا أثره في النهاية، ولا نعلم أين اختبأ.

يا له من ضجيج صاخب منذ الصباح الباكر .

كانت آرييل تلاحق الحشرة المختفية بعينيها وهي تسألنا بحذر: " هل أذهب لمناداة شخص آخر ؟ "

وقبل أن تسمع ردنا، انطلقت تمشي بسرعة فائقة .

" مهلاً آرييل، انتظري ! "

ناداها لوكاس بلهفة، لكن آرييل تظاهرت بأنها لم تسمع شيئاً.

… لقد لاذت بالفرار إذن .

بمجرد أن غادرت آرييل المكان، ظهر الصرصور مجدداً. كنتُ أتساءل أين اختبأ، فإذا به يفر من تحت خزانة غرفة المعيشة .

بدأ لوكاس يقفز في مكانه بهلع مبالغ فيه. بصراحة، كانت سرعة الحشرة كبيرة، لكنها لم تكن مستحيلة الإمساك.

انتظرتُ التوقيت المناسب، ثم سحقتُها بقدمي بقوة.

— طقطقة .

في تلك اللحظة، تجمد وجه لوكاس. ألقيتُ نظرة خاطفة تحت حذائي، ثم تلاقت عيناي بعينيّ لوكاس.

بدأ وجه لوكاس يشحب كالأموات .

" أوه … "

ظل يحرك شفتيه دون أن يخرج منهما صوت، وكأنه يشاهد أبشع منظر في العالم. لسبب ما، شعرتُ وكأنني وُضعتُ في مرتبة واحدة مع هذا الكائن الذي تحت قدمي .

… هل يستحق الأمر رد الفعل هذا حقًا ؟

كنتُ أظن أن قتله أفضل بكثير من تركه يحوم في غرفة المعيشة، لكن يبدو أن هذا كان مجرد اعتقاد خاطئ مني.

خلعتُ حذائي الذي لامس الحشرة بهدوء .

" سـ … سأقوم أنا بتنظيف المكان."

قال لوكاس ذلك، لكن تعابير وجهه كانت توحي وكأنه يُساق إلى المقصلة .

كان رؤية لوكاس وهو يتقدم نحوي بسرعة تضاهي سرعة السلحفاة أمراً يبعث على الضيق الشديد، لذا مددتُ يدي نحوه قائلة : " سأنظف المكان أنا، هل يمكنك مناولتي بعض المناديل ؟ "

" آه، لا، عليّ أنا أن أقوم بالتنظيف … "

" لا بأس، سأفعل ذلك."

لو انتظرته حتى ينظف المكان، لكنتُ قد فارقتُ الحياة من شدة الانتظار بالتأكيد.

تردد لوكاس لبرهة، ثم ناولني المناديل الورقية التي كانت على الطاولة. سحبتُ بضع مناديل بإهمال ورفعتُ تلك الجثة المقززة لأتخلص منها.

كان لوكاس يقف بوجه مرعوب لا يعلم ماذا يفعل، من يرى تعابير وجهه سيظن أنه هو من يقوم بالتنظيف . وبينما كنتُ في طريقي لإلقاء الحشرة في سلة المهملات، مددتُ المنديل نحوه فجأة، فقفز لوكاس في مكانه وكأن نوبة صرع قد أصابته .

بدا منظره مضحكاً لدرجة أنني لم أتمكن من كبت ضحكتي، فناداني لوكاس وكأنه يعاتبني على فعلي: " آنسة فيفيان ! "

" آسفة، آسفة، رد فعلك كان مضحكاً للغاية."

لم أستطع منع نفسي من القهقهة، مما جعل وجه لوكاس يتحول إلى اللون الأحمر القاني. وعندما انتهى كل شيء، عادت آرييل التي كانت قد لاذت بالفرار لتتسلل مجدداً إلى غرفة المعيشة .

سألتنا وهي لا تزال في حالة تأهب قصوى: " كـ … كيف سارت الأمور ؟ "

" لقد أمسكت بها الآنسة فيفيان."

" حـ … حقاً ؟ "

تفحصتُ ما حول آرييل، وخلافاً لما ادعته سابقاً، عادت آرييل وحدها.

ضيقتُ عيناي وسألتها بشك: " ولكنكِ قلتِ قبل قليل إنكِ ستذهبين لمناداة الآخرين … ! "

" ذ … ذلك ! لقد كان الجميع نائمين … ! "

انطلقت آرييل في اختلاق الأعذار، ويبدو أنها شعرت بإحراج شديد من فعلتها، فسارعت لتغيير الموضوع : " اذهبي واغتسلي ! سأقوم أنا بإعداد الإفطار."

لم أزد حرفاً على كلام آرييل المبتسمة، وتوجهتُ نحو غرفتي .

رغم أنه كان بداية يوم صاخب، إلا أن جسدي كان يشعر بالانتعاش. لم أكن أظن أبداً أن سرير غرفتي غير مريح، لكن بمقارنته بالأريكة، كان غير مريح بلا شك. حينها فقط، بدأتُ أفهم لماذا أصرَّ لوجان على كلامه بالأمس .

— صرير …

كان ذلك حين دخلتُ إلى غرفتي. خطوتُ للداخل بشكل طبيعي، لكنني توقفتُ فجأة دون وعي مني .

… ما هذا ؟

انبعث من الغرفة رائحة غريبة جداً ولا تنتمي للمكان. لم تكن رائحتي، بل رائحة شخص آخر.

في اللحظة التي أدركتُ فيها وجود تلك الرائحة، تلاشت تماماً من طرف أنفي وكأنها لم تكن. لم يعد هناك أثر لتلك الرائحة التي لامست حواسي قبل ثانية.

قطبتُ ما بين حاجبي لبرهة، ثم تقدمتُ بحذر داخل الغرفة .

إن لم يكن هذا مجرد وهم، فقد كانت تلك رائحة "سيجار". رائحة سيجار عميقة تمتزج بنفحة باردة من النعناع .

بسبب تلك الرائحة الغريبة، استطعتُ استنتاج حقيقة واحدة .

… أن شخصاً ما قد تسلل إلى غرفتي في غيابي.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان