أومأتُ برأسي ببطء : " بعد سماع تحليلك، يبدو أن هذا الاحتمال وارد حقاً."
وبدا أن إجابتي قد أثارت حماسه قليلاً، إذ أصبحت نبرة صوت ماكس أكثر إشراقاً: " أليس كذلك ؟ "
" نعم."
أدار ماكس مقبض باب غرفة التدبير المنزلي. كان ضوء الشمس المتدفق من النافذة صافياً يملأ المكان.
تفحصتُ الغرفة بنظري ثم سألتُ ماكس: " لا أعتقد أنك ذكرتَ قصة 'جيكل' عبثاً، فهل لديك شخص محدد تشك به ؟ "
عند سماع سؤالي، انفجر ماكس ضاحكاً بقهقهة عالية. لم أكن أظن أنني قلتُ شيئاً مضحكاً إلى هذا الحد، لكن ضحكته كانت قوية لدرجة أن الدموع تجمعت في طرف عينيه .
مسح دموعه بأصبعه ثم وجه إليّ سؤالاً مضاداً: " وماذا عنكِ أنتِ أيتها الآنسة ؟ "
" …… "
" في العادة، الشخص الذي يتبادر إلى الذهن فور سماع مثل هذه القصص هو الإجابة الصحيحة في أغلب الأحيان، فحدس الإنسان هو الأداة الأكثر دقة على الإطلاق."
فكرتُ قليلاً قبل أن أنطق بكلماتي: " لا أعلم، لا يمكنني الجزم بشيء."
" أوه، حقاً ؟ "
" أعتقد أن نظرة السيد ماكس ستكون أكثر دقة من نظرتي، أليس كذلك ؟ أما أنا، فلا يوجد شخص معين يتبادر إلى ذهني."
" هممم … "
أطلق ماكس زفيراً بدى فيه نوع من خيبة الأمل.
" كنتُ أعلم أنكِ تتسمين بالكثير من الحذر، لكنني لم أتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد، لقد ظننتُ أنني كشفتُ لكِ عن الكثير من المعلومات بالفعل."
وضعت ابتسامة مرتبكة على وجهي وقلت: " أنا حذرة بالفعل، وقد ازداد حذري أكثر بعد أن علمتُ بوجود نظام 'التصويت'."
" حسناً، أنا أتفهم ذلك، في وضع كهذا، التريث والتعقل مثلكِ أفضل بكثير من إلقاء الكلام جزافاً."
ابتسم ماكس بخفة ثم نقل خطواته نحو تماثيل العرض (المانيكان).
" على أي حال، يبدو أن بناء الثقة هو الخطوة الأولى التي يجب أن أتخذها لأتمكن من معرفة المزيد عنكِ."
انحنى ماكس وبدأ يعبث بالأدراج الموجودة خلف تمثال العرض.
" أنا أشك في ذلك الكاهن، ما رأي الآنسة ؟ "
" … هل تقصد السيد إيان ؟ "
" أجل، ذلك الرجل ذو الشعر الأبيض الشاحب، في الواقع، أنا لا أثق أبداً بأولئك الذين يثرثرون عن خدمة الحاكم … ومع ذلك، فإن ذلك الوغد مريب للغاية وماضيه غامض."
* تم تغيير الكلمة لـلحاكم .
توقفت يد ماكس عند الدرج الثالث. اقتربتُ منه بحذر. كانت هناك آثار خدوش صغيرة وكبيرة باقية حول ثقب المفتاح الذي كان سليماً من قبل.
للوهلة الأولى، بدت وكأنها آثار لشخص حاول فتح الدرج بالقوة .
" بالمناسبة أيتها الآنسة، سمعتُ أنكِ شاركتِ 'ملف تعريف' مع كيڤن ؟ "
اتسعت عيناي ببطء عند سماع كلماته .
هل أخبره كيڤن حتى بذلك ؟
تجاوزتُ دهشتي وأومأتُ برأسي: " نعم، لأن كيڤن طلب مني ذلك … "
" أجل، وقيل لي إن ذلك الكاهن هو من أمره بفعل ذلك."
" ماذا … ؟ "
كانت حقيقةً غير متوقعة تماماً. قطبتُ ما بين حاجبيّ دون وعي مني .
" لقد طلب من طفل لا يجيد القراءة حتى أن يقوم بمجرد 'مشاركة ملف'، أخبره بكلمات محددة، وطلب منه أن يبلغه إذا وجد كلمات مشابهة لها في ملفك."
" …… "
لم أحاول جاهدةً إخفاء تعابير وجهي.
نظر إليّ ماكس ثم هز كتفيه بخفة: " يبدو من ملامحكِ أنكِ لم تكوني تعلمين."
" … لم أتخيل أبداً أن أحداً قد أمره بذلك."
" بالطبع، من قد يخطر بباله أن شخصًا سيأمر بفعله دنيئة كهذه ؟ "
سألتُ ماكس بحذر: " … ولكن، ما هي الكلمات التي أمره بالبحث عنها ؟ "
" حسناً، أنا لا أعرف التفاصيل أيضاً، فكيڤن لا يعرف القراءة، لكن، حسب قول كيڤن، كانت الأحرف 'منحنية'."
… أحرف منحنية ؟
" يبدو أن هذا هو الشكل الذي انطبع في عينيّ الطفل."
سحب ماكس الدرج، لكنه لم يفتح .
" وهل قال إن مثل هذه الكلمات كانت موجودة في ملفي ؟ "
" قال إنها غير موجودة."
امتعض وجهي قليلاً، لكن سرعان ما بدأتُ أتفحص ماكس بتمعن .
… أليس من الطبيعي أن يشك بي أنا أيضاً عند سماع شيء كهذا ؟
بصراحة، لو كنتُ مكان ماكس، لشككتُ بي أكثر من شكي في إيان. حول سبب اهتمام إيان بملفي. وكان من الطبيعي أن يمتد هذا التفكير ليصل إلى الشك في هوية الجاني .
بينما كنتُ غارقة في حيرتي، سألتُ ماكس بحذر: " على أي حال، هل تملك ملفاً أيضاً يا سيد ماكس ؟ "
" أجل، كان موضوعاً في غرفتي."
أجاب ماكس بلا مبالاة، ثم التفت نحوي وناداني .
" آنسة، تعالي إلى هنا وانظري."
اقتربتُ منه أكثر، فأمال ماكس جسد تمثال العرض جانباً ليسمح لي برؤية الأدراج بوضوح .
" يبدو أن أحدهم قد فتحه، أليس كذلك ؟ "
سأل ماكس وهو ينقر بأصبعه على الآثار الواضحة المتبقية حول ثقب المفتاح .
" هل فتحها أحدهم … ؟ "
" هذا ما يجب أن نتحقق منه، في الحقيقة، لقد تركتُ أثراً خلفي حين كنتُ وحدي في الطابق الثاني، لأنني شعرتُ بالحنق من فكرة أن يتمكن شخص آخر من فتح درجٍ عجزتُ أنا عن فتحه."
تمتم ماكس وهو يعبث بالدرج، ثم فتح الدرج الموجود أسفل الدرج المغلق مباشرة .
" هل تودين التحقق من الداخل ؟ "
امتثالاً لقوله، انحنيتُ وتفحصتُ الداخل، فرأيتُ شيئاً ما عند الحافة السفلية للدرج المغلق .
… كان دبوس أمان.
" لو أن أحداً فتح هذا الدرج المغلق، لكان هذا الدبوس قد اصطدم به وانثنى، أليس كذلك ؟ "
" … إنه منثنٍ بالفعل."
" إذن، هذا يعني أن شخصاً ما قد فتحه."
مد يده داخل الدرج وأخرج الدبوس، كان الدبوس الذي يلمع تحت ضوء الشمس منحنياً بشكل واضح.
" كيف تمكن من فتحه يا ترى … "
قطب ماكس ما بين حاجبيه وأضاف: " لقد حاولتُ بكل الوسائل فتح هذا الدرج حين كنتُ في الطابق الثاني، لكنه لم يفتح أبداً."
ثم أطلق ضحكة جوفاء، كانت ضحكة تحمل في طياتها شيئًا من الوحدة لسبب ما.
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
مر الوقت سريعاً، وحلَّ المساء .
كان وقت عشاءٍ لا يختلف عن المعتاد، لكن لو وجب ذكر بعض الأشياء التي تغيرت، فهي أننا لم نعد نشرب النبيذ مطلقاً .
لم يكن هناك سبب محدد لذلك. علاوة على ذلك، كنا نحاول لا شعورياً تجنب أي ذكر لموت 'جاك'.
ربما كانت تلك الضحكات المبالغ فيها، والمحاولات المستميتة لخلق أجواء مرحة، ليست سوى وسيلة لنسيان أحداث ذلك اليوم.
بدأتُ في مساعدة آرييل في غسل الأطباق .
حاولت آرييل منعي قائلة إنها المسؤولة عن المطبخ لهذا الأسبوع، لكنني لم أستطع تركها وحدها تواجه كل هذه الأطباق المتراكمة لمجرد أنها خسرت .
" … هل يمكنني المساعدة ؟ "
سأل إيان وهو يقترب منا .
استقرت عيناه الأرجوانيتان من خلف عدسات نظارته عليّ مباشرة.
فزعت آرييل تماماً من عرض إيان: " لا ! لستُ بحاجة لمساعدة الكاهن، ولا أحتاج مساعدة فيفي أيضاً … لذا فليخرج كلاكما من المطبخ."
بدا أن آرييل تشعر بمسؤولية تجاه عقاب اللعبة أكبر بكثير مما توقعت. تجاهلتُ كلماتها وركزتُ في غسل الأطباق.
وقف إيان بملامح مرتبكة بالقرب منا، ثم حاول التسلل نحو الحوض، لكنه توقف فجأة عند سماع صوت آرييل الحازم: " أيها الكاهن، اخرج، وأنتِ أيضاً يا فيفي، اخرجي."
" لا أسمعكِ."
زدتُ من سرعة يدي في فرك الأطباق. حملقت آرييل فيّ بحدة لبرهة، لكنها استسلمت في النهاية وبدأت تغسل الأطباق بجانبي .
" آه، بالمناسبة، أين ستنامين اليوم يا فيفي ؟ "
" هاه … ؟ "
فجأة، استقرت نظرات آرييل عليّ. ولأنني لم أستطع تحمل ثقل نظراتها، أدرتُ رأسي لأجدها ترمقني بعينين تضغطان عليّ بشكل ضمني لانتزاع إجابة .
بلعتُ ريقي بصعوبة وأبعدتُ نظري عنها: " لا أعلم … ربما سأنام في غرفتي ؟ "
" … حقاً ؟ "
خفت صوتها وبدا عليه الإحباط الواضح مقارنة بما كان عليه قبل قليل .
أجبتُ بتردد : " أجل … "
للعلم، آرييل تشبه الحيوانات الصغيرة الأليفة. قامتها القصيرة تزيد من هذا الانطباع، وبفضل وجهها البريء واللطيف، لم يكن من السهل رؤيتها محبطة دون أن يشعر المرء بضيق في قلبه.
لم يكن اهتمامي بها في اليوم الأول نابعاً من فراغ. قلبتُ عينيّ يمنة ويسرة ثم سرقتُ نظرة نحوها، فرأيتُ وجهها الذي غطاه الحزن بشكل واضح .
" لا بأس إن كنتِ لا تريدين … تذكرتُ فقط حفلات البيجامات التي كنت أقيمها مع صديقاتي في السكن الجامعي حتى وقت متأخر من الليل، ولهذا سألت … "
لكن سرعان ما اضافت آرييل بتعبير مشرق مبالغ فيه: " لا، لا شيء ! مجرد فكرة خطرت في ذهني ! "
بينما كنتُ استمع لحديثها، شعرتُ لسبب ما بجفاف في حلقي .
" ظننتُ أننا سنصبح أكثر قرباً إذا تبادلنا أطراف الحديث طوال الليل، همم، واعتقدتُ أن الأمر سيكون ممتعاً … "
بدأت ملامح القلق تظهر عليّ وأنا أستمع لكلماتها، وفي النهاية قطعتُ حديثها وأجبت: " حـ … حسناً ! "
" أوه، حقاً ؟ "
أشرق وجه آرييل في لحظة، لذا أومأتُ برأسي تأكيداً لكلامي.
آه، لا أعلم ما الذي أفعله … لكن، كان من الحقيقي أيضاً أن رؤية سعادة آرييل جعلت مزاجي يتحسن .
ارتجفت زوايا فم آرييل من الفرحة لبرهة، ثم التفتت نحو إيان وكأنها تذكرت شيئاً: " أيها الكاهن، هل تود النوم في غرفة المعيشة الليلة ؟ لقد قررنا أن ننام جميعاً في غرفة المعيشة."
لحظة واحدة .
الجميع … معًا … ؟!
****************************
الفصل : ٤٧
اليوم التاسع - 25/10 (6)
رمشتُ بعينيّ بدهشة ونقلتُ نظري نحو إيان.
بدا على وجهه تعابير وكأنه يشك في صحة ما سمعه للتو .
يبدو أن آرييل أدركت أن شرحها لم يكن كافياً، فسارعت بإضافة المزيد: " لقد قال السيد لوجان إنه يخشى النوم وحده، لذا وبشكل غير متوقع، ازداد عدد الأشخاص الذين سينامون هناك."
" هـ … هل يمكنني أن أسأل … من هم الأشخاص الذين قرروا النوم معكِ الليلة يا آرييل ؟ "
عندما سألتُ بحذر، ضيقت آرييل عينيها قليلاً وهي تجيب: " إذا استثنينا الأشخاص الذين تحدثنا معهم هذا الصباح … ممم، ربما كيڤن فقط ؟ "
" آه."
هذا العدد لا بأس به إذن.
أومأتُ برأسي خفيفاً وسرقتُ نظرة نحو إيان. كنتُ أتوقع أن يرفض إيان العرض على الفور، لكنه وبشكل مفاجئ بدا وكأنه يفكر في الأمر بجدية.
كان مظهره وهو يتردد هكذا غير متوقع بالنسبة لي.
" أعتذر، لكن عاداتي في النوم ليست جيدة تماماً، وأخشى أن أتسبب في إزعاج الآخرين."
بالطبع، الإجابة التي نطق بها بعد طول تفكير لم تختلف كثيراً عما توقعته .
" هذا مؤسف، إذا غيرتَ رأيك، يمكنك إحضار وسادتك والمجيء في أي وقت."
أجابت آرييل بوجه باسم، فقابل إيان لطفها بابتسامة باهتة. أحنى إيان رأسه لي ولآرييل مودعاً، ثم غادر المطبخ .
ظللتُ أراقب ظهره وهو يبتعد، قبل أن أدير رأسي نحو آرييل التي همست بجانبي: " إنه وسيم حقاً، أليس كذلك ؟ "
" … هاه ؟ "
" إنه أوسم رجل رأيته في حياتي."
تمتمت آرييل بتلك الكلمات.
كان من الغريب والمثير للدهشة أن تفتح آرييل موضوعاً يخص وسامة أحدهم، فهي المرة الأولى التي تفعل فيها ذلك، لكن بالنظر للأمر، سيكون من الغريب أيضاً ألا يقول المرء شيئاً تجاه وسامة كهذه .
رغم أن الأمر يترك في النفس طعماً مراً قليلاً .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
عندما دخلت مع آرييل إلى غرفة المعيشة حاملتين الألحفة والوسائد، كانت الاستعدادات للنوم قد بدأت بالفعل.
كان كيڤن قد أحضر وسادته من غرفته منذ فترة واستقر في مكانه. بمجرد أن رآني كيڤن، ارتسم على وجهه ابتسامة مشرقة.
تظاهرتُ بأن شيئاً لم يكن وبادلته الابتسامة وأنا أقترب منه. مهما كانت الشكوك التي تساورني تجاه كيڤن، فإنه لا يزال في النهاية مجرد طفل صغير .
ربتُّ على شعر كيڤن بلطف، ثم اقتربتُ من لوكاس الذي كان يفرد الألحفة على الأرض .
استقبلني لوكاس بترحيب حار فور رؤيتي .
" آه، آنسة فيفيان."
" هل تنوي النوم على الأرض ؟ "
" المساحة على الأريكة لا تكفي الجميع."
" … لكن الأرضية قد تكون متسخة."
قلتُ ذلك وأنا ألقي نظرة خاطفة على الأرض، فابتسم لوكاس وكأنه يطمئنني ألا أقلق .
" لا بأس، أنا بخير."
بدأتُ بفرد اللحاف الذي أحضرته معي على الأرض بجانبه، لكن لوكاس استوقفني بنظرة متفاجئة: " من فضلكِ، نامي على الأريكة، أنا والأخ لوجان سننام على الأرض."
" لوجان … ؟ "
أومأ لوكاس برأسه وكأنه يتساءل إن كانت هناك مشكلة في ذلك .
مهلاً … ألم يكن السبب الأصلي لقرار لوجان بالنوم في غرفة المعيشة هو آلام ظهره ؟ فكيف لشخص يعاني من آلام الظهر أن ينام على الأرض الصلبة … ؟
قلبتُ عينيّ بحيرة، وفي النهاية استكملتُ فرد لحافي على الأرض .
عندها صرخ لوكاس بوجه تملؤه الصدمة: " يجب أن تنامي في الأعلى ! "
" أنا بخير هنا."
وبينما كنتُ أنا ولوكاس في حالة أخذٍ ورد، دخل لوجان هو الآخر إلى غرفة المعيشة .
" آه، أيها الأخ ! "
اتجهت نظرات لوجان نحو الوسادة التي كنتُ أحملها، ثم سأل بنبرة مترددة ومتحفظة: " لا تخبريني أنكِ أنتِ أيضًا … ؟ "
" … هل أعود لغرفتي ؟ "
كان تعبير وجه لوجان يوحي بوضوح بأنه يتمنى لو أفعل ذلك .
بصراحة، كان قلبي يتوق لسماعه يقول "نعم، عودي"، لقد كنتُ أريد فقط الذهاب للنوم في غرفتي بسلام … !
لكن تلك الأمنية لم تدم طويلاً، إذ قام لوكاس بتوبيخ لوجان بخفة: " يا رجل ! سيكون الأمر ممتعاً أكثر إذا نمنا جميعاً معاً ! "
لم يجد لوجان ما يرد به على كلمات لوكاس، فاكتفى بوقفة محرجة وتعبيرات وجه مترددة.
وفي تلك اللحظة، أمسك لوكاس وسادتي بسرعة وكأنه يخشى أن أهرب بها. حاولتُ سحب الوسادة من يده بهدوء، لكن لوكاس كان ثابتاً لا يتزحزح .
" آه، حسناً فهمت، هل يمكنك ترك الوسادة الآن … ؟ "
لكن ملامح لوكاس لم تكن توحي بأنه يصدقني، بل برزت العروق على ظهر يده من شدة إمساكه بالوسادة، وكأنه يتوقع أنني سأركض نحو غرفتي في أي لحظة .
" لن أعود للداخل."
عندما كررتُ قولي، ترك الوسادة أخيراً بحذر وهو لا يزال يشك في أمري. تنفستُ الصعداء في سري، و وضعتُ وسادتي فوق اللحاف المفرود على الأرض .
كنتُ أشعر برغبة عارمة في الاستلقاء فوراً، فما نلته من نوم اليوم لم يكن كافياً على الإطلاق.
وفي اللحظة التي خلعتُ فيها حذائي لأستلقي فوق اللحاف، التقط لوجان وسادتي التي وضعتها، وقبل أن أتمكن من منعه، قذف بها فوق الأريكة بحركة سريعة .
" … ما الذي تفعله ؟ "
سألتُ بصوت يملؤه الحيرة، فأجاب لوجان بملامح متذمرة: " اصعدي للأعلى."
ثم رمى وسادته هو على الأرض واستلقى في مكانه بسرعة. حدقتُ به بذهول، لكنه أغمض عينيه متجاهلاً نظراتي دون أن ينبس ببنت شفة.
" لا … لقد قلتُ إنني سأنام على الأرض ! "
" …… "
لكن لم يأتِ أي رد. وضع لوكاس وسادته بجانب لوجان وقال لي: " آنسة فيفيان، من فضلك نامي أنتِ على الأريكة."
شعرتُ بذهول أكبر : " ألم تقل إن ظهرك يؤلمك ؟ "
" …… "
ومرة أخرى، لم أتلقَ أي إجابة.
في النهاية، استسلمتُ وفقدت الأمل في الحصول على رد من لوجان، فصعدتُ فوق الأريكة. أما آرييل، فبدا عليها ملامح الاعتذار تجاه لوجان لبرهة، قبل أن تستلقي بجانب كيڤن على الأريكة.
وبعد أن غطته باللحاف، قالت بصوت خافت: " ألا تشعرون وكأننا في نزهة، ونحن مستلقون هكذا جميعًا ؟ "
رغم صمته طوال الوقت، رد لوجان بجدية قاطعة: " نزهة ؟ هذا هراء."
لحسن الحظ، لم يبدُ أن آرييل قد تأثرت بكلمات لوجان الفظة.
في غضون ذلك، نهض لوكاس بسرعة وأطفأ أنوار غرفة المعيشة. وفجأة، حلَّ ظلام دامس وسكون عميق.
حدقتُ في السقف بشرود ثم أغمضت عينيّ. كنتُ أظن أنني لن أستطيع النوم بسهولة بسبب تغير المكان، ولكن بفضل الشعور بالأمان الذي يمنحه التواجد مع الآخرين مقارنة بالنوم وحيدة، بدأت أشعر بالنعاس يتسلل إليّ سريعاً.
وبينما كنتُ على الحد الفاصل بين الحلم والواقع وقبل أن أغرق في النوم تماماً، سمعتُ صوت حفيف الألحفة يتبعه صوت لوكاس : " … هل نام الجميع ؟ "
وما إن أنهى سؤاله حتى أطلق لوجان صوت شخير مبالغ فيه. كان من الواضح للجميع أنها طريقتُه في القول إنه لم ينم بعد.
أطلق لوكاس ضحكة مرتبكة.
وعلى سؤاله، أجابت آرييل بهدوء: " أنا لم أنم بعد."
رغم الظلام الدامس الذي يلف المكان، شعرتُ وكأن لوكاس يبتسم عند سماع صوتها .
سمعتُ صوت لوكاس وهو يتقلب في مكانه. وبعد برهة، يبدو أنه استقر في وضعية مريحة، فنطق بصوت خافت وحذر: " … آرييل، ألم تعد تراودكِ الكوابيس مؤخراً ؟ "
" نعم، أليس هذا أمراً جيداً ؟ "
" … هذا مطمئن حقاً."
أطلق لوكاس زفيراً ينم عن الارتياح .
ساد صمت قصير، ثم تمتمت آرييل قائلة: " ولكن أتعلم … في السابق، كانت تلك الكوابيس مؤلمة لدرجة لا تُطاق، أما الآن وحين أفكر في الأمر مجدداً، أشعر أن رؤية الكوابيس لم تكن بهذا السوء."
" لماذا ؟ "
" ممم … لا أعلم ؟ ربما لأنني أشعر أن الكابوس الذي لا بداية له ولا نهاية أفضل من الواقع."
أطلقت آرييل ضحكة فاترة وخالية من الروح .
كنتُ أحدق في السقف، ثم فتحتُ فمي قائلة بحذر: " عن ماذا كانت تلك الكوابيس ؟ "
سألت آرييل بصوت متفاجئ عند سماع صوتي: " أوه، فيفي، ألم تنامي بعد ؟ "
تبعت كلماتها ضحكة مرتبكة، ثم أردفت: " لا شيء مميز، لقد كانت أحلاماً لا تختلف كثيراً عن الواقع، ولهذا السبب كنتُ أظنها كوابيس، ربما لن يراها الآخرون كوابيس على الإطلاق."
بعد صمت قصير، نادتني آرييل بنبرة مترددة: " أتعلمين …؟ "
" ماذا ؟ "
" إذا خرجنا من هنا وعدنا إلى العالم الخارجي، هل سنستمر في تبادل التحايا والبقاء على تواصل ؟ "
توقفت يدي التي كانت تعبث بالوسادة فجأة .
" في الحقيقة … أنا لا أملك أصدقاء غير لوكاس."
" …… "
شعرتُ بشيء يثقل صدري عند سماع كلماتها. لم أعلم أي تعبير يجب أن يرتسم على وجهي. كان من حسن الحظ أن الظلام يلف غرفة المعيشة الآن.
أجبتُ محاولةً اصطناع نبرة مرحة كالعادة: " بالطبع."
وهنا تدخل لوجان في حوارنا وهو يطلق ضحكة ساخرة مكتومة: " يا للروعة، أليس من المبكر جداً التحدث عن المستقبل ؟ "
أجابه لوكاس بنبرة خفيفة: " ولكن، أليس هذا هو المستقبل الأكثر إشراقاً الذي يمكننا التحدث عنه الآن ؟ "
" مستقبل مشرق، هراء … "
تمتم لوجان بفظاظة وهو يدير ظهره .
" آه، ربما يرغب الأخ في الانضمام إلينا أيضًا … "
" نَم وحسب إذا كنت ستتحدث بترهات لا معنى لها."
" لا حيلة إذن، سأكتفي أنا بتبادل التحايا معك أيها الأخ."
عندما قال لوكاس ذلك بلهجة عابثة، أطلق لوجان ضحكة ذهول: " انسى الأمر، أنت … إذا قابلتني في الخارج، فلن تجرؤ حتى على النظر في عينيّ."
" هذا أمر لن نعرفه إلا حين يحدث."
" كلامك يثير دهشتي لدرجة أنني عجزت عن الرد."
في غضون ذلك، بدا أن كيڤن قد غط في النوم، إذ تعالت أنفاسه الهادئة والمنتظمة .
همست آرييل وهي تخفض صوتها تماماً: " يبدو أن كيڤن قد نام … "
****************************