بدأتُ أدرك الآن حقيقة "نافذة الثقة".
لم تكن سوى انعكاس لضميري الضعيف، مجرد قيمة عددية وُجدت لزعزعة قناعتي بالبقاء داخل القصر عبر كسب ثقة الآخرين .
ربما كنتُ أعرف هذه الحقيقة منذ البداية، لكن كلمات أرييل كانت الشرارة التي فجرت الموقف .
" …… "
عزمي على البقاء حية حتى أجد قاتل هيلين بدأ ينهار ببطء .
ذاك البرج الذي بنيتُه بحذر فوق أرضية هشة، بدأ يترنح أمام ثقة أرييل الراسخة. ولا شك أن هذا الاهتزاز العنيف سيكبر تدريجياً حتى يسحق قلبي .
بعد خروجي من غرفة أرييل، لم أمتلك الجرأة للعودة إلى غرفتي .
فلو دخلتُ تلك الغرفة التي تشبه الزنزانة واستنشقتُ هواءها، لربما اعتقدتُ حقاً أنني أرغب في البقاء محبوسة هناك للأبد .
رغم أنه لم يعد هناك أدلة للبحث عنها، إلا أنني توجهتُ نحو الطابق الثاني.
" آنسة ؟ "
في تلك اللحظة، رآني ماكس فناداني.
" إلى أين أنتِ ذاهبة ؟ "
" … إلى الطابق الثاني."
ألقى ماكس نظرة خاطفة نحو الطابق الثاني، ثم سألني بنبرة ممزوجة بالمزاح: " هل بقي شيء للتحقيق فيه هناك ؟ "
لقد اختفت تلك الشراسة التي رأيتُها في ماكس هذا الصباح تماماً، وعاد إلى هيئته المعتادة التي لا يبدو عليها أي تغيير.
رسمتُ ابتسامة محرجة على وجهي وأجبتُه: " أظن أن فعل أي شيء أفضل من لا شيء."
" تبدين متماسكة تماماً، أيتها الآنسة ؟ على عكسي أنا."
توقفتُ قليلاً عند سماع كلماته التالية.
" لو كنتُ مكانكِ، لقضيتُ وقتي في التفكير حتى يتساقط شعري حول السبب الذي جعل كيڤن يصوت ضدكِ."
… ما الذي يحاول قوله بالضبط ؟
في الواقع، لم أشغل ذهني كثيراً بتصويت كيڤن ضدي؛ فقد كان أمراً متوقعاً. كنتُ أعلم أن ذلك الصغير يشك في أنني القاتلة .
" لن ينفعني بشيء أن أضغط على كيڤن لاستجوابه."
" … حقاً ؟ "
" الحل الوحيد هو أن أثبت بنفسي حقيقة أنني لستُ القاتلة، أليس كذلك ؟ "
رداً على كلماتي، أطلق ماكس ضحكة خافتة، لكن سرعان ما محا تلك الابتسامة وكأنه لم يضحك قط.
بدأ يفرك طرف عينه اليسرى وتحدث بنبرة خفيضة: " سأسألكِ شيئاً واحداً فقط."
" …… "
" لماذا أشار ذلك الرجل سيزار إليّ ؟ هل تعرفين السبب ؟ "
إذن، كان الأمر مجرد امتداد لأحداث الصباح .
" … لا أعلم، السبب الدقيق لا يعرفه سوى سيزار نفسه."
" ما لا أفهمه هو لماذا كذب وأشار إليّ سراً، لم أفعل أي شيء يستدعي الاشتباه … "
تلاشت كلمات ماكس في نهايتها، ثم تابع: " أخبريني أنتِ، هل تشكين في أنني القاتل ؟ "
قطبتُ حاجبيّ لبرهة قبل أن أجيب بهدوء: " كما أخبرتُك سابقاً، أنا في وضع يجعلني أشك في الجميع."
" لا يبدو الأمر كذلك، بما أنكِ اخترتِ لوكاس في التصويت."
" فعلتُ ذلك لأنني ظننتُ أنه الشخص الأبعد عن شبهة القاتل."
ضيق ماكس عينيه عند سماع ردي وسأل: " ماذا تقصدين بذلك ؟ "
" الأمر كما قلت تماماً، لقد اخترت الشخص الذي يبدو الأبعد عن كونه القاتل في هذا القصر، ببساطة، لم أرغب في محاصرة أي شخص بتهمة القتل."
بدا أن إجابتي كانت غير متوقعة تماماً، فانفجر ماكس بضحكة ساخرة مريرة .
" هذا أغبى شيء سمعته في حياتي."
" …… "
" يا آنسة، أنتِ لم تفعلي شيئاً سوى الهروب من اتخاذ القرار، في موقفٍ قد يموت فيه الجميع إذا أخطأنا الاختيار، انسحبتِ أنتِ وحدكِ من المسؤولية."
كان ظني بأن ماكس قد هدأ بعد رؤية ورقة النتائج مجرد وهمٍ وغرور مني.
راقبتُ مشاعره التي تتبدل بين لحظة وأخرى، ثم اخترتُ كلماتي بهدوء: " حتى الهروب من القرار كان قراري الخاص، تماماً كما كان قرارك هو الإشارة إلى لوجان."
أنا أتفهم أن ماكس قد يشعر بالغضب العارم من حقيقة أن سيزار -الذي ادعى أنه سيصوت لنفسه- قد صوّت ضده في الخفاء. لكن ماكس نفسه لم يكن في موقف يسمح له بإلقاء المواعظ، فقراره بمحاصرة لوجان واتهامه بالقتل دون وجود دليل قاطع على أنه من قتل جاك، لا يمكن اعتباره قراراً صائباً.
بقدر ما كان اختياري للوكاس البريء خطأً، لم يكن ماكس هو الآخر نزيهاً. لهذا السبب، لم أستطع فهم كل هذا الغضب الذي يبديه. ففي اللحظات التي تسبق التصويت، يكون للرأي العام الأولي أهمية قصوى. خاصة في ظل ضيق الوقت وعدم وضوح هوية القاتل، لذا فإن تصريحات ماكس التي حرضت الجميع ضد لوجان كانت كفيلة بقتله .
…… وبالفعل، لقد مات لوجان .
فهل يمكن القول إن ماكس بريء من دمه ؟ لا، لا أظن ذلك .
أفلتُّ يدي عن درابزين الدرج الذي كنتُ أتمسك به، ونزلتُ الدرجات بحذر حتى وقفتُ أمامه مباشرة .
" الجميع هنا يشعر بظلمٍ يكاد يفقدهم صوابهم، لستَ وحدك من يمر بهذا يا سيد ماكس."
قطب ماكس حاجبيه وكأن كلامي لم يرق له : " … يا آنسة، هل تحاولين إلقاء واعظة عليّ الآن ؟ "
" واعظة ؟ كيف أجرؤ."
رسمتُ ابتسامة مصطنعة على وجهي وتابعت: " أنا فقط أقول إنني أفهم شعورك، فأنا أيضاً أشعر بالظلم لأنني حصلتُ على صوت كيڤن."
" …… "
" أعتذر إن بدا كلامي كوعظ، لكن ما قصدته هو ألا نرد على شكوك بعضنا البعض بعدوانية مفرطة في ظل هذه الظروف."
[ ارتفع مستوى ثقة 'ماكس مونسون' بكِ بنسبة 5%.]
زفر ماكس تنهيدة قصيرة: " … حسناً، يبدو أنني كنتُ مبالغاً في رد فعلي، أنتِ محقة."
" …… "
" كون المحقق قد اشتبه بي، فلا بد أن هناك شيئاً ما قد أثار ريبته."
بالمناسبة … بدأتُ أنا أيضاً أشعر بالفضول حيال السبب الذي جعل سيزار يختار ماكس. فلم يبدُ عليه قط أنه يشك فيه بشكل خاص.
حدقتُ في ماكس لبرهة ثم ابتسمتُ بخفة، وفتحتُ شفتيّ بحذر: " على أي حال، هناك شيء واحد أود سؤالك عنه."
بدت الحيرة على وجه ماكس لثانية، لكنه سرعان ما أدرك أن ما سأقوله قد يحمل طابعاً سرياً، فأومأ برأسه نحو الغرفة الشرقية وقال: " لننتقل إلى مكان آخر."
… حسناً، لم يكن كلامي في الحقيقة مهماً لدرجة تستدعي تغيير المكان، لكنني أومأتُ برأسي موافقةً على اقتراحه .
في الردهة الشرقية، حيث لا توجد نافذة واحدة، كان صدى صوت المطر المنهمر بالخارج قد أصبح خافتاً .
"حسناً، ماذا كنتِ تودين قوله؟"
" آه، ليس أمراً كبيراً … "
بدأتُ الحديث محاولةً الحفاظ على نبرة صوت خفيفة قدر الإمكان: " سمعتُ من الآنسة صوفيا أنها عقدت رهاناً مع ألبرتو."
" … وماذا في ذلك؟"
تابعتُ كلامي بنبرة مسترخية وعابرة: " كنتُ أتساءل فقط عما إذا كان قولك سابقاً بأنك قابلتَ ألبرتو يشير إلى ذلك الرهان."
لا أعلم كيف وقعت كلماتي على مسامعه … تمنيتُ فقط ألا تبدو وكأنني أستجوبه.
أعاد ماكس سؤالي بنبرة استنكارية: " … تقصدين أنني ربما عقدتُ رهاناً مع ألبرتو، تماماً كما فعل هؤلاء الأشخاص في الطابق الثالث ؟ "
"كان مجرد تخمين، بدا لي أن ألبرتو قد جهز فعالية خاصة بكل طابق."
"الطابق الأول يعتمد نظام التصويت، والطابق الثالث يعتمد رهانات القمار؟"
أومأتُ برأسي ببطء.
فكر ماكس قليلاً، ثم أجاب بهدوء: " هذا صحيح."
لم أتوقع أن يجيب بهذه السهولة. وبينما ارتسمت علامات الدهشة على وجهي، تابع ماكس كلامه وكأن الأمر لا يعنيه: " في الطابق الثاني أيضاً، كانت هناك فعالية لطيفة."
" …… "
" لكن، حسناً، لا أعتقد أن تلك الفعالية ذات أهمية الآن."
تهرب ماكس من الحديث بوضوح .
…… ليست ذات أهمية ؟
كنتُ على وشك سؤاله مجدداً عن ألبرتو، لكنه قاطعني: " بعيداً عن هذا، لقد اصطدتُ صيداً ثميناً."
" … صيداً ثميناً ؟ "
أومأ ماكس برأسه بخفة، وتابع والابتسامة لا تفارق وجهه: " ذلك الصغير كيڤن، قد يكون، على عكس المتوقع، هو المفتاح الخفي لهذه القضية."
" … ماذا حدث ؟ "
انحنى نحوي وهمس في أذني بصوت خافت: " ديريك جينكينز."
" …… ! "
" ذلك الصغير يعرف اسم الضحية."
بذلتُ قصارى جهدي لأتماسك ولا أدع ملامح وجهي تنهار.
" هل ديريك جينكينز هو اسم الضحية ؟ "
" أجل."
ابتسم ماكس وكأن هذا الخبر يدعو للارتياح، ثم سألني بنبرة مبطنة: " هل تعرفينه ؟ "
" لا أعرف من يكون، لكن إن كان من عائلة 'جينكينز' …… "
" بالضبط، إنه اسم من المستحيل عدم معرفته."
تمتم ماكس وهو غارق في تفكيره. جاهدتُ لكي لا تظهر مشاعري على وجهي، وتظاهرتُ بالانغماس في تفكير عميق وجاد مثله.
" سمعتُ أنه قد اختفى."
بدا من كلام ماكس وكأنه يعرف ديريك شخصياً.
"سيد ماكس، هل كنتَ على معرفة بالضحية؟"
" أعرفه، فقد كان ذلك الوغد أحد مرضاي."
"ولكن لماذا …… "
" كان يتصرف كالمعتوه والمتهور دائماً، وعندما سمعتُ بخبر اختفائه، ظننتُ أنه حشر نفسه في غرفته يفعل شيئًا جنونيًا، لا أكثر."
سألتُه بوجه تملؤه الريبة: " … شيئًا جنونيًا ؟ "
****************************
الفصل : ٦٧
اليوم الثاني عشر - 28/10 (5)
انفجر ماكس بضحكة خفيفة رداً على سؤالي.
"هذا عالمٌ لا تعرفين عنه شيئاً، أيتها الآنسة، على أية حال، حتى العمدة 'جينكينز' كان يحاول التكتم على أمر ذلك الوغد، لم يكن يخرج من منزله إلا في المناسبات الرسمية، وحتى تلك كان يعتاد التغيب عنها."
" …… "
" تخيلي كم كان ابناً عديم الفائدة، لدرجة أنهم قدموا بلاغاً عن اختفائه ثم سحبوه فوراً، لا بد أنهم أنفقوا ثروة لإسكات الصحافة ومنع نشر الخبر."
… إذن، هل المقال الذي رأيتُه في الطابق الثاني عن اختفاء ديريك كان نسخة لم تُنشر بعد ؟
"حسناً … لم يكن موته على يد أحدهم أمراً مفاجئاً على الإطلاق." قال ماكس ذلك وهو يطلق ضحكة جوفاء.
" لقد كان شخصاً مختلاً، لكنني لم أتخيل أبداً أنني قد أنتهي بهذا الوضع بسبب حثالة مثله."
سألتُه بحذر: " ولكن، لماذا يعتقد كيڤن أن هذا الرجل هو الضحية ؟ "
" هذا ما قاله لي الصغير، قال إنه رأى ديريك يموت هنا في قصر إرنست."
" … ماذا ؟ "
ماذا يعني هذا أيضاً ؟
" بشكل أدق، قال إن المكان الذي كان يتواجد فيه ديريك كان يشتعل بالنيران."
عجزتُ عن الرد أمام كلمات ماكس.
" وللأسف، يبدو أنه لم يستطع رؤية وجه القاتل."
بينما كان ماكس يتحدث، كانت نظراته مثبتة عليّ مباشرة وبشكل مستقيم .
… المكان الذي يتواجد فيه ديريك كان يحترق، و كيڤن رأى ذلك.
… وكيڤن يشك بي.
وفقاً للمعطيات، القاتل في نظر كيڤن هو أنا.
شعرتُ وكأن يداً خفية تعتصر قلبي بقوة …… اهدئي، فيفيان. لأحافظ على هدوئي.
ما هو التصرف الذي قد يقوم به شخص بريء في هذا الموقف ؟ ما الذي يجب عليّ فعله بالضبط … ؟
حاولتُ جاهدةً الحفاظ على تعبيرات وجه هادئة وأنا أنظر إلى ماكس، ثم قلتُ بصوت خافت: " شكراً لأنك أخبرتني عن الضحية."
" …… "
" لنخبر الآخرين بالأمر أولاً، فربما يملكون معلومات إضافية."
" انتظري لحظة." استوقفني ماكس في مكاني.
"حتى لو أخبرتِهم، لا أظن أن أحداً سيفتح فمه … أليس من الأفضل أن يبقى الأمر سراً بيننا؟"
" …… "
" ما هو السبب الذي جعل الصغير يصمت طوال هذا الوقت ؟ لقد فعل ذلك لأن الجميع يتصرفون بشكل يثير الضيق، فآثر الصمت."
لو سارت الأمور هكذا، لكان ذلك في مصلحتي، لكنني لم أستطع الموافقة على الفور؛ فربما كان ماكس يختبرني .
" رغم ذلك، نحن لا نعرف متى سيبدأ التصويت الثاني، ولن يظل الجميع صامتين للأبد."
" آنسة، هل أنتِ ساذجة أكثر مما تبدين ؟ هل تظنين حقاً أن هؤلاء الحثالة سيتكلمون ؟ "
" …… "
" لقد أخبرتُكِ، ديريك كان شخصاً مختلاً، وهناك سبب واحد فقط يمنعهم من الحديث عنه."
" …… "
" لأنهم هم أيضاً ضحايا، وفي الوقت ذاته، هم الجناة الذين دفعوا ديريك نحو حتفه."
قطبتُ حاجبيّ عند سماع كلمات ماكس.
… ضحايا وجناة في آن واحد .
لم أكن أعرف شيئاً عن "ديريك". في الواقع، لم يسبق لي أن فكرت حتى في البحث عنه؛ فقد خشيتُ أن يؤدي نبش ماضي فيفيان المدفون بعناية إلى جرّي لمنطقة الخطر واتهامي بالقتل. كنتُ أظن أن جهلي بـديريك سيكون أقوى سلاح في يدي.
أجبتُ ماكس بهدوء: " … افعل ما تريده، يا سيد ماكس، فأنت من يمتلك هذه المعلومات في النهاية."
" شكراً لتفهمكِ."
راقبتُه لبرهة، ثم سألتُه بحذر: " ولكن، لماذا تشاركني هذه المعلومات تحديدًا ؟ "
كنتُ أعرف الإجابة على هذا السؤال؛ لأن مستوى "الثقة" مرتفع، لكنني لم أكن أعرف "لماذا" يثق بي إلى هذا الحد في المقام الأول .
حدق ماكس بي طويلاً، ثم قال بنبرة ممزوجة بالمزاح: " ربما لأنني أشعر أنكِ تشبهينني كثيراً ؟ "
… وحتى مع إجابته تلك، لم أستطع العثور على المعنى الحقيقي الذي كنتُ أبحث عنه.
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
بمجرد عودتي إلى الغرفة، بدأتُ بتفتيش الدرج. أخرجتُ تلك الرسمة التي رسمها لي كيڤن في وقت سابق.
" إنه الشخص الذي أحبه أكثر من أي شخص آخر."
حينها، لم أفهم مغزى تلك الكلمات؛ فقد كان شكل الشخص في الرسمة غير واضح، لدرجة أنني لم أستطع تمييز إن كان رجلاً أم امرأة .
شعرٌ مربوطٌ من الخلف على شكل ذيل حصان صغير. وجسدٌ نحيلٌ للغاية. الآن فقط، أدركتُ مَن الذي كان كيڤن يرسمه بالضبط .
……إنه ذلك الرجل .
"ديريك جينكينز".
وفي تلك اللحظة، وبما يشبه الاستجابة ليقيني، ظهرت نافذة النظام أمام عيني .
[ تم تحديث معلومات جديدة في ملف تعريف 'كيڤن كلينت'.]
> العمر: ٩ سنوات (مولود في 25 فبراير 1097)
> الجنس: ذكر
> يحب : الشوكولاتة، الحلوى، والأطعمة ذات المذاق السكري القوي، ( جديد ! ) و ديريك جينكينز.
> يكره : دانيال كلينت، ( جديد ! ) فيفيان لوبيز.
في تلك اللحظة، أدركتُ حقيقة واحدة بوضوح: كيفن متأكد تماماً بأنني أنا من قتلتُ ديريك، لكن كان هناك شيء واحد يثير حيرتي .
لماذا لا يجهر بذلك ؟ لماذا لا يقول للجميع بوضوح إنني القاتلة ؟ هل يظن أن لا أحد سيصدقه ؟
أم أنه لم يعثر بعد على الدليل القاطع الذي يدين فيفيان ؟
… لا أستطيع الفهم أبداً .
عضضتُ على شفتي السفلى بقوة؛ تملكني دافع لاستدعاء كيڤن ومحاولة غسل دماغه لإقناعه بأنني لستُ القاتلة .
— طرق، طرق.
حينها، طرق أحدهم الباب.
نهضتُ من فوق السرير بجسدٍ متعب. وعندما فتحتُ الباب بحذر، وجدُت لوجان واقفاً أمامي.
" … ما الأمر؟"
لم يُجب لوجان على سؤالي، بل اكتفى بإمالة رأسه كإشارة لي لكي أتبعه للخارج .
رغم أن تصرفاته كانت تثير الريبة بشكل لا يصدق، إلا أن فضولي غلبني، فاتبعتُ لوجان بصمت.
كنتُ أتساءل إلى أين يتجه، فإذ به يقصد المطبخ، وتحديداً المخزن المتصل به. أغلق لوجان باب المخزن بحذر وهو يتلفت يمنة ويسرة ليتأكد من عدم وجود أحد في المطبخ .
"…… ما الأمر؟ لماذا جئنا إلى هنا؟"
سألتُه بنفاذ صبر، فأشار لي بسبابته على شفتيه بسرعة آمراً إياي بالصمت. وبسبب ضخامة جثته، بدا تصرفه هذا فيه شيء من المبالغة والارتباك.
انتظرتُه بصمت محاولةً التحلّي بالصبر. بدأ لوجان في زحزحة خزانة المؤن، مما تسبب في سقوط الأطعمة الموضوعة عليها فوق الأرض بضجيج .
"…… لوجان؟"
ناديتُه بصوتٍ يعلوه الذهول، لكنه لم يعرني اهتماماً، وظل منهمكاً في تحريك الخزانة بكل قوته.
بمجرد أن أزيحت الخزانة من مكانها، ظهرت أرضية يغطيها الغبار الكثيف، لكن سرعان ما ضاقت عيناي حين رأيتُ ما كشفه الغبار.
" هذا……"
خلافاً لأرضية المخزن الخشبية الخشنة، برز باب حديدي غريب تماماً عن المكان .
وكز لوجان ذراعي وسألني بنبرة خفيفة: " ألا يبدو وكأنه باب يؤدي إلى القبو ؟ "
" …… "
" أنا متأكد أن ذلك الوغد الذي قتل جاك قد تسلل عبر هذا الباب إلى الأسفل، ومن هناك أحضر السم."
تمتم لوجان بذلك، فحدقتُ فيه بذهول قبل أن أسأله: " كيف … كيف اكتشفتَ هذا المكان ؟ "
" دفعتُ خزانة المؤن."
تجاهلتُ إجابته السطحية وبدأتُ أتفحص الباب الحديدي؛ رأيتُ لوحة مفاتيح لإدخال رمز سري. كان الرمز مكوناً من ست خانات، مما يعني أنه من المستحيل فكّه بالتدريج كما فعلتُ مع باب غرفة الألعاب سابقاً.
" لقد فتشتُ القصر جيداً طوال الفترة الماضية، ويبدو لي أن هناك الكثير من الأبواب المخفية المرتبطة بمساحات أخرى."
"هل توجد أبواب أخرى غير هذا؟"
تحققتُ من "الخريطة" في نظامي، لكنها لم تكن تظهر أي شيء.
… بالنسبة لي، أنا التي كنتُ أعتمد كلياً على الخريطة، كان هذا إخفاقاً فادحاً وغير متوقع.
" بما أنهم أخفوا هذا الباب في مكان كهذا، فمن المؤكد وجود أبواب أخرى في أماكن مماثلة."
رغم أن استنتاجه كان يبدو عشوائياً، إلا أن كلامه كان منطقياً في الحقيقة.
… هل يعني هذا أن عليّ تحريك كل قطعة أثاث في هذا القصر ؟ لم يخطر بذهني أبداً وجود ممرات سرية.
"هيا، حاولي فك هذا الرمز السري."
" … ماذا ؟ "
" لا تظني أنني سأرهق عقلي بالتفكير، أليس كذلك ؟ لماذا تظنين أنني أحضرتُكِ إلى هنا ؟ بالطبع لكي تفتحي الباب."
" ألم يكن من المفترض أن نـ … نحاول حله معاً ؟ "
رمقني لوجان بنظرة باردة وجافة وقال: " ليكن لديكِ قليل من الضمير، أنا من عثرتُ عليه، هل تريدين مني فك الرمز أيضاً ؟ "
" ليس الأمر كذلك، ولكن ……"
نظرتُ إليه بطرف عيني وسألتُه: " كيف تأتمنني على هذا وأنت لا تعلم ما قد يوجد بالداخل ؟ ماذا لو احتكرتُ ما فيه لنفسي ؟ "
" ماذا ؟ هل تفكرين في خيانتي حقاً ؟ "
ضاقت عينا لوجان بشك.
" خيانة ؟ "
"هذا ما يسمى خيانة، أنا لا أغفر أبداً لمن يطعنون في الظهر."
كلمة "خيانة" تُستخدم عادةً بين الشركاء أو أعضاء الفريق الواحد .
وعندما أطلتُ النظر إليه دون رد، امتعض وجه لوجان وتابع: " … ماذا ؟ هل تفكرين بخيانتي فعلاً ؟ "
" …… "
" لا تحبطيني هكذا، أنا أتأثر بمثل هذه الأمور، علاوة على ذلك، نحن في قارب واحد الآن، أليس كذلك ؟ "
نحن … في قارب واحد ؟
اتسعت عيناي بذهول لسماع هذه الجملة التي تقال لي لأول مرة، فنقر لوجان جبهتي بإصبعه وهو يطلق صوتاً متعجباً: " ألم نعقد صفقة ؟ "
آه .
"…… لا تقولي لي إنكِ نسيتِ؟"
" مستحيل، أنا أتذكرها جيداً."
لكننا عقدنا "صفقة" فحسب، ولا يمكن اعتبار ذلك "ركوباً في قارب واحد".
أطلق لوجان ضحكة ساخرة، ثم بدأ في إعادة ترتيب خزانة المؤن وهو يتذمر: " كاذبة، فقد تذكرتِ الأمر للتو ……"
قلبتُ عينيّ لبرهة، ثم بدأتُ في جمع الأطعمة المتناثرة على الأرض و وضعها مجدداً فوق الخزانة.
****************************