الفصل ٦٤ و ٦٥ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الثاني عشر - 28/10 (2)

وجدتُ نفسي أحدق في لوكاس دون وعي.

كان لوكاس يقف في وسط غرفة المعيشة متصلباً، وعيناه مثبتتان على ورقة النتائج. والعجيب أن ملامحه كانت تعلوها ابتسامة عريضة .

" …… "

للحظة، ظننتُ أنني أتخيل، لكنه كان يبتسم حقاً ابتسامة واضحة. كانت ضحكة مبهجة كعادته، لكن لسبب ما، سرت قشعريرة باردة في جسدي .

لم يدم ذلك طويلاً، إذ لاحظ لوكاس احتدام الشجار بين ماكس ولوجان، فبدأ يهرع للتدخل بينهما محاولاً تهدئتهما: " أ … أخي ! الشجار ممنوع ! "

" ابتعد من طريقي، عليّ تصفية الحساب مع هذا الحثالة اليوم."

بدأ لوكاس يتصرف بارتباك وكأنه لا يعرف ماذا يفعل بينهما، وفي تلك اللحظة، التقت عيناه بعينيّ . جفلتُ لا إرادياً، وبدا أن لوكاس قد فوجئ مثلي تماماً، فسارع بتجنب نظراتي على عجل .

" …… "

أخذتُ أقلب عينيّ الحائرتين في أرجاء المكان.

حينها، فتحت صوفيا فمها وتحدثت بهدوء: " لكن، هل يستحق الأمر كل هذا الضجيج حقاً ؟ "

كان وجهها ينم عن عدم فهمها لهذا الجو المشحون والمبالغ فيه.

"على أية حال، التصويت قد انتهى، ما نفع هذه النتائج الآن؟"

أجاب ماكس وهو يقطب وجهه بحدة: " هناك مشاكل كثيرة جداً، لقد انكشف الآن أولئك الذين كذبوا بكل وقاحة."

"وهل هناك شخص هنا لا يعرف أن الجميع يكذب؟"

ردت صوفيا ببرود وثبات: " ثم إنني سمعت أنك لم تكن الشخص الذي حاصرته أصابع الاتهام، فلماذا كل هذا الغضب العارم؟"

" ربما تقولين هذا ببساطة لأنكِ لستِ في مكاني، يا آنسة."

" وكيف لا يكون هذا من شأني ؟ إذا لم نقبض على القاتل، سأموت أنا أيضاً، أليس كذلك؟"

ما إن أنهت صوفيا كلماتها حتى خيم صمت ثقيل على المكان. كان كلامها منطقياً إلى حد ما، لكن المسألة لم تكن بهذه البساطة أبداً.

بالنسبة لي على الأقل، أصبحت علاقتي بلوكاس محرجة لمجرد حقيقة أنني أشرتُ إليه كقاتل . ولا بد أن هذا الشعور يسري على الجميع الآن، فالأثر الذي خلفته ورقة واحدة كان هائلاً .

ومع تطور الأمور بهذا الشكل، بدأتُ أفهم قليلاً لماذا كانت ورقة النتائج هي "المكافأة المخفية"، فلو فكرتُ في الأمر ملياً، سنجد أن الوضع يصب في مصلحتي بطريقة ما.

من المؤكد أن حدوث انقسام بين الجميع أفضل بالنسبة لي من أن تصبح علاقاتهم متينة و وثيقة.

ومع ذلك، وجدتُني أقبض بقوة على ورقة النتائج في يدي؛ وشعرتُ بمدى ضآلتي وحقارتي وأنا أفكر بهذه الطريقة في مثل هذا الموقف.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

ربما كان من حسن الحظ أن المطر كان يهطل بالخارج .

فالقصر الذي سادته السكينة لم يكن يملؤه سوى صوت المطر؛ ولولا هذا الصوت، لكان الصمت المطبق الذي يلف المكان قد خنق الأنفاس.

لم أستطع الجلوس ساكنة بسبب شعوري بالضيق، فأخذتُ أذرع المكان جيئة وذهاباً. حسناً، لم يكن ذلك سوى تجول في أرجاء القصر، لكنني شعرتُ أنني لو لم أفعل ذلك، لاختنقتُ حقاً.

" آه، الآنسة فيفيان."

في تلك اللحظة، التقيتُ بلوكاس وهو يخرج من غرفة أرييل. ركض نحوي وأنا في طريقي إلى المطبخ وهو يبتسم كأن شيئاً لم يكن .

كان وجهه مشرقاً، وكأن لديه أخباراً سارة يود مشاركتها.

" بخصوص أرييل، يبدو أنها قد تعافت كثيراً، لحسن الحظ، لقد قدمتُ لها وجبتها الآن."

لم أستطع التمييز، هل يبتسم ليخفي ارتباك وجهه، أم أنه يبتسم لأنه يظن حقاً أن ما حدث ليس بالأمر المهم ؟

لو تذكرتُ كيف كان يضحك وهو ينظر لورقة النتائج، لقلتُ إن الاحتمال الأول هو الأرجح، ولكن ……

أومأتُ برأسي بحذر وقلت: " هذا خبر جيد."

" أليس كذلك ؟ عندما أخبرتُ أرييل أنكِ كنتِ قلقة جداً عليها، بدت سعيدة بشكل ملحوظ."

" …… "

" اذهبي لزيارتها بعد قليل، أظن أنها ستسر برؤيتكِ."

" … سأفعل."

استقرت نظرات لوكاس عليّ لفترة وجيزة، ثم رفع زوايا فمه مجدداً وسألني: " هل أنتِ ذاهبة إلى المطبخ ؟ "

" … أجل."

" لقد عطلتُكِ كثيراً، اذهبي إذن."

قال لوكاس ذلك بنبرة مبهجة، ثم شرع في السير نحو غرفة المعيشة.

ناديتُه على عجل: " لوكاس ! "

التفت إليّ لوكاس بوجه تملؤه الحيرة.

اقتربتُ منه بحذر وحاولتُ جاهدة أن أنطق بالكلمات: " … في الحقيقة، ما أردتُ قوله هو."

بينما كنتُ أتردد عاجزة عن الكلام بسهولة، ظل لوكاس يحدق بي بتمعن وهدوء .

بينما كانت أفكاري لا تزال مشتتة، حاولتُ جاهدةً أن أنطق بكلماتي بهدوء: " بخصوص ما حدث هذا الصباح … "

قاطعني لوكاس، الذي كان يستمع بصمت، وعلى وجهه تعبيرٌ يشي بأنه يدرك تماماً سبب اضطرابي: " إن كان شعوركِ بالضيق نابعاً من ورقة النتائج، فأنا حقاً بخير."

تسمرتُ في مكاني عند سماع كلماته، بينما تابع هو والابتسامة لا تزال ترتسم برقة على وجهه: " أعتقدُ أنه كان موقفاً لم يكن لديكِ فيه خيارٌ آخر، علاوةً على ذلك، أنا لستُ في وضعٍ يسمح لي بالادعاء بأنني بريءٌ تماماً."

رمشتُ بعينيّ بذهول أمام كلامه، بينما اكتفى هو بهز كتفيه بخفة وتابع: " لذا، أتمنى ألّا تشغلي بالكِ، آنسة فيفيان، بشأن تلك النتائج، فأنا حقاً لا أشعر بأي ضغينة."

…… حقًا ؟

" أراكِ لاحقاً إذن."

قال لوكاس ذلك، ثم أومأ برأسه لي بخفة وتابع سيره. بقيتُ واقفةً في مكاني دون أن أتحرك نحو المطبخ، أحدق في الفراغ .

… حقاً، لا يشعر بأي شيء ؟ هل يمكن … أن يكون هذا ممكناً ؟

وكأنها تؤكد صدق كلمات لوكاس، لم تظهر لي نافذة "الثقة" أبداً، لكن، إن أردتُ الاعتماد على نافذة الثقة، فالحقيقة هي أنني لم يسبق لي أن رأيتُ مستوى ثقة لوكاس بي ولو لمرة واحدة طوال هذا الوقت.

لم تظهر لي رسالة تشير إلى ارتفاعها، ولا حتى رسالة عن انخفاضها. لم يظهر لي أيٌّ من الجانبين قط. عضضتُ على شفتي السفلى وأنا أراقب ظهر لوكاس وهو يبتعد .

هل يجب أن أعتبر هذا الوضع ميزةً في صالحي ؟ أم مجرد حيرة أمام نافذة ثقةٍ لا تمنحني ولو تلميحاً واحداً ؟

تنهدتُ بضيقٍ من هذا العجز. في البداية، كنتُ أظن أن عدم رؤية مستوى الثقة أفضل بكثير. فقد قدرتُ أن هذا أفضل من مراقبة ثقة إيان وهي تهوي إلى القاع دون سببٍ واضح أو نهايةٍ .

لكن ربما كان الوضع مع إيان أفضل بطريقة ما، فعلى الأقل يمكنني أن أفهم، ولو قليلاً، نوع المشاعر التي يحملها الطرف الآخر تجاهي .

" …… "

أفلتُّ مقبض باب المطبخ الذي كنتُ أتمسك به، وتوجهتُ مباشرة نحو الردهة الغربية. قررتُ الذهاب لرؤية أرييل.

طرقتُ باب غرفتها بحذر، ولم يمضي وقت طويل حتى فُتح الباب .

" … فيفيان ؟ "

كان صوت المطر يتردد داخل الغرفة المظلمة، لكن لحسن الحظ، بدا وجه أرييل أفضل بكثير مما كان عليه في المرة السابقة. شعرتُ بالارتياح لرؤيتها تبدو مشرقة قليلاً .

ترددت أرييل للحظة، ثم فتحت باب غرفتها على مصراعيه .

" … هل تودين الدخول ؟ "

قبلتُ عرضها ودخلتُ الغرفة بحذر. كانت غرفة أرييل في حالة فوضى، ملابس ملقاة هنا وهناك، وأغراض مختلفة مبعثرة على الأرض .

يبدو أن أرييل أدركت ذلك لتوها، فأخذت تزيح الأشياء عن الأرض بقدميها وهي ترسم ابتسامة خجولة من شدة الحرج .

سارعتُ بالحديث لأخفف عنها حدة الموقف: " لا بأس، الغرفة نظيفة بما يكفي."

" هاهاها … "

ضحكت أرييل بمرارة وهي ترفع كومة من الملابس المتراكمة على الأرض دفعة واحدة .

" انتظري لحظة واحدة."

قالت ذلك واتجهت بسرعة نحو الحمام وهي تحمل كومة الملابس. ضحكتُ بخفّة لرؤية ذلك، لكن ضحكتي لم تدم طويلاً إذ تصلب جسدي فجأة بسبب رائحة عطرة تخللت أنفاسي وهي تمر بجانبي .

رائحة النعناع التي استقرت في طرف أنفي للحظة . لقد شممتُ هذه الرائحة من قبل، إنها تلك الرائحة الغريبة التي كانت ممتزجة برائحة السيجار في غرفتي .

… كانت هي بذاتها .

" أعتذر لأنني جعلتكِ تقلقين، أخبرني لوكاس أنكِ كنتِ قلقة جداً عليّ، أليس كذلك ؟ "

استعدتُ توازني بصعوبة بعد أن كنتُ متجمدة، وأجبتُ على صوت أرييل القادم من الحمام محاولةً التظاهر بالطبيعية: " هل أنتِ بخير الآن ؟ "

" بالطبع أنا بخير."

خرجت أرييل من الحمام ويداها فارغتان، يبدو أنها وضعت الملابس في حوض الاستحمام. وبعد أن انتهت من الترتيب إلى حد ما، بدت أرييل مترددة بشكل غريب .

" …… "

خيم صمت محرج بيني وبينها.

ربما كان هذا الإحراج بسبب حقيقة أن آخر مرة رأيتها فيها كانت في ذلك اليوم العصيب. بدت أرييل أيضاً تشعر بالحرج وهي تقلب عينيها بحذر، حتى التقت نظراتنا في اللحظة ذاتها .

ابتسمت أرييل بمرارة وسألتني بحذر: " هـ … هل تودين الجلوس ؟ "

" أ … أجل، بالتأكيد."

جلستُ على الكرسي كما اقترحت، لكن الموقف لم يتغير كثيراً. كانت الغرفة لا تزال تمتلئ بصوت المطر، ولا يضيئها سوى وميض البرق بين الحين والآخر .

" …… "

ومضى الوقت هباءً.

قبضت أرييل على يديها الموضوعتين فوق ركبتيها، ثم فتحت فمها بهدوء وبتعبير ينم عن عزمٍ أكيد: " إن كان هناك ما تودين سؤالي عنه، يمكنكِ سؤالي بكل أريحية."

****************************

الفصل : ٦٥

اليوم الثاني عشر - 28/10 (3)

تسمرتُ في مكاني للحظة عند سماع كلماتها.

" … يمكنكِ مطالبتي بتوضيح موقفي، أو سؤالي عن التفاصيل، لا بأس في ذلك."

قالت أرييل ذلك، ومع أنها عرضت الأمر بنفسها، إلا أنها ابتلعت ريقها بتوتر وكأنها تخشى ما قد أنطق به لاحقاً.

كانت تحدق بي بعينين مضطربتين بشدة. كانت عيناها تترنحان مثل لهيب شمعة أمام الريح، لكن شعلة واحدة بداخلهما بدت وكأنها لن تنطفئ مهما حدث .

واجهتُ نظراتها بهدوء، ثم بدأتُ الحديث بحذر: " … لا أعتقد أنكِ قتلتِ أحداً."

رفعت أرييل رأسها فجأة وهي تستمع إليّ، وكأنها تشك في أنها قد أساءت السمع .

" لو كنتِ أنتِ من قتلت هايلر حقاً، لما انتهت القضية باعتبارها انتحاراً."

عندما نطقتُ بهذه الكلمات بصوت هادئ، اتسعت عينا أرييل بذهول .

بالطبع، أنا لا أثق بالشرطة، بل أميلُ لعدم التصديق أكثر. والسبب الذي جعلني ألجأ لسيزار في المقام الأول كان عجزي عن الوثوق برجال الشرطة، لكن حالة هايلر كانت تختلف تماماً عن حالة هيلين .

هايلر لم تكن مجرد فتاة بلا سند، بل كانت ابنة عائلة ميلر العريقة. لقد كُلف معظم أفراد الشرطة بالتحقيق في قضيتها، ومع ذلك، لم يجدوا أي دليل على وقوع جريمة قتل. وهذا يعني، أنه من الآمن اعتبار الأمر ليس جريمة قتل.

ظلت أرييل تحرك شفتيها بصمت أمام كلامي. قلبت عينيها يمنة ويسرة، ثم رسمت ابتسامة واهنة تعبر عن ارتياحها .

" … هذا غير متوقع تماماً، لقد كنتُ أستعد لتقديم التبريرات بعد أن سمعتُ كلام لوكاس."

" … وماذا قال لكِ لوكاس ؟ "

" قال إن الوضع الحالي ليس في صالحي، وأنه يجب عليّ كسب شخص واحد على الأقل ليكون في صفي."

" …… "

" وأن هذا الشخص يجب أن يكون أنتِ، يا فيفي."

فهمتُ الآن لماذا قال لوكاس ذلك، فهو نفسه من أخبرني سابقاً أنه يمكنني الوثوق بأرييل.

ترددت أرييل طويلاً، ثم تابعت بصعوبة: " … في الحقيقة، لا يهم إن كنتِ تصدقينني أم لا، يمكنكِ الاشتباه بي واختياري في التصويت القادم أيضاً."

" …… "

" لكنني، حقاً، لم أقتل أحداً، لا هايلر، ولا أي ضحية أخرى مجهولة الاسم في هذا القصر."

نظرت إليّ عينا أرييل المرتجفتان مباشرة. تلك الحدقات التي كانت تائهة منذ قليل، استقرت أخيراً في مكانها .

أومأتُ برأسي بهدوء رداً على كلامها: " فهمت."

لكن بمجرد سماع ردي، ارتسم على وجه أرييل ملامح الحيرة وعدم الاستيعاب: " هل … هل يمكنكِ تصديق كلامي بهذه السهولة ؟ "

" …… "

" ماذا لو كنتُ قد قتلتُ أحداً بالفعل، ماذا ستفعلين حينها ؟ "

رغم أنها كانت هي من تطلب الثقة، إلا أنها بدت وكأنها لا تصدق رد فعلي عندما حصلت عليها بالفعل .

فكرت أرييل بكلماتها التي تفوهت بها، وبدا أنها خشيت أن يساء فهمها، فسارعت بإضافة الكلمات بنبرة ملحة: " ذ … ذلك لا يعني أبداً أنني القاتلة، أنتِ تفهمين ما أقصده، أليس كذلك ؟ "

" أفهم."

" أنا فقط … أنا مرتبكة قليلاً الآن لذا …… "

أضافت أرييل مبرراتها بلهفة، لكنها أدركت أن حديثها يزيد الأمور تعقيداً، فآثرت الصمت في النهاية.

أخذت تفرك يديها الموضوعتين فوق ركبتيها بتوتر. وبعد تفكير عميق، سألتني بحذر: " … هل تعتقدين أن الآخرين يفكرون مثلكِ ؟ "

" …… "

" أقصد، فكرة أنني قتلتُ هايلر، ولذلك أنا القاتلة التي يبحث عنها ألبرتو …… "

" لن يفكروا بهذه الطريقة." قاطعتُ كلامها بحزم.

" ليس قبل أن يتأكد الجميع من وجود رابط واضح بين قضية جامعة مونتينا وجرائم القتل في قصر إرنست."

" …… "

" علاوة على ذلك، لا يوجد دليل واحد يثبت أنكِ قتلتِ هايلر، أليس كذلك ؟ ليس من المنطقي اتهامكِ بأنكِ القاتلة دون وجود دليل ملموس."

عند سماع ذلك، خفضت أرييل نظراتها بهدوء: " … هل سيصدقون كلامي ؟ "

" عليهم أن يصدقوا."

ومع ذلك، كان وجه أرييل لا يزال يفيض بالحيرة. ظلت تقلب عينيها عاجزة عن النطق بكلمة بسهولة .

راقبتُها بصمت لبرهة، ثم سألتُها بحذر: " … كيف كانت علاقتكِ بهايلر ؟ "

ترددت أرييل قليلاً قبل أن تفتح شفتيها وتجيب بحذر: " كنا شريكتين في الغرفة، لكننا لم نكن مقربتين أبداً، كانت ذات شخصية متمردة وأنانية، لذا كان من الصعب التقرب منها، وكثيراً ما كنا نتشاجر."

" …… "

" … وهذا هو السبب في أنني أصبحتُ مشتبهاً بها، كنتُ أنا وهي نتنافس على المركزين الأول والثاني في الجامعة، ولم تكن علاقتنا جيدة."

غرقتُ في أفكاري وأنا أستمع لحديثها. بصراحة، كان هذا الدافع يبدو واهياً جداً لارتكاب جريمة قتل. لا بد أن هناك سبباً حاسماً آخر جعل أرييل المشتبه بها الرئيسية في تلك القضية، لكنني لم آتِ هنا لاستجوابها؛ لذا ابتلعتُ الأسئلة التي قد تبدو وكأنها تحقيق قسري .

يبدو أن أرييل فسرّت صمتي بشكل مختلف، فسألتني بنبرة يملؤها القلق: " … هل أدركتِ الآن لماذا حامت حولي الشبهات ؟ "

" آسفة، لكنني لا أفهم حقاً."

حدقتُ في أرييل وحركتُ شفتيّ بتردد، لم أكن متأكدة إن كان من الحكمة أن أنطق بما يجول في خاطري الآن، ولكن، أمام وجه أرييل التي كانت تزداد تيبساً، شعرتُ أنه لا بد لي من الكلام .

" … بالنسبة لي، أرى أن دافع الجريمة هو الأمر الأكثر أهمية، فما لم يكن المرء مختلاً، لا أظن أنه قد يقتل أحداً دون دافع."

" …… "

" ولكنني، لا أرى فيكِ أي دافع للقتل."

عند سماع ذلك، بدأت عينا أرييل تتسعان ببطء.

فعندما كانت تنطق باسم هايلر، لم يظهر في نبرتها أي أثر للحقد أو الكراهية. صحيح أنها كانت تبدو متألمة، لكن ذاك الألم لم يكن نابعاً من ضغينة أبداً. لقد بدا لي أن عذابها كان نابعاً من شعورها بالشفقة تجاه هايلر، ولذا، لم أستطع التصديق بأن شخصاً كأرييل قد يُقدِم على قتلها.

استعادت أرييل وعيها بعد أن ظلت تحدق بي بنظرات متفاجئة، ثم رسمت ابتسامة على وجهها.

وكأنها تحاول تلطيف الأجواء المتوترة، بدأت بلف خصلات شعرها حول أصابعها وغيرت الموضوع قائلة: " … عـ … على أي حال، ما رأيكِ في الوافدين الجدد ؟ "

" لستُ متأكدة بعد."

" لقد ذكر لوكاس أنهم وجوه مألوفة بالنسبة له."

" أنا لا أعرف أحداً منهم باستثناء ريموند … "

ذكرتُ اسم ريموند دون وعي مني، ثم أطبقتُ فمي فجأة حين شعرتُ بالخطأ، لكن أرييل ابتسمت وكأن الأمر لا يزعجها وقالت: " من الجيد وجود وجوه مألوفة على الأقل، كانت هناك سيدة تُدعى هانا، أليس كذلك ؟ لا أعرف عنها الكثير، لكن يبدو أنها تعرف لوكاس جيداً."

أمام كلماتها، ارتسمت علامات الريبة على وجهي وسألتُ أرييل: " … أرييل، هل تعرفين الآنسة صوفيا مسبقاً ؟ "

أومأت أرييل برأسها رداً على سؤالي، ثم تابعت بنبرة هادئة : " من المفترض أنكِ تعرفين البروفيسورة صوفيا جيداً، أليس كذلك ؟ "

" … أنا ؟ "

" أجل، إنها شخصية مشهورة للغاية."

الآن وقد ذكرت أرييل الأمر … تذكرتُ أن لوكاس أيضاً قال إن وجهها يبدو مألوفاً.

" قد لا تعرفينها لأنها تعمل تحت اسم مستعار، لكن لا بد أنكِ سمعتِ به ولو لمرة واحدة."

" …… "

" إنه 'غيدويك'، هذا هو الاسم المستعار الذي تشتهر به."

… غيدويك ؟ هذا الاسم … لقد رأيته في مكان ما.

وفي تلك اللحظة، استعدتُ الذاكرة فجأة، تذكرتُ أين رأيت هذا الاسم .

شريط فيديو هيلين. لقد كانت صاحبة الأغنية التي كان يستمع إليها الجاني الذي قتل هيلين. شعرتُ وكأن الدماء قد تجمدت في عروقي.

لحسن الحظ، لم تلاحظ أرييل حالتي وتابعت كلامها: " لقد كانت أستاذتي في مادة الثقافة الموسيقية، و هايلر أيضاً كانت تحضر صفوفها، لذا لا بد أنها تعرفها جيداً."

ثم تمتمت أرييل بنبرة مريرة بعد برهة: " وهي أيضاً من ساقت الاتهامات ضدي، مؤكدةً أنه من المستحيل أن تكون هايلر قد انتحرت."

تصلب جسدي دون وعي، لكن أرييل رسمت ابتسامة طمأنينة وكأنها تخبرني بأنها بخير.

قبضت على ركبتيها بقوة لثوانٍ، ثم فتحت قلبها بهدوء: " … بعد أن التقيتُ بريموند، فكرتُ في الأمر ملياً."

" …… "

" صحيح أنني لم أكن في كامل قواي العقلية وقت وفاة هايلر، فقد كنتُ حينها لا أزال غارقة في كوابيسي."

" …… "

" ولكن، مهما أمعنتُ التفكير، فأنا لم أقتل هايلر."

كانت تعابير وجه أرييل وهي تنطق بهذه الكلمات تنمُّ عن عزمٍ أكيد .

" لذا، لا يوجد سبب يجعلني أرتجف رعباً أمام ذلك الرجل بعد الآن، ما دمنا قد دخلنا هذا القصر ككلانا مشتبهاً بهما، على الأقل."

" …… "

" … وشكراً لكِ لأنكِ صدقتِني."

[ ارتفع مستوى ثقة 'أرييل هوارد' بكِ بنسبة 35%.]

ومن خلف نافذة الثقة شبه الشفافة، انعكس وجه أرييل الذي بدا أكثر تماسكاً وقوة .

" بقدر ما وثقتِ بي، سأضع ثقتي بكِ أنا أيضاً."

" …… "

" لأن الكابوس يبقى مجرد كابوس في النهاية."

بدت أرييل وكأنها قد تخلصت من ثقلٍ كبير، فارتسمت على وجهها ابتسامة صافية لا تشوبها شائبة.

كلماتها بأنها "تثق بي" ضغطت بقوة على زاوية من قلبي، وحتى نافذة الثقة التي كانت أمام عيني، بدت وكأنها تهتز أيضًا .

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان